«سيسكو» تلتزم بإنشاء قاعدة محلية داخل السعودية لتصنيع منتجاتها من أجهزة «الواي-فاي»

«سيسكو» لـ«الشرق الأوسط»: «السعودية تتحول بسرعة إلى قوة عالمية في الذكاء الاصطناعي»

هدف «سيسكو» دمج الذكاء الاصطناعي في حلولها ليتوافق مع توقعات السوق السعودية (شاترستوك)
هدف «سيسكو» دمج الذكاء الاصطناعي في حلولها ليتوافق مع توقعات السوق السعودية (شاترستوك)
TT

«سيسكو» تلتزم بإنشاء قاعدة محلية داخل السعودية لتصنيع منتجاتها من أجهزة «الواي-فاي»

هدف «سيسكو» دمج الذكاء الاصطناعي في حلولها ليتوافق مع توقعات السوق السعودية (شاترستوك)
هدف «سيسكو» دمج الذكاء الاصطناعي في حلولها ليتوافق مع توقعات السوق السعودية (شاترستوك)

مع تسريع المملكة العربية السعودية استراتيجية التحول الرقمي وفق «رؤية 2030»، تُعمق الشركات العالمية التزامها بدعم المستقبل الاقتصادي والتكنولوجي للمملكة. أحد أبرز الإعلانات في هذا المجال جاء على هامش معرض «ليب 2025»، الذي تستضيفه مدينة الرياض، من شركة «سيسكو (Cisco)»، كاشفاً عن سلسلة من الاستثمارات الاستراتيجية لتعزيز قدرات المملكة في الذكاء الاصطناعي، والبنية التحتية السحابية، والتصنيع المحلي.

ديفيد ميدز نائب رئيس «سيسكو» لمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا وتركيا ورومانيا ودول الكومنولث المستقلة (سيسكو)

وضع أساس التصنيع المحلي في السعودية

يتمثل إعلان «سيسكو» في التزامها بإنشاء قاعدة تصنيع محلية بالسعودية، على أن يبدأ العمل التحضيري لها في عام 2025. تقوم الشركة بإعداد البنية التحتية لتصنيع منتجاتها من أجهزة «Wi-Fi» داخل المملكة. ومن المتوقع أن تدعم هذه المبادرة هدف السعودية بأن تصبح مركزاً تكنولوجياً عالمياً، وتعزيز مرونة سلسلة التوريد، من خلال تقليل الاعتماد على الواردات، وخلق فرص عمل جديدة عالية المهارة، وتعزيز الشراكات الصناعية المحلية.

وفي مقابلة خاصة لـ«الشرق الأوسط»، أكد ديفيد ميدز، نائب رئيس «سيسكو» لمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا وتركيا ورومانيا ودول الكومنولث المستقلة، أن استثمار «سيسكو» في التصنيع السعودي يمثل التزاماً طويل الأجل. وأشار إلى أن شركته ستضع الأساس لأول منشأة تصنيع لها في السعودية، بدءاً من منتجات «Wi-Fi». وبينما لم يجرِ تحديد جدول زمني محدد للإنتاج، فإن مجلس إدارة الشركة وافق، بالفعل، على المبادرة، مما يؤكد استثمارات «سيسكو» العميقة في السوق السعودية.

ويَعدّ ميدز أن هدف «سيسكو» هو أن تكون الكوادر السعودية في قلب هذه المبادرة التصنيعية بهدف خلق فرص عمل محلية، وتعزيز الاكتفاء التكنولوجي. وذكر أن هذا يتماشى مع جهود الحكومة السعودية لتطوير قطاع تصنيع محلي قوي، مما يقلل الاعتماد على سلاسل التوريد العالمية، ويخلق اقتصاداً رقمياً قوياً.

مركزان سحابيان للبيانات

إضافة إلى التزامها بإنشاء قاعدة تصنيع محلية في السعودية، أعلنت «سيسكو» إطلاق مركزين سحابيين للبيانات؛ لتعزيز الأمن السيبراني والتعاون الرقمي وتوسيع برامج تنمية مواهب الذكاء الاصطناعي؛ لسد الفجوة في المهارات الرقمية. تعكس هذه المبادرات التزام الشركة طويل الأمد بدعم الاقتصاد الرقمي السعودي، من خلال مساعدة الشركات على تعزيز المرونة الرقمية، وتأمين بنية الذكاء الاصطناعي، ودفع الابتكار المحلي. وشدد ميدز على أن «سيسكو» ليست جديدة في المملكة. وقال: «نحن موجودون هنا منذ 27 عاماً، ونُضاعف وجودنا بسبب الفرص الهائلة للنمو في السعودية».

تعزيز البنية التحتية السحابية

يوفر المركزان السحابيان للبيانات في السعودية، واللذان أصبحا، الآن، يعملان بالكامل حلولاً متقدمة للأمن السيبراني عبر تقنيات «سيسكو» للوصول الآمن وحافة الخدمة الآمنة، بالإضافة إلى أدوات التعاون المدعومة بالذكاء الاصطناعي عبر «ويبكس» مما يتيح العمل عن بُعد والاجتماعات الافتراضية بسلاسة. من خلال تقديم هذه الخدمات السحابية المحلية، تضمن «سيسكو» وصول الشركات السعودية إلى تقنيات عالمية المستوى بأمان وسرعة عالية، مع الامتثال للوائح سيادة البيانات المحلية.

وأوضح ديفيد ميدز أهمية هذا الاستثمار، قائلاً: «لقد وعدنا بتقديم خدمات سحابية محلية في السعودية، واليوم، هذه المراكز تعمل بالكامل لدعم الشركات في جميع أنحاء المملكة». وتتماشى هذه الخطوة مع جهود السعودية لبناء نظام بيئي رقمي مستدام، وتقليل الاعتماد على مُزوّدي الخدمات السحابية الأجنبية.

«ويبكس» تطبيق متعدد الوظائف لمكالمات الفيديو والصوت الجماعية لسطح المكتب من «سيسكو» (شاترستوك)

توسيع برامج تنمية مواهب الذكاء الاصطناعي

أحد أكبر التحديات التي تواجه تبنّي الذكاء الاصطناعي عالمياً هو نقص الكوادر المؤهلة. وفقاً لمؤشر «سيسكو» لاستعداد الذكاء الاصطناعي، فإن 72 في المائة من المنظمات السعودية لديها استراتيجية للذكاء الاصطناعي، لكن 46 في المائة فقط يعتقدون أن لديهم المهارات اللازمة لتنفيذها بفعالية. ولسدِّ هذه الفجوة، تُضاعف «سيسكو» استثماراتها في برامج التدريب على الذكاء الاصطناعي والمهارات الرقمية في السعودية.

تقوم الشركة بتوسيع أكاديمية «سيسكو» للشبكات، التي درّبت، بالفعل، أكثر من 400,000 طالب سعودي في مجالات الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، وعلوم البيانات. وفي عام 2024 وحده، أكمل 86,000 طالب سعودي التدريب، منهم 36 في المائة من النساء.

ويلفت ميدز إلى أن إمكانات الذكاء الاصطناعي لن تتحقق إلا بوجود الكوادر المؤهلة، موضحاً أن أكبر عائق أمام الابتكار ليس التكنولوجيا، بل المهارات. ويضيف: «لهذا نقوم بمضاعفة استثماراتنا في تدريب الكوادر السعودية؛ لضمان نجاح تبنّي الذكاء الاصطناعي».

وتتماشى مبادرة المهارات مع الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي وتنمية القوى العاملة في المملكة، مما يضمن أن يكون المحترفون السعوديون مجهّزين لقيادة الموجة المقبلة من التحول الرقمي. ومن خلال توسيع هذه البرامج التدريبية، تسهم «سيسكو» في إنشاء قوة عاملة عالية المهارة يمكنها دفع النمو المدعوم بالذكاء الاصطناعي عبر قطاعات متعددة.

بنية الذكاء الاصطناعي والمرونة الرقمية

تُظهر أبحاث «سيسكو» أن تبنِّي الذكاء الاصطناعي يتسارع في السعودية، حيث إن 72 في المائة من قادة الأعمال السعوديين، لديهم استراتيجية واضحة للذكاء الاصطناعي، و50 في المائة يستثمرون بين 20 و30 في المائة من ميزانيتهم التكنولوجية في الابتكار في الذكاء الاصطناعي، و98 في المائة من المنظمات تعترف بأهمية نشر الذكاء الاصطناعي لتعزيز العمليات التجارية. ومع ذلك فإن الذكاء الاصطناعي يعتمد على البنية التحتية التي تُدعمه.

تنصح «سيسكو» الشركات السعودية بالتركيز على الشبكات الجاهزة للذكاء الاصطناعي، التي يمكنها التعامل مع أحجام البيانات الكبيرة والمخاطر الأمنية.

ونوه ميدز بأهمية ذلك قائلاً إنه «لا يوجد ذكاء اصطناعي دون بنية تحتية... يجب على الشركات التأكد من أن شبكاتها جاهزة للذكاء الاصطناعي، وآمنة، وقابلة للتوسع».

وكانت «سيسكو» قد أطلقت مؤخراً نظام الدفاع بالذكاء الاصطناعي، وهو إطار أمني من الجيل التالي مصمم لحماية نماذج الذكاء الاصطناعي من التهديدات السيبرانية، وضمان نشر آمن للذكاء الاصطناعي في قطاعات حساسة، مثل التمويل والرعاية الصحية، واستخدام الأتمتة المدعومة بالذكاء الاصطناعي؛ لاكتشاف ومنع الاختراقات الأمنية في الوقت الفعلي.

ومع لعب الذكاء الاصطناعي دوراً مركزياً في التحول الرقمي السعودي، تضمن «سيسكو» أن تكون الشركات مجهزة بالبنية التحتية والأمان والكوادر اللازمة لدمج حلول الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع.

مستقبل الشبكات في السعودية

في المستقبل، تتوقع «سيسكو» أن يشهد المشهد التكنولوجي السعودي تحولاً كبيراً نحو الأتمتة المدعومة بالذكاء الاصطناعي عبر القطاعات، واستثمارات ضخمة في المدن الذكية مثل «نيوم»، وانتقالاً سريعاً نحو الإنتاج الرقمي المحلي والأمن السيبراني. تشير التقارير إلى أن 25 في المائة من الوظائف ستتغير بسبب تطورات الذكاء الاصطناعي، وفي قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات سيتطور أكثر من 92 في المائة من الأدوار بشكل كبير.

ويَعدُّ ميدز أن كل قطاع في السعودية؛ من الرعاية الصحية إلى التصنيع، سيعتمد الذكاء الاصطناعي بوتيرة غير مسبوقة. ويقول: «المملكة تتحرك أسرع من معظم الأسواق العالمية، وهذا يخلق فرصة مثيرة للابتكار».

ومع توسع «سيسكو» في استثماراتها بالسعودية، تظل الشركة تركز على تعزيز الأمن السيبراني لحماية تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وبناء خطط تدريب الكوادر اللازمة للتحول الرقمي المستقبلي، ودعم مهمة السعودية في الريادة في الذكاء الاصطناعي، والسحابة، والابتكار في الاتصالات.

يختتم ميدز رؤية «سيسكو» للمستقبل قائلاً: «السعودية تتحول بسرعة إلى قوة عالمية في الذكاء الاصطناعي... باستثماراتنا الجديدة، نلتزم بأن نكون جزءاً من هذا التحول لعقود مقبلة».

ومع تحرك السعودية نحو مستقبل أكثر اتصالاً ومدعوم بالذكاء الاصطناعي، ستلعب مبادرات «سيسكو» دوراً رئيسياً في تشكيل الجيل القادم من الشبكات، والبنية التحتية، والمرونة الرقمية، مما يضمن مكانة المملكة في طليعة الابتكار العالمي.


مقالات ذات صلة

السيارات ذاتية القيادة… هل تجعل التنقل أسهل أم المدن أكثر ازدحاماً؟

تكنولوجيا قد تعيد السيارات ذاتية القيادة تشكيل أنماط التنقل اليومية من حيث التوقيت والمكان وطريقة الاستخدام (شاترستوك)

السيارات ذاتية القيادة… هل تجعل التنقل أسهل أم المدن أكثر ازدحاماً؟

تكشف دراسة أن السيارات ذاتية القيادة قد تسهّل التنقل الفردي وتقلل الحاجة للمواقف، لكنها قد تزيد الازدحام وتغيّر سلوك التنقل وتخطيط المدن مستقبلاً.

نسيم رمضان (لندن)
علوم صورة من موقع شركة «آيبر» يظهر فيها عمل النظام الروبوتي المزدوج لتنظيف المسبح من السطح إلى الجدران إلى القاع

نظام روبوتي ذكي مزدوج لتنظيف المسابح

يعمل بشكل ذاتي من السطح إلى القاع بتغطية شاملة

غريغ إيلمان (واشنطن)
تكنولوجيا تلعب طريقة عرض المعلومات وسردها دوراً أساسياً في تشكيل الفهم وليس فقط مضمونها (شاترستوك)

دراسة تبحث: هل يغيّر الذكاء الاصطناعي طريقة تفكيرنا رغم صحة المعلومات؟

دراسة تظهر أن الذكاء الاصطناعي يؤثر في الآراء عبر طريقة عرض المعلومات حتى عندما تكون الحقائق صحيحة وغير مضللة.

نسيم رمضان (لندن)
خاص تعتمد نسبة كبيرة من المؤسسات على أنظمة تقليدية وموردين خارجيين ما يبطئ الابتكار ويزيد التعقيد التشغيلي (أدوبي)

خاص من التبنِّي إلى التنفيذ… «الفنتك» السعودي يدخل مرحلة النضج الحاسمة

قطاع «الفنتك» في السعودية ينتقل من التبنِّي السريع إلى تحديات التنفيذ مع الحاجة لتحديث الأنظمة والبيانات لتعزيز الابتكار والتوسع المستدام.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا رئيس شركة «أبل» تيم كوك خلال أحد المؤتمرات السنوية للشركة (إ.ب.أ)

«أبل» في عامها الخمسين… قصة شركة أعادت تشكيل التكنولوجيا العالمية

مسيرة «أبل» خلال 50 عاماً تعكس قدرة استثنائية على الابتكار وإعادة الابتكار، من مرآب صغير إلى شركة أعادت تشكيل التكنولوجيا العالمية.

نسيم رمضان (لندن)

السيارات ذاتية القيادة… هل تجعل التنقل أسهل أم المدن أكثر ازدحاماً؟

قد تعيد السيارات ذاتية القيادة تشكيل أنماط التنقل اليومية من حيث التوقيت والمكان وطريقة الاستخدام (شاترستوك)
قد تعيد السيارات ذاتية القيادة تشكيل أنماط التنقل اليومية من حيث التوقيت والمكان وطريقة الاستخدام (شاترستوك)
TT

السيارات ذاتية القيادة… هل تجعل التنقل أسهل أم المدن أكثر ازدحاماً؟

قد تعيد السيارات ذاتية القيادة تشكيل أنماط التنقل اليومية من حيث التوقيت والمكان وطريقة الاستخدام (شاترستوك)
قد تعيد السيارات ذاتية القيادة تشكيل أنماط التنقل اليومية من حيث التوقيت والمكان وطريقة الاستخدام (شاترستوك)

لطالما اتسمت رحلة التنقل اليومية في كثير من المدن حول العالم بازدحام مروري، والبحث الطويل عن موقف للسيارة، وتوسع مستمر في المساحات الحضرية المخصصة للمركبات. لكن مع اقتراب السيارات ذاتية القيادة من الانتشار الواسع، يتساءل الباحثون عما سيحدث عندما لا يعود هناك سائقون؟

تشير دراسة حديثة حول تأثير المركبات ذاتية القيادة على أنماط التنقل الصباحية إلى أن الإجابة ليست بسيطة كما قد يبدو. فهذه التقنية لا تعد بتقليل الازدحام فقط، بل قد تعيد تشكيل طريقة التنقل وتوقيته ومكانه، بما يحمل فرصاً جديدة وتحديات غير متوقعة.

إعادة التفكير في مفهوم مواقف السيارات

أحد أبرز التغييرات المحتملة يتعلق بكيفية التعامل مع مواقف السيارات. فاليوم، تشغل مواقف السيارات مساحات كبيرة في المدن، ومع ذلك لا يزال العثور على موقف مناسب يمثل تحدياً لكثير من المستخدمين.

مع السيارات ذاتية القيادة، قد يتغير هذا الواقع بشكل جذري. فبإمكان السيارة أن تُنزل الركاب عند وجهتهم، ثم تتحرك بمفردها إلى مناطق أقل ازدحاماً، وغالباً أقل تكلفة خارج مراكز المدن. وهذا قد يقلل الحاجة إلى مواقف السيارات في المناطق المركزية، ويفتح المجال لإعادة استخدام هذه المساحات لأغراض أخرى مثل الإسكان أو الأنشطة التجارية أو المساحات العامة. بالنسبة للمستخدمين، يعني ذلك وقتاً أقل في البحث عن موقف وتكاليف أقل. أما بالنسبة للمدن، فإن التأثيرات قد تكون أعمق وأكثر تعقيداً.

سيكون لتبني السيارات ذاتية القيادة تأثير مباشر على تخطيط المدن واستخدام الأراضي وقيمة المواقع (شاترستوك)

مفارقة الكفاءة والازدحام

رغم أن السيارات ذاتية القيادة تعد بمزيد من الراحة، فإن الدراسة تشير إلى احتمال ظهور آثار جانبية غير متوقعة. فإذا أصبحت مواقف السيارات خارج المدن خياراً سهلاً، فقد يفضل عدد أكبر من الأشخاص استخدام السيارات بدلاً من وسائل النقل العام. كما أن تحرك السيارات دون ركاب إلى مواقع الانتظار قد يزيد من حركة المرور الإجمالية. وتشير النماذج إلى أن انتشار هذه المركبات قد يؤدي إلى زيادة إجمالي المسافات المقطوعة ومدة التنقل مقارنة بالنظام التقليدي. وهنا تظهر مفارقة واضحة: قد تصبح الرحلة الفردية أكثر سهولة، لكن النظام كله قد يصبح أكثر ازدحاماً.

تغير سلوك التنقل

إلى جانب البنية التحتية، قد تؤثر السيارات ذاتية القيادة على سلوك الأفراد. فعندما لا تكون هناك حاجة للقيادة، يمكن استغلال وقت الرحلة للعمل أو الترفيه أو الراحة. وهذا قد يجعل الرحلات الطويلة أكثر قبولاً، ويدفع البعض للسكن في مناطق أبعد عن أماكن العمل. كما قد تتغير أوقات الانطلاق. فقد يختار المستخدمون توقيت رحلاتهم بناءً على ظروف المرور أو التكلفة أو الراحة، ما يؤدي إلى أنماط تنقل أكثر مرونة مقارنة بالروتين التقليدي. ولفهم هذه التغيرات، استخدم الباحثون نماذج تحاكي قرارات الأفراد بشأن توقيت الرحلة ومكان الوقوف والتوازن بين الزمن والتكلفة. وتشير النتائج إلى أن هذه القرارات ستصبح أكثر ديناميكية وتأثراً بالعوامل الاقتصادية.

يعتمد تأثير السيارات ذاتية القيادة النهائي على السياسات والتنظيم وليس على التكنولوجيا وحدها لتحقيق التوازن بين الكفاءة والازدحام (شاتوستوك)

تداعيات على التخطيط الحضري

بالنسبة لمخططي المدن، تنطوي هذه النتائج على فرص وتحديات في آن واحد. فالسيارات ذاتية القيادة قد تقلل الحاجة إلى مواقف السيارات في مراكز المدن، وتتيح استخداماً أكثر كفاءة للأراضي. لكنها في الوقت نفسه قد تزيد الضغط على شبكات الطرق إذا لم تتم إدارتها بشكل مناسب. وهذا يضع صناع القرار أمام مرحلة حاسمة، حيث ستؤثر السياسات المتعلقة بالنقل والبنية التحتية على كيفية استيعاب هذه التقنية.

تشير الدراسة إلى أن تأثير السيارات ذاتية القيادة يتجاوز النقل نفسه، ليصل إلى طريقة تصميم المدن. فإذا انتقلت مواقف السيارات إلى خارج المراكز، فقد تتغير قيمة الأراضي في هذه المناطق. وإذا أصبحت الرحلات أكثر مرونة، فقد تتبدل أنماط الازدحام التقليدية. كما أن زيادة الاعتماد على السيارات قد تفرض إعادة النظر في التوازن بين النقل الخاص والعام.

بين الابتكار والسياسات

في النهاية، لن يتحدد تأثير هذه التقنية بالتطور التكنولوجي فقط، بل بكيفية دمجها ضمن الأنظمة الحالية. فمن دون سياسات واضحة، قد تؤدي الراحة التي توفرها السيارات ذاتية القيادة إلى نتائج عكسية مثل زيادة الازدحام. أما إذا تم توجيهها بشكل مدروس، فقد تسهم في تحسين الكفاءة وتقليل التكاليف وتعزيز جودة الحياة في المدن.

غالباً ما تُقدَّم السيارات ذاتية القيادة كحل لمشكلات الازدحام، لكن الدراسة تشير إلى أنها تمثل تحولاً أعمق، يعيد تشكيل الأنظمة القائمة بدلاً من حلّها بشكل مباشر.

رحلة الصباح اليومية، التي كانت تعتمد على قرارات بشرية، قد تصبح قريباً محكومة بخوارزميات وعوامل اقتصادية وأنظمة آلية. والنتيجة النهائية لن تعتمد على التقنية فقط، بل على الخيارات التي تُتّخذ اليوم.


بدعوى لافتة... هيئة أميركية تُحمّل «إنستغرام» و«يوتيوب» مسؤولية إدمان وسائل التواصل

مارك زوكربيرغ الرئيس التنفيذي لـ«ميتا» يظهر بصورة خلف شعار الشركة (أ.ف.ب)
مارك زوكربيرغ الرئيس التنفيذي لـ«ميتا» يظهر بصورة خلف شعار الشركة (أ.ف.ب)
TT

بدعوى لافتة... هيئة أميركية تُحمّل «إنستغرام» و«يوتيوب» مسؤولية إدمان وسائل التواصل

مارك زوكربيرغ الرئيس التنفيذي لـ«ميتا» يظهر بصورة خلف شعار الشركة (أ.ف.ب)
مارك زوكربيرغ الرئيس التنفيذي لـ«ميتا» يظهر بصورة خلف شعار الشركة (أ.ف.ب)

أصدرت هيئة محلفين حكماً يقضي بتحميل كل من شركتي «ميتا» و«يوتيوب» المسؤولية، في دعوى فريدة من نوعها تهدف إلى تحميل منصات التواصل الاجتماعي المسؤولية عن الأضرار التي تلحق بالأطفال المستخدمين لخدماتها، ومنحت للمدعية تعويضات بقيمة 3 ملايين دولار.

وقررت هيئة المحلفين في كاليفورنيا، بعد أكثر من 40 ساعة من المداولات على مدار تسعة أيام، أن شركتي «ميتا» و«يوتيوب» أهملتا في تصميم وتشغيل منصتيهما.

وأقرت هيئة المحلفين أيضاً أن إهمال كلتا الشركتين كان عاملاً جوهرياً في التسبب بالأذى للمدعية، وهي شابة تبلغ من العمر 20 عاماً تقول إن استخدامها لوسائل التواصل الاجتماعي في طفولتها أدى إلى إدمانها على التكنولوجيا وزاد من معاناتها النفسية.

شعار شركة «يوتيوب» (أ.ف.ب)

وأكدت القاضية كارولين بي كول أن هيئة المحلفين أبلغت المحكمة بأنها توصلت إلى حكم. ونبهت الجمهور ووسائل الإعلام بأنه ينبغي عليهم عدم إظهار أي رد فعل علني تجاه الحكم، أياً كان.

وقالت: «لا صراخ، لا ردود أفعال، لا إزعاج». وأضافت أن من يتصرف بهذه الطريقة سيتم إخراجه من قاعة المحكمة.

وكانت شركة «ميتا» وشركة «يوتيوب»، المملوكة لـ«غوغل»، هما المدعى عليهما الباقيين في القضية بعد أن توصلت شركتي «تيك توك» و«سناب» إلى تسويات قبل بدء المحاكمة.


دراسة تبحث: هل يغيّر الذكاء الاصطناعي طريقة تفكيرنا رغم صحة المعلومات؟

تلعب طريقة عرض المعلومات وسردها دوراً أساسياً في تشكيل الفهم وليس فقط مضمونها (شاترستوك)
تلعب طريقة عرض المعلومات وسردها دوراً أساسياً في تشكيل الفهم وليس فقط مضمونها (شاترستوك)
TT

دراسة تبحث: هل يغيّر الذكاء الاصطناعي طريقة تفكيرنا رغم صحة المعلومات؟

تلعب طريقة عرض المعلومات وسردها دوراً أساسياً في تشكيل الفهم وليس فقط مضمونها (شاترستوك)
تلعب طريقة عرض المعلومات وسردها دوراً أساسياً في تشكيل الفهم وليس فقط مضمونها (شاترستوك)

مع تزايد اعتماد المستخدمين على أدوات الذكاء الاصطناعي للحصول على المعلومات، يبرز سؤال أساسي: هل تستطيع هذه الأنظمة التأثير ليس فقط في ما نعرفه، بل أيضاً في طريقة تفكيرنا؟

دراسة أكاديمية حديثة نُشرت في «PNAS Nexus» تحاول الإجابة عن هذا السؤال من خلال تحليل كيفية تأثير السرديات التاريخية التي ينتجها الذكاء الاصطناعي على آراء الأفراد. وتشير النتائج إلى أن المعلومات قد تكون دقيقة من حيث الوقائع، لكنها لا تكون بالضرورة محايدة في تأثيرها.

تجربة منهجية لقياس التأثير

اعتمدت الدراسة على تجربة واسعة شملت 1912 مشاركاً، وهدفت إلى قياس تأثير التعرض لنصوص تاريخية مولدة بالذكاء الاصطناعي على آراء الأفراد. عُرضت على المشاركين ملخصات لأحداث تاريخية تم إنشاؤها بواسطة الذكاء الاصطناعي، ثم طُلب منهم تقييم مواقفهم تجاه مواضيع مرتبطة بها. ولم يكن الهدف اختبار المعلومات المضللة، بل فهم ما إذا كان أسلوب العرض وحده حتى مع بقاء الحقائق ثابتة يمكن أن يؤثر في الحكم. والنتيجة كانت واضحة: نعم، يمكن لذلك أن يحدث. فحتى عندما لم تتغير الوقائع، أدت الاختلافات في طريقة السرد إلى تغيّر ملحوظ في آراء المشاركين. وهذا يعني أن التأثير لا يتطلب معلومات خاطئة، بل يمكن أن ينشأ من طريقة العرض نفسها.

يتحول دور الذكاء الاصطناعي من نقل المعلومات إلى تفسيرها ضمن سياق سردي متكامل (أدوبي)

التحيز الكامن: تأثير غير مرئي

تسلّط الدراسة الضوء على مفهوم ما يُعرف بـ«التحيز الكامن»، وهو التحيز الذي يظهر في النصوص دون قصد مباشر، نتيجة للبيانات التي تدربت عليها الأنظمة أو لطريقة صياغة الطلبات.

وبما أن أنظمة الذكاء الاصطناعي تعتمد على كميات ضخمة من البيانات البشرية، فهي تعكس أنماطاً وسياقات موجودة مسبقاً. وعند توليد محتوى، قد تميل إلى إبراز جوانب معينة على حساب أخرى.

هذا النوع من التحيز لا يكون واضحاً، ولا يتضمن بالضرورة أخطاء أو معلومات مضللة، بل يظهر من خلال اختيار التفاصيل وترتيبها وأسلوب عرضها.

أهمية صياغة السؤال

تشير الدراسة أيضاً إلى أن طريقة طرح السؤال أو الطلب تؤثر بشكل كبير في النتيجة. فالتغييرات البسيطة في صياغة السؤال يمكن أن تؤدي إلى اختلاف في طريقة عرض الحدث نفسه، حتى لو ظلت الوقائع ثابتة. وهذا يعني أن الذكاء الاصطناعي لا يسترجع المعلومات فقط، بل يعيد بناءها استجابةً لطريقة التفاعل معه. وبالتالي، فإن العلاقة بين المستخدم والنظام تصبح جزءاً من عملية إنتاج المعرفة، وليس مجرد وسيلة للوصول إليها.

على عكس محركات البحث التقليدية التي توفر روابط متعددة، يقدم الذكاء الاصطناعي محتوى جاهزاً ومترابطاً في شكل سردي. وهذا التحول له تأثير مهم على طريقة استيعاب المعلومات.

فعندما يقرأ المستخدم نصاً متماسكاً بدلاً من مصادر متعددة، يكون أكثر ميلاً لتقبّله كتصور متكامل، وليس كوجهة نظر ضمن مجموعة من الآراء. وهذا يزيد من تأثير الخيارات السردية غير الظاهرة داخل النص.

وتشير الدراسة إلى أن هذه الأنظمة لم تعد مجرد أدوات لنقل المعلومات، بل أصبحت وسيطاً تفسيرياً يؤثر في كيفية فهم الأحداث.

الدقة لا تعني الحياد

من أبرز استنتاجات الدراسة أن الدقة لا تضمن الحياد. فحتى عندما تكون المعلومات صحيحة، يمكن لطريقة تنظيمها وعرضها أن تؤثر في تفسيرها. وهذا يتحدى فكرة شائعة مفادها أن ضمان صحة المعلومات كافٍ لضمان موضوعيتها. في الواقع، قد يؤدي التركيز على عناصر معينة، أو تقديم سياق محدد، إلى توجيه الفهم بطريقة غير مباشرة.

ومع تزايد الاعتماد على الذكاء الاصطناعي لتلخيص المواضيع المعقدة، تكتسب هذه النتائج أهمية أكبر. فالمستخدمون قد يتعرضون لتفسيرات تبدو محايدة، لكنها تحمل تأثيرات ضمنية ناتجة عن أسلوب العرض. ولا يعني ذلك وجود نية للتضليل، بل يعكس طبيعة الأنظمة التي تحاول محاكاة اللغة البشرية من خلال بيانات واسعة ومعقدة.

تؤثر صياغة الأسئلة أو الطلبات بشكل كبير في طبيعة الإجابات التي يولدها الذكاء الاصطناعي

مجال بحثي يتوسع

تفتح هذه الدراسة الباب أمام مزيد من البحث حول تأثير الذكاء الاصطناعي على الإدراك البشري. فما زالت هناك تساؤلات حول اختلاف التأثير بين الأفراد، وكيف تتغير الاستجابة وفقاً للخلفية أو المعتقدات المسبقة. كما أن انتشار هذه الأنظمة قد يضاعف من تأثيرها على النقاش العام. تركز النقاشات غالباً على خطر المعلومات الخاطئة، لكن هذه الدراسة تشير إلى تحدٍّ مختلف يتعلق بتأثير المعلومات الصحيحة عندما تُعرض بطريقة معينة. وهذا يعني أن التأثير لا يأتي فقط من الخطأ، بل من طريقة عرض الحقيقة نفسها.

مسؤولية جديدة

تفرض هذه النتائج مسؤوليات جديدة على المطورين وصناع القرار والمستخدمين. فالحاجة لم تعد تقتصر على ضمان دقة المعلومات، بل تمتد إلى فهم كيفية إنتاجها وتقديمها. كما يصبح من الضروري تعزيز الوعي النقدي لدى المستخدمين عند التعامل مع المحتوى الناتج عن الذكاء الاصطناعي.

ومع تطور الذكاء الاصطناعي، تتغير العلاقة بين المعرفة والثقة. تشير هذه الدراسة إلى أن الثقة لا ينبغي أن تُبنى على صحة المعلومات فقط، بل أيضاً على فهم كيفية صياغتها وعرضها.

وبهذا المعنى، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة لنقل المعرفة، بل أصبح جزءاً من عملية تشكيلها. وهنا يكمن التحدي الحقيقي، ليس فقط في التأكد من صحة المعلومات، بل في فهم الطريقة التي تُروى بها.