مروان حمادة: حافظ الأسد قال لنا انسوا بشير الجميل واغتيل بعد 4 أيام

«الشرق الأوسط» سألت عن تجارب لبنانية شائكة مع نظام الأسدين (1)

TT

مروان حمادة: حافظ الأسد قال لنا انسوا بشير الجميل واغتيل بعد 4 أيام

مروان حمادة إلى يمين وليد جنبلاط مع حافظ الأسد (أرشيف مروان حمادة)
مروان حمادة إلى يمين وليد جنبلاط مع حافظ الأسد (أرشيف مروان حمادة)

على مدى نصف قرن، عاش لبنان في ظل حكم الأسدين الطويل في سوريا. أمسكت دمشق بالمصير اللبناني وساهم عهدها الطويل بلبنان في إنتاج رؤساء وزعماء كما ساهم في شطب رؤساء وزعماء. النائب والوزير السابق مروان حمادة يروي هنا تجربته مع العهدين.

في 22 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، زار وفد درزي لبناني برئاسة وليد جنبلاط «سوريا الجديدة». كان مروان حمادة في عداد الوفد. استوقفه المشهد. يجلس الرئيس أحمد الشرع على الكرسي الذي كان يجلس عليه حافظ الأسد وابنه بشار من بعده في «قصر الشعب» الذي ساهمت شركة رفيق الحريري في بنائه.

مروان حمادة مرافقاً وليد جنبلاط خلال اللقاء مع الرئيس السوري أحمد الشرع في ديسمبر الماضي

إبان الرحلة تذكر حمادة مصير رجال عاندوا أسداً أو اثنين وبينهم كمال جنبلاط وبشير الجميل ورينيه معوض ورفيق الحريري وسائر أعضاء القافلة. ضاعف من الذكريات أن حمادة نفسه نجا بأعجوبة في الأول من أكتوبر (تشرين الأول) 2004 من محاولة اغتيال أدمته وقتلت حارسه وجرحت سائقه. وساد يومها انطباع أن المحاولة كانت رسالة موجهة في الوقت نفسه إلى وليد جنبلاط ورفيق الحريري الذي يحيي أنصاره ذكرى اغتياله في 14 فبراير (شباط) 2005.

زارت «الشرق الأوسط» مروان حمادة المقيم منذ منتصف الثمانينات في مكتبه بصحيفة «النهار»، وسألته عن محطات لبنانية شائكة مع الأسدين. تذكر حمادة قول حافظ الأسد أمامه: «انسوا بشير» الجميل، واغتيال الرئيس المنتخب بعد 4 أيام من هذا الموقف، علماً أن منفذ الاغتيال يدعى حبيب الشرتوني الذي ينتمي إلى الحزب القومي السوري القريب من نظام الحكم في دمشق. لم يبرئ حمادة النظام السوري من اغتيال الرئيس رينيه معوض وقبله إخفاء الإمام موسى الصدر وصولاً إلى اغتيال الحريري.

سألته إن كان توقع فرار بشار الأسد وسقوط نظامه، فأجاب: «كنت ربما أتوقع أن يجري انقلاب معين. أي أن تتمرد وحدة من وحدات الجيش السوري كالفرقة الرابعة وتخرج على سلطة قائدها شقيقه ماهر الأسد. وقلت ربما يحركها الحرص على الدولة السورية الخاضعة للنفوذ الإيراني. لم أكن أتوقع هذا الانهيار الكامل الذي بدت بوادره في عدم الرد على إسرائيل على مدى أكثر من سنة. لم يصدر بيان عن غزة ولا قبل ذلك. غارات يومية على سوريا ولا رد».

تشعر أن هناك شيئاً أفرغ من الداخل. ما هو؟ لا أعرف. كنت أعرف بشار الأسد. آخر مرة رأيته كانت قبل محاولته هو وغيره اغتيالي بشهر. كنت وزير اقتصاد وحضرت افتتاح معرض دمشق الدولي. كنت على يمينه والعلاقات طبيعية بين لبنان وسوريا. إلا أن الصراع على التمديد لإميل لحود كان قد بدأ، وهو أصر على فرض هذا التمديد على رفيق الحريري ووليد جنبلاط، وحتى - استطراداً في مكان ما - على نبيه بري.

والحقيقة أن المشكلة لم تبدأ مع الأسد الابن. كان النظام السوري مهتماً دائماً بالسيطرة على قرارين حتى لا نقول جغرافيتين: القرار اللبناني المستقل والقرار الفلسطيني المستقل، وهذا هو سر العداء المستمر لقيام دولة متماسكة في لبنان. طبعاً أن يكون لبنان مقاطعة أو محافظة غربية لسوريا، هو حلم سبق الأسدين، ولم يكن هذا في ذهن حزب «البعث» فقط.

كنا نشعر من الأنظمة السورية بأن شيئاً ما لم يتم هضمه في سوريا هو اقتطاع هذه الأقضية سنة 1920 من قبل فرنسا لإعلان جمهورية لبنان الكبير. وهذا الأمر كنا نشعر به ليس فقط عند العلوي. وربما العلوي، على العكس، كان يمكن أن يكون جزءاً من عملية التقسيم، أي أعطوا هذا القسم للدروز، وهذا القسم لغيرهم. ولكن في العمق السوري هناك شيء. حتى لدى الذين يعتبرون دائماً أن دمشق هي قلب العروبة النابض وأن سوريا هي العروبة المتجسدة على تخوم الإمبراطورية العربية و(يصفون أنفسهم بأنهم) حماة الثغور، كنت تشعر أيضاً بهذا الشيء. وكنت أشعر بهذا الشيء بالتفصيل. مثلاً، عندما نفتح موضوع اتفاق الطائف. وقبل هذا الاتفاق، «الاتفاق الثلاثي» الذي كنت أحد الذين اشتغلوا عليه.

طبخت هذا الاتفاق مع ألد أعدائي آنذاك: إيلي حبيقة الذي كان يمثّل «القوات اللبنانية»، مع ميشال سماحة الذي اشتهر لاحقاً بقصة القنابل الآتية من عند المسؤول الأمني السوري علي مملوك، وأسعد شفتري رئيس المخابرات في «القوات اللبنانية» مع حبيقة، ومحمد عبد الحميد بيضون الذي كان ممثلاً للرئيس نبيه بري وحركة «أمل» وكان نافذاً آنذاك، علماً بأنه يساري قديم والتحق بالحركة. ما حصل معه أتى في إطار النزوح التدريجي الذي شهدناه من اليسار ومن القوى التي كانت دائماً مع «فتح» والفلسطينيين نحو «أمل»، ثم «حزب الله».

جاء «الاتفاق الثلاثي» نتيجة فشل مؤتمري جنيف ولوزان للحوار الوطني وقد نجحا فقط في إسقاط اتفاق 17 مايو (أيار) اللبناني - الإسرائيلي الذي كان حافظ الأسد يسميه «اتفاق الإذعان». وقد أدى الاتفاق إلى الهجوم المضاد على النظام اللبناني وعلى (الرئيس) أمين الجميل وعلى القوة المتعددة الجنسيات، بدعم من الاتحاد السوفياتي بقيادة يوري أندروبوف.

جاء نتيجةَ رفض المؤسسة اللبنانية، خصوصاً المارونية، التخلي عن صلاحيات رئاسة الجمهورية وتوزيعها بين السلطة التشريعية والسلطة الإجرائية أي مجلس الوزراء. بعد ذلك، كان التركيز على هذا الأمر إلى أن وصلنا إلى «الاتفاق الثلاثي» الذي كان أول مبادرة مشتركة بين الرئيس رفيق الحريري الذي لم يكن تولى آنذاك رئاسة الحكومة - وكان وسيطاً سعودياً - وبين السيد عبد الحليم خدام نائب رئيس الجمهورية السورية. كان الهدف من الاتفاق الوصول إلى اتفاق بين الميليشيات بدل الاتفاق بين النواب، ولذلك سُمّي «الاتفاق الثلاثي». كان عملياً الإتيان بنوع من كونفدرالية فيها وزراء دولة من الطوائف الست، وفيها حقائب وزارية، وطبعاً يكون الحكم مداورة على غرار الكونفدرالية السويسرية. وهذا يعني عملياً وجود إدارة سورية دائمة وإلا فإن كل هذه الفسيفساء يمكن أن تنفرط.

إيلي حبيقة كان قد أخذ الخيار السوري. قيل في تلك الفترة إنه كان فتح (خطاً) على مخابرات دولتين: إسرائيل وسوريا، وهذا ربما ما يفسّر التساهل في اغتيال بشير الجميل ثم الانقلاب كلّياً إلى حضن المخابرات السورية. في النتيجة صارت هناك لعبة استخبارات نقلت إيلي حبيقة وجعلته في صفنا، في صف ما كان يُعرف بـ«القوى الوطنية» وحركة «أمل» وهذا التحالف الواسع الذي عاد في نهاية المطاف واصطدم ببعضه. في ظل هذا الاحتدام، نما «حزب الله» على حساب حركة «أمل»، وبطريقة ما على الجثث المتهاوية للقوى الحزبية الأخرى و«المقاومة الوطنية» التي حلت محلها ما سميت بـ«المقاومة الإسلامية».

من قاوم الأسدين؟

سألت مروان حمادة عمن قاوموا الأسد الأول أو الثاني، فقال إن «الشعب اللبناني قاوم الأسدين وعلى فترات متفاوتة وعلى حصص متفاوتة حسب مكونات الطوائف في المناطق. ولكن ليست هناك منطقة في النتيجة نجت من الأسدين الأول والثاني، وليست هناك طائفة وفّرت على نفسها غضب وتنكيل الأسدين، حتى الشيعة في مراحل معينة. قضية الإمام موسى الصدر يجب أن نعود إليها. نعود إلى الدور السوري مع بوادر الثورة الإسلامية في إيران. وأنا عندي شعور ومعلومات بأنهم شاركوا في إقصائه وفي إخفائه.

الليبيون يمكن أنهم كانوا ساحة وأداة. القرار لم يكن من عندهم. ليسوا هم من قرر. يمكن أن التنفيذ كان جزئياً منهم. لست أبرّئ الليبيين لأن (خطف الصدر) حدث عندهم وأكيد بموافقتهم. لكنني كنت (وقتها) رئيس تحرير (صحيفة) «لوريون لوجور» وذهبت إلى دمشق في اليوم التالي لاختفاء الإمام الصدر. سألت وزير الإعلام أحمد إسكندر أحمد الذي كان أحد أقرب الناس لحافظ الأسد، كان علوياً ومن ضمن العائلة. كنت أسأله وقتها إذ كانت هناك علاقة طيبة مهنياً، فقال لي: «لا تسأل يا مروان. فهذا (الصدر) عظامه صارت مكاحل»، أي أنه كان متأكداً من مقتله. حصل هذا في اليوم التالي لاختفائه. كنت عضواً في لجان البحث عن الإمام. المجلس الشيعي الأعلى ضمني إلى هذه اللجان. لم أستطع أن أحذف من ذهني أنه كان هناك دور سوري في إخفائه.

حافظ الأسد مع معمر القذافي (أ.ف.ب)

ربما السبب هو خوف النظام السوري من زعامة شيعية مستقلة تكون أكثر لبنانية وأقرب إلى العرب ومتمردة على الفلسطينيين عموماً وعلى تيار الرفض القريب من سوريا خصوصاً. ما أريد قوله هو إنه ليس هناك أحد نجا من الأسدين الأول أو الثاني. نبدأ بكمال جنبلاط الذي نعتبره المعلم والذي سحرنا بأفكاره الاجتماعية والاشتراكية ونزعته إلى القرار الوطني (اللبناني المستقل) والقرار الفلسطيني الوطني المستقل. وفي الحقيقة عوقب كمال جنبلاط على مساره هذا وعلى قوله للأسد في لقائهما الشهير والأخير: «لن أُدخل لبنان معكم في السجن العربي الكبير».

انفرط اللقاء. حاول بعض الأصدقاء، ومنهم الأستاذ محسن دلول واللواء العماد حكمت الشهابي (رئيس أركان الجيش السوري)، أن يقنعوا كمال جنبلاط بألا يعود إلى بيروت ويترك مجالاً للقاء ثانٍ في اليوم التالي، لكن كمال جنبلاط رفض. بعدها بدأ المسار الطويل. شعر كمال جنبلاط بأنه تُرك عربياً وسوفياتياً وحتى (من) الفلسطينيين.

وليد جنبلاط خلال تأبين والده كمال عام 1977 (غيتي)

أسرّ أحد المسؤولين الفلسطينيين القريبين من ياسر عرفات بأن حافظ الأسد أعطى لياسر عرفات لائحة بأسماء عدد من اللبنانيين المطلوب قتلهم وإزالتهم ومن بينهم طبعاً على رأس اللائحة كان كمال جنبلاط. ولكن لا يمكن أن ننسى لاحقاً موضوع بشير الجميل.

حين قال حافظ: «انسوا بشير الجميّل»

العداوة كانت معروفة، لكننا حضرنا بعد حصار بيروت وخروج أبو عمار ورفاقه إلى تونس... كانت إسرائيل تحاصر بيروت وكنا محاصرين في داخلها. كانت (المدينة المحاصرة) تحصل على القليل من الماء والقليل من الأغذية والقليل من الكهرباء نتيجة تدخلات المملكة العربية السعودية مع (الرئيس الأميركي رونالد) ريغان، ووقتها لعب رفيق الحريري أول أدواره كوسيط أو مبعوث. قلنا للأميركيين إنه إذا دخلت إسرائيل إلى بيروت فستقضي علينا؛ إذ كانت تعتبرنا وتصفنا بأعوان المخربين وأصدقاء المقاومة الفلسطينية. فالأميركيون، عبر فيليب حبيب مبعوثهم إلى لبنان، أمّنوا لنا خروجاً من بيروت إلى (بلدة) صوفر ومنها إلى دمشق عبر سيّارات للسفارة الأميركية والشعبة السادسة اللبنانية. كان هناك الأميركي رايان كروكر وجوني عبده مدير المخابرات في الجيش اللبناني.

في اليوم التالي، في 10 سبتمبر (أيلول) 1982، التقينا بالرئيس حافظ الأسد. كانت الساعة 9 صباحاً. وليد جنبلاط وأنا وكنت وقتها ما زلت وزيراً في حكومة إلياس سركيس، ومحسن دلول وعبد الله الأمين وحكمت العيد. في سياق حديث الأسد عن صداقاته مع أندروبوف وأنه سيقوم بهجوم مضاد ضد أميركا والقوة المتعددة الجنسيات و(قوله لنا) سأزودكم بالطبع بالسلاح أيضاً كي تدافعوا عن الجبل. كان الحديث في هذا الإطار لكنني أتذكر ملاحظة للأستاذ وليد جنبلاط الذي قال إن في لبنان نظاماً سياسياً وقد تم انتخاب رئيس للجمهورية (بشير الجميل)، فيجب أن نتعاطى مع هذا الواقع الجديد، كما يحصل في كل مرة. فسأل حافظ الأسد أمامنا: «عمن تتحدثون؟ عن بشير الجميل؟» قلنا: «طبعاً فقد انتخب». فقال (ملوحاً بيده): «انسوا بشير الجميّل، انسوه». حصل هذا في 10 سبتمبر 1982 وكان بشير منتخباً رئيساً للجمهورية قبل أيام وما زال يحتفل بانتخابه. بعد 4 أيام من كلام الأسد اغتيل بشير، وكنا لا نزال في دمشق بينما انتقل وليد إلى عمّان لزيارة عائلته. هكذا عرفنا باغتيال بشير.

نعش بشير الجميل خلال جنازته في سبتمبر 1982 (غيتي)

استهدفت موجة الاغتيالات لاحقاً الشيخ حسن خالد مفتي الجمهورية اللبنانية. كما تم استهداف قيادات فلسطينية. طبعاً إسرائيل كانت لها المسؤولية الكبرى في اغتيال الفلسطينيين ولاحقتهم حتى تونس، لكن النظام السوري لم يقصر في طرابلس وغيرها. حصلت (الاغتيالات) مع آخرين. مع محمد شقير مستشار الرئيس أمين الجميل، والشيخ صبحي الصالح، والنائب ناظم القادري الذي أُطلقت عليه النيران وهو عند الحلاق. حصلت لاحقاً مع الرئيس رينيه معوض.

سوريا واغتيال رينيه معوض

سألته: «هل أفهم أنك تتهم النظام السوري باغتيال معوض؟» فأجاب: لا أبرئه أبداً من قتل رينيه معوض. قد يكون آخرون شاركوا النظام السوري (في الاغتيال). ففي كل مرة يكون هناك عمل مشترك (جوينت فنتشر) في الاغتيالات. هذا ما حصل مع الرئيس الشهيد رفيق الحريري. ولكن بالنسبة لرينيه معوض، في يوم من الأيام، استُدعينا كـ«حركة وطنية» إلى دمشق وكانت القيادة السورية موجودة وعلى تواصل مع الرئيس حافظ الأسد بالهاتف. كان موجوداً خدام والشهابي وعلي دوبا رئيس المخابرات وهو من القتلة.

كان ذلك بعد الانتهاء من اتفاق الطائف، والنواب اللبنانيون كانوا يقومون بزيارات للمملكة العربية السعودية والجزائر والمغرب لشكر الدول التي شاركت في اللجنة الثلاثية العربية التي رعت الاتفاق. طُرح السؤال: «من تريدون رئيساً للجمهورية؟» وكان الاسم المطروح رينيه معوض. بالإجماع، من جورج حاوي الشيوعي إلى أعوان سوريا مثل عاصم قانصوه ومحسن دلول وغيرهم، وإلى نبيه بري ووليد جنبلاط وأنا ومحمد بيضون. كلنا قلنا: «نريد رينيه معوض». فهو بمثابة «حفر وتنزيل» وأفضل تعبير عن اتفاق الطائف وخير من سيطبقه. فالاتفاق فيه كثير من الأمور التي تحتاج إلى دقة ودبلوماسية ومعرفة بالتركيبة اللبنانية. لكن لم يكن أحد منهم، من المسؤولين السوريين الثلاثة، يريد رينيه معوض. كانوا يعودون خلال الاجتماع إلى حافظ الأسد ثم يقدمون أسماء أخرى منها اسم الرئيس (إلياس) الهراوي.

آثار الانفجار الذي قتل الرئيس السابق رينيه معوّض عام 1989 (أ.ف.ب)

عندما رجعنا إلى بيروت في الليلة نفسها عبر الخط العسكري - نعم كان هناك خط عسكري نرجع فيه من سوريا غير الخط المفتوح الذي استخدمناه في زيارتنا الأخيرة لدمشق (للقاء الرئيس أحمد الشرع) - جاء اتصال هاتفي من باريس أخبروني به بالتفصيل بما جرى. كانوا (أي المسؤولين السوريين) يحرضون النواب ضد خيارنا وبالتالي ضد رينيه. كانوا من الشام يتصلون بالنواب اللبنانيين الموجودين في باريس ويحرضون ضد انتخاب رينيه معوض. من هؤلاء نواب موارنة مستقلون كانوا زملاء رينيه ومنافسيه. بعد 15 يوماً ونحن نهنئ رينيه بعيد الاستقلال، لنذهب إلى بيته كي نتناول الغداء، تصل منه خرقة متبقية من بزته مبللة بالدم. فقد اغتيل.

طبعاً هناك آخرون اصطدموا بسوريا. ميشال عون كان في البداية متفقاً معهم (مع السوريين). كان متفقاً معهم على أساس أن يترك البلد في الوضع الذي يعيش به، وضع يلبي من جهة طموحاته بأن يكون رئيساً في بعبدا ولو على مزبلة صغيرة ومن جهة ثانية يتباهى بأنه قاوم سوريا برغم أن المازوت كان يأتي من سوريا والسلاح يأتي من العراق. كانت خلطة عجيبة.

جعجع و«فخ» تفجير الكنيسة

سمير جعجع في البداية طمأنوه بعدما مشى والبطريرك الماروني (نصر الله صفير) في اتفاق الطائف، ما يعني أن هذا الجناح المسيحي قد تم تأمينه (في مقابل الجناح الرافض لاتفاق الطائف بقيادة ميشال عون). ولكن بعد ذلك بدأ إعداد الحفرة له. أتوا به إلى الحكومة، فاعتذر. كان سليمان فرنجية مطروحاً ولم يكونا قادرين على الجلوس مع بعضهما. جاءوا لجعجع بقصة تفجير الكنيسة.

لا علاقة لجعجع أبداً بتفجير الكنيسة. كنت وزير صحة وذهبت مع الرئيس رفيق الحريري، رئيس مجلس الوزراء. كنا أول من وصل إلى الكنيسة. بدا أن كل شيء كان مدبراً لتفجير الكنيسة، ثم محاولة إغلاق جسر نهر الكلب ونفقه، بهدف لصق الاتهام بأن هناك عملية إرهابية وبأن هناك محاولة تقسيمية، ولحقتها أيضاً محاولة ضد زميلنا في الحكومة نائب رئيس مجلس الوزراء ميشال المر وأُلصقت بسمير جعجع. كثيرون نبهوا جعجع ومنهم إلياس الهراوي أن الأفضل له أن يخرج من لبنان، لكن سمير جعجع رفض الخروج. التفجير دُبّر من المخابرات السورية واللبنانية آنذاك، والرئيس الحريري على علم بذلك. تبيّن ذلك معنا. لذلك أُسديت النصيحة لسمير جعجع بأن يطلع (من لبنان) لأنهم ينوون عليه. لم يقبل أن يغادر فجلس 11 سنة في السجن.

مروان حمادة مع وليد جنبلاط وسمير جعجع ومحمد الصفدي (أ.ف.ب)

علاقة وليد جنبلاط مع دمشق لم تكن سهلة أبداً. قاوم الأسد الأول مراراً. قاومه منذ لحظة توقيع «الاتفاق الثلاثي». قال إن هذا الاتفاق يُطبق في أيام تيمور ويقصد نجله الذي كان طفلاً وعمره سنتان. قاومه بعمليات عدة قام بها في الشوف، وبعدم مجاراة أمين الجميل عندما كان الأسد يريد صفقة مع الرئيس الجميل. قاومه مراراً. أذكر الهجوم على إقليم الخروب الذي كان حافظ الأسد قد أعطى ضمانات لأمين الجميل بأنه لن يحصل هجوم على المنطقة، وجاء ذلك بعدما تبين (لجنبلاط) أنه إذا لم يحصل الهجوم على إقليم الخروب فإن الجنوب ليس فقط لن يتحرّر، بل إن الشوف وعالية قد يسقطان مجدداً في يد إسرائيل وأعوانها في لبنان.

كنا نذهب إلى الشام للدفاع عن وليد. أنا قمت بعدة مهمات للدفاع عنه. وعندما حصل الخلاف الكبير بين «أمل» و«الاشتراكي» ببيروت (في ثمانينات القرن الماضي) كانت هناك نية سورية للتخلص من نبيه بري ووليد جنبلاط معاً. كانوا (أي السوريين) قد أمّنوا البديل لبري عبر «حزب الله»، بينما وليد جنبلاط كانوا يحرضون ضده. حاولوا تحريض أصدقائه ضده. طبعاً رفضنا ذلك وبقينا صامدين بجانب وليد ولم يجدوا عن الدروز سوى بعض الناس أي النتوءات التي ظهرت لاحقاً وقفزت من مكان إلى آخر عند المخابرات السورية.

بشار الأسد مستقبلاً وليد جنبلاط (أ.ف.ب)

وهناك اغتيال إيلي حبيقة. ماذا كان دورهم (أي السوريين) في قتل إيلي حبيقة؟ هل حبيقة اغتيل فلسطينياً لأنه كان له يد في جرائم صبرا وشاتيلا؟ هل اغتيل إسرائيلياً لأنه كان سيذهب للشهادة أمام المحكمة في بروكسل (ضد إسرائيل)؟ هل اغتيل لأن السوريين اعتبروا أنه صار كنز أسرار ويجب أن نتخلص منه؟ تبخّر حبيقة. وفي هذه الأثناء ذهب كثير من الناس. خطفوا أو قتلوا، من «الكتائب» ومن «القوات»، ومنهم أشخاص ما زال يتم البحث عنهم مثل بطرس خوند الذي ما زالت القوى المسيحية تطالب بالكشف عنه. اليوم هناك الرئيس أحمد الشرع ويقولون له إن خوند كان في السجون السورية ويسألون عما حصل له.

أختصر عهد الأسدين بالقول إنه كان هناك أسدان مجرمان. أسد مجرم ولكن عنده رؤية للحكم ولديه القليل من الثقافة العربية اختزنها من «البعث» ومن أيام الوحدة السورية - المصرية (الجمهورية العربية المتحدة) وغيرها، وهناك أسد مجرم ولكن بلا رؤية وهو بشار. جاءا بعد بعضهما. كان من الطبيعي أن الأسد الثاني بلا رؤية وبنفس الإجرام سيقضي على التركيبة الكبرى التي أخذت هذه العائلة 50 سنة كي تقيمها، مع أولاد عمومتهم وأولاد عشيرتهم ولكن ليس كلهم.

اليوم مثلاً تُلقى الملامة على كل العلويين، وهذا خطأ. هناك عائلات علوية دفعت ثمناً غالياً جداً، منها عائلة جديد، صلاح وغسان، البعثي والقومي السوري. ومنها عائلة عمران، وهي عائلة كبيرة بين العلويين. محمد عمران اغتيل في طرابلس. لحقوا به إلى هناك وقتلوه. ومنها عائلة الشيخ. حتى بعض رفاقه دفعوا ثمناً. علي دوبا أُبعد. بقي فقط المصون لكن المبعد وهو رفعت الأسد. تركوه يذهب وأخذ معه كنزه من الأسرار والخيانات.

كنز من الأسرار والخيانات؟ الخيانات لمن؟

- خيانات لكل الناس ولأخيه (حافظ) أيضاً. ألم يجرب عام 1983 (الاستيلاء على السلطة)؟ استفاد من مرض حافظ الأسد واضطراره إلى أن يدخل للمستشفى فنزل بالدبابات و«الفهود الحمر». كانت لديه فرقة على غرار الفرق الطائفية والحزبية الضيقة من قماشة الجيوش الموازية.


مقالات ذات صلة

القبض على علي كيالي المتهم الرئيسي بارتكاب مجزرة بانياس عام 2013‏

العالم العربي عناصر من الجيش السوري منتشرة في دمشق (أ.ف.ب)

القبض على علي كيالي المتهم الرئيسي بارتكاب مجزرة بانياس عام 2013‏

ألقى جهاز الاستخبارات العامة القبض على المدعو علي كيالي، المعروف باسم ‌‏«معراج أورال»، والمتهم الرئيسي بارتكاب مجزرة بانياس عام 2013‏.

«الشرق الأوسط» (دمشق - لندن)
المشرق العربي الصحافي الأميركي أوستن تايس المختفي في سوريا منذ عام 2012 (صحافيون بلا حدود)

جنرال سوري مقيم في لبنان بحماية مكتب التحقيقات الفيدرالي

يقيم بسام الحسن، الذي كان يُشرف على برنامج الأسلحة الكيميائية السوري، في لبنان منذ انهيار نظام الأسد.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي متطوعة في الدفاع المدني السوري ترفع لافتة تحذير في منطقة ملوثة بالألغام (الدفاع المدني)

سوريا سجّلت أعلى ضحايا بسبب مخلّفات الذخائر العنقودية عام 2025

لم يّسجّل أي استخدام للألغام وللذخائر العنقودية في سوريا منذ سقوط الأسد أواخر عام 2024، والضحايا تضرروا من مخلفات الحرب.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي جمال طرابلسي الذي ألقت إدارة مكافحة الإرهاب القبض عليه مع علي كيالي المعروف بـ”معراج أورال” زعيم ميليشيا “المقاومة السورية” وشغل جمال طرابلسي منصب نائبه (قوى الأمن الداخلي)

سوريا: القبض على «نائب» جزار بانياس

ألقي القبض على جمال طرابلسي، نائب علي كيالي المعروف بـ«معراج أورال» قائد ميليشيا «المقاومة السورية» التي ارتكبت مجازر مروعة أبرزها مجزرة بانياس عام 2013.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي قوى الأمن السوري أمام مبنى اجتمع فيه 5 من عناصر «حزب الله» في سوريا (الداخلية السورية)

دمشق تنفي «مزاعم» عقد اجتماع مع «حزب الله» في تركيا

نفت دمشق الأخبار المتداولة، الخميس، حول «مزاعم» عقد اجتماع مع «حزب الله» في تركيا.

«الشرق الأوسط» (بيروت - دمشق)

«فتح»: مشاورات القاهرة تمهد لحوار وطني شامل لإنهاء الانقسام الفلسطيني

وزير الخارجية المصري خلال استقبال وفد حركة «فتح» بالقاهرة في أبريل 2025 (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري خلال استقبال وفد حركة «فتح» بالقاهرة في أبريل 2025 (الخارجية المصرية)
TT

«فتح»: مشاورات القاهرة تمهد لحوار وطني شامل لإنهاء الانقسام الفلسطيني

وزير الخارجية المصري خلال استقبال وفد حركة «فتح» بالقاهرة في أبريل 2025 (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري خلال استقبال وفد حركة «فتح» بالقاهرة في أبريل 2025 (الخارجية المصرية)

قالت حركة «فتح» الفلسطينية، اليوم الأحد، إن مشاورات القاهرة تمهد لإطلاق حوار وطني شامل من خلال التوصل إلى تفاهمات مع حركة «حماس» وبقية الفصائل، في إطار جهود تقودها مصر لإنهاء الانقسام وتوحيد الموقف السياسي الفلسطيني، بحسب مسؤولين في الحركة.

وقال منذر الحايك، الناطق باسم حركة «فتح» وعضو المجلس الثوري، خلال تصريحات إذاعية، إن اللقاءات التي أجرتها قيادة الحركة مع «حماس» والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وممثلين عن التيار الإصلاحي تأتي ضمن مشاورات أولية تهدف إلى تهيئة الأجواء للحوار بمشاركة الفصائل الفلسطينية.

وأوضح الحايك أن وفد «فتح» عرض على «حماس» مبادرة الرئيس الفلسطيني محمود عباس التي تدعو إلى إنهاء الانقسام وتفعيل حكومة مركزية تمثل الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس، إلى جانب الالتزام ببرنامج منظمة التحرير الفلسطينية والشرعية الدولية والقانون الدولي، وتبني المقاومة الشعبية السلمية.

وأضاف الحايك أن المبادرة تستهدف توحيد الموقف الفلسطيني وتقديم رؤية سياسية مشتركة للمجتمع الدولي، في ظل التطورات في قطاع غزة والضفة الغربية، وأشار إلى أن «حماس» أبدت تجاوباً مع بعض المقترحات، لكنها طلبت العودة إلى قيادتها ومكتبها السياسي لمناقشة بقية البنود.

وأكد الحايك أن تفاصيل النقاط التي لا تزال موضع نقاش لن تعلن في الوقت الحالي لتجنب إثارة الخلافات إعلامياً، مشدداً على أن اللقاءات التمهيدية لا تمثل بديلاً عن الحوار الوطني الشامل وإنما تهدف إلى تهيئة الظروف لعقده.

من جهته، قال جبريل الرجوب، أمين سر اللجنة المركزية لحركة «فتح»، إن مصر تعتزم توجيه دعوات إلى الفصائل الفلسطينية للمشاركة في مؤتمر حوار وطني يعقد في القاهرة خلال الفترة المقبلة، دون تحديد موعد نهائي له، وفقاً لما ذكرته «وكالة الأنباء الألمانية».

وذكر الرجوب أن وفد فتح أجرى لقاءات في القاهرة مع «حماس» والجهاد الإسلامي والجبهتين الشعبية والديمقراطية، إضافة إلى ممثلين عن تيار الإصلاح الديمقراطي، لبحث سبل تعزيز الشراكة السياسية وآليات إنهاء الانقسام.

وأوضح الرجوب أن المشاورات تناولت البرنامج السياسي الفلسطيني وأشكال العمل الوطني، ومستقبل النظام السياسي، إلى جانب آليات إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية وانتخابات المجلس الوطني الفلسطيني. وقال إن اللقاءات اتسمت بأجواء إيجابية، مع استمرار النقاش بشأن القضايا التي تحتاج إلى توافق بين الأطراف.

وفيما يتعلق بالانتخابات، أفاد الرجوب بأن «فتح» كانت تستعد لخوض الاستحقاق الانتخابي، لكنها اختارت إعطاء الأولوية للحوار الوطني في ظل العقبات القائمة والمطالب بإجراء مشاورات بين الفصائل، مؤكداً أن الحركة تسعى إلى تهيئة الظروف لإجراء الانتخابات في أقرب وقت ممكن بالتوافق الوطني.

وشدد الرجوب على أن تجديد النظام السياسي الفلسطيني يتطلب توافقاً على أسس الشراكة الوطنية ووحدة المؤسسات والتمثيل السياسي، عادّاً أن معالجة الانقسام لا تقتصر على عقد الاجتماعات، وإنما تتطلب التوصل إلى تفاهمات قابلة للتنفيذ.

وفي ملف الخلافات الداخلية في «فتح»، قال الحايك إن الحركة تجري اتصالات لمعالجة الخلاف مع تيار الإصلاح الديمقراطي، الذي وصفه بأنه جزء من الحركة وليس فصيلاً مستقلاً، وأوضح أن النقاشات تشمل عودة أعضاء التيار إلى صفوف الحركة، فيما لا تزال آليات العودة واستعادة المواقع التنظيمية والوظيفية موضع بحث.

وأضاف الحايك أن التعامل مع هذا الملف يستلزم مراعاة النظام الداخلي والاستحقاقات التنظيمية التي شهدتها الحركة خلال السنوات الماضية، مشيراً إلى أن بعض المقترحات لا تزال قيد التشاور داخل قيادة «فتح».

وتأتي هذه التحركات في ظل استمرار الانقسام الفلسطيني بين حركتي «فتح» و«حماس» منذ عام 2007، وسط مساعٍ متكررة برعاية مصرية للتوصل إلى مصالحة وطنية وتوحيد المؤسسات الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة.


بين الشارع والمواقف السياسية... تحركات «حزب الله» تثير المخاوف اللبنانية من تصعيد داخلي

تدابير أمنية وانتشار للجيش اللبناني في العاصمة بيروت (قيادة الجيش اللبناني)
تدابير أمنية وانتشار للجيش اللبناني في العاصمة بيروت (قيادة الجيش اللبناني)
TT

بين الشارع والمواقف السياسية... تحركات «حزب الله» تثير المخاوف اللبنانية من تصعيد داخلي

تدابير أمنية وانتشار للجيش اللبناني في العاصمة بيروت (قيادة الجيش اللبناني)
تدابير أمنية وانتشار للجيش اللبناني في العاصمة بيروت (قيادة الجيش اللبناني)

تزداد التساؤلات في لبنان عمّا إذا كان «حزب الله» يتجه إلى تصعيد داخلي، في ظل التحولات الإقليمية والضغوط التي تواجهها إيران. فبين التحركات الميدانية لمناصري «الحزب»، في بيروت وضاحيتها الجنوبية، والمواقف التي ترفع سقف المواجهة مع السلطة، تُطرح علامات استفهام عمّا إذا كان «الحزب» يسعى إلى تكريس معادلة تمنع السلطة من فرض قراراتها، أو يمهّد لخطوات تصعيدية في الداخل تواكب التحولات الإقليمية.

تخوف قائم... لكن لا معطيات

وفي هذا الإطار، تؤكد مصادر وزارية لـ«الشرق الأوسط» أن «التخوف من أي تصعيد داخلي قد يلجأ إليه (حزب الله) قائم، إلا إنه لا توجد معطيات تشير إلى أمر وشيك في هذا الإطار»، مشددة على أن الأجهزة الأمنية ستواصل أداء دورها تنفيذاً لقرارات الحكومة، وأن «لا تراجع عن هذا المسار».

وتضع المصادر مواقف «حزب الله» التصعيدية، لا سيما بشأن شحنة المتفجرات التي ضُبطت مؤخراً، في سياق ردّة الفعل على الإجراءات المتخذة، مؤكدة أن هذه المواقف لن تؤثر على قرارات الحكومة أو القرارات القضائية، وأن «لا تَوجّه للتراجع عنها أو لتقديم أي تنازلات لـ(حزب الله)».

وتشير المصادر إلى أن اجتماعاً أمنياً لقادة الأجهزة الأمنية سيُعقد بعد ظهر الاثنين في القصر الرئاسي، برئاسة رئيس الجمهورية جوزيف عون؛ لبحث المستجدات الأمنية الأخيرة، وفي مقدّمها شحنات المتفجرات التي ضُبطت مؤخراً.

الجيش اللبناني ينفذ تدابير أمنية عند مداخل الضاحية الجنوبية لبيروت (قيادة الجيش اللبناني)

الدولة تتمسك بحصرية السلاح وتكثّف إجراءاتها

في المقابل، يؤكد المسؤولون في الدولة اللبنانية على المضي قدماً في تنفيذ قرارات الحكومة، وفي هذا الإطار أتى موقف وزير الخارجية، يوسف رجِّي، مؤكداً على تمسك الدولة بقراراتها، خلال مشاركته في الدورة الـ52 لمجلس وزراء خارجية الدول الأعضاء في «منظمة التعاون الإسلامي» بالعراق.

وقال إن الحكومة اتخذت في أغسطس (آب) 2025 قراراً بحصر السلاح في الأجهزة الأمنية الشرعية وبسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية بقواها الذاتية، مؤكداً أنه «لا سيادة مع ازدواجية السلاح، ولا استقرار مع قرار منفلت خارج مؤسسات الدولة».

محاولة لإعادة الوضع

وفي حين حذّرت أطراف وأحزاب عدة في لبنان من تصعيد داخلي قد يقوم به «حزب الله» في المرحلة المقبلة، يرى النائب إبراهيم منيمنة أن التحركات الأخيرة لمناصري «حزب الله» قد تكون في إطار التحضير لأمر ما في انتظار لحظة معينة، عادّاً أنها «توحي بمحاولة من (الحزب) لاستعادة الوضع الذي كان قائماً قبل قرارات الحكومة المتعلقة بحصرية السلاح، وإظهار أن هذه القرارات (حبر على ورق) وأن لا مفاعيل فعلية لها».

حسابات إقليمية

ولا يستبعد منيمنة ارتباط هذه التحركات بحسابات إقليمية أو بتحرك إيراني في ضوء المعادلة الجديدة التي يجري العمل على رسمها في المنطقة.

ويشدد منيمنة، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، على أن «المسألة الأساسية تكمن في موقف الدولة وكيفية تعاملها مع أي تحرك محتمل»، محذراً بأن «استمرار غياب مقاربة جدية للسلاح خارج إطار المؤسسات الشرعية سيُبقي لبنان رهينة هذا الواقع».

ويدعو منيمنة الدولة إلى «حسم موقفها وبدء تنفيذ قراراتها، لا سيما قرار (بيروت خالية من السلاح)»، عادّاً أنه «مدخل أساسي لاستعادة هيبة الدولة وسلطتها، خصوصاً في العاصمة». ويؤكد أن الاختبار الحقيقي يبقى في «كيفية تعامل الشرعية مع أي تحدٍّ لقراراتها، وقدرتها على الانتقال من المواقف المعلنة إلى التنفيذ الفعلي».

دراجات نارية أمام مبنى شركة الأدوية خلال مداهمة القوى الأمنية في الضاحية الجنوبية لبيروت (متداولة)

بدوره، رأى عضو كتلة «القوات اللبنانية» النائب أنطوان حبشي أن تلويح «حزب الله» بالمواجهة الداخلية والترهيب من الحرب الأهلية يهدف إلى كسب الوقت، مشيراً إلى أن «أي اقتتال داخلي في هذه المرحلة سيكون بمثابة مقتل له».

وشدد على «ضرورة تنفيذ القرارات من دون أي لبس»، مؤكداً أن «حماية لبنان من الحرب الأهلية تستوجب استعادة الدولة قرارها السيادي بالكامل وحصر السلاح بيدها».

تدابير الجيش

وعلى الأرض، يواصل الجيش اللبناني منذ أيام إجراءاته الأمنية وانتشاره في بيروت بشكل عام والضاحية الجنوبية ومداخلها بشكل خاص، مستبقاً أي تحركات جديدة قد ينفذها مناصرو «الحزب»، لا سيما أن التحقيقات في شحنة المتفجرات التي ضُبطت في ضهر البيدر، وفي مستودع الأدوية الفاسدة، لا تزال مستمرة.

وكان شبان على دراجات نارية قد حاولوا، مساء الجمعة، اعتراض دورية لقوى الأمن الداخلي خلال مداهمة مستودع للأدوية عند مدخل الضاحية الجنوبية، قبل تدخّل الجيش وتمكّن الدورية من إقفال المستودع بالشمع الأحمر.

ورغم نفي «حزب الله» علاقته بالمستودع، فإن بعض المعلومات تشير إلى أن ابن الأمين العام لـ«الحزب»، نعيم قاسم، شريك في المستودع الذي يحتوي أدوية فاسدة، وهو ما أكدته النائبة بولا يعقوبيان في مقابلة على قناة «الجديد» يوم الأحد، مشيرةً إلى أن الشريك الثاني هو مرشح «الثنائي الشيعي» لنقابة الصيادلة في لبنان.

ولاحقاً نفى نجل نعيم قاسم علاقته بمستودع الأدوية، وقال في بيان: «هذا الملف أصبح بعهدة الأجهزة الأمنية والقضائية المختصة، والجهات المعنية فيه هي المخولة كشف الحقائق وتحديد المسؤوليات».

وكان «الحزب» اعترض على المداهمة، محذراً من تنفيذ القوى الأمنية عمليات في مناطق حساسة من دون اعتماد «الآلية المتفق عليها» مع الجهات الأمنية، في إشارة إلى ما كان عليه الوضع قبل القرارات الحكومية الأخيرة المرتبطة بسلاحه.

أنصار لـ«حزب الله» يلوحون بأعلام الجماعة في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)

وسبق ذلك إعلانُ «الحزب» تبنّيه ملكية شاحنة وشحنة المتفجرات التي ضبطتها السلطات عند حاجز ضهر البيدر، وكانت محمّلة بنحو 780 كيلوغراماً من المتفجرات، وطالب بالإفراج عن الموقوفين وإعادة الشاحنة وحمولتها، فيما كان قد قال النائب حسن فضل الله إن «(الحزب) لن يتساهل مع أي استهداف ينفذ المطالب الأميركية»، قبل أن يرمي بالمسؤولية يوم الأحد على الدولة، سائلاً السلطة: «لماذا تأخذون البلد، بناءً على ضغط أميركي، إلى مواجهة داخلية؟ مَن المستفيد منها؟ فهل تفيدها وتفيد العهد والحكومة؟ وهل يفيدها توتير البلد واستفزاز الناس بهذه الطريقة؟ ولماذا هناك إصرار على توفير أسباب المواجهة الداخلية؟».


تضارب الروايات حول انفجار مقر لـ«الحشد الشعبي» شرق بغداد

تضارب الروايات حول انفجار مقر لـ«الحشد الشعبي» شرق بغداد
TT

تضارب الروايات حول انفجار مقر لـ«الحشد الشعبي» شرق بغداد

تضارب الروايات حول انفجار مقر لـ«الحشد الشعبي» شرق بغداد

بينما أكدت معظم المصادر الأمنية الرسمية «الحادث العرضي» الذي أدى إلى انفجار كدس للعتاد في مقر لـ«الحشد الشعبي» شرق قناة الجيش في بغداد، أصرت منظمة «بدر» المنضوية تحت مظلة الحشد وتقود ما لا يقل عن 10 فصائل ضمن قواتها، على أن الحادث نجم عن استهداف أميركي، ما قد يعكس مستوى من «صراع الأجنحة» داخل الهيئة، طبقاً لبعض المصادر.

وفي حين أمر رئيس الوزراء علي الزيدي بتشكيل لجنة للتحقيق في ملابسات الحادث، بدا التضارب واضحاً في البيانات الرسمية التي صدرت بعد حادث الانفجار الشديد الذي سمعت أصواته في بعض أحياء بغداد وشوهدت ألسنة اللهب تتصاعد من موقعه.

وعقب الحادث أصدرت هيئة «الحشد» ثلاثة بيانات مقتضبة لم تبين فيها بشكل واضح حقيقة ما حدث، فبعد أن أعلنت وقوع الحادث في البيان الأول، عادت ببيان آخر وقالت إنها تمكنت من «السيطرة على الحريق الناجم عن انفجار كدس للأعتدة التالفة داخل أحد مقار (الحشد) شرقي القناة في العاصمة بغداد».

وأكدت أن «الحصيلة النهائية للحادث أسفرت عن إصابة خمسة منتسبين بجروح طفيفة»، لكن تقارير خبرية تحدثت عن مقتل أحد عناصر «الحشد» خلال الانفجار.

وأشارت إلى أن «اللجان المختصة باشرت إجراءاتها للتحقيق في ملابسات الحادث وتحديد أسبابه، على أن تعلن النتائج فور اكتمال التحقيقات».

ثم عادت هيئة «الحشد» وأصدرت بياناً ثالثاً قالت فيه إن «التحقيقات الأولية للأدلة الجنائية التابعة لوزارة الداخلية تشير إلى أن الانفجار الذي حصل في أحد مقار هيئة «الحشد» كان نتيجة خلل داخلي وليس هنالك أي مؤشر على حصول استهداف خارجي».

في المقابل، دعا النائب عن كتلة «بدر» النيابية كريم عليوي المحمداوي، الحكومة إلى إعادة النظر بالاتفاقيات الأمنية والتنسيق المشترك مع الولايات المتحدة، على خلفية انفجار مقر «الحشد».

وقال المحمداوي، في بيان، إن «الاستهداف المتكرر للحشد الشعبي من قبل الأميركيين يعد جريمة لا يمكن السكوت عليها»، مشدداً على ضرورة تفعيل الأطر الدبلوماسية والقانونية لإيقاف ما وصفه بالهجمات غير المبررة.

وأضاف أن «تكرار الاستهداف يدل على أن الولايات المتحدة لا تحترم سيادة الدول، بل تتعامل على أساس أنها صاحبة القرار الأول والأخير في الشرق الأوسط».

وأكد المحمداوي «ضرورة تحريك الحكومة جميع قنواتها الدبلوماسية والقانونية لوقف الخروقات المتكررة؛ لأنها تمثل انتهاكاً للاتفاقية العراقية الأميركية التي جرى على ضوئها خروج القوات الدولية من العراق».

وهذا أول اتهام من نائب في البرلمان يوجه إلى واشنطن بعد الانسحاب النهائي لقواتها وقوات التحالف الدولي الذي قادته في العراق، نهاية سبتمبر (أيلول) الماضي.

وبينما لم ترد هيئة «الحشد» أو المصادر الأميركية على اتهامات المحمداوي، ترى مصادر قريبة من هيئة «الحشد» أن النائب المحمداوي «يبحث عن نوع من الإثارة».

وأضافت المصادر لـ«الشرق الأوسط» أن «الأمر قد يتعلق بصراع أجنحة داخل هيئة «الحشد»، خاصة في ظل المطامح الحزبية والفصائلية في تسلم رئاستها وإحالة رئيسها الحالي إلى التقاعد».

وترجح المصادر أن «حادث الانفجار ربما نجم عن تقصير في حفظ المواد المتفجرة، وهذا أمر شائع للأسف، وسبق أن وقعت انفجارات مماثلة في أكثر من مكان نتيجة سوء التخزين وعدم توفر شروط الأمان في كثير من المواقع».

وكانت هيئة «الحشد الشعبي» أعلنت في مارس (آذار) الماضي، أن الطيران الأميركي شن نحو 32 ضربة جوية على مقراتها وقواتها خلال تلك الفترة، لكن تقديرات عسكرية وتقارير تتحدث عن أكثر من 70 هجوماً شنته الولايات المتحدة على مقار ومواقع تابعة لـ«الحشد» مطلع العام الحالي.

وغالباً ما تعلن واشنطن أن هجماتها تركز على فصائل مسلحة تابعة لإيران تعمل تحت مظلة «الحشد» وتشن هجمات على مواقع ومعسكرات يتواجد فيها جنودها خلال تواجدها في العراق وقبل انسحابها في سبتمبر الماضي.