مروان حمادة: حافظ الأسد قال لنا انسوا بشير الجميل واغتيل بعد 4 أيام

«الشرق الأوسط» سألت عن تجارب لبنانية شائكة مع نظام الأسدين (1)

TT

مروان حمادة: حافظ الأسد قال لنا انسوا بشير الجميل واغتيل بعد 4 أيام

مروان حمادة إلى يمين وليد جنبلاط مع حافظ الأسد (أرشيف مروان حمادة)
مروان حمادة إلى يمين وليد جنبلاط مع حافظ الأسد (أرشيف مروان حمادة)

على مدى نصف قرن، عاش لبنان في ظل حكم الأسدين الطويل في سوريا. أمسكت دمشق بالمصير اللبناني وساهم عهدها الطويل بلبنان في إنتاج رؤساء وزعماء كما ساهم في شطب رؤساء وزعماء. النائب والوزير السابق مروان حمادة يروي هنا تجربته مع العهدين.

في 22 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، زار وفد درزي لبناني برئاسة وليد جنبلاط «سوريا الجديدة». كان مروان حمادة في عداد الوفد. استوقفه المشهد. يجلس الرئيس أحمد الشرع على الكرسي الذي كان يجلس عليه حافظ الأسد وابنه بشار من بعده في «قصر الشعب» الذي ساهمت شركة رفيق الحريري في بنائه.

مروان حمادة مرافقاً وليد جنبلاط خلال اللقاء مع الرئيس السوري أحمد الشرع في ديسمبر الماضي

إبان الرحلة تذكر حمادة مصير رجال عاندوا أسداً أو اثنين وبينهم كمال جنبلاط وبشير الجميل ورينيه معوض ورفيق الحريري وسائر أعضاء القافلة. ضاعف من الذكريات أن حمادة نفسه نجا بأعجوبة في الأول من أكتوبر (تشرين الأول) 2004 من محاولة اغتيال أدمته وقتلت حارسه وجرحت سائقه. وساد يومها انطباع أن المحاولة كانت رسالة موجهة في الوقت نفسه إلى وليد جنبلاط ورفيق الحريري الذي يحيي أنصاره ذكرى اغتياله في 14 فبراير (شباط) 2005.

زارت «الشرق الأوسط» مروان حمادة المقيم منذ منتصف الثمانينات في مكتبه بصحيفة «النهار»، وسألته عن محطات لبنانية شائكة مع الأسدين. تذكر حمادة قول حافظ الأسد أمامه: «انسوا بشير» الجميل، واغتيال الرئيس المنتخب بعد 4 أيام من هذا الموقف، علماً أن منفذ الاغتيال يدعى حبيب الشرتوني الذي ينتمي إلى الحزب القومي السوري القريب من نظام الحكم في دمشق. لم يبرئ حمادة النظام السوري من اغتيال الرئيس رينيه معوض وقبله إخفاء الإمام موسى الصدر وصولاً إلى اغتيال الحريري.

سألته إن كان توقع فرار بشار الأسد وسقوط نظامه، فأجاب: «كنت ربما أتوقع أن يجري انقلاب معين. أي أن تتمرد وحدة من وحدات الجيش السوري كالفرقة الرابعة وتخرج على سلطة قائدها شقيقه ماهر الأسد. وقلت ربما يحركها الحرص على الدولة السورية الخاضعة للنفوذ الإيراني. لم أكن أتوقع هذا الانهيار الكامل الذي بدت بوادره في عدم الرد على إسرائيل على مدى أكثر من سنة. لم يصدر بيان عن غزة ولا قبل ذلك. غارات يومية على سوريا ولا رد».

تشعر أن هناك شيئاً أفرغ من الداخل. ما هو؟ لا أعرف. كنت أعرف بشار الأسد. آخر مرة رأيته كانت قبل محاولته هو وغيره اغتيالي بشهر. كنت وزير اقتصاد وحضرت افتتاح معرض دمشق الدولي. كنت على يمينه والعلاقات طبيعية بين لبنان وسوريا. إلا أن الصراع على التمديد لإميل لحود كان قد بدأ، وهو أصر على فرض هذا التمديد على رفيق الحريري ووليد جنبلاط، وحتى - استطراداً في مكان ما - على نبيه بري.

والحقيقة أن المشكلة لم تبدأ مع الأسد الابن. كان النظام السوري مهتماً دائماً بالسيطرة على قرارين حتى لا نقول جغرافيتين: القرار اللبناني المستقل والقرار الفلسطيني المستقل، وهذا هو سر العداء المستمر لقيام دولة متماسكة في لبنان. طبعاً أن يكون لبنان مقاطعة أو محافظة غربية لسوريا، هو حلم سبق الأسدين، ولم يكن هذا في ذهن حزب «البعث» فقط.

كنا نشعر من الأنظمة السورية بأن شيئاً ما لم يتم هضمه في سوريا هو اقتطاع هذه الأقضية سنة 1920 من قبل فرنسا لإعلان جمهورية لبنان الكبير. وهذا الأمر كنا نشعر به ليس فقط عند العلوي. وربما العلوي، على العكس، كان يمكن أن يكون جزءاً من عملية التقسيم، أي أعطوا هذا القسم للدروز، وهذا القسم لغيرهم. ولكن في العمق السوري هناك شيء. حتى لدى الذين يعتبرون دائماً أن دمشق هي قلب العروبة النابض وأن سوريا هي العروبة المتجسدة على تخوم الإمبراطورية العربية و(يصفون أنفسهم بأنهم) حماة الثغور، كنت تشعر أيضاً بهذا الشيء. وكنت أشعر بهذا الشيء بالتفصيل. مثلاً، عندما نفتح موضوع اتفاق الطائف. وقبل هذا الاتفاق، «الاتفاق الثلاثي» الذي كنت أحد الذين اشتغلوا عليه.

طبخت هذا الاتفاق مع ألد أعدائي آنذاك: إيلي حبيقة الذي كان يمثّل «القوات اللبنانية»، مع ميشال سماحة الذي اشتهر لاحقاً بقصة القنابل الآتية من عند المسؤول الأمني السوري علي مملوك، وأسعد شفتري رئيس المخابرات في «القوات اللبنانية» مع حبيقة، ومحمد عبد الحميد بيضون الذي كان ممثلاً للرئيس نبيه بري وحركة «أمل» وكان نافذاً آنذاك، علماً بأنه يساري قديم والتحق بالحركة. ما حصل معه أتى في إطار النزوح التدريجي الذي شهدناه من اليسار ومن القوى التي كانت دائماً مع «فتح» والفلسطينيين نحو «أمل»، ثم «حزب الله».

جاء «الاتفاق الثلاثي» نتيجة فشل مؤتمري جنيف ولوزان للحوار الوطني وقد نجحا فقط في إسقاط اتفاق 17 مايو (أيار) اللبناني - الإسرائيلي الذي كان حافظ الأسد يسميه «اتفاق الإذعان». وقد أدى الاتفاق إلى الهجوم المضاد على النظام اللبناني وعلى (الرئيس) أمين الجميل وعلى القوة المتعددة الجنسيات، بدعم من الاتحاد السوفياتي بقيادة يوري أندروبوف.

جاء نتيجةَ رفض المؤسسة اللبنانية، خصوصاً المارونية، التخلي عن صلاحيات رئاسة الجمهورية وتوزيعها بين السلطة التشريعية والسلطة الإجرائية أي مجلس الوزراء. بعد ذلك، كان التركيز على هذا الأمر إلى أن وصلنا إلى «الاتفاق الثلاثي» الذي كان أول مبادرة مشتركة بين الرئيس رفيق الحريري الذي لم يكن تولى آنذاك رئاسة الحكومة - وكان وسيطاً سعودياً - وبين السيد عبد الحليم خدام نائب رئيس الجمهورية السورية. كان الهدف من الاتفاق الوصول إلى اتفاق بين الميليشيات بدل الاتفاق بين النواب، ولذلك سُمّي «الاتفاق الثلاثي». كان عملياً الإتيان بنوع من كونفدرالية فيها وزراء دولة من الطوائف الست، وفيها حقائب وزارية، وطبعاً يكون الحكم مداورة على غرار الكونفدرالية السويسرية. وهذا يعني عملياً وجود إدارة سورية دائمة وإلا فإن كل هذه الفسيفساء يمكن أن تنفرط.

إيلي حبيقة كان قد أخذ الخيار السوري. قيل في تلك الفترة إنه كان فتح (خطاً) على مخابرات دولتين: إسرائيل وسوريا، وهذا ربما ما يفسّر التساهل في اغتيال بشير الجميل ثم الانقلاب كلّياً إلى حضن المخابرات السورية. في النتيجة صارت هناك لعبة استخبارات نقلت إيلي حبيقة وجعلته في صفنا، في صف ما كان يُعرف بـ«القوى الوطنية» وحركة «أمل» وهذا التحالف الواسع الذي عاد في نهاية المطاف واصطدم ببعضه. في ظل هذا الاحتدام، نما «حزب الله» على حساب حركة «أمل»، وبطريقة ما على الجثث المتهاوية للقوى الحزبية الأخرى و«المقاومة الوطنية» التي حلت محلها ما سميت بـ«المقاومة الإسلامية».

من قاوم الأسدين؟

سألت مروان حمادة عمن قاوموا الأسد الأول أو الثاني، فقال إن «الشعب اللبناني قاوم الأسدين وعلى فترات متفاوتة وعلى حصص متفاوتة حسب مكونات الطوائف في المناطق. ولكن ليست هناك منطقة في النتيجة نجت من الأسدين الأول والثاني، وليست هناك طائفة وفّرت على نفسها غضب وتنكيل الأسدين، حتى الشيعة في مراحل معينة. قضية الإمام موسى الصدر يجب أن نعود إليها. نعود إلى الدور السوري مع بوادر الثورة الإسلامية في إيران. وأنا عندي شعور ومعلومات بأنهم شاركوا في إقصائه وفي إخفائه.

الليبيون يمكن أنهم كانوا ساحة وأداة. القرار لم يكن من عندهم. ليسوا هم من قرر. يمكن أن التنفيذ كان جزئياً منهم. لست أبرّئ الليبيين لأن (خطف الصدر) حدث عندهم وأكيد بموافقتهم. لكنني كنت (وقتها) رئيس تحرير (صحيفة) «لوريون لوجور» وذهبت إلى دمشق في اليوم التالي لاختفاء الإمام الصدر. سألت وزير الإعلام أحمد إسكندر أحمد الذي كان أحد أقرب الناس لحافظ الأسد، كان علوياً ومن ضمن العائلة. كنت أسأله وقتها إذ كانت هناك علاقة طيبة مهنياً، فقال لي: «لا تسأل يا مروان. فهذا (الصدر) عظامه صارت مكاحل»، أي أنه كان متأكداً من مقتله. حصل هذا في اليوم التالي لاختفائه. كنت عضواً في لجان البحث عن الإمام. المجلس الشيعي الأعلى ضمني إلى هذه اللجان. لم أستطع أن أحذف من ذهني أنه كان هناك دور سوري في إخفائه.

حافظ الأسد مع معمر القذافي (أ.ف.ب)

ربما السبب هو خوف النظام السوري من زعامة شيعية مستقلة تكون أكثر لبنانية وأقرب إلى العرب ومتمردة على الفلسطينيين عموماً وعلى تيار الرفض القريب من سوريا خصوصاً. ما أريد قوله هو إنه ليس هناك أحد نجا من الأسدين الأول أو الثاني. نبدأ بكمال جنبلاط الذي نعتبره المعلم والذي سحرنا بأفكاره الاجتماعية والاشتراكية ونزعته إلى القرار الوطني (اللبناني المستقل) والقرار الفلسطيني الوطني المستقل. وفي الحقيقة عوقب كمال جنبلاط على مساره هذا وعلى قوله للأسد في لقائهما الشهير والأخير: «لن أُدخل لبنان معكم في السجن العربي الكبير».

انفرط اللقاء. حاول بعض الأصدقاء، ومنهم الأستاذ محسن دلول واللواء العماد حكمت الشهابي (رئيس أركان الجيش السوري)، أن يقنعوا كمال جنبلاط بألا يعود إلى بيروت ويترك مجالاً للقاء ثانٍ في اليوم التالي، لكن كمال جنبلاط رفض. بعدها بدأ المسار الطويل. شعر كمال جنبلاط بأنه تُرك عربياً وسوفياتياً وحتى (من) الفلسطينيين.

وليد جنبلاط خلال تأبين والده كمال عام 1977 (غيتي)

أسرّ أحد المسؤولين الفلسطينيين القريبين من ياسر عرفات بأن حافظ الأسد أعطى لياسر عرفات لائحة بأسماء عدد من اللبنانيين المطلوب قتلهم وإزالتهم ومن بينهم طبعاً على رأس اللائحة كان كمال جنبلاط. ولكن لا يمكن أن ننسى لاحقاً موضوع بشير الجميل.

حين قال حافظ: «انسوا بشير الجميّل»

العداوة كانت معروفة، لكننا حضرنا بعد حصار بيروت وخروج أبو عمار ورفاقه إلى تونس... كانت إسرائيل تحاصر بيروت وكنا محاصرين في داخلها. كانت (المدينة المحاصرة) تحصل على القليل من الماء والقليل من الأغذية والقليل من الكهرباء نتيجة تدخلات المملكة العربية السعودية مع (الرئيس الأميركي رونالد) ريغان، ووقتها لعب رفيق الحريري أول أدواره كوسيط أو مبعوث. قلنا للأميركيين إنه إذا دخلت إسرائيل إلى بيروت فستقضي علينا؛ إذ كانت تعتبرنا وتصفنا بأعوان المخربين وأصدقاء المقاومة الفلسطينية. فالأميركيون، عبر فيليب حبيب مبعوثهم إلى لبنان، أمّنوا لنا خروجاً من بيروت إلى (بلدة) صوفر ومنها إلى دمشق عبر سيّارات للسفارة الأميركية والشعبة السادسة اللبنانية. كان هناك الأميركي رايان كروكر وجوني عبده مدير المخابرات في الجيش اللبناني.

في اليوم التالي، في 10 سبتمبر (أيلول) 1982، التقينا بالرئيس حافظ الأسد. كانت الساعة 9 صباحاً. وليد جنبلاط وأنا وكنت وقتها ما زلت وزيراً في حكومة إلياس سركيس، ومحسن دلول وعبد الله الأمين وحكمت العيد. في سياق حديث الأسد عن صداقاته مع أندروبوف وأنه سيقوم بهجوم مضاد ضد أميركا والقوة المتعددة الجنسيات و(قوله لنا) سأزودكم بالطبع بالسلاح أيضاً كي تدافعوا عن الجبل. كان الحديث في هذا الإطار لكنني أتذكر ملاحظة للأستاذ وليد جنبلاط الذي قال إن في لبنان نظاماً سياسياً وقد تم انتخاب رئيس للجمهورية (بشير الجميل)، فيجب أن نتعاطى مع هذا الواقع الجديد، كما يحصل في كل مرة. فسأل حافظ الأسد أمامنا: «عمن تتحدثون؟ عن بشير الجميل؟» قلنا: «طبعاً فقد انتخب». فقال (ملوحاً بيده): «انسوا بشير الجميّل، انسوه». حصل هذا في 10 سبتمبر 1982 وكان بشير منتخباً رئيساً للجمهورية قبل أيام وما زال يحتفل بانتخابه. بعد 4 أيام من كلام الأسد اغتيل بشير، وكنا لا نزال في دمشق بينما انتقل وليد إلى عمّان لزيارة عائلته. هكذا عرفنا باغتيال بشير.

نعش بشير الجميل خلال جنازته في سبتمبر 1982 (غيتي)

استهدفت موجة الاغتيالات لاحقاً الشيخ حسن خالد مفتي الجمهورية اللبنانية. كما تم استهداف قيادات فلسطينية. طبعاً إسرائيل كانت لها المسؤولية الكبرى في اغتيال الفلسطينيين ولاحقتهم حتى تونس، لكن النظام السوري لم يقصر في طرابلس وغيرها. حصلت (الاغتيالات) مع آخرين. مع محمد شقير مستشار الرئيس أمين الجميل، والشيخ صبحي الصالح، والنائب ناظم القادري الذي أُطلقت عليه النيران وهو عند الحلاق. حصلت لاحقاً مع الرئيس رينيه معوض.

سوريا واغتيال رينيه معوض

سألته: «هل أفهم أنك تتهم النظام السوري باغتيال معوض؟» فأجاب: لا أبرئه أبداً من قتل رينيه معوض. قد يكون آخرون شاركوا النظام السوري (في الاغتيال). ففي كل مرة يكون هناك عمل مشترك (جوينت فنتشر) في الاغتيالات. هذا ما حصل مع الرئيس الشهيد رفيق الحريري. ولكن بالنسبة لرينيه معوض، في يوم من الأيام، استُدعينا كـ«حركة وطنية» إلى دمشق وكانت القيادة السورية موجودة وعلى تواصل مع الرئيس حافظ الأسد بالهاتف. كان موجوداً خدام والشهابي وعلي دوبا رئيس المخابرات وهو من القتلة.

كان ذلك بعد الانتهاء من اتفاق الطائف، والنواب اللبنانيون كانوا يقومون بزيارات للمملكة العربية السعودية والجزائر والمغرب لشكر الدول التي شاركت في اللجنة الثلاثية العربية التي رعت الاتفاق. طُرح السؤال: «من تريدون رئيساً للجمهورية؟» وكان الاسم المطروح رينيه معوض. بالإجماع، من جورج حاوي الشيوعي إلى أعوان سوريا مثل عاصم قانصوه ومحسن دلول وغيرهم، وإلى نبيه بري ووليد جنبلاط وأنا ومحمد بيضون. كلنا قلنا: «نريد رينيه معوض». فهو بمثابة «حفر وتنزيل» وأفضل تعبير عن اتفاق الطائف وخير من سيطبقه. فالاتفاق فيه كثير من الأمور التي تحتاج إلى دقة ودبلوماسية ومعرفة بالتركيبة اللبنانية. لكن لم يكن أحد منهم، من المسؤولين السوريين الثلاثة، يريد رينيه معوض. كانوا يعودون خلال الاجتماع إلى حافظ الأسد ثم يقدمون أسماء أخرى منها اسم الرئيس (إلياس) الهراوي.

آثار الانفجار الذي قتل الرئيس السابق رينيه معوّض عام 1989 (أ.ف.ب)

عندما رجعنا إلى بيروت في الليلة نفسها عبر الخط العسكري - نعم كان هناك خط عسكري نرجع فيه من سوريا غير الخط المفتوح الذي استخدمناه في زيارتنا الأخيرة لدمشق (للقاء الرئيس أحمد الشرع) - جاء اتصال هاتفي من باريس أخبروني به بالتفصيل بما جرى. كانوا (أي المسؤولين السوريين) يحرضون النواب ضد خيارنا وبالتالي ضد رينيه. كانوا من الشام يتصلون بالنواب اللبنانيين الموجودين في باريس ويحرضون ضد انتخاب رينيه معوض. من هؤلاء نواب موارنة مستقلون كانوا زملاء رينيه ومنافسيه. بعد 15 يوماً ونحن نهنئ رينيه بعيد الاستقلال، لنذهب إلى بيته كي نتناول الغداء، تصل منه خرقة متبقية من بزته مبللة بالدم. فقد اغتيل.

طبعاً هناك آخرون اصطدموا بسوريا. ميشال عون كان في البداية متفقاً معهم (مع السوريين). كان متفقاً معهم على أساس أن يترك البلد في الوضع الذي يعيش به، وضع يلبي من جهة طموحاته بأن يكون رئيساً في بعبدا ولو على مزبلة صغيرة ومن جهة ثانية يتباهى بأنه قاوم سوريا برغم أن المازوت كان يأتي من سوريا والسلاح يأتي من العراق. كانت خلطة عجيبة.

جعجع و«فخ» تفجير الكنيسة

سمير جعجع في البداية طمأنوه بعدما مشى والبطريرك الماروني (نصر الله صفير) في اتفاق الطائف، ما يعني أن هذا الجناح المسيحي قد تم تأمينه (في مقابل الجناح الرافض لاتفاق الطائف بقيادة ميشال عون). ولكن بعد ذلك بدأ إعداد الحفرة له. أتوا به إلى الحكومة، فاعتذر. كان سليمان فرنجية مطروحاً ولم يكونا قادرين على الجلوس مع بعضهما. جاءوا لجعجع بقصة تفجير الكنيسة.

لا علاقة لجعجع أبداً بتفجير الكنيسة. كنت وزير صحة وذهبت مع الرئيس رفيق الحريري، رئيس مجلس الوزراء. كنا أول من وصل إلى الكنيسة. بدا أن كل شيء كان مدبراً لتفجير الكنيسة، ثم محاولة إغلاق جسر نهر الكلب ونفقه، بهدف لصق الاتهام بأن هناك عملية إرهابية وبأن هناك محاولة تقسيمية، ولحقتها أيضاً محاولة ضد زميلنا في الحكومة نائب رئيس مجلس الوزراء ميشال المر وأُلصقت بسمير جعجع. كثيرون نبهوا جعجع ومنهم إلياس الهراوي أن الأفضل له أن يخرج من لبنان، لكن سمير جعجع رفض الخروج. التفجير دُبّر من المخابرات السورية واللبنانية آنذاك، والرئيس الحريري على علم بذلك. تبيّن ذلك معنا. لذلك أُسديت النصيحة لسمير جعجع بأن يطلع (من لبنان) لأنهم ينوون عليه. لم يقبل أن يغادر فجلس 11 سنة في السجن.

مروان حمادة مع وليد جنبلاط وسمير جعجع ومحمد الصفدي (أ.ف.ب)

علاقة وليد جنبلاط مع دمشق لم تكن سهلة أبداً. قاوم الأسد الأول مراراً. قاومه منذ لحظة توقيع «الاتفاق الثلاثي». قال إن هذا الاتفاق يُطبق في أيام تيمور ويقصد نجله الذي كان طفلاً وعمره سنتان. قاومه بعمليات عدة قام بها في الشوف، وبعدم مجاراة أمين الجميل عندما كان الأسد يريد صفقة مع الرئيس الجميل. قاومه مراراً. أذكر الهجوم على إقليم الخروب الذي كان حافظ الأسد قد أعطى ضمانات لأمين الجميل بأنه لن يحصل هجوم على المنطقة، وجاء ذلك بعدما تبين (لجنبلاط) أنه إذا لم يحصل الهجوم على إقليم الخروب فإن الجنوب ليس فقط لن يتحرّر، بل إن الشوف وعالية قد يسقطان مجدداً في يد إسرائيل وأعوانها في لبنان.

كنا نذهب إلى الشام للدفاع عن وليد. أنا قمت بعدة مهمات للدفاع عنه. وعندما حصل الخلاف الكبير بين «أمل» و«الاشتراكي» ببيروت (في ثمانينات القرن الماضي) كانت هناك نية سورية للتخلص من نبيه بري ووليد جنبلاط معاً. كانوا (أي السوريين) قد أمّنوا البديل لبري عبر «حزب الله»، بينما وليد جنبلاط كانوا يحرضون ضده. حاولوا تحريض أصدقائه ضده. طبعاً رفضنا ذلك وبقينا صامدين بجانب وليد ولم يجدوا عن الدروز سوى بعض الناس أي النتوءات التي ظهرت لاحقاً وقفزت من مكان إلى آخر عند المخابرات السورية.

بشار الأسد مستقبلاً وليد جنبلاط (أ.ف.ب)

وهناك اغتيال إيلي حبيقة. ماذا كان دورهم (أي السوريين) في قتل إيلي حبيقة؟ هل حبيقة اغتيل فلسطينياً لأنه كان له يد في جرائم صبرا وشاتيلا؟ هل اغتيل إسرائيلياً لأنه كان سيذهب للشهادة أمام المحكمة في بروكسل (ضد إسرائيل)؟ هل اغتيل لأن السوريين اعتبروا أنه صار كنز أسرار ويجب أن نتخلص منه؟ تبخّر حبيقة. وفي هذه الأثناء ذهب كثير من الناس. خطفوا أو قتلوا، من «الكتائب» ومن «القوات»، ومنهم أشخاص ما زال يتم البحث عنهم مثل بطرس خوند الذي ما زالت القوى المسيحية تطالب بالكشف عنه. اليوم هناك الرئيس أحمد الشرع ويقولون له إن خوند كان في السجون السورية ويسألون عما حصل له.

أختصر عهد الأسدين بالقول إنه كان هناك أسدان مجرمان. أسد مجرم ولكن عنده رؤية للحكم ولديه القليل من الثقافة العربية اختزنها من «البعث» ومن أيام الوحدة السورية - المصرية (الجمهورية العربية المتحدة) وغيرها، وهناك أسد مجرم ولكن بلا رؤية وهو بشار. جاءا بعد بعضهما. كان من الطبيعي أن الأسد الثاني بلا رؤية وبنفس الإجرام سيقضي على التركيبة الكبرى التي أخذت هذه العائلة 50 سنة كي تقيمها، مع أولاد عمومتهم وأولاد عشيرتهم ولكن ليس كلهم.

اليوم مثلاً تُلقى الملامة على كل العلويين، وهذا خطأ. هناك عائلات علوية دفعت ثمناً غالياً جداً، منها عائلة جديد، صلاح وغسان، البعثي والقومي السوري. ومنها عائلة عمران، وهي عائلة كبيرة بين العلويين. محمد عمران اغتيل في طرابلس. لحقوا به إلى هناك وقتلوه. ومنها عائلة الشيخ. حتى بعض رفاقه دفعوا ثمناً. علي دوبا أُبعد. بقي فقط المصون لكن المبعد وهو رفعت الأسد. تركوه يذهب وأخذ معه كنزه من الأسرار والخيانات.

كنز من الأسرار والخيانات؟ الخيانات لمن؟

- خيانات لكل الناس ولأخيه (حافظ) أيضاً. ألم يجرب عام 1983 (الاستيلاء على السلطة)؟ استفاد من مرض حافظ الأسد واضطراره إلى أن يدخل للمستشفى فنزل بالدبابات و«الفهود الحمر». كانت لديه فرقة على غرار الفرق الطائفية والحزبية الضيقة من قماشة الجيوش الموازية.


مقالات ذات صلة

تنظيم «داعش» يقتل 4 من أفراد الأمن في سوريا

المشرق العربي قوة تابعة للسلطات السورية في محافظة الرقة 24 يناير 2026 (أ.ب)

تنظيم «داعش» يقتل 4 من أفراد الأمن في سوريا

ذكرت الوكالة العربية السورية للأنباء (سانا) أن مسلحي تنظيم «داعش» قتلوا أربعة من أفراد الأمن التابعين للحكومة في شمال سوريا أمس الاثنين.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
تحليل إخباري عملية أمنية في بيت علوني وبسنيا بريف جبلة لاستهداف «سرايا الجواد» (الداخلية السورية)

تحليل إخباري تصعيد «داعش» شرقاً و«سرايا الجواد» غرباً... هل سوريا على أعتاب عنف جديد؟

هل تشير هجمات «داعش» في الشرق وتحركات «سرايا الجواد» غرباً إلى موجة عنف جديدة أمام الحكومة السورية؟

سعاد جرَوس (دمشق)
المشرق العربي سيارة شرطة تابعة للحكومة السورية الجديدة تعبر شارعاً بجوار مسجد الساحة في تدمر وسط سوريا 7 فبراير 2025 (أ.ف.ب)

تنظيم «داعش» يتوعد الشرع ويعلن مسؤوليته عن هجمات على الجيش السوري

أفادت إدارة الإعلام والاتصال في وزارة الدفاع السورية، بتعرض أحد عناصر الجيش العربي السوري لعملية استهداف من قبل مجهولين في قرية الواسطة بريف الرقة الشمالي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق الفنان السوري جمال سليمان (أرشيفية - حساب سليمان على فيسبوك)

أعمال درامية رمضانية تحاكي مآسي «حقبة الأسد» في سوريا

تقدم مجموعة من الأعمال الدرامية في شهر رمضان مشاهد من حياة عصر الأسد.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي سوريون في تركيا خلال عودتهم عبر البوابات الحدودية إلى بلادهم عقب سقوط نظام الأسد (أ.ف.ب)

إردوغان: تركيا تتابع «لحظة بلحظة» تطبيق اتفاق اندماج «قسد» في الدولة السورية

أكدت تركيا أنها تتابع خطوات الاندماج الكامل لـ«قسد» في مؤسسات الدولة السورية وتقدم الإرشادات اللازمة في هذا الصدد وتتعاون بشكل وثيق مع دمشق.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

مقتل 5 أشخاص على الأقل بغارات إسرائيلية على غزة

فلسطينيون بجوار جثماني شخصين قُتلا في غارة إسرائيلية على غزة يوم أمس (رويترز)
فلسطينيون بجوار جثماني شخصين قُتلا في غارة إسرائيلية على غزة يوم أمس (رويترز)
TT

مقتل 5 أشخاص على الأقل بغارات إسرائيلية على غزة

فلسطينيون بجوار جثماني شخصين قُتلا في غارة إسرائيلية على غزة يوم أمس (رويترز)
فلسطينيون بجوار جثماني شخصين قُتلا في غارة إسرائيلية على غزة يوم أمس (رويترز)

أعلن الدفاع المدني في غزة مقتل خمسة أشخاص على الأقل الجمعة بغارات إسرائيلية على القطاع.

وتتبادل إسرائيل وحركة «حماس» الاتهامات بشكل متكرر بخرق الهدنة التي تسري في القطاع منذ العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) بعد عامين من بدء الحرب المدمّرة.

وقال الناطق باسم الدفاع المدني محمود بصل، إن خمسة أشخاص على الأقل قتلوا بغارات إسرائيلية منتصف الليل، ثلاثة منهم «في منطقة المسلخ جنوب غرب خانيونس جنوب قطاع غزة» فيما سجل مقتل اثنين «على الاقل وإصابة بجروح خطيرة في غارة للاحتلال شمال مخيم البريج وسط قطاع غزة».

وبموجب شروط ومراحل وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه بناء على خطة طرحها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، انسحبت القوات الإسرائيلية إلى خلف ما يُعرف بـ«الخط الأصفر»، لكنها لا تزال تسيطر على أكثر من نصف أراضي القطاع.

وأكدت وزارة الصحة في غزة مقتل لا يقل عن 601 شخص في القطاع منذ سريان الهدنة في العاشر من أكتوبر.

في المقابل، يقول الجيش الإسرائيلي إن أربعة على الأقل من جنوده قُتلوا خلال الفترة نفسها.

وقد حالت القيود الإعلامية ومحدودية الوصول إلى غزة دون تمكن وكالة فرانس برس من التحقق بشكل مستقل من أعداد الضحايا أو تغطية القتال بحرية.


«الإطار التنسيقي» يحسم أمره بشأن ترشح المالكي للحكومة

 حركة رمضانية في شارع بإحدى ضواحي بغداد أمس (أ.ف.ب)
حركة رمضانية في شارع بإحدى ضواحي بغداد أمس (أ.ف.ب)
TT

«الإطار التنسيقي» يحسم أمره بشأن ترشح المالكي للحكومة

 حركة رمضانية في شارع بإحدى ضواحي بغداد أمس (أ.ف.ب)
حركة رمضانية في شارع بإحدى ضواحي بغداد أمس (أ.ف.ب)

كان من المقرر أن يعقد «الإطار التنسيقي» الشيعي في العراق الليلة الماضية اجتماعاً وُصِفَ بالحاسم، لتحديد موقفه النهائي، مما إذا كان سيمضي في ترشيح نوري المالكي لتشكيل الحكومة المقبلة، رغم «الفيتو» الأميركي، أم يكلف مرشحاً آخر للمنصب، حيث يبرز اسم رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني، مع تباين في الآراء بشأنه.

ويأتي ذلك مع انتهاء المهلة التي حددتها الولايات المتحدة للقوى السياسية العراقية، بخصوص ملف تشكيل الحكومة العراقية، التي تنتهي اليوم (الجمعة).

وأصدرت الفصائل المسلحة، عبر ما يسمى «تنسيقية المقاومة العراقية»، الأربعاء، بياناً نددت فيه بما أسمته التدخل الأميركي في الشأن السياسي للعراق.

وقالت «التنسيقية» إنّ «واشنطن لا تزال تتدخل في الشأن الداخلي العراقي، بل تحدد الشخصيات السياسية التي يُسمَح لها بتسنّم المناصب الحكومية أو يُستبعَد غيرها، وفقاً لمعيار الإرادة الأميركية، في إطار نهجٍ دأبت على اتّباعه».


فصائل غزة المدعومة إيرانياً تخشى الانهيار

فصائل غزة المدعومة إيرانياً تخشى الانهيار
TT

فصائل غزة المدعومة إيرانياً تخشى الانهيار

فصائل غزة المدعومة إيرانياً تخشى الانهيار

تخشى قيادات ميدانية ونشطاء من الفصائل الفلسطينية المدعومة إيرانياً في غزة «انهياراً كاملاً»، إذ تعاني أزمة مالية متصاعدة تتواكب مع نُذر ضربة أميركية محتملة إلى طهران.

وتسبب طول أمد الحرب الإسرائيلية التي استمرت عامين تقريباً على غزة، ونطاق الضربات الذي شمل لبنان وإيران وبعض المناطق في سوريا، في الضغط على مسارات نقل الأموال واستنزاف أصول أو مدخرات تلك الفصائل.

وتعدّ حركة «الجهاد الإسلامي» أكبر فصيل مرتبط مالياً ولوجيستياً بإيران. وبدرجات أقل، تمتد الصلات مع ما يُعرف بـ«لجان المقاومة»، و«كتائب المجاهدين»، ومجموعات عسكرية أخرى.

وأجمعت مصادر من تلك المجموعات وأخرى من نشطاء في غزة على أن الظروف المالية الصعبة طالت الجميع.

وزادت العقوبات الاقتصادية المتواصلة، من قبل واشنطن على شخصيات وكيانات إيرانية، من مصاعب دعم الفصائل التي بات الحديث في أطرها القيادية والميدانية لا يتوقف بشأن أفق تلك الأزمة المستمرة.