رسوم ترمب الجمركية تهدد منطقة اليورو بالانهيار

فقدان الفائض التجاري مع الولايات المتحدة قد يؤدي إلى ركود أوروبي

أعلام الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة أمام مقر المفوضية الأوروبية في بروكسل (رويترز)
أعلام الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة أمام مقر المفوضية الأوروبية في بروكسل (رويترز)
TT

رسوم ترمب الجمركية تهدد منطقة اليورو بالانهيار

أعلام الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة أمام مقر المفوضية الأوروبية في بروكسل (رويترز)
أعلام الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة أمام مقر المفوضية الأوروبية في بروكسل (رويترز)

في ظل تصاعد التوترات التجارية بين الولايات المتحدة وأوروبا، يواجه الاقتصاد الأوروبي تهديداً كبيراً، نتيجة السياسات الحمائية التي يتبناها الرئيس الأميركي دونالد ترمب. فقد أدى العجز التجاري الكبير بين الجانبين إلى تصعيد محتمل في الرسوم الجمركية، ما قد يُحدِث هزة عنيفة في الأسواق الأوروبية. وبينما يسعى ترمب إلى إعادة التوازن التجاري من خلال فرض قيود صارمة على الواردات الأوروبية، يجد الاتحاد الأوروبي نفسه في مأزق؛ حيث تبدو خياراته محدودة بين زيادة الواردات من أميركا، أو البحث عن أسواق بديلة، أو محاولة تعزيز الطلب المحلي وسط أزمات مالية متراكمة.

وفي ظل هذه المعطيات، يلوح في الأفق سيناريو قاتم قد يُدخل أوروبا في حالة ركود اقتصادي عميق، مع تداعيات يصعب التنبؤ بها.

وفي وقت سابق من هذا الأسبوع، أعلن مكتب الإحصاء الألماني أن الفائض التجاري بين ألمانيا والولايات المتحدة قد بلغ مستوى قياسياً جديداً قدره 70 مليار يورو (58 مليار جنيه إسترليني) في العام الماضي، متجاوزاً بسهولة الفائض البالغ 63 مليار يورو المسجل في عام 2023. لكن هذا الوضع لن يدوم طويلاً، وفق صحيفة «التلغراف».

فدونالد ترمب لن يتسامح مع استمرار الاتحاد الأوروبي في بيع مزيد من السلع إلى الولايات المتحدة مقارنة بما يشتريه منها لفترة أطول. وبطرق مختلفة، سيعمل الرئيس الأميركي على إعادة التوازن في العلاقات التجارية، وستؤدي الحرب التجارية المحتومة إلى سحق الاقتصاد الأوروبي.

ولم يكن هذا مفاجئاً. فخلال حملته الانتخابية، وعد ترمب مراراً بفرض تعريفة جمركية شاملة؛ بل إنه اقترح أن الرسوم على الواردات قد تحل محل ضرائب الدخل. وبمجرد توليه منصبه، وفى بوعده. فقد فرض رسوماً بنسبة 25 في المائة، ثم علَّقها، على الواردات من كندا والمكسيك، بالإضافة إلى رسوم بنسبة 10 في المائة على البضائع الصينية.

ويوم الخميس، صعَّد ترمب الأمور خطوة أخرى إلى الأمام؛ حيث تعهد بفرض تعريفة جمركية متبادلة على أي دولة تفرض أي نوع من الرسوم على السلع الأميركية. ومع اعتبار ضريبة القيمة المضافة، رغم احتسابها بشكل غير دقيق رسوماً جمركية، فإن المملكة المتحدة ومعظم الاقتصادات الأوروبية الكبرى قد تواجه رسوماً تصل إلى 20 في المائة أو أكثر، على أي شيء تبيعه إلى أكبر اقتصاد في العالم.

وقد تكون هذه مجرد ورقة ضغط، وربما يتم التراجع عنها قبل أبريل (نيسان)، الموعد المستهدف للرسوم الجديدة. وقد وعد الاتحاد الأوروبي بالرد، ومن المحتمل أن يفرض تعريفات انتقامية، كما حدث في المرة السابقة، أو -على الأرجح- فرض مزيد من الغرامات والضرائب الضخمة على شركات التكنولوجيا العملاقة في أميركا.

ومع ذلك، من الصعب تصديق أن ترمب سيتراجع. فقد بلغ الفائض التجاري الإجمالي للاتحاد الأوروبي مع الولايات المتحدة 235 مليار دولار (186 مليار جنيه إسترليني) سنوياً، وارتفع بمقدار 20 مليار دولار العام الماضي فقط. وعلى نحو أو آخر، يبدو أن ترمب عازم على القضاء على هذا الفائض.

وسيتم فرض الرسوم الجمركية، وتطبيق الحصص حتى تتم إعادة التوازن التجاري. ولسوء حظ منطقة اليورو، فهي ببساطة لا تستطيع تحمل خسارة هذا الفائض البالغ 235 مليار دولار.

وإذا كان لدى أي شخص فكرة جادة عن الكيفية التي قد يتعامل بها الاقتصاد الأوروبي مع ضربة بهذا الحجم، فهي فكرة تبقى سرية؛ إذ لا توجد خيارات جيدة. وربما تتمكن أوروبا من محاولة إعادة التوازن إلى علاقاتها التجارية من خلال استيراد مزيد من السلع من الولايات المتحدة.

ويناقش الاتحاد الأوروبي بالفعل خفض الرسوم الجمركية البالغة 10 في المائة التي يفرضها على السيارات الأميركية، وقد يساعد ذلك قليلاً؛ لكن من الصعب تصور أن الأوروبيين سيستبدلون بسياراتهم الصغيرة شاحنات «البيك أب» الضخمة المصنَّعة في فرجينيا وأوهايو.

وقد تكون هناك بعض التعديلات الطفيفة على ضرائب الخدمات الرقمية التي أغضبت الأميركيين بشكل خاص؛ لكن الحكومات الأوروبية المثقلة بالديون لا تستطيع التخلي عن كثير من العائدات.

وستظل الرسوم الجمركية على المنتجات الزراعية في مكانها؛ لأن إلغاءها سيتسبب في ضرر بالغ للمزارعين، كما ستثير الجماعات البيئية غضباً شديداً بسبب مسألة الدجاج المعقم بالكلور. لذا، لا يوجد كثير من المجال لزيادة الواردات.

أو ربما تحاول الاقتصادات الأوروبية تعويض المبيعات الأميركية المفقودة في أسواق أخرى. فبعد كل شيء، سيكون لديها فجأة طاقة إنتاجية فائضة. وربما تكون الصين مستعدة لشراء مزيد من السلع الأوروبية؛ لكنها ستسعى أيضاً لتصريف المنتجات التي لم يعد بإمكانها دخول السوق الأميركية إلى أسواق أخرى؛ لكن كل ذلك لن يُحدث فارقاً كبيراً.

وبدلاً من ذلك، يمكن للاقتصادات الأوروبية تعزيز الطلب المحلي، وهو أفضل وسيلة لإعادة التوازن التجاري. لكن كيف يمكن تحقيق ذلك؟

وباستثناء ألمانيا، المقيَّدة بفرامل الديون الدستورية، أنفقت جميع الدول الأوروبية الكبرى العقد الماضي في تراكم ديون ضخمة وزيادة الضرائب. ولا تستطيع فرنسا وإيطاليا وإسبانيا -وبالطبع المملكة المتحدة- تحفيز اقتصاداتها لزيادة الطلب المحلي. فالقيام بذلك سيؤدي ببساطة إلى إفلاسها، وسيواجه قادتها غضب الأسواق المالية إذا حاولوا التفكير في هذا الاتجاه. ومع انعدام النمو الاقتصادي تقريباً في القارة، لا يوجد ما يدفع الطلب للنمو من تلقاء نفسه.

ولا يوجد حل واضح. ففي الوقت الحالي، تتجاهل أسواق الأسهم تهديد التعريفات الجمركية الشاملة، بافتراض أنها لن تحدث أبداً. ويؤكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن هذه ستكون بمثابة جرس إنذار يدفع أوروبا أخيراً إلى الإصلاح واستعادة قدرتها التنافسية. لكن مثل هذه الدعوات تكررت مراراً في السنوات الأخيرة، ولا يوجد ما يبرر الاعتقاد بأن هذه المرة ستكون مختلفة.

وحسب «التلغراف»، لا يزال البيروقراطيون في بروكسل، بقيادة أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية، يعيشون في عالم خيالي يعود إلى السبعينات؛ حيث يعتقدون أن الاتحاد الأوروبي يمتلك القوة الاقتصادية الكافية لإجبار الولايات المتحدة على التفاوض، وأن التهديد بفرض تعريفات متبادلة سيحل المشكلة.

لكن هذا السيناريو لن يحدث. فالفائض التجاري لن يختفي إلا من خلال تقليص الإنتاج بنحو مائتي مليار دولار أو أكثر، وهو ما سيؤدي حتماً إلى سحق الاقتصاد الأوروبي. ألمانيا -على سبيل المثال- تتجه بالفعل نحو ركود عميق؛ حيث تواجه ارتفاعاً حاداً في تكاليف الطاقة، وتراجعاً حتمياً في صناعات السيارات والكيماويات.

أما فرنسا، فقد تخلت تماماً عن أي محاولات للإصلاح الاقتصادي، وأصبحت تركز بدلاً من ذلك على رفع الضرائب، ويزداد العجز المالي بشكل مستمر. وفي المملكة المتحدة، دخلت البلاد في حلقة مفرغة من زيادة الضرائب وضعف النمو الاقتصادي، مما يعمق من أزمتها الاقتصادية.

إيطاليا -بدورها- تبدو على وشك إتمام عقدها الثالث دون أي نمو اقتصادي ملموس. ورغم النمو الذي تحقق في إسبانيا، فإن ذلك يُعزى في الغالب إلى الزيادة المستمرة في معدلات الهجرة.

وكان الاقتصاد الأوروبي في حالة سيئة بالفعل، وعليه فإن خسارة فائضه التجاري مع الولايات المتحدة، والذي يقدر بنحو 235 مليار دولار، سيقوده إلى الركود، وهو ما تترتب عليه تداعيات لا يمكن لأحد التنبؤ بها في الوقت الحالي.


مقالات ذات صلة

بنك اليابان: طفرة الذكاء الاصطناعي قد تمهد لمزيد من التشديد

الاقتصاد مقر بنك اليابان المركزي في العاصمة طوكيو (رويترز)

بنك اليابان: طفرة الذكاء الاصطناعي قد تمهد لمزيد من التشديد

قال نائب محافظ بنك اليابان شينيتشي أوتشيدا إن طفرة الذكاء الاصطناعي العالمية ربما أسهمت في تيسير الأوضاع المالية عبر تعزيز الطلب ورفع أسعار الأصول.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد مصفاة نفطية في مدينة يوكوهاما اليابانية (أ.ف.ب)

اليابان تستبعد سحباً جديداً من احتياطيات النفط

استبعدت اليابان، الاثنين، تنفيذ عملية جديدة للسحب من احتياطياتها الوطنية من النفط الخام في الوقت الراهن.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد رئيسة وزراء اليابان ساناي تاكايتشي في خطاب أمام البرلمان بالعاصمة طوكيو (إ.ب.أ)

تاكايتشي تتعهد بضبط الدين الياباني مع ارتفاع تكلفة الاقتراض

تعهدت رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي بضبط إصدارات السندات والحفاظ على استدامة المالية العامة.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد أسهم التراجع في أسعار الخضراوات والفواكه في تراجع التضخم (إعلام تركي)

التضخم التركي دون 30 % للمرة الأولى منذ 5 سنوات

سجل التضخم السنوي في أسعار المستهلكين في تركيا في سبتمبر (أيلول) الماضي أكبر تراجع له في نحو 5 سنوات مسجلاً 29.73 في المائة

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
الاقتصاد آلاف الحاويات المُعدة للتصدير في ميناء قينغداو شرق الصين (أ.ف.ب)

أوروبا والصين أمام مفاوضات حاسمة لتجنب حرب تجارية

يتوجه مفوض التجارة في الاتحاد الأوروبي إلى بكين، الخميس، لإجراء محادثات تستمر يومين مع مسؤولين صينيين، في محاولة لتجنب تصعيد الخلافات إلى حرب تجارية

«الشرق الأوسط» (بروكسل-بكين)

السوق السعودية تعاود التراجع بضغط من قطاع البنوك

رجل يتابع شاشات التداول في السوق السعودية (تداول)
رجل يتابع شاشات التداول في السوق السعودية (تداول)
TT

السوق السعودية تعاود التراجع بضغط من قطاع البنوك

رجل يتابع شاشات التداول في السوق السعودية (تداول)
رجل يتابع شاشات التداول في السوق السعودية (تداول)

عاود مؤشر السوق الرئيسة السعودية (تاسي) التراجع في ختام تعاملات الاثنين بنسبة 0.25 في المائة، ليغلق عند مستوى 10479 نقطة، بضغط من انخفاض عدد من الأسهم، وكان المؤشر أنهى الأحد سلسلة من التراجعات وارتفع بنحو 1 في المائة.

وتصدر سهم «ريدان» الأسهم الأكثر انخفاضاً، متراجعاً بنسبة 4.43 في المائة إلى 18.13 ريال، تلاه سهم «الأهلي» منخفضاً بنسبة 2.77 في المائة إلى 38.60 ريال، ثم سهم «بي إس إف» بنسبة 2.75 في المائة إلى 19.80 ريال.

وفي المقابل، تصدر سهم «الأسماك» الأسهم الأكثر ارتفاعاً، بعدما صعد بنسبة 9.96 في المائة إلى 51.90 ريال، تلاه سهم «أنابيب الشرق» مرتفعاً بنسبة 7.70 في المائة إلى 184.70 ريال، ثم سهم «لدن» بنسبة 6.98 في المائة إلى 1.84 ريال.


طعن رئاسي يهدد بإعادة لبنان إلى «نقطة الصفر» مع صندوق النقد الدولي

رئيس الجمهورية ملتقياً حاكم مصرف لبنان  في 2 أكتوبر (الرئاسة اللبنانية)
رئيس الجمهورية ملتقياً حاكم مصرف لبنان في 2 أكتوبر (الرئاسة اللبنانية)
TT

طعن رئاسي يهدد بإعادة لبنان إلى «نقطة الصفر» مع صندوق النقد الدولي

رئيس الجمهورية ملتقياً حاكم مصرف لبنان  في 2 أكتوبر (الرئاسة اللبنانية)
رئيس الجمهورية ملتقياً حاكم مصرف لبنان في 2 أكتوبر (الرئاسة اللبنانية)

​انكفأت التطلعات الرسمية في لبنان «المتفائلة» بقرب إبرام الاتفاق الأولي مع صندوق النقد الدولي، إلى واقع «التريث» غير المحدّد زمنياً، بانتظار صدور قرار المجلس الدستوري بشأن الطعن الذي تقدّم به رئيس الجمهورية جوزيف عون في المادة الثالثة من قانون إصلاح المصارف، بسبب شطب عبارة «مع مراعاة أحكام قانون النقد والتسليف»، والوارد أساساً في مندرجات المشروع المحال من الحكومة.

وليس خافياً، حسب مسؤول مالي معني، أن اختلاف الرؤى بين السلطات، يعكس تلقائياً جانباً من وقائع النزاع السياسي والقطاعي المستمر في تحديد المرجعية «المخوّلة» إدارة عملية إعادة هيكلة البنوك، والمتوقع تمدّده بحدّة أشد وطأة، إلى مشروع قانون استعادة الاستقرار المالي واسترداد الودائع، التائه بدوره في أروقة الحكومة التي أقرته بنهاية العام الماضي، ولم يستكمل طريقه إلى مجلس النواب، بعد اعتراضات واسعة فرضت النظر بتعديل مواد محورية من قبل لجنة وزارية، وبمشاركة جزئية من قبل حاكمية البنك المركزي.

وحمل الرد من قبل متحدثة باسم إدارة الصندوق، عقب الإفصاح عن الطعن الرئاسي، وبعد مباحثات «مثمرة» مع وفد لبناني رفيع المستوى في واشنطن، إشارة مبطنة إلى ربط عقد الاتفاق الأولي بحزمة الإصلاحات المنشودة، التي تشمل «دخول قانون معالجة أوضاع المصارف حيز التنفيذ»، إلى جانب إقرار قوانين مناسبة لمعالجة الفجوة المالية، على أن تكون متوافقة مع المعايير الدولية، فضلاً عن الحاجة إلى إقرار موازنة العام المقبل، واعتماد إطار مالي متوسط الأجل يتوافق مع استدامة الدين العام في البلاد.

وبالفعل، سجلت الجولة المالية للوفد برئاسة رئيس الحكومة نواف سلام، ووزير المال ياسين جابر، تقدماً نوعياً، وفق المسؤول المالي الذي تواصلت معه «الشرق الأوسط»، لجهة اقتناع إدارة الصندوق بإمكانية توقيع النسخة الثانية من الاتفاق الأولي مع لبنان قبل نهاية العام الحالي، بهدف تحفيز وتشجيع السلطات اللبنانية للعمل على تسريع وتيرة إنجاز الثلاثية التشريعية بإقرار مشروع القانون المحوري، أي قانون الفجوة وتوزيعات الخسائر، الذي يتيح الشروع بتنفيذ مندرجات قانون إعادة هيكلة المصارف.

وتلاقت هذه المعطيات، مع تصريح للوزير جابر في واشنطن، سبق إشهار الطعن، أكد فيه عبر المنصة الرقمية الرسمية لوزارة المالية أن «الهدف في هذه المرحلة هو تفعيل مسار الاتفاق مع صندوق النقد والسعي إلى التقدم نحو اتفاق على مستوى الموظفين، باعتباره خطوة تمهيدية تسبق الوصول إلى برنامج متكامل، والذي يرتبط بدوره باستكمال الإصلاحات المطلوبة، وفي مقدمها إقرار قانون الفجوة المالية».

مواجهة جديدة

بذلك، يعكس «الطعن» المستجد، بعض ملامح المواجهة المستمرة، وحقيقة وجود «فجوة» سياسية على المستويين الحكومي والنيابي، وبالمثل داخل القطاع المالي، بما يخص السياسات والمعالجات الخاصة بإقرار تشريعات واضحة لمعالجة الخسائر المالية وتوزيعها، حيث تكمن إشكالية مستعصية تتعدى مسألة تحديد ديون الدولة لصالح البنك المركزي، والبالغة تقديرياً نحو 64 مليار دولار، لتكمن في شرط مسبق للصندوق، يحظى بتأييد حكومي، يقضي بمحدودية استخدام الأموال العامة في ردم الفجوة المالية.

ولا تقل المخاوف في بُعدها القانوني البحت، من الرجوع إلى نقطة «الصفر»، إذ لا تقتصر رقابة المجلس الدستوري على المادة الثالثة وحدها، بل يمكنه عبر الطعن المحال إليه، مراجعة وإبطال أي مادة يرى فيها عيوباً دستورية، ولا سيما تخطي المادة 70 من قانون النقد والتسليف، مما يضع القانون المعلق نفاذه أساساً، أمام احتمالات إعادة الصياغة والإقرار، بينما يفترض أن تباشر اللجان النيابية مناقشة أرقام ومواد الموازنة العامة، تمهيداً لإحالتها إلى الهيئة العامة وإقرارها قبل نهاية الشهر الأول من العام المقبل.

ومن الواضح، وفق المسؤول المالي، أن حسم النزاع من قِبل المجلس الدستوري بشأن المادة الثالثة، لا يقتصر أثره على مرجعية إعادة هيكلة المصارف، بل سيفضي حكماً إلى ترجيح كفّة المقاربة النهائية التي سيجري اعتمادها في مشروع قانون الفجوة المالية، ولا سيما لجهة تحديد مسؤوليات الخسائر وسبل سدادها، واستطراداً تحديد مبالغ وآليات رد الودائع، بدءاً من الحد المضمون البالغ 100 ألف دولار للمودع الواحد، مهما تعدّدت حساباته.

فبموجب إعادة الاعتبار لقانون النقد والتسليف، وبالتحديد هذه المادة الخلافية، يبرز دور البنك المركزي واستقلاليته، والمحددة بالمحافظة على «سلامة النقد» و«الاستقرار الاقتصادي والمالي» و«سلامة أوضاع النظام المصرفي»، بينما يعمل «فريق» الصندوق، حسب وصف المسؤول المالي، على منح هيئة مصرفية عليا، تنشأ بموجب القانون، صلاحيات أحادية في اتخاذ قرارات إعادة هيكلة البنوك وتصفية المتعثر بينها، بذريعة الممارسات الخاطئة للحاكم السابق والمجلس المركزي للبنك المركزي، ومن دون تحديد صريح ومطمئن لمصير الحقوق الخاصة بالمودعين والمساهمين.

ويقتضي التنويه بأن لبنان يخوض التجربة عينها للمرة الثانية في ظل أزمات عاتية وانهيارات مالية ونقدية حادة تختم للتو عامها السابع، حيث سبق أن أُبرم في أبريل (نيسان) 2022، في عهد الحكومة السابقة برئاسة نجيب ميقاتي، اتفاق أولي، على مستوى الموظفين، مع صندوق النقد الدولي، لكن التقدم اللاحق جاء محدوداً للغاية في التزام تنفيذ إصلاحات أساسية، لتنتهي الحكاية الأولى باندلاع الحرب في خريف عام 2023، لتبدأ من جديد، مع انطلاق العهد الجديد مطلع عام 2025 وتأليف حكومة جديدة، والتزامهما معاً بالانخراط في عملية الإصلاح الهيكلي الشامل، وتعويم المفاوضات مع الصندوق.


الاتحاد الأوروبي: السحب من احتياطيات الديزل سيؤثر إيجاباً على الأسعار

قرار دول مجموعة السبع سحب 100 مليون برميل من الديزل والنفط الخام من احتياطيات الطوارئ سيكون له تأثير إيجابي على أسعار النفط في أوروبا (رويترز)
قرار دول مجموعة السبع سحب 100 مليون برميل من الديزل والنفط الخام من احتياطيات الطوارئ سيكون له تأثير إيجابي على أسعار النفط في أوروبا (رويترز)
TT

الاتحاد الأوروبي: السحب من احتياطيات الديزل سيؤثر إيجاباً على الأسعار

قرار دول مجموعة السبع سحب 100 مليون برميل من الديزل والنفط الخام من احتياطيات الطوارئ سيكون له تأثير إيجابي على أسعار النفط في أوروبا (رويترز)
قرار دول مجموعة السبع سحب 100 مليون برميل من الديزل والنفط الخام من احتياطيات الطوارئ سيكون له تأثير إيجابي على أسعار النفط في أوروبا (رويترز)

قال متحدث باسم المفوضية الأوروبية، يوم الاثنين، إن قرار دول مجموعة السبع سحب 100 مليون برميل من الديزل والنفط الخام من احتياطيات الطوارئ سيكون له تأثير إيجابي على أسعار النفط في دول الاتحاد الأوروبي.

وأضاف المتحدث لصحافيين في بروكسل أنه رغم هذه الخطوة، فإن الاتحاد الأوروبي لا يزال يتجه فيما يبدو «لشتاء صعب للغاية» فيما يتعلق بأسعار الطاقة.

كانت دول مجموعة السبع قد اتفقت مساء الجمعة على سحب 100 مليون برميل من الديزل والنفط الخام من احتياطات الطوارئ، في خطوة رحب بها الرئيس الأميركي دونالد ترمب في ظل مساعيه لتهدئة الارتفاع الحاد في أسعار الوقود المرتبط بالحرب مع إيران.

وأشعل الصراع أكبر عملية سحب من مخزونات الطوارئ في التاريخ، نسقتها وكالة الطاقة الدولية في مارس (آذار).

وقالت مجموعة السبع في بيان مشترك وقتها: «مع الأخذ في الاعتبار الالتزامات التي جرى الوفاء بها بالفعل، سننفذ التزاماتنا من خلال سحب منسق عبر وكالة الطاقة الدولية يبلغ 100 مليون برميل».

وأضافت أن العملية ستبدأ على الفور، وتستمر أربعة أشهر، مع سحب كبير ومبكر من الديزل خلال 20 يوماً من جانب دول مجموعة السبع، وشركائها.

ولم يحدد البيان توزيعاً لكميات النفط الخام، والديزل، وغيرها من المنتجات المقرر السحب منها، ولم يذكر الدول التي ستشارك.

وأضاف البيان: «سنجتمع في إطار وكالة الطاقة الدولية في الأيام المقبلة لمناقشة إمكان إجراء عمليات إضافية للسحب (من احتياطات) الديزل حسب الضرورة».

وكتب ترمب في منشور على منصة «تروث سوشيال» بعد القرار: «وافقت أوروبا للتو على سحب كمية هائلة من مخزونها الضخم من وقود الديزل. وستبدأ العملية على الفور».

ويسعى الرئيس الأميركي إلى خفض أسعار الوقود المحلية قبل انتخابات التجديد النصفي في الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني).

وقال لصحافيين في البيت الأبيض، قبيل مغادرته إلى ولاية ألاباما إن الولايات المتحدة لن تفرض حظراً على تصدير الديزل. وأشار إلى أن هذه الخطة لم تكن مطروحة بجدية من الأساس، وذلك رغم أنه ذكر مراراً خلال الأسبوعين الماضيين أن فرض حظر كهذا كان قيد الدراسة، وأنه يؤيد الفكرة.

وأضاف ترمب: «لدى أوروبا مخزون كبير من الديزل، وستقدم إسهاماً عالمياً رئيساً، وكذلك سنفعل نحن. لن نفرض حظراً على التصدير، بل سنقوم بما يتعين علينا القيام به».

كانت حرب إيران قد أدت في مارس إلى أكبر عملية سحب من المخزونات الطارئة على الإطلاق، إذ سحبت الدول 400 مليون برميل بتنسيق من وكالة الطاقة الدولية.

ونقلت «رويترز» عن ثلاثة مصادر مطلعة يوم الخميس قولها إن إدارة ترمب أبلغت في وقت سابق ألمانيا وفرنسا بضرورة السحب من مخزونات الديزل المخصصة للطوارئ، وإلا فستواجهان حظراً أميركياً محتملاً على صادراته.

وقال بيان مجموعة السبع إن الدول الأعضاء ستمتنع عن فرض قيود على صادرات منتجات الطاقة فيما بينها.