تركة «حزب الله» في سوريا... معامل مخدرات ومصانع دولارات مزوّرة

«الشرق الأوسط» ترافق فرقة أمنية أثناء تمشيط منطقة حدودية مع لبنان

عناصر أمن الحدود السوري خلال تمشيط منطقة حدودية في وادي الحوراني بقرية حاويك المحاذية للحدود اللبنانية
عناصر أمن الحدود السوري خلال تمشيط منطقة حدودية في وادي الحوراني بقرية حاويك المحاذية للحدود اللبنانية
TT

تركة «حزب الله» في سوريا... معامل مخدرات ومصانع دولارات مزوّرة

عناصر أمن الحدود السوري خلال تمشيط منطقة حدودية في وادي الحوراني بقرية حاويك المحاذية للحدود اللبنانية
عناصر أمن الحدود السوري خلال تمشيط منطقة حدودية في وادي الحوراني بقرية حاويك المحاذية للحدود اللبنانية

في أعلى تل من وادي الحوراني بقرية حاويك التابعة لمدينة القصير بريف حمص الغربي على الحدود السورية مع لبنان، وداخل مستودعات مظلمة شاسعة مهجورة، عثرت قوى أمن الحدود السوري على عشرات المصانع والمعامل التي كانت تصنع المخدرات وحبوب الكبتاغون والحشيش ودولارات مزوّرة، لتهريبها إلى دول الجوار ومنها إلى غيرها.

هذه المنطقة الحدودية، المواجهة لمحافظة بعلبك اللبنانية، كانت خاضعة حتى وقت قريب لسيطرة «حزب الله» اللبناني، الذي خلّف بعد طرده من المنطقة تركةً مثقلةً فكّكتها إدارة العمليات السورية بنجاح، وتمكّن الجيش اللبناني من الانتشار وإحكام قبضته على المنطقة.

ممرات حدودية للمخدرات

داخل مختبر لتصنيع المخدرات في أعلى تل يقع في منطقة جبلية مهجورة على طريق فرعي في قرية حاويك لا تبعد سوى نحو مئات الأمتار عن الحدود اللبنانية، عثرت قوى الأمن خلال حملة تمشيط المنطقة على مستودعات بداخلها أجهزة وآلات ومعدات وخزانات زرقاء ضخمة بداخلها مواد أولية بكميات كبيرة تدخل في صناعة حبوب الكبتاغون وخزانات خشب وعلب بلاستيك محكمة القفل كان بداخلها مادة الحشيش.

الرائد نديم مدخنة مدير أمن الحدود السوري وقائد عمليات حملة تمشيط الحدود اللبنانية (الشرق الأوسط)

في حديثه إلى «الشرق الأوسط»، يقول مدير أمن الحدود في محافظة حمص الرائد نديم مدخنة إن النظام السابق وميليشيا «حزب الله» اللبنانية التي كانت تحكم المنطقة قبل طردها بداية الشهر الحالي «حوّلا الحدود مع لبنان إلى ممرات للمخدرات ومنطقة لصناعة وإنتاج هذه المواد الممنوعة، بما فيها تهريب الأسلحة والعملات المزورة».

ضبط الأمن السوري 3 معامل لصنع المخدرات كانت خاضعة لسيطرة «حزب الله» اللبناني قبل طردهم الأسبوع الماضي من قرية حاويك السورية (الشرق الأوسط)

وشنّت إدارة العمليات العسكرية في سوريا حملة تمشيط خلال الأسبوع الحالي، شملت قرى حاويك وجرماش ووادي الحوراني وأكوم السورية (على الحدود مع لبنان) ووادي حنا، واشتبكت مع عناصر «حزب الله» وفلول النظام المخلوع وتجار المخدرات والسلاح، وسيطرت بموجبها على كامل الشريط الحدودي ونصبت حواجز ونقاط تفتيش اتخذت إجراءات احترازية منعاً لتهريب المخدرات والأسلحة.

وشملت هذه العمليات مداهمات في مناطق عدة داخل الأراضي السورية، خاصة في قرى حاويك وجرماش وهيت، التي كانت تعدّ مراكز رئيسية لتهريب المخدرات. وأوضح مدير أمن الحدود أن قواتهم عثرت على نحو 15 معملاً لصناعة المواد المخدرة ومطبعة تختص بالعملة المزوّرة.

يقول نديم مدخنة: «ضبطنا كميات هائلة من شحنات السلاح والمواد المخدرة والمواد الأولية التي كانت في طريقها للتهريب، هذه المناطق كانت تمثل الشريان الاقتصادي لهذه العصابات».

وتتشارك سوريا ولبنان حدوداً بطول 330 كيلومتراً غير مرسمة في أجزاء كبيرة منها، وهي عبارة عن وديان وجبال شاهقة يسهل اختراقها من قبل مهربي المخدرات وتجار الأسلحة.

رماد بقايا دولارات مزوّرة أحرقت قبل إخلاء المنطقة (الشرق الأوسط)

سك الدولار المزيف

وفي مستودع ثالث، حوّل عناصر «حزب الله» مستودعاً كبيراً إلى مطبعة لسك وتزوير العملة الأميركية من فئة 100 دولار، مستعينين بطابعات وصور مجسمة، وأنماط النقود المزيفة، وأجهزة الأشعة فوق البنفسجية، وآلة طباعة «الأوفست» وخزانات ألوان.

وتحوّلت سوريا على مدار سنوات الحرب إلى أكبر منتج ومصدِّر للكبتاغون في العقد الماضي، إبّان سيطرة الرئيس المخلوع بشار الأسد، حتى أشارت بعض التقارير إلى أنها أضحت بمثابة دولة المخدرات في الشرق الأوسط، وذكرت بيانات للحكومة البريطانية أن سوريا كانت تنتج حتى نهاية العام الفائت نحو 80 في المائة من الإنتاج العالمي من حبوب الكبتاغون وحدها.

في مستودع آخر قريب محاط بأشجار عالية وحقول زراعية في منطقة جبلية مرتفعة، فتح عنصر أمن أحد الأجهزة وأخرج منها حبوباً على شكل حبيبات دائرية.

وذكر عنصر الأمن، نادر أبو البراء، الذي رافق الحملة منذ بدايتها: «هكذا كانوا يصنعون ويخبئون هذه المواد المخدرة ليتم تهريبها نحو الدول الخليجية والمنطقة برمتها».

مواد بدائية لصنع حبوب الكبتاغون في قرية حاويك (الشرق الأوسط)

حبوب الكبتاغون وُضعت في أكياس مُحكمة رُسم عليها شعار الهلال المزدوج، أو كلمة «لكزس» التي تميز حبوب الكبتاغون. أمّا مادة الحشيش فكانت مخزنة في صناديق خشب متوسطة الحجم وفي علب بلاستيك، وتلك المصنعة غلفت في كفوف حمراء اللون ليتم تمييزها.

وبحسب سكان هذه المنطقة الحدودية، كان يُمنع على المدنيين الاقتراب من مواقع المعامل والمصانع المحاطة بحراسة مشددة. ونقل أحمد الصعب (55 سنة) وهو من سكان قرية حاويك أن أجهزة المخابرات السورية وعناصر «حزب الله» الذين كانوا منتشرين بكثرة في هذه المنطقة، «منعوا أي مدني من الاقتراب، وكنّا نشتم روائح كريهة غير طبيعية، وكنا نتضايق منها. كنا نسمع بوجود مصانع لكن لا نعرف ماذا يحدث داخلها لأنه كان يمنع الاقتراب منها».

عناصر الأمن السوري يضبطون مواد مخدرة على الحدود السورية اللبنانية (الشرق الأوسط)

وعثر عناصر الأمن على كاميرات مراقبة وخطوط شبكية موصولة مع الأراضي اللبنانية. وشدد مدير أمن الحدود الرائد نديم مدخنة على أن العمليات الأمنية اقتصرت على القرى السورية المحاذية للبنان، مشيراً إلى أن التنسيق بين إدارة العمليات العسكرية والجيش اللبناني مستمر، وأن «الجيش اللبناني ولأول مرة منذ 14 عاماً بدأ الانتشار في هذه المنطقة، والاشتباكات التي دارت كانت مع عناصر (حزب الله) والتجار»، لافتاً إلى أنه وخلال الحملة «عثرنا على وثائق تثبت تورط أفراد من عائلات عشائرية لبنانية».

تهريب فلول النظام

وشدّد المسؤول الأمني على أن هذه المناطق استخدمت طريقاً لتهريب عناصر النظام السابق بعد سقوطه إلى لبنان، «سيما عناصر الفرقة الرابعة التابعة لماهر الأسد، كما توجد مؤشرات على مشاركة مجموعات من هذه الفلول في العمليات العسكرية ضد قواتنا انطلاقاً من داخل الأراضي اللبنانية؛ حيث تجمعهم شراكة طويلة مع (حزب الله) في تجارة الكبتاغون».

عنصر أمن سوري بجانب عبوات خشبية داخلها مواد أولية لصناعة المخدرات وحبوب الكبتاغون خلال حملة تمشيط الحدود (الشرق الأوسط)

وذهبت تقديرات أممية إلى أن قيمة تجارة حبوب الكبتاغون في سوريا بلغت نحو 6 مليارات دولار حتى نهاية عام 2024، في حين كان يتم تصدير تلك المخدرات في الغالب إلى العراق والأردن في الجوار السوري، ومنهما إلى دول الخليج العربي.

فاطمة الخالد مع أحفادها من أمام منزلهم الكائن في قرية حاويك المحاذية للحدود اللبنانية (الشرق الأوسط)

وعبّرت فاطمة الخالد، من سكان وادي الحوراني، عن شعورها مع عائلتها وأهل المنطقة، فقالت إنهم كانوا محرومين من طعم النوم والراحة والأمان، بعد سيطرة عناصر «حزب الله» على المنطقة منذ أكثر من 10 سنوات. وتابعت: «سيطرة الحزب حرمتنا أموراً كثيرة، ومر علينا وعلى أولادنا الكثير، كانت أياماً صعبة، والحمد لله منذ سقوطه انفرج الحال، وبعد تحرير سوريا تحرر الكون كله».

واستهدفت الحملة العسكرية، التي جرت في ريف القصير بريف حمص وشملت أكثر من 30 كيلومتراً، مكافحة المخدرات والأسلحة وتهريبها، وملاحقة بقايا فلول النظام السابق وعناصر «حزب الله» في المنطقة. وختم مدير أمن الحدود في محافظة حمص الرائد نديم مدخنة حديثه قائلاً: «وضعنا خطة أمنية متكاملة لضبط الحدود بشكل كامل، حتى تسهم في حماية أهلنا من جميع المخاطر التي تستهدفهم».


مقالات ذات صلة

من هو وسيم الأسد الذي استخدم نفوذه «التشبيحي» في تزعم تجارة الكبتاغون؟

بروفايل متداولة لوسيم الأسد متباهياً بسطوته فترة النظام البائد

من هو وسيم الأسد الذي استخدم نفوذه «التشبيحي» في تزعم تجارة الكبتاغون؟

نشطت مجموعاته في المرافئ والمعابر على الحدود مع لبنان بريف حمص لتسهيل تهريب الكبتاغون والوقود.

سعاد جروس (دمشق)
المشرق العربي القبض على أحد عناصر «خلية داعش» في داريا بريف دمشق (أرشيفية - سانا)

الجيش الأميركي يعلن قتل قيادي بـ«داعش» في سوريا

أعلنت القيادة المركزية الأميركية، الأربعاء، أن الجيش الاميركي نفّذ غارة ​جوية في شمال غربي سوريا، الأسبوع الماضي، أفضت إلى مقتل علي حسين العليوي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي صورة لما بعد تفجير حافلة مبيت كانت تنقل موظفي حراسة أمنية في حقل التيم بدير الزور خلال أكتوبر 2025 (متداولة)

اغتيال عناصر القوات السورية... نمط متكرر وخلل أمني كبير

لم يكن اغتيال عنصرين تابعين للجيش السوري قرب مدينة منبج شرق حلب، مؤخراً، الأول من نوعه، بل مثّل نمط هجمات متكرراً ضد القوات الحكومية، كاشفاً عن خلل إداري...

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي جنود من الجيش اللبناني يقومون بتأمين منطقة عند مدخل قرية زوطر الغربية جنوب لبنان 23 يونيو 2026 (إ.ب.أ)

بيروت تُسلّم دمشق دفعة ثانية من السجناء السوريين المحكومين بموجب اتفاق ثنائي

سلّمت السلطات اللبنانية، الأربعاء، دمشق 128 محكوماً سورياً، وفق ما أفاد مصدر أمني «وكالة الصحافة الفرنسية».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي وسيم الأسد

بدء محاكمة وسيم الأسد بتهم «جرائم حرب»

انطلقت في «محكمة الجنايات الرابعة» بدمشق، الأربعاء، أولى جلسات محاكمة المتهم وسيم الأسد ‏المتورط في جرائم عدة بحق الشعب السوري خلال عهد النظام البائد...

«الشرق الأوسط» (دمشق)

لبنان ينتظر موقف إسرائيل من «المناطق النموذجية»

رجل يقود دراجة نارية صغيرة (سكوتر) أمس وسط  أنقاض مبان دمّرتها غارات إسرائيلية سابقة في النبطية بجنوب لبنان (أ.ب)
رجل يقود دراجة نارية صغيرة (سكوتر) أمس وسط أنقاض مبان دمّرتها غارات إسرائيلية سابقة في النبطية بجنوب لبنان (أ.ب)
TT

لبنان ينتظر موقف إسرائيل من «المناطق النموذجية»

رجل يقود دراجة نارية صغيرة (سكوتر) أمس وسط  أنقاض مبان دمّرتها غارات إسرائيلية سابقة في النبطية بجنوب لبنان (أ.ب)
رجل يقود دراجة نارية صغيرة (سكوتر) أمس وسط أنقاض مبان دمّرتها غارات إسرائيلية سابقة في النبطية بجنوب لبنان (أ.ب)

أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون أن المفاوضات اللبنانية - الأميركية - الإسرائيلية الجارية في واشنطن تتناول الإجراءات الأمنية اللازمة لإعادة الاستقرار إلى الجنوب وبسط سلطة الدولة حتى الحدود المعترف بها دولياً، مشيراً إلى أن البحث لا يزال مستمراً بشأن «المناطق النموذجية» المطروحة في إطار الترتيبات الأمنية، بانتظار موافقة الجانب الإسرائيلي عليها.

وفي الجلسة التفاوضية أمس (الأربعاء)، نجح المفاوضون اللبنانيون، بضغوط أميركية، في انتزاع موافقة نظرائهم الإسرائيليين على تنفيذ أول عملية انسحاب للقوات الإسرائيلية من المساحات المحتلة شمال نهر الليطاني، بوصفها خطوة تطبيقية أولى لإنشاء «مناطق نموذجية» خالية من أي وجود عسكري لـ«حزب الله».

وأجريت هذه الجولة في أجواء بالغة التشنج، إذ انفجر الغضب الإسرائيلي من «مذكرة التفاهم» التي توصلت إليها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع النظام الإيراني، وما تلاها من ضغوط على حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لالتزام وقف الحرب مع «حزب الله»، والشروع في جهود مكثفة لانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية المحتلة.


العراق يحاكم المسيّرات بـ«قانون الإرهاب»

عراقيون يعاينون الدخان من مستودع نفط في أطراف أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق عقب ضربة يُشتبه في أنها بطائرة مسيّرة بتاريخ 1 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
عراقيون يعاينون الدخان من مستودع نفط في أطراف أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق عقب ضربة يُشتبه في أنها بطائرة مسيّرة بتاريخ 1 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

العراق يحاكم المسيّرات بـ«قانون الإرهاب»

عراقيون يعاينون الدخان من مستودع نفط في أطراف أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق عقب ضربة يُشتبه في أنها بطائرة مسيّرة بتاريخ 1 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
عراقيون يعاينون الدخان من مستودع نفط في أطراف أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق عقب ضربة يُشتبه في أنها بطائرة مسيّرة بتاريخ 1 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قال مجلس القضاء الأعلى في العراق إنه وجَّه المحاكم المختصة بتطبيق أحكام «قانون مكافحة الإرهاب» على مستخدمي الطائرات المسيّرة.

وقال المجلس في بيان، أمس (الأربعاء)، إنه «وجّه المحاكم المختصة بتطبيق أحكام قانون مكافحة الإرهاب رقم (13) لسنة 2005 على كل من يُصنع أو يستخدم أو يحوز الطائرات المسيّرة التي تستخدم لأغراض مخالفة للقانون». والقانون المشار إليه هو التشريع الأساسي المعتمد في العراق لمحاكمة «الجناة في الجرائم والأفعال الإرهابية المهدِّدة للوحدة الوطنية وسلامة المجتمع»، وتصل أحكامه إلى عقوبة الإعدام بحق المنفذين الفعليين والمحرضين والمخططين والممولين.

من جهته، أكد مسؤول أمني أن «توجيه مجلس القضاء مرتبط حصرياً بالفصائل المسلحة بهدف كبح نشاطها».

وترفض فصائل، أبرزها «كتائب حزب الله» و«النجباء»، خطة حصر السلاح، فيما دعت طهران أخيراً إلى «تفهم موقفها».


مخاوف من تعزيز السيطرة الإسرائيلية على صلاحيات إدارة «الأقصى»

صورة لقبة المسجد الأقصى إلى جانب جزء من قبة الصخرة في القدس الشرقية (أ.ف.ب)
صورة لقبة المسجد الأقصى إلى جانب جزء من قبة الصخرة في القدس الشرقية (أ.ف.ب)
TT

مخاوف من تعزيز السيطرة الإسرائيلية على صلاحيات إدارة «الأقصى»

صورة لقبة المسجد الأقصى إلى جانب جزء من قبة الصخرة في القدس الشرقية (أ.ف.ب)
صورة لقبة المسجد الأقصى إلى جانب جزء من قبة الصخرة في القدس الشرقية (أ.ف.ب)

على الرغم من مزاعم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أكثر من مرة، بأنه لم يتم اتخاذ أي قرار يخص المسجد الأقصى في القدس، وأنه لا نية لتغيير «الوضع القائم» هناك، فإن كل شيء يدور حول المسجد يقول عكس ذلك.

وتسيطر إسرائيل على المسجد أمنياً بحكم الأمر الواقع، لكن منذ عقود طويلة ظلت إدارته منوطة بدائرة «الأوقاف الإسلامية» التابعة للمملكة الأردنية، التي حصلت على حق الإشراف عليه ضمن اتفاقات دولية وثنائية.

غير أن إسرائيل باتت تستهدف بشكل صامت هذه الإدارة وتحاول على الأرض تغيير الواقع. وقال المسؤول في محافظة القدس معروف الرفاعي، الثلاثاء، إن «إسرائيل تستهدف دائرة الأوقاف الإسلامية والعاملين فيها بشكل يهدد قدرتها على أداء دورها في المسجد وإدارته».

عامل ينظف منطقة في باحة المسجد الأقصى عقب التوصل إلى وقف إطلاق النار بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة بالبلدة القديمة بالقدس (أ.ب)

وأكد الرفاعي، في بيان، أن سلطات الاحتلال تنتهج سياسة ممنهجة لتقليص عدد الحراس والموظفين داخل المسجد الأقصى، حيث لم يعد عدد الحراس يتجاوز 20 حارساً، من أصل 50 للمناوبة الواحدة، في واحدة من أخطر الأزمات التي تواجه منظومة الحراسة منذ سنوات.

وأضاف: «هذا التراجع التاريخي والحاد وغير المسبوق يأتي نتيجة سلسلة من الإجراءات التعسفية، أبرزها إبعاد أكثر من 37 حارساً وموظفاً عن المسجد، وإلغاء تصاريح 30 موظفاً إدارياً من الضفة الغربية، ما أدى إلى شلل واضح في عمل مختلف أقسام دائرة الأوقاف، بما يشمل الجوانب الإدارية والفنية والخدماتية».

واعتبر الرفاعي أن هذه الإجراءات لا يمكن فصلها عن سياسة إسرائيلية أوسع تهدف إلى إضعاف دور دائرة الأوقاف الإسلامية، وتعطيل قدرتها على إدارة شؤون المسجد.

وحسبه، تواصل إسرائيل منع الأوقاف من تنفيذ أعمال الصيانة والترميم، وتعيق حتى الأعمال البسيطة والضرورية داخل المسجد، فيما صعدت الشرطة سياسة الاستيلاء التدريجي على مرافق ومعالم داخل المسجد الأقصى تحت ذرائع أمنية مثل قبة الإمام الغزالي، ودار الحديث الشريف، وقبة سليمان، وقبة موسى.

وأضاف: «هذا يعكس توجهاً خطيراً نحو فرض وقائع ميدانية جديدة داخل المسجد الأقصى».

وجاء كل ذلك مع خطوات أخرى تعكس مستوى غير مسبوق من التنسيق بين شرطة الاحتلال وجماعات «الهيكل» المتطرفة، بعدما أعلنت شرطة الاحتلال في الثالث من يونيو (حزيران) حملة لاستقطاب متطوعين جدد إلى ما تسمى «وحدة جبل الهيكل»، لمرافقة المستوطنين وتأمين اقتحاماتهم للمسجد وتوفير الحماية لهم.

وأكد الرفاعي أن هذا التوجه يكشف بوضوح عن سعي الاحتلال إلى توسيع نفوذ الجماعات المتطرفة داخل الأقصى، بالتوازي مع تقليص دور دائرة الأوقاف الإسلامية وتعطيل عملها، بما يخدم مشروع فرض السيطرة الإسرائيلية على المسجد ومرافقه.

معركة السيادة على الأقصى

ومعركة السيادة على الأقصى قديمة جداً، بدأت قبل قرار تأسيس إسرائيل، وربما كانت إسرائيل حسمتها مبكراً لولا حساسية المسألة سياسياً وأمنياً وعلى جبهات متعددة.

وبدأت القصة عام 1924، حسب الخارجية الأردنية منذ أيام الشريف الحسين بن علي، حين انعقدت له البيعة والوصاية على الأقصى، ثم تواصل ذلك في عهد الملك الراحل الحسين بن طلال الذي شكل عام 1954 لجنة إعمار الأقصى وقبّة الصخرة، وظل ذلك سارياً حتى بعد احتلال إسرائيل للقدس باعتبار دائرة الأوقاف التابعة للأردن آخر سلطة دينية إدارية كانت تشرف على الحرم الشريف هناك، وحين أُعلن قرار فك الارتباط القانوني والإداري مع الضفة الغربية في عام 1988، استثنى القرار مدينةَ القدس كي لا تقع في الفراغ أو يتسلّل لها الاحتلال.

واحتفظ الأردن بحقه في الإشراف على الشؤون الدينية بالقدس بموجب اتفاقية «وادي عربة» للسلام، التي وقّعها مع إسرائيل في 1994.

وفي مارس (آذار) 2013، وقّع العاهل الأردني الملك عبد الله، والرئيس الفلسطيني محمود عباس، اتفاقية تؤكد أن للمملكة حق «الوصاية والدفاع عن القدس والمقدسات» في فلسطين.

المصلون قرب قبة الصخرة في باحة المسجد الأقصى يؤدون صلاة الفجر بالقدس (أ.ف.ب)

وتقر السلطة الفلسطينية بدور الأردن في الإشراف على المقدسات، لكن ذلك لا يروق للإسرائيليين أبداً.

وخلال السنوات، شددت إسرائيل قبضتها على المسجد وحاربت دور الأوقاف، واستغلت كل حدث لإظهار سيطرتها الكاملة على المكان، فمنعت المسلمين من الوصول إليه في أوقات الحروب والأعياد الدينية، وقيدت وصولهم وحددت أعماراً وفئات يسمح لهم بالوصول في أوقات محددة.

ودعمت الحكومات الإسرائيلية اقتحامات للأقصى، وقاد وزراء هذه الاقتحامات، وقد اختبر الإسرائيليون والفلسطينيون معاً عدة مواجهات بسبب الموقع المقدس، منذ حرقه عام 1969، مروراً بانتفاضة الأقصى عام 2000، ثم مواجهات وانتفاضات صغيرة مثل «هبة الأقصى» وصولاً إلى معركة «البوابات»، ثم حرب كاملة مع «حماس» في غزة عام 2021، ثم حرب السابع من أكتوبر التي قالت «حماس» إن جزءاً كبيراً من أسبابها مرتبط بالأقصى وأطلقت عليها اسم «طوفان الأقصى».

الوزير الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير يحمل علماً أمام المسجد الأقصى في القدس القديمة الخميس (رويترز)

وفيما يتمسك الفلسطينيون والأردنيون والمسلمون جميعاً باعتبار الأقصى ثالث أقدس مكان ويخص كل المسلمين، يقول المتطرفون اليهود إنهم سيبنون مكانه «الهيكل» في يوم من الأيام.

وقاد وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير، في العامين الماضيين جولات من اقتحام المسجد، وصلى هناك وشجع آخرين على الصلاة في ذكرى ما يسمونه «خراب الهيكل» متعهداً «بالحكم والسيادة» في المسجد.

وعلى الرغم من أن نتنياهو يقول إن لا تغيير في وضع المسجد، فإن كثيرين في إسرائيل يقولون إن بن غفير والمستوطنين ينتهكون فعلياً هذا الوضع ويغيرونه.

ومع المفاوضات الكثيرة التي تدار بشأن القضية الفلسطينية، تسربت تقارير حول وجود خطة أميركية تقوم على إنهاء السيادة الإسلامية على المسجد الأقصى وحل مجلس الأوقاف الإسلامية، وإنشاء هيئة دولية تشارك فيها دولة الاحتلال للإشراف على المسجد بدلاً من دائرة الأوقاف الإسلامية. ونفت الولايات المتحدة علمها بذلك ولم تعقب إسرائيل.