زيلينسكي: أوروبا لا تستطيع ضمان أمن أوكرانيا من دون أميركا

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)
TT

زيلينسكي: أوروبا لا تستطيع ضمان أمن أوكرانيا من دون أميركا

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)

في مقابلة مطولة مع صحيفة «الغارديان» البريطانية، حذَّر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، عشية ما قد تكون رحلته الدبلوماسية الأكثر أهمية منذ بداية الحرب الروسية قبل 3 سنوات، من أنه إذا سحب الرئيس الأميركي دونالد ترمب الدعم الأميركي لأوكرانيا، فلن تتمكن أوروبا وحدها من سد الفجوة، مضيفاً: «هناك أصوات تقول إن أوروبا يمكن أن تقدم ضمانات أمنية من دون الأميركيين، وأنا أقول: لا... الضمانات الأمنية من دون أميركا ليست ضمانات أمنية حقيقية».

كان الرئيس الأميركي قد قال إنه يريد إنهاء الحرب في أوكرانيا؛ لكن المتشككين يخشون أن تتضمن الصفقة التي توسطت فيها الولايات المتحدة إجبار أوكرانيا على الاستسلام لمطالب فلاديمير بوتين المتطرفة.

وقال زيلينسكي إنه مستعد للتفاوض؛ لكنه يريد من أوكرانيا أن تفعل ذلك من «موقف قوة»، كما قال إنه سيعرض على الشركات الأميركية عقود إعادة إعمار مربحة، وامتيازات استثمارية، لمحاولة إقناع ترمب.

وأضاف: «أولئك الذين يساعدوننا في إنقاذ أوكرانيا ستكون لديهم الفرصة لإعادة إعمارها، بالعمل مع الشركات الأوكرانية».

مؤتمر ميونيخ للأمن

من المقرر أن يسافر زيلينسكي إلى مؤتمر ميونيخ للأمن في وقت لاحق من هذا الأسبوع؛ حيث يتوقع أن يلتقي بنائب الرئيس الأميركي، جيه دي فانس، أحد أكثر الأشخاص عدائية تجاه أوكرانيا بين الدائرة المقربة من ترمب. ففي مؤتمر العام الماضي، رفض فانس الذي كان آنذاك عضواً في مجلس الشيوخ، مقابلة زيلينسكي، وقال سابقاً إنه «لا يهتم حقاً بما يحدث لأوكرانيا، بطريقة أو بأخرى».

يخطط زيلينسكي أيضاً للقاء أعضاء آخرين من فريق ترمب، بالإضافة إلى أعضاء مجلس الشيوخ المؤثرين في ميونيخ؛ لكن «لا يوجد موعد حتى الآن» للقاء ترمب نفسه.

تحدث زيلينسكي باللغتين الأوكرانية والإنجليزية لتوضيح وجهة نظره، خلال المقابلة التي أجريت بعد ظهر يوم الاثنين، في غرفة مزينة بشكل فخم داخل مبنى الإدارة المحصن بشدة في وسط كييف.

كان ترمب قد قال أمس (الاثنين) إن الولايات المتحدة أنفقت مئات المليارات من الدولارات على أوكرانيا في السنوات الأخيرة، وإنه يريدها.

هذا يعني أنه إلى جانب رسائل زيلينسكي حول المخاطر الجيوسياسية والأخلاقية المترتبة على السماح لروسيا بالانتصار في أوكرانيا، فقد أضاف بعض الرسائل الجديدة المصممة خصيصاً للرئيس الأميركي. وأبرزها فكرة حصول الولايات المتحدة على أولوية الوصول إلى «الأتربة النادرة» في أوكرانيا، وهو الاحتمال الذي أثار اهتمام ترمب بما يكفي لذكره عدة مرات في ظهوره الإعلامي الأخير.

وقال زيلينسكي إنه طرح هذه الفكرة على ترمب في سبتمبر (أيلول) الماضي، عندما التقى الثنائي في نيويورك، وهو ينوي العودة «بخطة أكثر تفصيلاً» حول الفرص المتاحة للشركات الأميركية في إعادة إعمار أوكرانيا بعد الحرب، وفي استخراج الموارد الطبيعية الأوكرانية.

وقال زيلينسكي إن أوكرانيا تمتلك أكبر احتياطيات من اليورانيوم والتيتانيوم في أوروبا، وإنه «ليس من مصلحة الولايات المتحدة» أن تكون هذه الاحتياطيات في أيدي الروس، وربما يتم تقاسمها مع كوريا الشمالية أو الصين أو إيران. ولكن كان هناك حافز مالي أيضاً، كما قال: «نحن لا نتحدث فقط عن الأمن؛ بل وأيضاً عن المال والموارد الطبيعية القيمة؛ حيث يمكننا أن نقدم لشركائنا إمكانات لم تكن موجودة من قبل للاستثمار فيها. بالنسبة لنا، سيخلق ذلك فرص عمل، وبالنسبة للشركات الأميركية سيخلق أرباحاً».

«باتريوت» فقط

وقال زيلينسكي إنه من الأهمية لأمن أوكرانيا أن يستمر الدعم العسكري الأميركي، مستشهداً بأنظمة الدفاع الجوي «باتريوت». وقال: «(باتريوت) فقط يمكنها الدفاع عنا ضد جميع أنواع الصواريخ. هناك أنظمة أوروبية أخرى؛ لكنها لا تستطيع توفير الحماية الكاملة».

لقد أعطت الأسابيع الأولى من رئاسة ترمب الأوكرانيين أموراً كثيرة تدعو للقلق.

وفيما يتعلق بتجميد المساعدات الأميركية، قال زيلينسكي: «لن نشكو من تجميد بعض البرامج؛ لأن أهم شيء بالنسبة لنا هو المساعدات العسكرية، وقد تم الحفاظ عليها، وأنا ممتن لذلك. إذا كان لدى الجانب الأميركي الإمكانية والرغبة في مواصلة مهمته الإنسانية، فنحن نؤيد ذلك تماماً، وإذا لم يكن الأمر كذلك، فسنجد طريقنا للخروج من هذا الوضع».

كانت تصريحات ترمب العلنية بشأن أوكرانيا حتى الآن مجزأة ومتناقضة في كثير من الأحيان؛ لكن أحد الموضوعات التي سادت هي أنه في حين يريد التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب، يجب أن تكون أوروبا مسؤولة عن الحفاظ على السلام بعد ذلك. ورداً على ذلك، طرح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون فكرة إنشاء قوة حفظ سلام أوروبية يمكن نشرها في أوكرانيا، في مرحلة ما بعد اتفاق وقف إطلاق النار. وقال زيلينسكي إن مثل هذه المهمة لن تنجح إلا إذا تم نشرها على نطاق واسع.

لا تزال أوروبا بعيدة كل البعد عن الموافقة على نشر قوات جاهزة للقتال في أوكرانيا، وهي الخطوة التي من غير المرجح أن يوافق عليها بوتين في المفاوضات، وقال زيلينسكي إن مهمة حفظ السلام الأكثر ليونة من غير المرجح أن تنجح ما لم تأت مع ضمانات بأنها ستقف ضد روسيا إذا استأنفت موسكو الأعمال العدائية.

«سأكون صريحاً معك، لا أعتقد أن قوات الأمم المتحدة أو أي شيء مماثل ساعد أي شخص في التاريخ حقاً. اليوم لا يمكننا حقاً دعم هذه الفكرة. نحن مع وجود قوة حفظ سلام إذا كانت جزءاً من ضمان أمني، وأود أن أؤكد مرة أخرى أنه من دون أميركا هذا مستحيل» كذلك أضاف.

وإذا تمكن ترمب من إحضار أوكرانيا وروسيا إلى طاولة المفاوضات، فإن زيلينسكي يقول إنه يخطط لتقديم تبادل مباشر للأراضي مع روسيا، والتخلي عن الأراضي التي احتلتها كييف في منطقة كورسك الروسية، منذ إطلاق هجوم مفاجئ هناك قبل 6 أشهر.

وقال: «سنقوم بمبادلة منطقة بأخرى»؛ لكنه أضاف أنه لا يعرف أي جزء من الأراضي التي تحتلها روسيا ستطلبها أوكرانيا في المقابل. «لا أعلم، سنرى. لكن كل أراضينا مهمة، ولا توجد أولوية» هكذا قال زيلينسكي. وبينما يوجِّه انتباهه إلى همسات ترمب، قال إنه من السابق لأوانه الحكم على الإدارة السابقة.

علاقة فاترة مع واشنطن

وقيل إن العلاقات بين كييف وواشنطن أصبحت فاترة بشكل متزايد، مع إحباط فريق زيلينسكي من تركيز جو بايدن على إدارة مخاطر التصعيد.

وعندما سُئل عما إذا كان يعتقد أن بايدن سيُسجَّل في التاريخ بوصفه الرجل الذي ساعد في إنقاذ أوكرانيا، أو الرجل الذي استجاب ببطء شديد لمواجهة التحدي من بوتين، ضحك زيلينسكي، وقال إنه «من الصعب جداً» الحديث حول هذا في هذه المرحلة.

وانتقد عدم رغبة بايدن -في البداية- في تزويد أوكرانيا بالأسلحة «هذا الافتقار إلى الثقة أعطى الثقة لروسيا»؛ لكنه قال إن أوكرانيا ممتنة لكل المساعدة التي تلت ذلك.

وقال إن التقييم الكامل لن يظهر إلا مع مرور الوقت: «يُظهِر التاريخ أن هناك أشياء كثيرة لا نعرفها، ماذا حدث خلف الكواليس؟ وما هي المفاوضات التي جرت؟ من الصعب وصف كل ذلك اليوم؛ لأننا لا نعرف كل شيء. سنعرف لاحقاً، وسنعرف كل شيء».


مقالات ذات صلة

أميركا ستلتزم بالموعد النهائي لتقديم المساعدات العسكرية لأوكرانيا

أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال إلقاء كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة (أ.ف.ب) p-circle

أميركا ستلتزم بالموعد النهائي لتقديم المساعدات العسكرية لأوكرانيا

إدارة ترمب تقدم تعهدات ملزمة لإنفاق معظم المبلغ الذي أقره الكونغرس لتقديم مساعدات عسكرية لأوكرانيا، وبوتين يدرس كل الخيارات المطروحة على طاولة المفاوضات.

«الشرق الأوسط» (واشنطن - موسكو)
أوروبا ترمب يستجيب لطلبات زيلينسكي ويمنح كييف ترخيصاً لإنتاج صواريخ «باتريوت» p-circle

ترمب يستجيب لطلبات زيلينسكي ويمنح كييف ترخيصاً لإنتاج صواريخ «باتريوت»

حسم الرئيس دونالد ترمب قراراً يسمح لأوكرانيا بإنتاج صواريخ «باتريوت».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب) p-circle

زيلينسكي حضّ ترمب على طلب مساعدة الصين في إنهاء الحرب مع روسيا

قال الرئيس الأوكراني، الجمعة، إنه طلب من نظيره الأميركي الضغط على الرئيس الصيني لاستخدام تأثير بكين في موسكو لجعل روسيا تنهي غزوها ضد أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (كييف)
العالم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال اجتماع مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك يوم 22 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

زيلينسكي: ترمب قرّر منح أوكرانيا تراخيص لإنتاج صواريخ «باتريوت»

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، اليوم (الجمعة)، إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أبلغه بأنه حسم قراره لجهة السماح لكييف بإنتاج صواريخ «باتريوت».

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال إلقاء كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة (أ.ف.ب) p-circle

موسكو «لن تعلّق» عملياتها العسكرية بأوكرانيا وتنظر مشاركة بوتين في «قمة العشرين»

موسكو «لن تعلّق» عملياتها العسكرية في أوكرانيا وتنظر في مشاركة بوتين في «قمة العشرين» وروبيو يحذر من «توسع» الحرب لتشمل دولا أخرى.

«الشرق الأوسط» ( نيويورك (الأمم المتحدة))

مسيّرة روسية تُلحق أضراراً بمركز حدودي أوكراني قرب بولندا

عناصر إنقاذ أوكرانيون في موقع ضربة روسية استهدفت مبنى الأكاديمية الوطنية للعلوم في كييف يوم 28 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)
عناصر إنقاذ أوكرانيون في موقع ضربة روسية استهدفت مبنى الأكاديمية الوطنية للعلوم في كييف يوم 28 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)
TT

مسيّرة روسية تُلحق أضراراً بمركز حدودي أوكراني قرب بولندا

عناصر إنقاذ أوكرانيون في موقع ضربة روسية استهدفت مبنى الأكاديمية الوطنية للعلوم في كييف يوم 28 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)
عناصر إنقاذ أوكرانيون في موقع ضربة روسية استهدفت مبنى الأكاديمية الوطنية للعلوم في كييف يوم 28 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)

أفاد مسؤول أوكراني إقليمي، اليوم (الاثنين)، بأنّ مسيّرة روسية تعمل بمحرّك نفّاث أصابت قرية قرب الحدود البولندية، ما أدى إلى إلحاق أضرار بمعبر حدودي، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

ولم يكشف المسؤول أي تفاصيل على صلة بطبيعة نقطة التفتيش، أو حجم الأضرار الناجمة عن الانفجار. وفي الأسابيع الأخيرة، شنّت روسيا هجمات عدة قرب حدود أوكرانيا مع بولندا، ما استدعى إدانات من وارسو وحلفائها الأوروبيين. وفي وقت سابق من الشهر الحالي، أصابت مسيّرة روسية قطاراً متّجهاً إلى وارسو في المنطقة نفسها، في هجوم وصفه وزير الخارجية البولندي بأنه «تصعيد».

وقال رومان رومانيوك القائم بأعمال حاكم منطقة فولين في غرب أوكرانيا في منشور على «تلغرام»: «لسوء الحظ، وقع انفجار بالقرب من الحدود مع بولندا في قرية ستاروفويتوف... وقد ألحق الانفجار أضراراً بمبنى المعبر عند مدخل محطة المسافرين». وقال إنه لم ترد على الفور أي تقارير تفيد بوقوع إصابات أو قتلى. وتقع قرية ستاروفويتوف على بُعد نحو كيلومترين من الحدود البولندية، بالقرب من معبر «ياغودين» الحدودي الأوكراني.

وتطرّق وزير الدفاع البولندي فلاديسلاف كوسينياك-كاميش إلى الضربة في منشور على منصة «إكس». وقال الوزير إن «المجال الجوي البولندي لم يُنتهك، وكانت أنظمة الدفاع الجوي والطائرات التابعة لنا على أهبة الاستعداد للرد».

ولم تصدر روسيا على الفور أي تعليق. وكان الكرملين قال في وقت سابق من الشهر الحالي رداً على سؤال بشأن الضربة قرب الحدود البولندية، إن القوات الروسية ستواصل شن ضربات «على كامل الأراضي الأوكرانية».


بولندا تعتمد قواعد زمن الحرب لإسقاط الطائرات الأجنبية في أجوائها

أرشيفية لمسيرة (أ.ف.ب)
أرشيفية لمسيرة (أ.ف.ب)
TT

بولندا تعتمد قواعد زمن الحرب لإسقاط الطائرات الأجنبية في أجوائها

أرشيفية لمسيرة (أ.ف.ب)
أرشيفية لمسيرة (أ.ف.ب)

قال نائب وزير الدفاع البولندي، سيزاري تومتشيك، الاثنين، إنه سيصبح في إمكان المقاتلات والمروحيات البولندية إسقاط الطائرات الأجنبية التي يتم رصدها في أجواء البلاد، وفق تدابير دفاعية تُتخذ عادة في زمن الحرب.

وتأتي هذه الخطوة ضمن أحدث الإجراءات الرامية إلى تعزيز دفاعات بولندا، العضو في حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي، مع قرب إتمام الحرب في أوكرانيا المجاورة عامها الخامس، وازدياد تحذيرات حلفاء كييف من ازدياد خطر الطائرات المسيّرة الروسية.

وقال تومتشيك إن مثل هذا التغيير سيسمح «للطيار أو قائد العمليات باتخاذ قرار بإسقاط طائرة أجنبية استناداً إلى بيانات الرادار أو معلومات أخرى ترد إلى النظام».

وأشار إلى أن هذه المعايير «تطبّق عادة في حال الحرب أو الأحكام العرفية»، في حين أن المعايير المعتدة خلال فترات السلم تستوجب رؤية الطائرة بالعين المجردة، وليس فقط الاعتماد على قراءات أنظمة الرادار.

وقال المسؤول إن التغيير اعتمد لأن بولندا «تواجه احتمال دخول طائرات مسيّرة إلى أجوائها بشكل يومي».

وفي وقت سابق من سبتمبر (أيلول)، قال رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك، إن روسيا تخطط في إطار الحرب مع أوكرانيا، لشنّ هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة على حلفاء كييف، من بينهم بولندا.

وتتهم وارسو، وهي من أعضاء حلف شمال الأطلسي الأكثر إنفاقاً على الدفاع نسبة إلى حجم اقتصادها، موسكو، بتنفيذ استفزازات «متعددة الوسائل» على أراضيها، تشمل انتهاك مجالها الجوي باستخدام طائرات مسيّرة.


البابا يدعو من فرنسا إلى «وقف زحف الحرب» ويندد بوهم التسلح

البابا لاوون الرابع عشر في مركز روبيرت شومان للمؤتمرات في مدينة ميتز يلقي خطابه الاثنين والرئيس ماكرون مستمعاً (رويترز)
البابا لاوون الرابع عشر في مركز روبيرت شومان للمؤتمرات في مدينة ميتز يلقي خطابه الاثنين والرئيس ماكرون مستمعاً (رويترز)
TT

البابا يدعو من فرنسا إلى «وقف زحف الحرب» ويندد بوهم التسلح

البابا لاوون الرابع عشر في مركز روبيرت شومان للمؤتمرات في مدينة ميتز يلقي خطابه الاثنين والرئيس ماكرون مستمعاً (رويترز)
البابا لاوون الرابع عشر في مركز روبيرت شومان للمؤتمرات في مدينة ميتز يلقي خطابه الاثنين والرئيس ماكرون مستمعاً (رويترز)

اختار البابا لاوون الرابع عشر مدينة ميتز الفرنسية الواقعة قرب الحدود مع ألمانيا ودوقية لوكسمبورغ لتوجيه مجموعة من الرسائل السياسية في اليوم الأخير من زيارته رباعية الأيام إلى فرنسا. ولم يكن اختيار ميتز وليد مصادفة؛ بل كون هذه المدينة اشتهرت لأن السياسي والوزير الفرنسي روبيرت شومان الذي يعد أحد آباء ولادة الاتحاد الأوروبي بمسمياته المختلفة، عاش سنوات فيها، ودُفن في ضاحية قريبة منها. كذلك، فإن «مركز المؤتمرات» الذي استضاف اللقاء السياسي، صباح الاثنين، يحمل اسم روبيرت شومان، وخطاب البابا جاء تحت مسمى «في جذور أوروبا من أجل السلام والوحدة». ولأن أوروبا في قلب كلمة البابا، فإن الإليزيه عمد إلى توجيه دعوة لقادة دول الاتحاد الأوروبي وكبار مسؤوليه، إلا أن أياً من رؤساء الدول والحكومات الأوروبية لم يكن حاضراً باستثناء غيوم، دوق لوكسمبورغ ورئيس وزرائه وأمير موناكو وعدد من مسؤولي الصف الثاني في دول الاتحاد.

وقبل خطاب البابا، تحدث الرئيس الفرنسي الذي حض أوروبا على أن «تستعيد شجاعة مؤسسيها» من أجل أن «تصبح قوةً للسلام والاستقلال والديمقراطية، كما ينبغي لها أن تكون». لكن ماكرون سارع إلى توصيف الواقع الأوروبي حيث الحرب تدور منذ أكثر من 4 سنوات على الأراضي الأوروبية، وحيث الدعوات لإعادة التسلح والتحضر ربما لحروب آتية قائمة على قدم وساق. وإذ رأى أن «الأخطار تغيرت من حيث الحجم»، إلا أنه سارع لإضافة أنه «يجب أن تكون جهودنا من أجل السلام على قدر حجم التحديات، ومن أجل ضمان سيادة حقيقية، يتعين علينا بالتالي أن نتحرك». وهذا التحرك، بنظره «ضروري لضمان أمننا، والحفاظ على قيمنا»، ولتجنب ما سماه «عودة النزعات القومية» في أوروبا حيث اليمين المتطرف، أكان في ألمانيا أو فرنسا أو بريطانيا أو في بلدان أخرى، يحقق مزيداً من النجاحات الانتخابية.

بابا الفاتيكان والرئيس الفرنسي في جلسة حوارية مع مجموعة من المسؤولين الذين حضروا للاستماع لخطابه عن أوروبا في مركز شومان للمؤتمرات في مدينة ميتز الفرنسية الاثنين (إ.ب.أ)

وهم التسلح

ومنذ بداية ولايته، يطرح لاوون الرابع عشر نفسه داعية للسلام عبر العالم وحافزاً للتشجيع على الحوار بين الحضارات والثقافات والأديان والدول. ولأن الحرب «عادت، حتى إلى أوروبا حيث تدور مجزرة جديدة عبثية، تحصد أرواح عدد لا يحصى من المدنيين كل يوم»، ولأن محاولات إيجاد حد نهائي لها استمرت حتى اليوم بسبب تمسك كل طرف بموقفه، فإن البابا حض المفاوضين على «إظهار الشجاعة في المفاوضات، وأن نكون مستعدين للتخلي عن بعض مواقفنا من أجل الخير الأكبر، أي السلام».

واستحضر البابا في ذلك دعوة مماثلة أطلقها البابا بنديكتوس الخامس عشر عام 1917، في خضم المجازر التي شهدتها الحرب العالمية الأولى. واللافت أن لاوون الرابع عشر لم يذكر أوكرانيا ولا روسيا ولا أي دولة أخرى بالاسم، إلا أن إشارته للحرب الدائرة في أوكرانيا منذ 4 سنوات ونصف السنة جاءت جلية. ولأن الحرب مرتبطة عضوياً بزيادة التسلح، وهو الأمر الغالب اليوم في أوروبا بسبب الأوضاع والمخاطر الجيواستراتيجية، وتضاعف الإنفاق العسكري عموماً خصوصاً في أوروبا، فقد حرص البابا على التحذير من مخاطر «وهم التسلح». وقال: «علينا أن نحذّر من أن إعادة التسلح هي الحل» مضيفاً أن «علينا اليوم أن نسأل أنفسنا: هل نبذل بالفعل جهوداً إبداعية لتعزيز السلام العالمي، أم أننا نسعى ببساطة إلى وقف زحف الحرب والاستعداد بشكل أفضل لحروب نفترض أنها لا تزال قادمة». وذهب لاوون الرابع عشر إلى التنديد بعلاقات «تزداد همجية بين البشر وبين الدول»، منتقداً أيضاً «التباهي بالكذب والخداع»، وحضّ أوروبا على «وضع حدّ لهذه الدوامة بفضل احترام الآخر الذي عرفت كيف تنمّيه وتصونه».

البابا لاوون الرابع عشر في مدينة ميتز الفرنسية الاثنين في طريقه إلى كاتدرائية سانت إتيان (أ.ب)

الهجرات والإرث الأوروبي

وخلال الأيام الأربعة المنصرمة، دعا البابا في أكثر من مناسبة، إلى تغليب الحوار والحوار متعدد الأطراف، محذراً من الحوارات الفارغة التي تحولت إلى «مسرحية صورية»، كما حذر من تغليب قانون القوة على قوة القانون. وفيما يقوى عود الدعوات الشوفينية والقومية المتطرفة، حرص بابا روما على التذكير بأهمية الانفتاح على التلاقح وعلى التعددية الثقافية التي في أساس البناء الأوروبي، وضرورة تغليب سيادة القانون والمساواة بين الناس. وفي هذا السياق، كان لا بد له من تناول مسألة الهجرات المتدفقة على أوروبا الساعية إلى إقفال الأبواب، وبناء الأسيجة والجدران بوجه المهاجرين واللاجئين بما في ذلك على المستوى الأوروبي الجماعي.

وبداية، أعاد البابا إلى الأذهان أن الحضارة الأوروبية «ثمرة لقاءات تمتد عبر قرون، حتى إن لم تكن هذه اللقاءات سهلة دائماً»، في إشارة إلى الهجرات التي توافدت على أوروبا خلال العصور المنصرمة، حيث «ازدهرت وتقدمت عندما تمكنت من الاستفادة من أفضل جوانب ماضيها، وإعادة ابتكارها بطرق جديدة ومبدعة من خلال الانفتاح على الآخرين».

أما اليوم، فإن «أوروبا المعاصرة تواجه مرحلة جديدة من تاريخها الطويل من اللقاءات، مع وصول عدد كبير من الرجال والنساء إلى القارة، فراراً من ساحات الحرب والاضطهاد، أو بحثاً عن حياة أفضل بعيداً عن الفقر والبؤس». وإزاء المآسي المتلاحقة في المتوسط، رفع البابا الصوت ليدعو إلى التعامل مع اللاجئين والمهاجرين بطريقة «إنسانية» بما يحفظ كرامتهم الإنسانية مكرراً دعوته من أجل توفير «مسارات قانونية وآمنة» للهجرة، والتعاون الدولي لمكافحة الاتجار بالبشر، كذلك دعا القادة الأوروبيين إلى العمل على دمج المهاجرين الذين يصلون إلى القارة الأوروبية، وتوفير الفرص لهم كما لو كانوا أفراداً في العائلة نفسها. وخلال لقائه بمجموعة من المهاجرين في مؤسسة باريسية تعمل على استقبالهم، حض البابا على إدماج اللاجئين والمهاجرين في المجتمعات التي يحلون فيها ومنحهم فرصاً للانخراط. وإزاء الدعوات للانغلاق الحضاري في المجتمعات الأوروبية، فإن لاوون الرابع عشر ركز على الانفتاح والتعددية الثقافية رغم إشارته إلى الجذور المسيحية لأوروبا.

حقيقة الأمر أن بابا روما في وادٍ وما هو جارٍ في أوروبا في وادٍ آخر. ولا يصح ذلك فقط على ملف الهجرات؛ فالبابا ندد بالقوانين الجديدة في أوروبا التي تتيح الموت الرحيم معتبراً أن ذلك يمكن عدُّه «قانونياً ولكنه ليس أخلاقياً». كذلك ندد بزواج المثليين وبالإنجاب من خلال استعارة أحشاء أخريات، ولم يفته التحذير من فقدان الجوهر الإنساني، والعيش في ظل «جنة الآلات» واستبداد الذكاء الاصطناعي.