أُسس حزب الحرية النمساوي عام 1956، وكان زعيمه الأول، أنتون راينتالرو، ضابطاً سابقاً في قوات الأمن الخاصة النازية. لكن، رغم ذلك، تجنّب الحزب في بداياته الترويج لسياسات يمينية متطرفة وسعى إلى طرح نفسه بصفته حزباً وسطياً. بعدها حاول، في منتصف الثمانينات من القرن الماضي، تبني نموذج الحزب الديمقراطي الحر (الليبرالي) الألماني الصديق لمجتمع الأعمال، إلا أن شعبيته ظلت منخفضة طوال عقود حتى وصل إلى زعامته يورغ هايدر الذي كان زعيماً كاريزماتياً شاباً وشديد التطرف.
وبالفعل، نجح هايدر في زيادة شعبية الحزب باعتماد سياسات شعبوية بشكل أساسي ركزت منذ التسعينات على موضوع رفض التنوّع في النمسا، ومعارضة الهجرة والاتحاد الأوروبي. ونجحت هذه السياسات الشعبوية المتطرفة في جذب الناخبين على الرغم من اعتماد هايدر تعابير نازية في الكثير من الأحيان كلفته مقعده حاكمَ ولاية كارينثيا التي يتحدر منها.

في عام 1999، حقق الحزب اختراقه الأول وحاز نسبة 27 في المائة من الأصوات في الانتخابات العامة، وهي نسبة لم يسبق له أن حققها من قبل. وبفضل هذه النتيجة دخل إلى الحكومة للمرة الأولى في عام 2000، وكانت حكومة ائتلافية قادها آنذاك حزب الشعب. ولقد ردّ الاتحاد الأوروبي على إشراك الحزب اليميني المتطرف في الحكومة بفرض عقوبات على فيينا وتقليص علاقتها معها. وبرّر الاتحاد في حينه عقوباته بأن إشراك حزب الحرية في الحكومة «يشرعن اليمين المتطرف في أوروبا».
السنوات التي عقبت مشاركة الحزب في الحكومة، شهدت خسارته نسبة عالية من شعبيته؛ وذلك لدعمه مشاريع قوانين أراد حزب الشعب إدخالها ولم تكن تحظى بشعبية لدى الناخبين.
وأيضاً، تسببت مشاركة الحزب في الحكم بخلافات داخلية عرَّضته لانقسامات وتشرذم وخسارة المزيد من التأييد الشعبي. ومن ثم، في انتخابات عام 2002، تقلصت نسبة التأييد للحزب إلى 10 في المائة فقط. ومع ذلك، عاد الحزب إلى الحكومة شريكاً في ائتلاف بقيادة حزب الشعب. لكن الخلافات الداخلية ظلت تتفاقم، إلى أن دفعت بهايدر إلى الاستقالة منه ومغادرته لتأسيس حزب آخر.
عام 2005، تولى زعامة حزب الحرية هاينز - كريستيان شتراخه، الذي أدار الحزب بسياسة نواتها معاداة المهاجرين والمسلمين. وبالتالي، عاد الحزب بزعامة شتراخه إلى السلطة عام 2017 شريكاً صغيراً لحزب الشعب، بحصوله على 26 في المائة من الأصوات. بيد أن فترته لم تدم إلا سنتين بسبب «فضيحة إيبيزا» التي كشفت عن فساد شتراخه.
الفضيحة أدت إلى انهيار الحكومة وخسارة حزب الحرية نسبة عالية من التأييد. ولكن هيربرت كيكل، الزعيم الجديد الذي انتُخب عام 2021، نجح في انتشال الحزب مرة جديدة، معتمداً خطاباً شعبوياً متطرفاً. وقد يقود كيكل الآن حزب الحرية الحكومة النمساوية للمرة الأولى في تاريخه، في حال نجح زعيمه الجديد الحالي بتشكيل حكومة ائتلافية.
