تجدد الجدل بشأن «انتهاك» الذكاء الاصطناعي حقوق النشر

شعار أحد برامج الذكاء الاصطناعي (رويترز)
شعار أحد برامج الذكاء الاصطناعي (رويترز)
TT

تجدد الجدل بشأن «انتهاك» الذكاء الاصطناعي حقوق النشر

شعار أحد برامج الذكاء الاصطناعي (رويترز)
شعار أحد برامج الذكاء الاصطناعي (رويترز)

تَجدَّد الجدلُ حول استخدام شركات التكنولوجيا محتوى محمياً لتدريب أداة ذكاء اصطناعي، وذلك عقب حكم قضائي يعدُّ الأول من نوعه لصالح «رويترز»، في قضية حقوق النشر المتعلقة بالذكاء الاصطناعي ضد شركة منافسة. وعدّ خبراء أن الحكم القضائي قد يكون بداية لمرحلة واعدة نحو حلحلة إشكالية «الاستخدام العادل» للمحتوى المحمي.

القاضي الفيدرالي الأميركي، ستيفانوس بيباس، كان قد أصدر حكماً، في فبراير (شباط) الحالي، لصالح شركة «تومسون رويترز» يقضي بأن «استخدام شركة منافسة لمحتوى خاص بوكالة (رويترز)؛ لتدريب أداة ذكاء اصطناعي لا يُعدّ ضمن نطاق الاستخدام العادل».

يتعلق الحكم بمزوّد المعلومات القانونية «ويستلو»، التابع لشركة «تومسون رويترز»، الذي دخل في نزاع قانوني مع شركة «روس إنتليجنس»، التي طوَّرت محرّك بحث قانوني يعتمد على الذكاء الاصطناعي غير التوليدي. ولتدريب أداتها، احتاجت «روس إنتليجنس» إلى قاعدة بيانات من الأسئلة والأجوبة القانونية. وبعدما رفضت «تومسون رويترز» منحها ترخيصاً لاستخدام محتوى «ويستلو» لكونها منافساً مباشراً، لجأت «روس» إلى شراء نحو 25 ألف مذكِّرة جماعية تضم ملخَّصات قانونية مستمدَّة من «ويستلو»، المحمية بحقوق النشر.

ووفقاً لحيثيات الحكم، أشار القاضي إلى أن «النسخ الفعلي» في بعض الملخصات كان «واضحاً للغاية». وأكد أن جميع الملخصات القانونية، حتى تلك التي تقتبس من الأحكام القضائية مباشرة، تحمل قيمةً إبداعيةً مستقلةً لا يحق لجهة استخدامها من دون إذن.

هاني سيمو، خبير المشاريع الرقمية في دولة الإمارات العربية المتحدة، قال لـ«الشرق الأوسط»: «يعد هذا الحكم تطوّراً مهماً في النقاش الدائر حول حدود مبدأ (الاستخدام العادل) في سياق تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، وتداخلات حقوق الملكية الفكرية».

وأوضح أن شركات الذكاء الاصطناعي كانت تعدّ أن ما تقوم به ليس خرقاً لمبدأ «الاستخدام العادل»، استناداً إلى أن «النماذج لا تقدم المواد الأصلية منسوخة حرفياً في مخرجاتها».

وعن دلالات هذا الحكم، يرى سيمو أنها «تمتد إلى ما هو أبعد من القضية نفسها»، ذلك أن «الحكم يسلط الضوء على المخاطر القانونية التي تواجه شركات الذكاء الاصطناعي عند استخدام المحتوى المحمي من دون إذن، كما يعزز التوجه نحو ضرورة وجود أطر تنظيمية أكثر وضوحاً تحدد العلاقة بين حقوق الملكية الفكرية، وتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي».

وبشأن التداعيات المتوقعة للحكم، قال سيمو: «قد يؤثر هذا الحكم على الديناميكيات بين الناشرين ومطوّري الذكاء الاصطناعي بشكل كبير. فمن جهة، سيصبح الناشرون أكثر حرصاً على حماية حقوقهم الفكرية، ما قد يؤدي إلى تصاعد النزاعات القانونية، ومن جهة أخرى قد يدفع هذا الحكم الطرفين إلى البحث عن حلول تعاونية بديلة». ومن ثم عدَّ خبير المشاريع الرقمية أن هذا الحكم قد يدفع في اتجاه «سوق جديدة للمحتوى تتمحور حول توفير البيانات لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، ما يعزز من قيمة المحتوى الرقمي بوصفه أصلاً تجارياً قابلاً للترخيص كمادة خام للتدريب».

من جانب آخر، رأت الدكتورة رضوى عبد اللطيف، مديرة العلاقات الأكاديمية بمؤسسة «صحافة الذكاء الاصطناعي للبحث والاستشراف» في دبي والخبيرة والمدربة في الإعلام الرقمي، أن الحكم القضائي مهم. ولفتت في لقاء مع «الشرق الأوسط» إلى أن «جزءاً من أهمية توقيته جاء بالتزامن مع قمة باريس للذكاء الاصطناعي، حيث دارت مناقشات موسعة حول تأثير الذكاء الاصطناعي في قطاع الإعلام والملكية الفكرية». وأضافت: «في الوقت عينه ترفض الولايات المتحدة فرض أي تنظيمات أو قوانين حاكمة لتطوير الذكاء الاصطناعي، وتصر المؤسسات الإعلامية والصحافية على حماية حقوقها الفكرية، وتزداد الدعاوى القضائية ضد شركات التكنولوجيا الكبرى».

وثمنت عبد اللطيف خطوات الاتحاد الأوروبي نحو حل هذه الإشكالية، من خلال وضع أول ميثاق أخلاقي لاستخدام الذكاء الاصطناعي، وفرض غرامات صارمة على الشركات التي تنتهك حقوق الملكية الفكرية».

ولكن، تقول: « في المقابل لا تزال العديد من الدول، بما فيها بعض الدول العربية، تفتقر إلى تشريعات واضحة في هذا المجال، مع أن نماذج الذكاء الاصطناعي تستخدم بالفعل محتوى إعلامياً عربياً من دون أي اتفاقات قانونية». وخلصت إلى القول: «يبدو أن العلاقة بين الإعلام والذكاء الاصطناعي ستظل محور نقاش عالمي، وقد تشهد الفترة المقبلة مزيداً من الدعاوى القضائية والتشريعات التي تسعى إلى ضبط هذا التوازن الحساس بين الابتكار والملكية الفكرية».


مقالات ذات صلة

ارتفاع عدد مستخدمي «بلوسكاي» إلى 30 مليوناً

إعلام جاي غرابر (غيتي)

ارتفاع عدد مستخدمي «بلوسكاي» إلى 30 مليوناً

الانتقادات الكثيرة التي تطول راهناً منصّة «إكس» بسبب تحوّلها -في نظر البعض- إلى فضاء نقاش ملوّث بالنظريات التآمرية العنصرية، بعد وصول إيلون ماسك

أنيسة مخالدي (باريس)
إعلام إيرادات الأخبار من «غوغل» تُثير خلافاً مع ناشرين

إيرادات الأخبار من «غوغل» تُثير خلافاً مع ناشرين

أثارت شركة «غوغل» جدلاً بين ناشرين بعدما أجرت «تجربة» خلصت إلى أنه ليس للأخبار أي تأثير ملموس على إيراداتها الإعلانية، الأمر الذي عدَّه ناشرون نتيجة «غير دقيقة»

إيمان مبروك (القاهرة)
إعلام بايت دانس... الشركة الأم لـ"تيك توك" (أ ف ب / غيتي)

الصين تعيد رسم ملامح المستقبل التقني والتواصلي والإعلامي

في الوقت الذي ينشغل فيه العالم بالتحولات الجيوسياسية والاقتصادية، تمضي الصين بخطوات ثابتة نحو إعادة تشكيل المستقبل التكنولوجي والتواصلي والمعلوماتي والاقتصادي.

وارف قميحة (بيروت)
إعلام شعار "ميتا" (أ ف ب)

كفاءة «ملاحظات المجتمع» على منصات التواصل تُثير تساؤلات بشأن مواجهة «التضليل»

أثار إعلان شركة «ميتا»، مالكة منصات «فيسبوك» و«إنستغرام» و«واتساب»، عن بدء اختبار «ملاحظات المجتمع» في الولايات المتحدة، تساؤلات بشأن كفاءة هذه الخدمة في الحد…

فتحية الدخاخني (القاهرة)
إعلام سلمان الدوسري وزير الإعلام السعودي يتحدث لبرنامج «الليوان» (روتانا خليجية)

وزير الإعلام السعودي: لدينا حرية منضبطة وإعلامنا الأقوى عربياً

عدَّ سلمان الدوسري وزير الإعلام السعودي، إعلام بلاده الأقوى والأكثر تأثيراً وانتشاراً عربياً، ومشاريع «رؤية 2030» أهم أذرعه لمخاطبة العالم.

جبير الأنصاري (الرياض)

مخاوف من خطط استبدال الذكاء الاصطناعي بمساعدي الطيارين

مخاوف من خطط استبدال الذكاء الاصطناعي بمساعدي الطيارين
TT

مخاوف من خطط استبدال الذكاء الاصطناعي بمساعدي الطيارين

مخاوف من خطط استبدال الذكاء الاصطناعي بمساعدي الطيارين

تلوح في عالم طيران الركاب فكرة خطيرة: خفض عدد الطيارين على متن الطائرات المدنية إلى النصف، وذلك بحلول ثلاثينات القرن الحادي والعشرين، وملء مقاعدهم الشاغرة بالذكاء الاصطناعي، كما كتب بول ماركس (*).

التخلِّي عن مساعد الطيار

هي خطوة يقول الخبراء إنها قد تجعل الطيران أقل أماناً بكثير، فبدلاً من وجود كابتن ومساعد طيار على متن الطائرة، كما الحال في الطائرات الكبيرة اليوم، ستعتمد «عمليات التحليق» على طيار واحد فقط إلى جانب ذكاء اصطناعي مصمم بطريقة ما للقيام بدور مساعد الطيار الصعب والحيوي للسلامة.

ذكاء اصطناعي بلا تفاعلات بشرية

وتُجادل شركات الطيران بأن هذا سيُعالج نقصاً في الطيارين أصبح مُنهكاً اقتصادياً للقطاع. لكن «عمليات التحليق بطيار منفرد» «Single Pilot Operations (SPO)» تواجه مقاومة شديدة من نقابات الطيارين عالمياً، الذين يعدّون الفكرة إجراءً لخفض التكاليف. والأسوأ من ذلك، كما تم عرضه في مؤتمر حول «SPO» الذي نظمته الجمعية الملكية للملاحة الجوية (RAeS) في المملكة المتحدة الشهر الماضي، هو أنه بدلاً من تحسين السلامة، قد يتسبب استبدال نظم الذكاء الاصطناعي بمساعدي الطيارين في إلغاء مجموعة من التفاعلات البشرية المهمة.

ويقول منتقدو «عمليات التحليق بطيار منفرد» تحديداً، إن مساعد الطيار من الذكاء الاصطناعي سيُلغِي الطرق التي يراقب بها طاقم الطائرة تصرفات بعضهم عند القيادة، كما أنه لن يُحاكي كيفية تهدئة الطيارين لبعضهم في المواقف العصيبة، مثل التعامل مع رد فعل «المفاجأة» بعد حدوث مشكلة تقنية أو جوية.

كما يمكن للطيارين تبادل المهام بعد استراحة قصيرة؛ حيث يتطلب خمول النوم نحو نصف ساعة لاستعادة اليقظة الكاملة. وفي هذه الحالة، هل سيحتاج الذكاء الاصطناعي إلى قدرات مُعززة في تلك اللحظة؟ لا أحد يعلم.

خطط من مرحلتين

ولكن وللإنصاف، يخطط داعمو نظام «عمليات التحليق بطيار منفرد» لإعداد الأتمتة على مرحلتين: أولاً، سيعمل نظام بديل يُسمى «عمليات الطاقم الأدنى المُوسّعة» «extended Minimum Crew Operations (eMCO)»؛ حيث يوجد طياران بشريان على متن الطائرة، ولكن ستكون هناك فتراتٌ مُمتدة يكون فيها أحدهما فقط على رأس القيادة، بدعم من الذكاء الاصطناعي، في حين يستريح الطيار الآخر. بمجرد إتقان ذلك، يُمكن لنظام «عمليات التحليق بطيار منفرد» نفسه بدء رحلات جوية من بوابة إلى بوابة بطيار واحد.

وصرحت تانيا هارتر، رئيسة الرابطة الأوروبية لقمرة القيادة (وهي نقابة للطيارين) خلال القمة أن نظام «عمليات التحليق بطيار منفرد» لا يُعالج تهديداً رئيسياً للطاقم: إرهاق الطيار. وأضافت أنه بينما يستريح أحد الطيارين تحت نظام «eMCO»، «سيعاني الآخر، الجالس وحيداً في المقدمة، من إرهاق متزايد». ووافق مندوبون آخرون على ذلك، مشيرين إلى الملل بوصفه عاملاً مُسبباً للتوتر. وأضافت تانيا هارتر: «عقلان وأربع عيون هي وصفةٌ فعّالة».

مجابهة الأحداث غير المتوقعة

ويتساءل النقاد أيضاً عن كيفية تعامل الذكاء الاصطناعي مع الأحداث غير المتوقعة، مثل حريق محطة الطاقة الفرعية الذي أدَّى إلى إغراق مطار هيثرو بلندن في الظلام في 20 مارس (آذار). قد يؤثر فقدان مفاجئ للبيانات الأرضية -من أضواء المدرج إلى إشارات تحديد موقع الهبوط- على التشغيل الآمن للذكاء الاصطناعي المتعطش للبيانات.

وأثارت مشروعات «SPO» ضجة كبيرة، ما دفع وكالة سلامة الطيران التابعة للاتحاد الأوروبي، التي طلبت من شركتي صناعة الطائرات «إيرباص» و«داسو» للطيران دراسة إمكانات «SPO» في عام 2022، إلى التراجع عن اتخاذ أي قرارات تنظيمية. ومن المقرر إعادة النظر في الفكرة بعد عام 2027.

* مجلة «نيو ساينتست»، خدمات «تريبيون ميديا».