«ذي إيكونوميست»: رسوم ترمب الجمركية تفوق بكثير ما فرضه سابقاً

أعلام المكسيك والولايات المتحدة وكندا ترفرف في سيوداد خواريز بالمكسيك (رويترز)
أعلام المكسيك والولايات المتحدة وكندا ترفرف في سيوداد خواريز بالمكسيك (رويترز)
TT

«ذي إيكونوميست»: رسوم ترمب الجمركية تفوق بكثير ما فرضه سابقاً

أعلام المكسيك والولايات المتحدة وكندا ترفرف في سيوداد خواريز بالمكسيك (رويترز)
أعلام المكسيك والولايات المتحدة وكندا ترفرف في سيوداد خواريز بالمكسيك (رويترز)

بعد مرور أقل من أسبوعين على بدء إدارته الجديدة، فرض دونالد ترمب رسوماً جمركية كبيرة على أكبر ثلاثة شركاء تجاريين لأميركا، مما أثار شبح حرب تجارية عالمية. ومن خلال الأوامر التنفيذية التي وقّعها في الأول من فبراير (شباط)، بدأ بفرض رسوم جمركية بنسبة 25 في المائة على الواردات من كل من كندا والمكسيك، وأضاف رسوماً بنسبة 10 في المائة على الواردات من الصين.

وعلى الرغم من أن ترمب كان قد تعهد بذلك، إلا أن إجراءاته ستظل تمثل صدمة للاقتصاد العالمي، وفق مجلة «ذي إيكونوميست». فهي ستؤدي إلى ارتفاع الأسعار، وستؤثر على النمو، وستزرع حالة من عدم اليقين لدى الشركات. وعلاوة على ذلك، من المرجح أن تكون هذه الإجراءات مجرد ضربة أولى لترمب، الذي يتوق إلى تطبيق تعريفات جمركية أكثر عدوانية وعالمية.

ومن المفترض أن يؤدي إعلان ترمب عن الرسوم الجديدة إلى محو أي شكوك حول عزمه على اتخاذ موقف متشدد بشأن التجارة، بغضِّ النظر عن تحذيرات الشركات والدبلوماسيين والاقتصاديين بشأن التداعيات المحتملة.

السوق الأميركية امتياز

وفي ورقة حقائق تشرح هذه الأوامر، قال البيت الأبيض إن الوصول إلى السوق الأميركية هو امتياز، وإن الرسوم الجمركية «مصدر مؤكد للقدرة على حماية المصلحة الوطنية». في الأيام الأخيرة كانت هناك تقارير تفيد بأنه قد يؤجل الرسوم الجمركية أو يختار نهجاً أكثر تدرجاً. وقد قام المسؤولون الكنديون والمكسيكيون برحلات مكوكية ذهاباً وإياباً إلى واشنطن، حيث أوضحوا أن الرسوم الجمركية في أميركا الشمالية، وهي واحدة من أكثر المناطق التجارية تكاملاً في العالم، ستؤدي إلى نتائج عكسية تماماً.

وفي النهاية، لم يعرهم ترمب أي اهتمام، واختار فرض رسوم قاسية وواسعة النطاق، مع استثناء جزئي فقط للنفط والغاز من كندا، والتي ستقتصر في الوقت الحالي على نسبة 10 في المائة من الرسوم الجمركية. كانت التعريفات الجمركية بنسبة 10 في المائة على الصين أخف من نسبة 60 في المائة التي هدد بها ترمب في حملته الانتخابية، ولكنها تأتي على رأس التعريفات الجمركية بنسبة 25 في المائة التي تغطي بالفعل جزءاً كبيراً من تجارة أميركا مع الصين، وقد تكون مجرد وابل افتتاحي في تجدد الصدام التجاري بين العملاقين.

رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو يتحدث خلال مؤتمر صحافي رداً على أوامر ترمب (رويترز)

وبالنظر إلى حب ترمب المعلن في كثير من الأحيان للتعريفات الجمركية وكذلك النزاعات التجارية التي ميزت فترة ولايته الأولى في البيت الأبيض، قد تبدو إجراءاته الأخيرة متماشية مع ما هو معتاد، وفق «ذي إيكونوميست». في الواقع، إنها أكثر تطرفاً من أيٍّ من إجراءاته السابقة. فخلال فترة ولاية ترمب الأولى، كانت الصين هي الهدف الرئيسي للرسوم الجمركية التي فرضها على الصين والتي انتهت بتطبيقها على واردات صينية بقيمة 370 مليار دولار. وتغطي جولته الجديدة من التعريفات الجمركية ما قيمته 900 مليار دولار تقريباً من الواردات من كندا والمكسيك. وتمتد الرسوم الجمركية الإضافية على الصين لتشمل منتجات مثل أجهزة الكمبيوتر والألعاب والهواتف الذكية، التي كان ترمب قد استثناها من الرسوم الإضافية في ولايته الأولى من أجل حماية المستهلكين.

وستؤثر الرسوم الجمركية هذه المرة أيضاً على الاقتصاد بشكل مفاجئ أكثر بكثير. ففي فترة ولايته الأولى قام ترمب ببناء التعريفات الجمركية على مدى عامين، باستخدام قوانين تنص على فترات إشعار تمتد لأشهر للشركات المتضررة.

ستدخل التعريفات التي أُعلن عنها في الأول من فبراير حيز التنفيذ في الرابع من الشهر نفسه. وقد لجأ ترمب إلى قانون الصلاحيات الاقتصادية الدولية الطارئة، وهو قانون يمنح البيت الأبيض سلطة واسعة لفرض الرسوم الجمركية ما دام أعلن أن هناك حالة طوارئ وطنية. وقال ترمب إن تدفق المهاجرين غير الشرعيين والمخدرات، خصوصاً الفنتانيل، عبر الحدود الأميركية يشكل تهديداً استثنائياً، وإن الرسوم الجمركية ستستمر حتى تُخفف حدة الأزمة.

ولكن الحرب التجارية ليست حلاً لمثل هذه المشكلات المعقدة، وفق تقرير الصحيفة. فالإضرار باقتصاد المكسيك قد يجعل البلاد أقل استقراراً وليس أكثر استقراراً. كما أن 1 في المائة فقط من مضبوطات أميركا من الفنتانيل والمواجهات مع المهاجرين غير الشرعيين تقع على حدودها الشمالية، مما يجعل من شكاوى ترمب بشأن كندا موضع سخرية.

أما الواقع فهو أكثر غباءً وحماقةً أيضاً: لطالما اعتقد ترمب أن التعريفات الجمركية تفيد الاقتصاد الأميركي. فهو يعتقد أولاً أنها ستدر عائدات هائلة للحكومة الفيدرالية، مما يتيح لها خفض الضرائب. لكن الرسوم الجمركية الجديدة على المكسيك وكندا والصين قد تجلب 110 مليارات دولار فقط للحكومة الفيدرالية، أو نحو 2 في المائة من دخلها الضريبي الإجمالي، وفقاً لمؤسسة الضرائب، وهي مؤسسة بحثية. وفي الوقت نفسه، سيتحمل المستهلكون والشركات الأميركية جزءاً كبيراً من تكلفة الرسوم الجمركية. فمن الأفوكادو إلى الطماطم والسيارات إلى النفط الخام، تعد المكسيك وكندا من الموردين الرئيسيين لأميركا. ومن المرجح أن ترتفع أسعار هذه المنتجات، وغيرها الكثير، في الأشهر المقبلة.

وثانياً، يعتقد ترمب أن التعريفات الجمركية ستشجع الشركات على صنع المزيد من الأشياء في المصانع الأميركية. ومع ذلك، فإن أميركا وحدها لن تكون أبداً بنفس كفاءة شبكات الإنتاج المتكاملة إقليمياً التي نمت خلال أكثر من ثلاثة عقود من التجارة الحرة بين أميركا وكندا والمكسيك. وتضم هذه الدول مجتمعة 500 مليون شخص، أي أكبر بنسبة 50 في المائة من أميركا وحدها. وتجلب كل من هذه البلدان نقاط قوة مختلفة للعلاقة: فكندا لديها ثروة معدنية هائلة، والمكسيك توفر عمالة منخفضة التكلفة. وتجسد صناعة السيارات هذا التدفق الكثيف للسلع: نحو 50 في المائة من واردات قطع غيار السيارات في أميركا تأتي من كندا والمكسيك، ونحو 75 في المائة من صادرات قطع غيار السيارات من أميركا تذهب إلى كندا والمكسيك. وقد اهتزت أسهم الشركات الثلاث الكبرى لصناعة السيارات في ديترويت -«جي إم»، و«فورد» و«ستيلانتس»- في 31 يناير (كانون الثاني) عندما قال السكرتير الصحفي لترمب إن التعريفات الجمركية وشيكة. وقد تحمل الأيام القادمة المزيد من الاضطرابات في الأسواق المالية.

مما لا شك فيه أن ترمب مُحقّ في أن أميركا لديها نفوذ في الاشتباكات التجارية. وينطبق ذلك بشكل خاص على أي نوع من حرب الرسوم الجمركية مع جيرانها. تبلغ قيمة الصادرات إلى أميركا نحو 20 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي الكندي و30 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي المكسيكي. وعلى النقيض من ذلك، تبلغ قيمة الصادرات الأميركية إلى كندا والمكسيك مجتمعة 3 في المائة فقط أو نحو ذلك من الناتج المحلي الإجمالي الأميركي. ويقدّر معهد بيترسون للاقتصاد الدولي، وهو مركز أبحاث آخر، أن التعريفات الجمركية بنسبة 25 في المائة يمكن أن تقلص الاقتصادين المكسيكي والكندي بنسبة 1 إلى 2 في المائة على مدى السنوات القليلة المقبلة. مع التدابير الحالية فقط، سيكون عائق النمو في أميركا أقرب إلى 0.2 في المائة.

رئيسة المكسيك كلوديا شينباوم تتحدث خلال مؤتمرها الصحافي اليومي في مدينة مكسيكو (أ.ف.ب)

وعلى الرغم من أن الرسوم الجمركية الجديدة على المكسيك وكندا والصين سيئة بما فيه الكفاية في حد ذاتها، فإنها قد تكون مجرد عرض أولي للخراب الذي ينوي ترمب إحداثه في النظام التجاري الدولي في الأشهر القادمة، تختم الصحيفة.


مقالات ذات صلة

الصكوك الضريبية في مصر... أداة مالية لتعزيز الإيرادات أم ترحيل آجل للأزمة؟

الاقتصاد السيسي خلال اجتماع مع رئيس الحكومة ووزير المالية في مدينة العلمين (الرئاسة المصرية)

الصكوك الضريبية في مصر... أداة مالية لتعزيز الإيرادات أم ترحيل آجل للأزمة؟

تتجه مصر إلى طرح صكوك ضريبية قالت إنها «سيتم تمويلها من جانب الممولين وتخصم من التزاماتهم الضريبية المستقبلية على أن يكون العائد عليها بسعر جيد ومناسب.

محمد محمود (القاهرة)
الاقتصاد يتحدث رئيس الوزراء البريطاني أندي بيرنهام مع إحدى المقيمات خلال زيارة إلى دار رعاية في لندن (أ.ب)

بيرنهام يتعهد بإصلاح نظام الرعاية الاجتماعية البريطاني رغم كلفته المالية

تعهد رئيس الوزراء البريطاني أندي بيرنهام، يوم الأربعاء، بتحقيق ما عجزت عنه الحكومات المتعاقبة على مدى عقود، من خلال إصلاح نظام الرعاية الاجتماعية «المعطل».

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد رئيس الوزراء البريطاني المعيّن حديثاً أندي بيرنهام يلقي خطاباً أمام مقر رئاسة الوزراء في 10 داونينغ ستريت (رويترز)

وسط ضغوط الإنفاق... كيف يمكن لحكومة بيرنهام زيادة الضرائب في بريطانيا؟

قال رئيس الوزراء البريطاني الجديد، أندي بيرنهام، إنه قد يطلب من المواطنين دفع «المزيد قليلاً» من الضرائب، في وقت تواجه فيه البلاد ضغوطاً متزايدة على الإنفاق.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد أقر مجلس النواب استثناء وثائق الاستثمار المقيدة في بورصة مصر من الضريبة (رويترز)

مصر: مجلس النواب يقر تعديل ضريبة الدمغة في تعاملات البورصة

وافق مجلس النواب المصري على تعديلات قانون ضريبة الدمغة على تعاملات البورصة، ليتم فرض ضريبة بواقع 0.5 في الألف على كل من البائع والمشتري من مستثمري البورصة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الاقتصاد كلمات «الذكاء الاصطناعي» مع مجسم روبوت وعلم الولايات المتحدة الأميركية في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

كيف يسعى ترمب إلى اقتطاع حصة للدولة من عوائد شركات الذكاء الاصطناعي؟

طرح الرئيس الأميركي دونالد ترمب تصوراً أولياً يدرس منح الجمهور الأميركي حصة من العوائد المتوقعة لقطاع الذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

بيسنت يرى نهاية «أبينوميكس» ويدعم تشديد بنك اليابان

وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت (أ ب)
وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت (أ ب)
TT

بيسنت يرى نهاية «أبينوميكس» ويدعم تشديد بنك اليابان

وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت (أ ب)
وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت (أ ب)

أعاد وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت رسم صورة المرحلة المقبلة للاقتصاد الياباني، بعدما اعتبر أن تحركات الين الأخيرة لا تزال «محصورة إلى حد كبير»، ولا تمثل حالة اضطراب تستدعي تدخلاً فورياً جديداً، في وقت لمح فيه بوضوح إلى أن اليابان اقتربت من نهاية حقبة «أبينوميكس» التي قامت على إعادة التضخم، وتحفيز الاقتصاد عبر السياسات النقدية والمالية شديدة التوسع. وجاءت تصريحات بيسنت في وقت عادت فيه العملة اليابانية إلى مستويات أضعف من 160 يناً للدولار، وهي منطقة حساسة لطالما أثارت توقعات بالتدخل في سوق الصرف. إلا أن وزير الخزانة الأميركي بدا أكثر ارتياحاً هذه المرة، قائلاً إن تحركات العملة «تحت السيطرة إلى حد كبير». ويختلف هذا التقييم عن موقف واشنطن وطوكيو قبل شهر، عندما نفذتا في 31 يوليو (تموز) تدخلاً مشتركاً نادراً لشراء الين، في خطوة هدفت إلى وقف ما وصفه بيسنت حينها بتحركات «غير منظمة» للعملة، ومنع انتقال الضغوط إلى سوق السندات والأسواق العالمية. لكن الرسالة الجديدة لا تعني أن مشكلة الين انتهت، فالعملة اليابانية لا تزال ضعيفة تاريخياً، وهو ما يرفع تكلفة الواردات، ويغذي التضخم، خصوصاً في اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على استيراد الطاقة، والمواد الخام. ولهذا انتقل تركيز بيسنت من الدعوة إلى التدخل المباشر في سوق العملات إلى السياسة النقدية نفسها، وقال إنه يتوقع من محافظ بنك اليابان كازو أويدا أن «يتخذ القرار الصائب» بشأن أسعار الفائدة، في إشارة فسرتها الأسواق بأنها دعم ضمني لمزيد من التشديد النقدي. وعندما سُئل عما إذا كان البنك ينبغي أن يرفع الفائدة بوتيرة أسرع، تجنب بيسنت توجيه تعليمات مباشرة، لكنه أضاف أن اليابان «وصلت على الأرجح إلى نهاية أبينوميكس»، وهي السياسة التي أطلقت عام 2013 في عهد رئيس الوزراء الراحل شينزو آبي بهدف إخراج البلاد من الانكماش المزمن.

• نهاية «أبينوميكس»: وكانت «أبينوميكس» ترتكز على ثلاثة محاور رئيسة، هي تيسير نقدي واسع، وإنفاق مالي ضخم، وإصلاحات لتعزيز النمو. ونجحت هذه السياسات في كسر دورة الانكماش، ورفع أسعار الأصول، وتحفيز أرباح الشركات، لكنها أبقت الفائدة منخفضة لفترة طويلة، ورسخت اعتماد الأسواق على بنك اليابان. والآن يرى بيسنت أن اليابان تجاوزت المشكلة التي صُممت «أبينوميكس» لمعالجتها أساساً، أي الانكماش. وبالتالي فإن استمرار السياسة النقدية شديدة التيسير لم يعد يتماشى مع الواقع الجديد الذي أصبحت فيه الضغوط التضخمية أكثر وضوحاً. وتأتي تصريحاته قبل اجتماع بنك اليابان يومي 17 و18 سبتمبر (أيلول)، وسط توقعات شبه كاملة في الأسواق برفع سعر الفائدة مجدداً بعد الزيادة التي نفذها البنك في يونيو (حزيران). وأفادت مصادر بأن البنك يدرس أيضاً تسريع وتيرة الرفع مستقبلاً مقارنة بالنمط الحالي الذي يبلغ نحو مرتين سنوياً. ويرى بعض المحللين أن رفع الفائدة في سبتمبر بدلاً من أكتوبر (تشرين الأول) قد يرسخ توقعات بأن البنك ينتقل إلى دورة رفع ربع سنوية. وهذا الاحتمال يكتسب أهمية خاصة، لأن ضعف الين لم يتحسن بصورة مستدامة رغم اللهجة المتشددة الأخيرة من بنك اليابان. فحتى بعد تصريحات أويدا بشأن زيادة مخاطر التضخم، وإمكانية تسريع التشديد إذا ظلت الظروف المالية ميسرة للغاية، بقيت العملة تحت الضغط.

• رهان الفائدة: من هذه الزاوية، يبدو أن بيسنت يراهن على أن الدعم الأكثر فاعلية للين لن يأتي من التدخل وحده في السوق، بل من تضييق فجوة أسعار الفائدة بين اليابان والولايات المتحدة. لكن الصورة لا تخلو من تناقضات. ففي الوقت الذي يتحرك فيه بنك اليابان نحو سياسة نقدية أكثر تشدداً، تتبنى حكومة رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي برنامجاً مالياً توسعياً يركز على الاستثمار في القطاعات الاستراتيجية، ودعم الأسر في مواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة. ويرى منتقدون أن هذا التوجه قد يعمل في الاتجاه المعاكس لسياسة البنك المركزي. فزيادة الإنفاق الحكومي وتحفيز الطلب يمكن أن يضيفا ضغوطاً تضخمية جديدة، بينما يحاول بنك اليابان احتواء الأسعار عبر رفع الفائدة. كما أثارت خطط تاكايتشي مخاوف في سوق السندات، حيث ارتفع عائد السندات الحكومية اليابانية لأجل عشر سنوات إلى نحو 2.945 في المائة، وهو أعلى مستوى في ثلاثة عقود، وسط قلق المستثمرين من اتساع الإنفاق، وارتفاع تكاليف تمويل أحد أكبر أعباء الدين العام في العالم. ورغم ذلك، قدم بيسنت قراءة أكثر تفاؤلاً للمرحلة المقبلة. وقال إن اليابان انتقلت من «اقتصاد آبي» إلى ما وصفه بـ«اقتصاد تاكايتشي»، الذي يراه أكثر دعماً للمساهمين، وأقل اعتماداً على تدخل الدولة، خصوصاً مع تحرير سوق العمل، وبعض القطاعات الأخرى. وأضاف أن اليابان ينبغي أن «تسترخي» وتستمتع بنجاح السياسات السابقة، في إشارة إلى أن الأساس الذي وضعته «أبينوميكس» يمكن أن يسمح للاقتصاد بالنمو دون الحاجة إلى تكرار مستويات التحفيز القديمة. ويعكس هذا الطرح رؤية مفادها بأن اليابان لم تعد تحتاج إلى إنعاش التضخم، بل إلى إدارته. وهذه نقلة كبيرة في فلسفة السياسة الاقتصادية، لأنها تعني الانتقال من مرحلة كان الخطر الرئيس فيها هو الانكماش إلى مرحلة يصبح فيها الخطر هو تجاوز التضخم للمستويات المقبولة. وسيكون اللقاء المتوقع بين بيسنت وأويدا على هامش اجتماع قادة المالية لمجموعة العشرين في آشفيل محط أنظار المستثمرين. فالأسواق ستراقب أي إشارات بشأن مسار الفائدة، والين، والتنسيق بين طوكيو وواشنطن بعد التدخل المشترك الأخير. أما بالنسبة للعملة اليابانية، فإن رسالة بيسنت تبدو واضحة بأن الضعف الحالي لا يزال مقبولاً طالما لم يتحول إلى تحرك فوضوي، لكن علاج المشكلة على المدى الأطول ينبغي أن يأتي من السياسة الاقتصادية اليابانية نفسها. وهكذا، تدخل اليابان مرحلة جديدة تتغير فيها أولوياتها بالكامل. ففي عصر «أبينوميكس»، كان المطلوب خلق التضخم، ودفع المستثمرين إلى المخاطرة. أما في المرحلة الحالية، فإن التحدي أصبح كيفية منع التضخم من تجاوز الحدود، ودعم الين دون زعزعة سوق السندات، وضبط الإنفاق من دون خنق النمو. وإذا صح تقييم بيسنت، فإن السؤال لم يعد ما إذا كانت «أبينوميكس» نجحت، بل كيف ستدير اليابان نجاحها في بيئة أصبحت فيها الفائدة الأعلى والعملة الضعيفة والدين الضخم عناصر رئيسة في المعادلة الاقتصادية الجديدة.


فرنسا أمام معركة موازنة 2027... السندات عند أعلى مستوياتها منذ 2008

رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان ليكورنو خلال حضوره المخيم الصيفي «مختبر الجمهورية» في مدينة سينس جنوب شرق باريس في 29 أغسطس (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان ليكورنو خلال حضوره المخيم الصيفي «مختبر الجمهورية» في مدينة سينس جنوب شرق باريس في 29 أغسطس (أ.ف.ب)
TT

فرنسا أمام معركة موازنة 2027... السندات عند أعلى مستوياتها منذ 2008

رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان ليكورنو خلال حضوره المخيم الصيفي «مختبر الجمهورية» في مدينة سينس جنوب شرق باريس في 29 أغسطس (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان ليكورنو خلال حضوره المخيم الصيفي «مختبر الجمهورية» في مدينة سينس جنوب شرق باريس في 29 أغسطس (أ.ف.ب)

دخلت فرنسا أسبوعاً حاسماً على الصعيدين المالي والسياسي، مع اجتماع رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو وحكومته لبحث موازنة عام 2027، في وقت تتزايد فيه الضغوط على المالية العامة وتتصاعد مخاوف الأسواق من ارتفاع الدين وكلفة الاقتراض، مما دفع عوائد السندات الفرنسية إلى أعلى مستوياتها منذ سنوات.

وبلغ عائد السندات الحكومية الفرنسية لأجل عشر سنوات 4.1503 في المائة، وهو أعلى مستوى له منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2008، بعدما ارتفع 2.5 نقطة أساس، فيما صعد عائد السندات لأجل عامين إلى 3.1012 في المائة، وهو أعلى مستوى له منذ يوليو (تموز) 2024.

وتأتي هذه التحركات في وقت تواجه فيه الحكومة الفرنسية مهمة صعبة تتمثل في إعداد موازنة 2027 وسط اقتصاد ضعيف، وزيادات في الإنفاق جرى إقرارها بالفعل، ومعارضة سياسية تهدد بإسقاط الحكومة أو تعطيل تمرير الموازنة قبل الانتخابات الرئاسية المقررة في مايو (أيار) 2027.

وعقد لوكورنو اجتماعاً موسَّعاً لحكومته (الاثنين)، بدأ في قصر الإليزيه باجتماع لمجلس الوزراء، قبل الانتقال إلى اجتماع مغلق في مقر الأمانة العامة للدفاع والأمن الوطني، خُصص جزء منه لمناقشة موازنة العام المقبل.

ومن المقرر تقديم مشروع قانون المالية في نهاية سبتمبر (أيلول)، وسط ضغوط متزايدة لتمويل قطاعات عدة، إذ سبق للحكومة أن أقرَّت زيادات إضافية في الإنفاق بنحو 10 مليارات يورو لوزارات الدفاع والداخلية والعدل والتعليم والبحث والبيئة.

كما تواجه الحكومة ضغوطاً لتقديم دعم إضافي للقطاع الزراعي بعد موجة من الحرائق وموجات الحر والجفاف التي أضرَّت بالزراعة خلال الأشهر الثلاثة الماضية، إلى جانب احتمال تمديد مساعدات الوقود و«شيك الطاقة».

وفي المقابل، تبدو قدرة الحكومة على زيادة الإنفاق محدودة، في ظل تباطؤ النمو وارتفاع تكلفة خدمة الدين.

ومن المتوقع أن يذكّر وزير الاقتصاد رولان ليسكور أعضاء الحكومة بهذه الضغوط، إذ جاء النمو الاقتصادي ضعيفاً خلال النصف الأول من العام، مما يجعل تحقيق توقع النمو السنوي البالغ 0.7 في المائة بعيد المنال، بينما ارتفعت أسعار الفائدة إلى أكثر من 4 في المائة، ما يزيد أعباء الدين العام.

ويهدد ذلك بدفع عجز الموازنة إلى تجاوز الهدف الحكومي البالغ 5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.

المتحدثة باسم الحكومة الفرنسية ووزيرة الدولة لشؤون الطاقة والاقتصاد الرقمي مود بريجون ووزير التعليم الفرنسي إدوار جيفري في مؤتمر صحافي عقب الاجتماع الأسبوعي لمجلس الوزراء في باريس (أ.ف.ب)

تقليص الإنفاق يواجه مقاومة سياسية

وتضيق مساحة المناورة أمام لوكورنو بعدما استبعد المساس بالإسكان الاجتماعي وبرامج التدريب المهني، كما أبدى تحفظاً على تمديد الضريبة الإضافية المفروضة على الشركات الكبرى بالشكل نفسه.

ويركز رئيس الوزراء بدلاً من ذلك على خفض بعض بنود الإنفاق الاجتماعي، بما في ذلك إصلاح نظام الإجازات المرضية، ووقف تعويض بعض الأدوية القديمة، إضافة إلى عدم زيادة معاشات التقاعد بما يتماشى بالكامل مع التضخم، باستثناء المعاشات الصغيرة.

وتواجه هذه المقترحات معارضة سياسية قوية. فقد أعلن زعيم حزب «فرنسا الأبية» جان لوك ميلانشون عزمه إسقاط الحكومة، بينما لم يستبعد زعيم حزب التجمع الوطني جوردان بارديلا أي خيار ضد الموازنة.

وحذَّرت المتحدثة باسم الحكومة مود بريجون من أن بدء عام 2027 من دون موازنة سيكون «أمراً لا يمكن تصوره وغير مسؤول»، في محاولة لاحتواء الضغوط السياسية، ولا سيما مع تهديد الحزب الاشتراكي أيضاً بالتصويت لحجب الثقة.

وتأمل حكومة لوكورنو في التوصل إلى صيغة تسمح بإقرار موازنة مؤقتة للنصف الأول من عام 2027، يمكن للحكومة المقبلة تعديلها بعد الانتخابات الرئاسية.

الأسواق تراقب باريس

وتنعكس المعركة المالية والسياسية على الأسواق الفرنسية في وقت تتعرض فيه السندات العالمية لضغوط من ارتفاع التضخم وتوقعات أسعار الفائدة.

وعلى الرغم من ارتفاع عوائد السندات، عادت بورصة باريس إلى التوازن خلال تعاملات الاثنين، بعدما بدأت الجلسة على ارتفاع. وصعد مؤشر «كاك 40» بنحو 0.12 في المائة إلى 8411.24 نقطة عند الساعة 10:30 صباحاً بتوقيت باريس، بعد ارتفاعه 0.98 في المائة يوم الجمعة.

ويواجه المستثمرون في الوقت نفسه تأثيرات الحرب بين الولايات المتحدة وإيران وارتفاع أسعار النفط، بعدما قفز خام برنت بنحو 3.61 في المائة إلى 91.28 دولار للبرميل، فيما ارتفع خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بالنسبة نفسها تقريباً إلى 86.40 دولار.

وأدى ارتفاع أسعار الطاقة إلى دعم أسهم شركات النفط، إذ صعد سهم «توتال إنرجيز» 1.37 في المائة، في حين ارتفعت أسهم شركات «برنار ريكار» و«ستيلانتيس» و«رينو» و«ميشلان».

لكن ارتفاع عوائد السندات يظل مصدر ضغط على الأسهم، إذ يجعل أدوات الدخل الثابت أكثر جاذبية للمستثمرين ويرفع في الوقت نفسه تكلفة الاقتراض على الشركات.

وتراقب الأسواق أيضاً تداعيات تصريحات رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وارش، الذي شدَّد في «جاكسون هول» على ضرورة إعادة التضخم إلى مستوى 2 في المائة، مما عزَّز التوقعات بإمكانية رفع أسعار الفائدة الأميركية في سبتمبر.

وتأتي الضغوط على السندات الفرنسية في وقت يترقب فيه المستثمرون أيضاً مسار السياسة النقدية في منطقة اليورو، فيما أصبحت الموازنة الفرنسية والانتخابات الرئاسية المقبلة عاملين متزايدي الأهمية في تحديد علاوة المخاطر التي يطلبها المستثمرون لتمويل الحكومة الفرنسية.

وبذلك تجد باريس نفسها أمام معادلة صعبة: حكومة تحتاج إلى الإنفاق لدعم الاقتصاد وتمويل الأولويات الأمنية والاجتماعية والاستثمارية، في وقت تتراجع فيه فرص النمو وترتفع فيه كلفة الاقتراض، بينما يهدد الانقسام السياسي قدرة الحكومة على تمرير موازنة تحظى بثقة الأسواق والبرلمان في آن واحد.


مصر: «بي بي» تبدأ الإنتاج من بئر «فيوم 4» في غرب دلتا النيل

تتولى «بي بي» تشغيل تسهيلات غرب دلتا النيل بحصة تبلغ 82.75 % بينما تمتلك «هاربور إنرجي» الحصة المتبقية (رويترز)
تتولى «بي بي» تشغيل تسهيلات غرب دلتا النيل بحصة تبلغ 82.75 % بينما تمتلك «هاربور إنرجي» الحصة المتبقية (رويترز)
TT

مصر: «بي بي» تبدأ الإنتاج من بئر «فيوم 4» في غرب دلتا النيل

تتولى «بي بي» تشغيل تسهيلات غرب دلتا النيل بحصة تبلغ 82.75 % بينما تمتلك «هاربور إنرجي» الحصة المتبقية (رويترز)
تتولى «بي بي» تشغيل تسهيلات غرب دلتا النيل بحصة تبلغ 82.75 % بينما تمتلك «هاربور إنرجي» الحصة المتبقية (رويترز)

أعلنت شركة «بي بي»، الاثنين، أنها نجحت في بدء الإنتاج من بئر «فيوم 4»، متوقعةً أن تُنتج البئر نحو 80 مليون قدم مكعبة قياسية من الغاز يومياً.

وأوضحت الشركة في بيان صحافي، أن بدء الإنتاج سيسهم في إضافة كميات جديدة من الغاز إلى السوق المصرية، في إطار مواصلة الاستثمارات في منطقة غرب دلتا النيل.  

يأتي هذا الإعلان في أعقاب نجاح حملة الاستكشاف التي نفّذتها «بي بي» عام 2025، وأسفرت عن اكتشاف بئر «فيوم». وقد جرى الإسراع في تنفيذ المشروع، مما أدى إلى تقديم موعد بدء إنتاج الغاز بنحو عامين مقارنةً بما كان مخططاً له.

وأشار البيان إلى أن الشركة نجحت في حفر مسار جانبي للبئر بهدف الوصول إلى طبقات مكمنية ميسينية جديدة داخل حقل غرب دلتا النيل، على أعماق تقارب 3 آلاف متر، دون الحاجة إلى حفر بئر منفصلة أو إنشاء بنية تحتية جديدة تحت سطح البحر.

وذكر البيان أنه «تم ربط الإنتاج بتسهيلات غرب دلتا النيل لمعالجة الغاز، عبر خط أنابيب جيزة-فيوم، من خلال توظيف حلول هندسية مبتكرة للتغلب على التحديات الفنية والاستفادة من البنية التحتية البحرية القائمة للوصول إلى كميات إضافية من الغاز، وتقديم موعد بدء إنتاج الغاز بنحو عامين».

وقال وائل شاهين، رئيس شركة «بي بي مصر»: «يعكس بدء إنتاج (فيوم 4) دعم (بي بي) المستمر لاستراتيجية وزارة البترول الرامية إلى تسريع أعمال التنمية، وتعظيم الاستفادة من البنية التحتية القائمة، وتوظيف أحدث التقنيات لزيادة الإنتاج المحلي من الغاز الطبيعي في مصر».

تضم منطقة غرب دلتا النيل مجموعة من حقول الغاز الواقعة في المياه البحرية المصرية، ضمن امتيازي شمال الإسكندرية وغرب البحر المتوسط للمياه العميقة. وتتولى «بي بي» تشغيل تسهيلات غرب دلتا النيل بحصة تبلغ 82.75 في المائة، بينما تمتلك شركة «هاربور إنرجي» الحصة المتبقية البالغة 17.25 في المائة.