دونالد ترمب بين «مبدأ مونرو» وواقع «الملعب العالمي»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
TT

دونالد ترمب بين «مبدأ مونرو» وواقع «الملعب العالمي»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

قبل قرنين من الزمن، كانت الثورات ضد الحكم الاستعماري الإسباني تهز أميركا اللاتينية، وتُدني دولها من الاستقلال. وفي ظل هذا الاضطراب الواسع، أعرب الرئيس الأميركي الخامس، جيمس مونرو، عن قلقه من أن تستغل القوى الأوروبية الفراغ المُحتمل في منطقتي أميركا الوسطى والجنوبية؛ لذا، وجَّه رسالة إلى الكونغرس في 2 ديسمبر (كانون الأول) 1823، دعا فيها إلى ضرورة ضمان استقلال دول النصف الغربي من الكرة الأرضية من أي تدخل أوروبي، مع احترام الوضع القائم للمستعمرات الأوروبية في تلك المناطق. وقال في الرسالة التي عُرفت بعد عام 1850 بـ«مبدأ مونرو»، أو «عقيدة مونرو»: «يجب أن نعد أي محاولة من جانبهم (يقصد الأوروبيين) لتوسيع نظامهم إلى أي جزء من هذا الشطر من الكرة الأرضية بمثابة خطر على سلامنا وأمننا».

ومع تنامي قوة الولايات المتحدة، استعانت الإدارات المتعاقبة بهذه العقيدة سلاحاً هجومياً بدل الاكتفاء بها درعاً دفاعية. ففي عام 1845، استحضرها الرئيس الأميركي الحادي عشر جيمس ك. بولك لضمّ ولاية تكساس. وفي العام التالي، أعاد الكرّة لتبرير حرب مع المكسيك انتهت بوضع كاليفورنيا وجنوب الغرب الأميركي تحت سيادة الولايات المتحدة. وفي 1867، استعان الرئيس السابع عشر، أندرو جونسون، بالمبدأ نفسه لشراء ألاسكا.

الرئيس الأميركي الثامن والعشرون، وودرو ويلسون، روَّج لعصبة الأمم بوصفها منظمة دولية، تضمن السلام بعد الحرب العالمية الأولى، متكئاً على جزئية من «مبدأ مونرو» تتعلق بالأمن الشامل، وقال: «على الدول أن تتبنّى بالإجماع مبدأ الرئيس مونرو، بوصفه مبدأ العالم: وهو أنه لا يجوز لأي دولة أن تسعى إلى توسيع نطاق سياستها، لتشمل أي دولة أو شعب آخر».

رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو يتحدث في مؤتمر اقتصادي استضافته تورونتو (أ.ب)

ترمب والواقع الجديد

استغرب كثر ما قاله الرئيس العائد دونالد ترمب عن غرينلاند وكندا وبنما وخليج المكسيك (قرر تغيير اسمه إلى خليج أميركا) وسوى ذلك. إلا أن موقف الملياردير الجمهوري ليس سوى تجسيد لتطوّر نفوذ بلاده في القرنين اللذين مرّا منذ كلام جيمس مونرو. فالولايات المتحدة هي القوة العظمى التي تتسيّد الساحة منذ انهيار الاتحاد السوفياتي، وترمب لا يتردد في المجاهرة بأنّ من «حق» القوة الكبرى أن تُحقق مصالحها بمعزل عن موقف الخصم أو الصديق، لا فرق.

هكذا رأيناه يُكرر موقفاً أطلقه في ولايته الأولى، وإن بهجومية أكثر هذه المرة، عن حاجة الولايات المتحدة إلى جزيرة غرينلاند. كما أعرب عن الرغبة في جعل كندا ولاية أميركية، وضرورة «استعادة» قناة بنما، ناهيك بأنه علّق رسوماً جمركية جديدة على جارته الشمالية كندا وجارته الجنوبية المكسيك لمدة شهر، علماً بأنه أرغمهما في ولايته الأولى على تعديل الاتفاق التجاري الثلاثي «نافتا» لمصلحة بلاده بعد مفاوضات شائكة.

وإذا كان البعض يعتقد أن كلام ترمب عن ضم كندا نوعٌ من الترهيب هدفه اقتصادي، فإن رئيس الوزراء الكندي، جاستن ترودو، أكد أن مقترح الرئيس الأميركي لجعل بلاده الولاية الأميركية الـ51 يُمثل تهديداً يجب أن يؤخذ على محمل الجد.

وقال السياسي الذي سيترك منصبه قريباً، في كلمة ألقاها خلال مؤتمر اقتصادي في تورونتو: «يريد (ترمب) ضم بلدنا، وهذا واقع (...). إدارة ترمب تعرف مقدار المعادن المهمة التي نمتلكها، لا بل هذا هو سبب استمراره في الحديث عن ضمّنا... إنهم يدركون تماماً حجم مواردنا (الطبيعية)، وما لدينا، ويريدون حقّاً أن يتمكنوا من الاستفادة منها».

أما فيما يخص قناة بنما، فالمسألة تتصل بالصين... لا توجد قوات صينية في القناة، كما ادّعى ترمب، وليس هناك وجود صيني داخل القناة نفسها. لكن الصين تُسيطر على أكبر المواني على طرفي القناة، عبر شركة تابعة لشركة قابضة مقرها هونغ كونغ. وبما أن الأخيرة فقدت استقلالها السياسي والمالي عن الصين في الأعوام الأخيرة بعد قمع بكين للحركة الاحتجاجية فيها، لم يعد مقبولاً للإدارة الأميركية أن يبقى هذا الممر المائي الحيوي بعيداً عن سيطرتها.

سفينة شحن تعبر قناة بنما من نقطة كولون (رويترز)

والواضح أن الضغط الأميركي أدّى إلى نتيجة ملموسة بإعلان بنما الانسحاب من مبادرة «الحزام والطريق» الصينية القائمة على مشروعات بنى تحتية، والتي تُشكل ركيزة أساسية لمحاولة الرئيس الصيني شي جينبينغ توسيع نفوذ بلاده في الخارج. ويقضي المشروع بإقامة منشآت وبنى تحتية بوصفها مرافئ وطرقاً وسكك حديد، لا سيما في الدول النامية.

وجاء قرار بنما بعد بضعة أيام من زيارة لوزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، للدولة الصغيرة -المستقرة والمتمتعة باقتصاد متين- الواقعة في أميركا الوسطى، بين كولومبيا وكوستاريكا، والمطلّة على البحر الكاريبي والمحيط الهادئ.

غرينلاند والتغيُّر المناخي

لماذا غرينلاند؟

هي جزيرة تبلغ مساحتها مليونين و166 ألف كيلومتر مربع، تقع بين المحيط المتجمد الشمالي والمحيط الأطلسي، شرق أرخبيل القطب الشمالي الكندي. وأقرب دولتين من أكبر جزيرة في العالم هما كندا وآيسلندا.

يبلغ عدد سكان غرينلاند نحو 60 ألف نسمة، ويعيش ثلثهم في العاصمة نوك. والغرينلاندية هي اللغة الرسمية في الجزيرة، التي يجيد معظم أهلها الدنماركية والإنجليزية.

وتتبع غرينلاند التاج الدنماركي منذ 14 يناير (كانون الثاني) 1814، وتتمتع باستقلال ذاتي في شؤون الإدارة الداخلية. وهي من الأقاليم ذات العضوية الخاصة في الاتحاد الأوروبي.

وبمزيد من التفصيل، كانت غرينلاند مستعمرة دنماركية حتى عام 1953، عندما أصبحت مقاطعة تابعة للدنمارك، وحصلت الجزيرة على الحكم الذاتي في 1979. ومنذ عام 2009، توسّعت الإدارة الذاتية لغرينلاند، وبقيت شؤون الأمن والدفاع تحت سيطرة الحكومة في كوبنهاغن.

لقطة جوية لقرية على الساحل الغربي لغرينلاند (رويترز)

ويرى ترمب أن «الحصول على الملكية والسيطرة» على المنطقة القطبية الشمالية الشاسعة يُشكل «ضرورة مطلقة» للولايات المتحدة. وذهب إلى القول إنه لن يستبعد استخدام القوة العسكرية لتحقيق هذا الهدف، مع الإشارة إلى أن الولايات المتحدة تملك تسهيلات عسكرية في غرينلاند، وتستخدم قاعدة «بيتوفيك» بموجب اتفاق وُقّع عام 1951.

في الواقع الجيوسياسي قد يبدو للوهلة الأولى أنه لا توجد أهمية استراتيجية لغرينلاند؛ لأن أقرب نقطة عسكرية روسية تقع على مسافة 2000 كيلومتر من الجزيرة في ذلك العالم الجليدي. أما سفينتا الأبحاث الصينيتان القادرتان على العمل في القطب الشمالي فتعملان بشكل أساسي في المياه المحيطة بالقطب الجنوبي.

إلا أن النظرة الأميركية هي أبعد من ذلك، فالاحترار المناخي المتسارع يذيب الجليد في القطبين. وفي الشمال ستنفتح حتماً ممرات بحرية كان جليدها عصيّاً على أي كاسحات مهما بلغت قوتها. وبروز ممرات بحرية جديدة يعني، حكماً، نشوء ممرات تجارية، ومن ثم سيحصل تنافس على النفوذ بين الدول القريبة من القطب الشمالي وتلك المعنية به، ومنها الدول الأعضاء في مجلس القطب الشمالي (كندا، الدنمارك، فنلندا، آيسلندا، النرويج، روسيا، السويد، الولايات المتحدة). أما الصين ودول أخرى فتملك صفة «مراقب» في هذه المنظمة التي تُشكّل منتدى تتناقش فيه الحكومات المعنية لحل أي مشكلة تطرأ في القطب الشمالي، أو تتناول الشعوب المقيمة في دائرته.

لم يكن مستغرباً أن يأتي الرد الدنماركي على كلام ترمب، بلسان رئيسة الوزراء ميته فريدريكسن، مطابقاً لردّ السيدة نفسها عام 2019: «غرينلاند ليست للبيع». والمسألة تُشكل إحراجاً للاتحاد الأوروبي الذي انضمت إليه الدنمارك عام 1973، وإحراجاً أكبر لحلف شمال الأطلسي الـ(ناتو) الذي كانت المملكة من أعضائه الاثني عشر المؤسسين عام 1949.

إذا كانت مسألة بنما سهلة الحل، أو أنها حُلّت فعلاً بابتعادها عن الصين، فإن مسألتي كندا وغرينلاند أكثر تعقيداً. ولا شك في أن المستقبل، وتحديداً سنوات ترمب الأربع في البيت الأبيض، سيحمل تطورات مثيرة للاهتمام، وربما القلق، في القضيتين.

رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن (أ.ف.ب)

مبدأ مونرو!

يؤكد إصرار دونالد ترمب على التعامل مع نصف الكرة الغربي بوصفه منطقة نفوذ أميركية إحياء «مبدأ مونرو»، في إطار شعار «أميركا أولاً»، خصوصاً أن المبدأ كان قد تحوّل منذ أواخر القرن التاسع عشر إلى واقع أن النصف الغربي من الأرض هو «محمية أميركية».

وبعد حربين عالميتين، ثم حرب باردة مع الاتحاد السوفياتي، تخلّت واشنطن عن حذرها، وابتعدت عن المبدأ المذكور، لتنشر «رداء» النفوذ في أوروبا وغيرها حمايةً لها من المدّ الشيوعي.

لا يستطيع الرئيس الجمهوري حصر اهتمامه بمحاربة أي نفوذ صيني أو غير صيني في القارة الأميركية بأجزائها؛ الشمالي والأوسط والجنوبي، مع العلم بأن بعض الدول الأميركية اللاتينية لن «تُسلس» له القياد، وستتمسك بعلاقاتها الاقتصادية مع الصين تحديداً. بل سيكون عليه كسب المعركة في القارة، وخوض مواجهات في أنحاء أخرى من العالم، وإن كان يمقت مفهوم العولمة. فلكي يُحقق شعار «أميركا أولاً» يجب أن تبقى «أميركا أولى» في أرجاء الملعب العالمي.


مقالات ذات صلة

مقتل مسلح أطلق النار على عناصر أمنية قرب البيت الأبيض

الولايات المتحدة​ أفراد من جهاز الخدمة السرية يفحصون موقع إطلاق النار (ا.ب)

مقتل مسلح أطلق النار على عناصر أمنية قرب البيت الأبيض

أطلقت الخدمة السرية الأميركية النار على شخص بالقرب من البيت الأبيض، السبت، كما أصيب أحد المارة بالرصاص، وفق مسؤول في إنفاذ القانون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب) p-circle

حرب إيران تقلب موقع أوكرانيا

حرب إيران تقلب موقع أوكرانيا من عبءٍ على الغرب، إلى مختبرٍ لحروب المستقبل.

إيلي يوسف (واشنطن)
شؤون إقليمية وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (أ.ف.ب)

روبيو: بعض التقدم تحقق في المحادثات مع إيران

قال وزير ​الخارجية الأميركي ماركو روبيو، السبت، إنه تسنّى إحراز بعض التقدم ‌في الصراع ‌مع ​إيران.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
العالم وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (رويترز)

روبيو: لن نسمح لإيران بالسيطرة على سوق الطاقة العالمية

دعا وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، اليوم (السبت)، رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، لزيارة البيت الأبيض «في المستقبل القريب».

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
تحليل إخباري مسيرة مؤيدة للرئيس الكوبي السابق راؤول كاسترو في هافانا (أ.ب)

تحليل إخباري كوبا في مرمى ترمب… هل تعود الجزيرة ساحةً للصراع الدولي؟

يبدو الرئيس دونالد ترمب عازماً على إعادة رسم خريطة النفوذ في نصف الكرة الغربي بالقوة الاقتصادية وربما العسكرية أيضاً.

أنطوان الحاج

مقتل مسلح أطلق النار على عناصر أمنية قرب البيت الأبيض

أفراد من جهاز الخدمة السرية يفحصون موقع إطلاق النار (ا.ب)
أفراد من جهاز الخدمة السرية يفحصون موقع إطلاق النار (ا.ب)
TT

مقتل مسلح أطلق النار على عناصر أمنية قرب البيت الأبيض

أفراد من جهاز الخدمة السرية يفحصون موقع إطلاق النار (ا.ب)
أفراد من جهاز الخدمة السرية يفحصون موقع إطلاق النار (ا.ب)

توفي مسلح أطلق النار على عناصر من الخدمة السرية قرب البيت الأبيض، مساء السبت، بعد إصابته بالرصاص، وفق ما أفاد الجهاز في بيان نشرته وسائل إعلام أميركية.

وأشار جهاز الخدمة السرية في البيان إلى أن أحد المارة أصيب أيضاً بالرصاص خلال تبادل إطلاق النار، دون أن يقدم معلومات عن حالته.

الشرطة أغلقت الشوارع المحيطة بالبيت الأبيض (ا.ب)

وأوضح جهاز الخدمة السرية، أنه بعدما فتح المسلح النار على عناصر أمنية عند نقطة تفتيش قرب البيت الأبيض، «رد عملاء الخدمة السرية بإطلاق النار، ما أسفر عن إصابة المشتبه به الذي نقل إلى مستشفى في المنطقة حيث توفي لاحقا».

وانتشرت الشرطة وقوات الأمن بكثافة في المنطقة المحيطة بالبيت الأبيض، إذ كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب، موجوداً في البيت الأبيض في ذلك الوقت حيث كان يعمل على التفاوض بشأن اتفاق مع إيران.

ضباط من جهاز الخدمة السرية في موقع إطلاق نار قرب مجمع البيت الأبيض (إ.ب.أ)

وطوّقت الشرطة مداخل البيت الأبيض، وقال جهاز الخدمة ​السرية الأميركي إنه على علم بالتقارير التي ‌تفيد ‌بوقوع ​إطلاق ‌نار ⁠في واشنطن ​العاصمة، عند ⁠تقاطع شارع 17 وشارع بنسلفانيا شمال غرب بالقرب ⁠من البيت ‌الأبيض.


حرب إيران تقلب موقع أوكرانيا

زوار مسابقة «الطائرات المسيّرة البرية» يتفحصون طائرة مسيّرة هجومية متوسطة المدى من طراز «بييموث» في معرضٍ بمنطقة لفيف الأوكرانية يوم 20 مايو 2026 (رويترز)
زوار مسابقة «الطائرات المسيّرة البرية» يتفحصون طائرة مسيّرة هجومية متوسطة المدى من طراز «بييموث» في معرضٍ بمنطقة لفيف الأوكرانية يوم 20 مايو 2026 (رويترز)
TT

حرب إيران تقلب موقع أوكرانيا

زوار مسابقة «الطائرات المسيّرة البرية» يتفحصون طائرة مسيّرة هجومية متوسطة المدى من طراز «بييموث» في معرضٍ بمنطقة لفيف الأوكرانية يوم 20 مايو 2026 (رويترز)
زوار مسابقة «الطائرات المسيّرة البرية» يتفحصون طائرة مسيّرة هجومية متوسطة المدى من طراز «بييموث» في معرضٍ بمنطقة لفيف الأوكرانية يوم 20 مايو 2026 (رويترز)

منحت الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، أوكرانيا هامشاً سياسياً وعسكرياً لم يكن محسوباً قبل أشهر قليلة. فكييف، التي بدت في خريف العام الماضي تحت ضغط ميداني ومالي ودبلوماسي متزايد، وجدت نفسها فجأة في موقع مختلف: ليست فقط دولة تحتاج إلى السلاح والتمويل، بل طرف يملك خبرةً قتاليةً باتت مطلوبةً في الخليج وأوروبا والولايات المتحدة. وبحسب تقارير صحافية غربية، فإنَّ اتساع استخدام المسيّرات الإيرانية في الشرق الأوسط أعاد تسليط الضوء على التجربة الأوكرانية، بعد 4 سنوات من التعامل اليومي مع طائرات «شاهد» وأنماط الحرب الرخيصة والكثيفة التي صارت عنواناً لمعظم النزاعات الحديثة.

مبنى مُدمَّر تابع لكلية ستاروبيلسك في جامعة لوهانسك التي ضمتها روسيا عقب هجوم بمسيّرات أوكرانية يوم الجمعة (رويترز)

أوكرانيا تكتشف أوراقها الجديدة

لم يكن التحوُّل رمزياً فقط، فقد نقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» عن مسؤولين أوكرانيين أنَّ كييف بدأت تعرض خبراتها في اعتراض المسيّرات على دول في المنطقة، وأرسلت نحو 200 عسكري لتقديم عروض تقنية وإبرام تفاهمات قد تقود إلى استثمارات وتصنيع مشترك. هذا المسار، كما تقول نائبة وزير الخارجية الأوكرانية ماريانا بيتسا، غيَّر صورة أوكرانيا من «مستهلك للأمن» إلى «مساهم فيه».

ويرى مراقبون أنَّ هذا التحوُّل يمنح الرئيس فولوديمير زيلينسكي ورقةً تفاوضيةً لم تكن واضحةً حين قال له ترمب سابقاً إنه «لا يملك الأوراق». فالحرب على إيران جعلت ما راكمته أوكرانيا في ميادين دونيتسك وخاركيف وزابوريجيا مادةً استراتيجيةً قابلةً للتصدير: اعتراض المسيّرات، واستخدام الطائرات الرخيصة بكثافة، وتحديث البرمجيات بسرعة، وربط المعلومات الميدانية بمنظومات قيادة وتحكم آنية.

ولذلك تبدو المفارقة لافتة: الحرب التي سحبت جزءاً من الاهتمام والذخائر الأميركية من أوكرانيا، فتحت في الوقت نفسه نافذةً جديدةً أمامها. فهي أظهرت، وفق تقديرات غربية، أنَّ جيوشاً أكثر ثراءً وأفضل تسليحاً قد تجد نفسها محتاجةً إلى خبرة دولة قاتلت تحت ضغط دائم، وبموارد محدودة، ضد خصم أكبر حجماً.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في احتفال بالكرملين يوم 22 مايو 2026 (أ.ب)

المسيّرات تغيّر موقع كييف

تقول تقارير عسكرية إن أوكرانيا استطاعت، عبر صناعة آلاف المسيّرات يومياً، أن تعوِّض جزئياً فجوة العدد مع روسيا. ولم يعد الأمر مقتصراً على الدفاع داخل الأراضي الأوكرانية. فالمسيّرات والصواريخ المحلية الصنع باتت تضرب منشآت نفطية وموانئ ومواقع عسكرية داخل روسيا، بما في ذلك مناطق كانت تعدّ بعيدةً عن الحرب.

وتنقل الصحيفة عن أولكسندر كاميشين، مستشار زيلينسكي للصناعات الدفاعية، أن «الطريقة الوحيدة لإنهاء الحرب هي نقلها إلى أرض العدو». هذا الكلام لا يعبِّر فقط عن تصعيد عسكري، بل عن تصور أوكراني جديد: رفع تكلفة الحرب على روسيا إلى حدٍّ يدفع موسكو إلى تسويات متبادلة حول البنية التحتية الحيوية قبل الشتاء المقبل.

وزير الدفاع الألماني ونظيره الأوكراني يوقِّعان اتفاقية ألمانية - أوكرانية للتعاون الدفاعي في برلين يوم 14 أبريل (إ.ب.أ)

في المقابل، يحذِّر محللون من المبالغة في اعتبار ما يجري نقطة انعطاف حاسمة. وتنقل الصحيفة عن فرانز ستيفان غادي، وهو محلل عسكري مقيم في فيينا، قوله إنه يرى أن أوكرانيا باتت في وضع أقوى مما توقَّع كثيرون، لكنه يذكِّر بأنَّ الحرب تقوم على دورات متتالية من التكيُّف، وأنَّ السؤال الأساسي هو ما إذا كانت روسيا ستجد رداً على التفوُّق الأوكراني المستجد في المسيّرات المتوسطة والبعيدة المدى.

تقدُّم روسي بطيء بثمن مرتفع

على الجبهة، تشير تقديرات غربية إلى أنَّ التقدُّم الروسي هذا العام هو الأبطأ منذ عامين، رغم خسائر شهرية قد تصل إلى 30 أو 35 ألف قتيل وجريح. ويقول محللون إنَّ تكتيكات التسلل الروسية، التي اعتمدت على مجموعات صغيرة تخترق الفجوات في الخطوط الأوكرانية، بدأت تعطي عوائد أقل مما كانت تعطيه في عام 2025، بعدما طوَّرت الوحدات الأوكرانية وسائل رصد وتنظيف تعتمد على المسيّرات والفرق الصغيرة.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)

ومع ذلك، لا يعني هذا أنَّ روسيا انهارت. فموسكو لا تزال تملك ميزةً بشريةً، وإن كانت تكلفتها المالية تتصاعد بسبب مكافآت التجنيد. كما أنَّ ارتفاع أسعار النفط؛ نتيجة الحرب في الشرق الأوسط، وتخفيف بعض القيود على النفط الروسي، وفَّرا متنفساً مالياً للكرملين. لكن الضربات الأوكرانية على المصافي ومرافئ التصدير الروسية حدَّت من قدرة موسكو على تحويل هذه الطفرة السعرية إلى مكسب كامل.

ويرى ألكسندر غابويف، مدير «مركز كارنيغي لروسيا وأوراسيا»، أنَّ بوتين، لو كان يتحرَّك وفق حساب بارد، ربما سعى إلى تسوية هذا العام للحصول على أكبر قدر من التنازلات من ترمب قبل انتخابات التجديد النصفي الأميركية. لكنه يضيف أن المشكلة تكمن في «رجل عنيد يقود روسيا» ولا يزال يعتقد أن أوكرانيا ستسقط.

طائرة مسيّرة أوكرانية مخصصة لاعتراض الطائرات الروسية من طراز «شاهد» وغيرها من الطائرات المسيّرة في شمال منطقة خاركيف يوم 20 مايو 2026 (إ.ب.أ)

مأزق الصورة ومحدودية التسوية

أبعد من ساحة القتال، تضغط الحرب على صورة بوتين الداخلية. فالحرب التي تجاوزت في مدتها الحرب السوفياتية ضد ألمانيا النازية تحوَّلت، وفق مراقبين روس معارضين، إلى عبء رمزي على سردية «النصر» التي بنى عليها بوتين شرعيته. ومع وصول المسيّرات الأوكرانية إلى مناطق بعيدة داخل روسيا، لم يعد الكرملين قادراً على تصوير الحرب عمليةً بعيدةً عن الحياة اليومية للروس.

وتنقل «وول ستريت جورنال» عن محللين أنَّ الاستياء داخل روسيا لا يعني قرب ثورة أو انقلاب، لكنه يكشف تغيُّراً في المزاج العام. فالهجمات على المصافي والمصانع العسكرية، وتعطيل الإنترنت، وتقليص مظاهر الاحتفال الأخير بـ«يوم النصر»، كلها عناصر تجعل صورة «الرجل القوي» أقل صلابة.

بقايا صاروخ روسي في أحد الحقول بمنطقة خاركيف الأوكرانية يوم 22 مايو 2026 (أ.ب)

غير أن هذا الضغط لا يكفي، حتى الآن، لدفع بوتين إلى مراجعة أهدافه. فالتقارير نفسها تؤكد أنه لا يبدي مؤشرات على التخلي عن طموحه في إخضاع أوكرانيا أو فرض تسوية بشروط روسية. لذلك تبدو كييف، في قراءة محللين، أمام فرصة وليست ضمانة: حرب إيران حسّنت موقعها، وأظهرت قيمتها التكنولوجية، ورفعت تكلفة الحرب على روسيا، لكنها لم تُنهِ معضلتها الأساسية. فالمعركة لا تزال طويلة، والنجاح الأوكراني سيبقى مرهوناً بقدرة كييف على تحويل التفوُّق التكتيكي في المسيّرات إلى ضغط استراتيجي لا تستطيع موسكو تجاهله.


أوامر بإجلاء 40 ألف شخص في جنوب شرق لوس أنجليس بسبب تسرب كيميائي

أشخاص تم إجلاؤهم جراء التسرب الكيميائي في مقاطعة أورانج بولاية كاليفورنيا (أ.ب)
أشخاص تم إجلاؤهم جراء التسرب الكيميائي في مقاطعة أورانج بولاية كاليفورنيا (أ.ب)
TT

أوامر بإجلاء 40 ألف شخص في جنوب شرق لوس أنجليس بسبب تسرب كيميائي

أشخاص تم إجلاؤهم جراء التسرب الكيميائي في مقاطعة أورانج بولاية كاليفورنيا (أ.ب)
أشخاص تم إجلاؤهم جراء التسرب الكيميائي في مقاطعة أورانج بولاية كاليفورنيا (أ.ب)

صدرت أوامر بإجلاء عشرات آلاف الأشخاص من منازلهم في كاليفورنيا، الجمعة، بسبب تسرب من خزان مواد كيميائية قد يؤدي إلى انتشار أبخرة سامة فوق منطقة مكتظة ويثير خطر وقوع انفجار. وكان الخزان يحتوي على 26 ألف لتر من ميثيل ميثاكريلات، وهو سائل قابل للاشتعال يُستخدم في صناعة البلاستيك، وحذّر عناصر الإطفاء من أن الوضع قد يتدهور.

وقال قائد العمليات في موقع الحادث كريغ كوفي: «أمامنا فرضيتان إما أن يتلف الخزان ويتسرب ما بين 6 إلى 7 آلاف غالون من المواد الكيميائية السامة جداً إلى موقف سيارات في المنطقة، أو أن ينفجر الخزان ما سيؤثر على خزانات محيطة به تحتوي أيضاً على وقود أو مواد كيميائية». وأضاف: «ننظّم عمليات الإجلاء استعداداً للفرضيتين: إما أن يتلف أو ينفجر».

رجل يجري إجلاؤه من منشأة كيميائية شهدت تسرباً في مقاطعة أورانج بولاية كاليفورنيا (أ.ب)

يقع التسرّب في منطقة غاردن غروف في مقاطعة أورنج في جنوب شرق لوس أنجليس. وقال أمير الفرا، قائد شرطة المنطقة إن أمر الإخلاء يطال حوالى 40 ألف شخص، إلا أن الآلاف يرفضون المغادرة.

وأظهرت لقطات جوية نشرتها محطات تلفزة محلية رش الخزان بخراطيم من المياه، وأفاد كوفي في وقت لاحق الجمعة بأن جهود تبريد الخزان تحقق نجاحاً. وقال في مقطع فيديو: «انخفضت حرارته إلى نحو 61 درجة، في حين أن 50 هي درجة الحرارة المثالية له، وبالتالي تُحقق الجهود نجاحاً»، مضيفاً: «سيفعل فريقنا ما بوسعه لإيجاد سيناريو ثالث ورابع وخامس».

وقالت مسؤولة الصحة في مقاطعة أورانج، ريجينا تشينسيو كوونغ، إن إخلاء منطقة واسعة في محيط الخزان إجراء احترازي ضروري. وأضافت أنه «إذا انفجر ونتجت عنه أبخرة سيكون الجميع في أمان ما داموا خارج المنطقة التي أُمر بإخلائها»، وحضت أي شخص يلاحظ «رائحة فاكهية وثقيلة» على إبلاغ السلطات. وقالت: «مجرد شمّ الرائحة لا يعني أنكم وصلتم إلى مستوى يسبب أعراضاً، لكننا لا نريدكم أن تشمّوا تلك الرائحة لذا نحتاج أن نعرف إن كنتم تشمونها».

شرطة لوس أنجليس يقدمون التوجيهات خلال عملية الإجلاء (أ.ف.ب)

ولم تُسجَّل أي إصابات حتى مساء الجمعة ولم تظهر بعد أي مؤشرات عن سبب التسرب الذي أُبلغ عنه الخميس. وقال كوفي إن الفرق تستعد لاحتمال حدوث تسرّب كيميائي واصفاً ذلك بأنه «أفضل سيناريو ممكن» وأفضل بكثير من وقوع انفجار يؤدي إلى انتشار سحابة سامة. وتعمل السلطات على وضع حواجز لمنع المواد السامة من تلويث مجاري مياه الأمطار والأنهار التي تصب في المحيط.

وقالت وكالة حماية البيئة الأميركية إن ميثيل ميثاكريلات مادة مهيِجة للجلد والعينين والأغشية المخاطية لدى البشر. وحذر منشور على موقع الوكالة من «آثار على التنفس لدى البشر بعد التعرض لاستنشاق حاد (على مدى قصير) أو مزمن (على مدى طويل)». كما أفادت الوكالة بأنه «تم الإبلاغ عن أعراض عصبية لدى البشر بعد تعرض لاستنشاق حاد».