اختبار الدم السريع قد يميّز نزيف المخ من السكتات الدماغية الناجمة عن الجلطة

كلما طالت المدة التي تمضي قبل تشخيص السكتة الدماغية وعلاجها تضررت أنسجة المخ بشكل لا يمكن إصلاحه (رويترز)
كلما طالت المدة التي تمضي قبل تشخيص السكتة الدماغية وعلاجها تضررت أنسجة المخ بشكل لا يمكن إصلاحه (رويترز)
TT

اختبار الدم السريع قد يميّز نزيف المخ من السكتات الدماغية الناجمة عن الجلطة

كلما طالت المدة التي تمضي قبل تشخيص السكتة الدماغية وعلاجها تضررت أنسجة المخ بشكل لا يمكن إصلاحه (رويترز)
كلما طالت المدة التي تمضي قبل تشخيص السكتة الدماغية وعلاجها تضررت أنسجة المخ بشكل لا يمكن إصلاحه (رويترز)

وفقاً لدراسة أولية سيتم تقديمها في مؤتمر السكتة الدماغية الدولي لجمعية السكتة الدماغية الأميركية لعام 2025، فإن اختبار الدم قد يميز بسرعة بين نزيف المخ والسكتات الدماغية الناجمة عن الجلطة، حتى قبل وصول الأشخاص الذين يعانون أعراض السكتة الدماغية إلى غرفة الطوارئ، حسب تقرير لموقع «نيوز ميديكال» المختص بالأخبار الطبية.

سيعقد المؤتمر في لوس أنجليس بالولايات المتحدة في الفترة من 5 إلى 7 فبراير (شباط) 2025، وهو اجتماع عالمي رائد للباحثين والأطباء المكرسين لعلم السكتة الدماغية وصحة الدماغ.

كلما طالت المدة التي تمضي قبل تشخيص السكتة الدماغية وعلاجها، تضررت أنسجة المخ بشكل لا يمكن إصلاحه، وكانت النتيجة أسوأ بالنسبة للفرد. ومع ذلك، حتى عندما تشير الأعراض إلى السكتة الدماغية، فمن الأهمية بمكان التمييز بين السكتة الدماغية النزفية أو الإقفارية (الناجمة عن الجلطة) قبل إعطاء العلاج. يتم ذلك عادةً من خلال التصوير، ونقل المريض إلى غرفة الطوارئ ثم إلى الأشعة لإجراء فحص للدماغ - في حين تموت خلايا الدماغ.

درس الباحثون ما إذا كانت مستويات البروتين الحمضي الليفي الدبقي في الدم يمكن أن تكون مفيدة لتشخيص أنواع السكتة الدماغية بسرعة. هو بروتين خاص بالدماغ يتم إطلاقه في مجرى الدم عندما تتلف خلايا الدماغ أو تدمر. يتم استخدامه بالفعل في تقييم إصابات الدماغ الرضحية.

في دراسة موازية نُشرت في عام 2024، وجد البروفسور كالرا وزملاؤه أن مستويات البروتين الحمضي الليفي يمكن أن تميز بسرعة من أصيب بسكتة دماغية نازفة بين المرضى غير المستجيبين. في هذه الدراسة، قيَّم الباحثون ما إذا كانت مستويات هذا البروتين يمكن أن تفرّق بين السكتة الدماغية النزفية (الناجمة عن النزيف) والسكتة الدماغية الإقفارية (الناجمة عن جلطة دموية)، وكذلك الحالات التي تحاكي السكتة الدماغية. تم إجراء هذا التقييم باستخدام عينات الدم التي تم جمعها من قِبل فريق الإسعاف في خدمات الطوارئ الطبية قبل وصول المرضى إلى المستشفى.

يمكن أن تؤدي السكتة الدماغية إلى إعاقات دائمة وحتى الموت (رويترز)

وجد التحليل أن مستويات البروتين الحمضي الليفي الدبقي كانت:

- أعلى بنحو 7 مرات في المرضى الذين يعانون السكتة الدماغية النازفة من أولئك الذين يعانون السكتة الدماغية الناجمة عن الجلطة (208 بيكوغرامات لكل مليلتر، أو بيكوغرام/مل، مقابل 30 بيكوغرام/مل)؛

- البروتين أكثر من 4 مرات أعلى في المرضى الذين يعانون السكتة الدماغية النازفة من أولئك الذين يعانون مقلدات السكتة الدماغية (208 بيكوغرامات/ مل مقابل 48 بيكوغرام/ مل)؛

- قادرة على استبعاد السكتة الدماغية النازفة عندما تكون أقل من 30 بيكوغرام/ مل في المرضى الذين يعانون عجزاً عصبياً متوسطاً ​​إلى شديد؛

- قادرة على التنبؤ بالمرضى الذين يعانون السكتة الدماغية النازفة بدقة 90 في المائة - 95 في المائة...

تكشف هذه الدراسة عن أن مستويات البروتين الحمضي الليفي الدبقي وهو مؤشر لإصابة الدماغ، أعلى لدى المرضى الذين يعانون نزيفاً في الدماغ مقارنة بمن يعانون السكتات الدماغية الناجمة عن جلطات الدم. تشير هذه النتيجة إلى أن البروتين الحمضي الليفي الدبقي يمكن أن يكون بمثابة اختبار مفيد قبل دخول المستشفى لتقييم إصابات الدماغ.

مع ذلك، كانت عينة الدراسة صغيرة نسبياً، ولكي يكون الاختبار فعالاً، يجب أن يكون دم المريض واختبار البروتين الحمضي الليفي الدبقي متاحين للاختبارات في هذا المجال. حالياً، «لا تتوفر لدى معظم سيارات الإسعاف وخدمات الطوارئ الطبية إمكانية الوصول إلى اختبار الدم هذا»، كما قالت المتطوعة الخبيرة في جمعية القلب الأميركية الدكتورة لويز د. ماك كولوتش.


مقالات ذات صلة

اختراق طبي... خلايا جذعية قد تعالج آثار السكتة الدماغية

صحتك تُعد السكتة الدماغية من أبرز أسباب الإعاقة طويلة المدى حول العالم (رويترز)

اختراق طبي... خلايا جذعية قد تعالج آثار السكتة الدماغية

اكتشفت مجموعة من الباحثين أن زراعة خلايا دماغية مشتقة من الخلايا الجذعية قد تُقدم فوائد تتجاوز مجرد البقاء على قيد الحياة بعد التعرض لسكتة دماغية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك يمكن لعادات يومية صغيرة وسهلة أن تُحدث فرقاً حقيقياً في حماية القلب (رويترز)

8 عادات يومية بسيطة تقلل خطر الإصابة بالنوبات القلبية

في الوقت الذي يسعى فيه كثيرون لإجراء تغييرات جذرية في نمط حياتهم من أجل تحسين صحتهم، تكشف دراسات حديثة عن أن الحل قد يكون أبسط بكثير مما نعتقد.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك رجل يبرِّد نفسه في نافورة أمام كاتدرائية برلين خلال يوم صيفي حار (رويترز)

موجات الحر والبرد المتطرفة تزيد خطر الأزمات القلبية والسكتات الدماغية

كشفت دراسة حديثة أن الظواهر الجوية المتطرفة، مثل موجات الحر الشديدة والبرد القارس، تسهم بشكل ملحوظ في زيادة معدلات الأزمات القلبية والسكتات الدماغية.

«الشرق الأوسط» (وارسو)
صحتك تناول البيض يومياً قد يفيد الأعصاب لأنه غني بفيتامين B12 والكولين (بيكساباي)

كيف يؤثر تناول البيض بشكل يومي على الأعصاب؟

تناول البيض يومياً قد يفيد الأعصاب لأنه غني بفيتامين B12 والكولين، وهما مهمان لصحة الجهاز العصبي ودعم الذاكرة ووظائف الدماغ.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك أشخاص كبار في السن يتنزهون تحت المطر في مدينة تايبيه الجديدة (أ.ف.ب)

بعد الخمسين: أمراض مفاجئة لا ينبغي تجاهلها

بعد سن الخمسين، قد تتحول بعض الآلام البسيطة أو الأعراض غير المألوفة إلى مؤشرات على حالات طبية خطيرة تتطلب الانتباه والتدخل المبكر.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

تناول الطعام متأخراً له تأثيرات سلبية على الأمعاء

تناول الطعام متأخراً له تأثيرات سلبية على الأمعاء
TT

تناول الطعام متأخراً له تأثيرات سلبية على الأمعاء

تناول الطعام متأخراً له تأثيرات سلبية على الأمعاء

وفقاً لدراسة حديثة، عرضت ضمن الفعاليات العلمية لـ«أسبوع أمراض الجهاز الهضمي DDW 2026» المنعقد الشهر الماضي، قد يُلحق التوتر النفسي المزمن وتناول وجبة طعام في وقت متأخر من الليل، حتى لو كانت وجبة طعام خفيفة، ضرراً كبيراً بصحة الجهاز الهضمي ويسبب اختلال التوازن البكتيري في الأمعاء (اختلال ميكروبيوم الأمعاء). كما كشف هذا البحث أيضاً عن العلاقة بين تناول الطعام في وقت متأخر من الليل والتوتر المزمن.

اختلال التوازن البكتيري في الأمعاء

اختلال التوازن البكتيري في الأمعاء Dysbiosis قد يشمل نقصاً في تنوع البكتيريا المعوية، أو زيادة في البكتيريا الضارة، أو نقصاً في البكتيريا النافعة. وقد يُسبب ألماً في البطن، وانتفاخاً، وغثياناً، وتغيرات في عادات التبرز.

ويعتبر أسبوع أمراض الجهاز الهضمي المؤتمر العالمي الأبرز في مجال أمراض الجهاز الهضمي والكبد وجراحة الجهاز الهضمي، وقد عُقد في شيكاغو، إلينوي، في الولايات المتحدة، وعبر الإنترنت في الفترة من 2 إلى 5 مايو (أيار) 2026، ويتم بالتعاون بين الجمعية الأميركية لدراسة أمراض الكبد (AASLD)، ومعهد الجمعية الأميركية لأمراض الجهاز الهضمي (AGA)، والجمعية الأميركية لتنظير الجهاز الهضمي (ASGE)، وجمعية جراحة الجهاز الهضمي (SSAT).

ولكن هل إن تأخر وقت تناول الطعام بالليل، أم التوتر النفسي الذي يدفعنار إلى ذلك، هو ما يجعل تناول الوجبات ليلاً، حتى لو كانت خفيفة، غير صحي؟

وفق نتائج هذا البحث، اتضح أنه قد يكون مزيجاً من الاثنين، ما قد يؤثر لا على وزننا فقط، بل أيضاً على صحة أمعائنا، بما في ذلك ميكروبيوم الأمعاء. وأشارت الدراسة، التي أجرتها الدكتورة هاريكا داديجيري، من كلية الطب بجامعة نيويورك، إلى أن توقيت تناول الطعام قد يكون بأهمية نوعية مكوناته نفسها.

وفي التفاصيل، استخدم الباحثون الأميركيون مجموعتي بيانات رئيسيتين، هما المسح الوطني لفحص الصحة والتغذية NHANES ومشروع الأمعاء الأميركي American Gut Project. وحدد فريق البحث «محور التغذية الزمنية - الإجهاد» Chrononutrition - Stress Axis الذي يقيس كيفية تأثير مستويات الإجهاد على أنماطنا الغذائية وتوقيتها.

ووجد الباحثون أن الأشخاص الذين يعانون من مستويات عالية من الإجهاد النفسي ويتناولون الطعام في وقت متأخر من الليل أكثر عرضة بنسبة 39.3 في المائة للإصابة باضطرابات في حركة الأمعاء، مثل الإمساك أو الإسهال؛ وذلك مقارنة بنسبة 23.2 في المائة لدى الأشخاص ذوي مستويات الإجهاد النفسي المنخفضة الذين يتناولون الطعام في أوقاتهم المعتادة (قبل 9 مساءً).

كما كان الأفراد الذين يعانون من مستويات عالية من الإجهاد النفسي ويتناولون وجبات خفيفة في وقت متأخر من الليل Late - Night Snackers، والذين عرّفهم الباحثون بأنهم يستهلكون أكثر من 25 في المائة من كمية كالورى سعراتهم الحرارية اليومية بعد الساعة 9 مساءً، أكثر عرضة للإصابة بمشاكل في الأمعاء بمقدار 1.7 إلى 2.5 مرة.كما أن ارتفاع مستويات الإجهاد الفسيولوجي (المعروف بالحمل التراكمي Allostatic Load) يزيد بشكل مستقل من خطر الإصابة باضطرابات في حركة الأمعاء. وعندما يقترن ذلك بتناول الطعام في وقت متأخر من الليل، ينتج عنه تأثير سلبي أكبر.

التوتر وتأخير الوجبات

وتشير هذه النتائج إلى أن توقيت الوجبات يمكن أن يغير كيفية تأثير الإجهاد على التواصل بين الدماغ والأمعاء.

وقد يسأل أحدنا، ماذا لو كنت أتناول ليلاً وجبات طعام خفيفة بنوعية وحجم ومكونات صحية؟ تشير نتائج الدراسة إلى أنه حتى عندما لا يستهلك الناس بالضرورة أطعمة غير صحية أو مصنعة، فإن تناول الطعام في وقت متأخر من الليل قد يُخلّ بعملية الهضم والساعة البيولوجية للجسم Natural Internal Clock، أو إيقاعها اليومي Circadian Rhythm الذي يستمر 24 ساعة. وكانت أبحاث سابقة قد أظهرت أن اضطراب الإيقاع اليومي (بغض النظر عن السبب) مرتبط بأمراض مزمنة مثل الخرف وأمراض القلب والأوعية الدموية والسرطان. وقالت الدكتورة داديجيري: «هذه دراسة تُعزز الأبحاث الجارية حول محور التغذية الزمنية وتناول الطعام في أوقات محددة».

ولتوضيح الآثار السلبية للتوتر التنفسي على بكتيريا الأمعاء، أظهر الباحثون في دراستهم حصول انخفاض مُخلّ في تنوع بكتيريا الأمعاء لدى الأشخاص الذين يتناولون وجبات خفيفة في وقت متأخر من الليل ويعانون من مستويات عالية من التوتر. وهو ما أثبته الباحثون باستخدام مؤشر شانون Shannon Index لقياس تنوع الميكروبات. وهذا هو الأمر الذي يُقدم دليلاً على أن عادات نمط الحياة قد تُخلّ بالتوازن بين الأمعاء والدماغ. (مؤشر شانون هو مقياس رياضي يستخدم في علم البيئة ونظرية المعلومات لتحديد تنوع أو عدم القدرة على التنبؤ بالنظام. يأخذ في الاعتبار أيضاً الوفرة النسبية لكل فئة في ظل المتوسط الهندسي المرجح).

من جانبها، علقت ميشيل روثنشتاين، اختصاصية التغذية الإكلينيكية المعتمدة في مجال أمراض القلب الوقائية بأنه «رغم أن النتائج لم تكن مفاجئة، فإنها وجدت أن من المثير للاهتمام كيف أن الجمع بين التوتر الشديد وتناول الطعام في وقت متأخر من الليل يُضاعف من تأثيراته على صحة الأمعاء». وقالت إن «الإجهاد الشديد وحده يزيد من احتمالية حدوث اضطرابات في حركة الأمعاء بنسبة 32 في المائة تقريباً، ولكن عندما يقترن بتناول الطعام في وقت متأخر من الليل، يرتفع الخطر إلى زيادة تتراوح بين 1.7 و2.5 ضعف، مما يعزز أهمية التوافق مع الساعة البيولوجية للفرد والاعتراف بمحور الأمعاء والدماغ».

آثار صحية سلبية للأكل بعد 9 مساءً

يقول المتخصصون الطبيون في المركز الطبي بجامعة روتشستر:" يُعدّ تناول الطعام في وقت متأخر من الليل عادةً شائعة". ويضيفون:" قد ينجم الجوع الليلي عن:

-عدم تناول كمية كافية من الطعام خلال النهار

-ممارسة الرياضة المسائية (زيادة احتياجات الطاقة)

-عوامل عاطفية (الملل، الوحدة، التوتر)

-التعود على تناول الوجبات الخفيفة بشكل متكرر

-انخفاض تناول الألياف أو البروتين أو الدهون خلال النهار

-حالات صحية تؤثر على تنظيم الجوع".

والواقع أن تناول الطعام بعد الساعة التاسعة مساءً يؤدي إلى اضطراب الساعة البيولوجية للجسم، ما يُبطئ عملية الأيض خلال الليل. ولذا فإن تناول الطعام في وقت متأخر من الليل بانتظام قد يُسبب العديد من الآثار الصحية المحددة:

1.زيادة الوزن وتغيرات في عملية الأيض. وذلك من خلال العوامل التالية:

-اضطراب عملية الأيض: وتُشير الساعة البيولوجية للجسم إلى أن عملية الأيض تبلغ ذروتها في الصباح وتتباطأ في الليل. والطعام الذي يُتناول في وقت متأخر من الليل يُهضم بشكل أقل كفاءة، ويزداد احتمال تخزينه على شكل دهون.

-تغيرات هرمونية: تناول الطعام في وقت متأخر يزيد من الشعور بالجوع في اليوم التالي، وقد يُؤثر سلبًا على الهرمونات المنظمة للشهية.

-ارتفاع خطر الإصابة باضطرابات التمثيل الغذائي: وتربط الدراسات بين تناول الطعام في وقت متأخر (مثل العشاء في الساعة التاسعة مساءً) وزيادة مؤشر كتلة الجسم، وارتفاع نسبة الكوليسترول، وزيادة خطر الإصابة بمتلازمة التمثيل الغذائي.

2.مشاكل الجهاز الهضمي. يقول المتخصصون الطبيون في المركز الطبي بجامعة روتشستر:" يُعدّ تناول الطعام في وقت متأخر من الليل عادةً شائعة. ولكن تناول الطعام خلال ساعتين إلى ثلاث ساعات قبل النوم قد يحفز إفراز الحمض في المعدة. وقد يؤدي الاستلقاء بعد الأكل مباشرة إلى صعود الحمض إلى المريء وحصول الارتجاع المعدي المريئي GERD، مما يسبب الشعور بعدم الراحة والتهيج".

ونظرًا لأن الجهاز الهضمي يُبطئ من وتيرة حركته بشكل طبيعي أثناء النوم، فإن الطعام الذي يُتناول في وقت متأخر من الليل يبقى في المعدة لفترة أطول، ما قد يُفاقم الأعراض لدى الأشخاص المصابين بمتلازمة القولون العصبي IBS.

3.ارتفاعات سكر الدم. قد يؤدي تناول الطعام عندما يكون الجسم مُهيأً بيولوجيًا للراحة، إلى مقاومة الأنسولين وارتفاع مستويات الغلوكوز والأنسولين خلال الليل. ومع مرور الوقت، قد يزيد تناول الطعام بشكل مُزمن في وقت متأخر من الليل من خطر الإصابة بداء السكري من النوع الثاني. ويقول المتخصصون الطبيون في المركز الطبي بجامعة روتشستر:" إذا كنت مصابًا بداء السكري، يمكن أن يساعد مزيج متوازن من البروتين والألياف والدهون الصحية في الحفاظ على استقرار مستويات السكر في الدم".

4.اضطرابات النوم. هضم وجبة دسمة - خاصةً الأطعمة الغنية بالسكر أو الدهون - يُنشّط الجسم وقد يُؤثر على تدني جودة النوم ودورة النوم. وقد يؤدي ذلك إلى نومٍ خفيف، واستيقاظٍ متكرر، وتأخر إفراز هرمونات النوم مثل الميلاتونين.

متى يجب التوقف عن تناول الطعام ليلاً؟

لطالما كان الوقت الأمثل للتوقف عن تناول الطعام خلال اليوم موضع نقاش طبي وغير طبي.

وبالعموم، تؤثر عوامل عديدة على وقت توقف الشخص عن تناول الطعام، مثل الشهية، والعادات، والثقافة، وجداول العمل، والتفضيلات الشخصية، والظروف الاجتماعية.

وقد بحثت دراسات حديثة في توقيت تناول الوجبات وتأثيره على الصحة. ولكنها خلُصت إلى أنه لا يوجد وقت محدد للتوقف عن الأكل ليلاً. ولكنها في نفس الوقت طرحت تأثير الساعة البيولوجية للجسم، التي تعمل على مدار 24 ساعة، في تحديد الشخص أفضل وقت لتناوله الطعام خلال فترة اليوم الكامل، ومتى عليه أن يتوقف، وذلك من خلال تأثيرها على الشعور بالجوع، وامتصاص العناصر الغذائية، وحساسية الأنسولين، والتمثيل الغذائي.

ولذا فإن تناول الطعام وفقًا للساعة البيولوجية للجسم هو الخيار الأمثل.

وللمواءمة مع ساعتك البيولوجية، يُنصح بتناول الطعام خلال فترة لا تتجاوز 8 إلى 12 ساعة يومياً، أي خلال ساعات النهار. وقد يؤدي تناول الطعام خارج هذه الفترة إلى معالجة جسمك للسعرات الحرارية بكفاءة أقل، ما قد يساهم في زيادة الوزن، لأن تناول الطعام على مدار أكثر من 12 ساعة يومياً قد يزيد من خطر الإصابة بالسمنة والسكري وأمراض القلب.

ولكن تجدر ملاحظة أن الصيام المتقطع Intermittent Fasting ، أي تناول الطعام خلال فترة زمنية محددة (غالبًا من 8 إلى 12 ساعة) في أي وقت من اليوم، يختلف قليلًا عن تناول الطعام وفقًا للساعة البيولوجية للجسم. ذلك أن العديد من أنظمة الصيام المتقطع تقترح تخطي وجبة الإفطار وتناول معظم الوجبات في وقت لاحق من اليوم.

وكانت عدة دراسات اكلينيكية قد وجدت أن تخطي وجبة الإفطار يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمتلازمة التمثيل الغذائي لدى البالغين الذين تتراوح أعمارهم بين 35 و74 عامًا. وتشير دراسات أخرى إلى أن تناول وجبة إفطار أكبر ووجبة عشاء أصغر قد يؤدي إلى تحسين التحكم في مستوى السكر في الدم، وتقليل نسبة الدهون في الجسم، وخفض مستوى الجوع.

ولذا قد يساهم تقليص فترة تناول الطعام لتكون في فترة 12 ساعة أو أقل، تبدأ من الصباح، في الحد من تناول الوجبات الخفيفة غير الواعية، وبالتالي خفض إجمالي السعرات الحرارية المتناولة ومنع زيادة الوزن.

* استشارية في الباطنية


كيف تؤثر أساليب التربية الأبوية على الصحة النفسية للمراهقين؟

كيف تؤثر أساليب التربية الأبوية على الصحة النفسية للمراهقين؟
TT

كيف تؤثر أساليب التربية الأبوية على الصحة النفسية للمراهقين؟

كيف تؤثر أساليب التربية الأبوية على الصحة النفسية للمراهقين؟

أظهرت دراسة نفسية حديثة باحثين في جامعة لينجنان (Lingnan University) في الصين، ونُشرت للمرة الأولى في النصف الثاني من شهر يناير (كانون الثاني) من العام الحالي، في النسخة الإلكترونية من مجلة الطب النفسي للأطفال والتنمية البشرية (Child Psychiatry & Human Development)، أن تغذية الشعور بالذنب والحرمان العاطفي، يزيدان من احتمالية ظهور أعراض الاكتئاب لدى المراهقين.

قام الباحثون بدراسة استقصائية على مرحلتين بين عامي 2020 و2021؛ حيث تتبعوا 742 طالباً وطالبة، في المرحلة الإعدادية (من الصف السابع إلى الصف الثامن) في مدرستين حكوميتين. وكان الفاصل الزمني بين فترتَي جمع البيانات عاماً كاملاً، وكانت نسبة الإناث المشاركات 52 في المائة، وكان متوسط سن الطلاب نحو 13 عاماً.

تم سؤال الطلاب المشاركين عن تصوراتهم لأساليب التربية التي يتبعها آباؤهم، ومدى رضاهم عن هذه الأساليب. وقام الباحثون أيضاً بسؤال الطلاب عن تقييمهم لردود أفعالهم تجاه الأساليب المختلفة، وأعراض الاكتئاب، وسلوكيات إيذاء الذات.

4 أنماط من التربية

بناءً على البيانات التي تم جمعها من الطلاب، حدد الفريق البحثي 4 أنماط متميزة لأساليب التربية.

• النمط الأول يسمى «النمط الداعم»، وينتمي له ما يقرب من 44 في المائة من الآباء، وهذا النمط تميز باحترام آراء الأبناء، ومنحهم الاستقلالية الكافية، بالإضافة إلى قلة استخدامهم للرقابة النفسية.

• النمط الثاني يسمى «النمط المختلط المعتدل»، وينتمي له ما يزيد على 33 في المائة من الحالات. وهذا النمط تميز بالتأرجح بين التفهم والتشدد؛ حيث أظهر الآباء أسلوباً تربوياً غير متسق ومحير في الوقت نفسه، ما صعَّب على المراهقين توقع ردود أفعالهم.

• النمط الثالث وهو «النمط المسيطر»، وينتمي له أكثر من 17 في المائة من الآباء. وهذا النمط تميز بمطالبة الآباء للأبناء بالطاعة المطلقة، وسمحوا لهم بأقل قدر من الاستقلالية الشخصية، ولجأوا بشكل متكرر إلى أساليب السيطرة النفسية، مثل تغذية الشعور بالذنب أو الحرمان العاطفي، للضغط على أبنائهم.

• النمط الرابع والأخير، وهو «النمط المختلط المرتفع»، وينتمي له نحو 6 في المائة فقط من الآباء. وهذا النمط تميز بالتلاعب النفسي من قبل الآباء؛ حيث قدموا دعماً سطحياً واستخدموا في الوقت نفسه أساليب السيطرة النفسية، تحت ستار مصلحة الطفل، بطريقة النمط المسيطر نفسها.

وأظهرت نتائج البحث أن استخدام الآباء طرق السيطرة النفسية على أبنائهم -مثل إجبارهم على الطاعة من خلال التلاعب بمشاعر الذنب أو الحرمان العاطفي- يُعد نوعاً من الابتزاز العاطفي، يمكن أن يضعف من قدرة المراهق على تنظيم عواطفه، ما يؤدي بدوره إلى ظهور أعراض الاكتئاب، ويزيد من خطر إيذاء النفس؛ خصوصاً في الفتيات.

وقال الباحثون إن تأثير أنماط التربية على المراهقين يختلف بين الذكور والإناث، نتيجة لكثير من العوامل، مثل العوامل البيولوجية والهرمونية والتنشئة الاجتماعية، بالإضافة للتكوين النفسي لكل جنس. وعلى سبيل المثال، تميل الفتيات إلى اجترار المشاعر السلبية، ما يضخم تأثير السيطرة النفسية الأبوية على صحتهن النفسية، وفي المقابل يميل الذكور إلى إلقاء اللوم على الآخرين، ما يؤدي إلى تخفيف حدة الألم النفسي عليهم.

الاكتئاب وإيذاء النفس

أوضحت الدراسة أن نمط التربية الداعم الذي يحترم استقلالية الطفل، ويقدر التواصل العاطفي، يقلل من خطر حدوث الاكتئاب وإيذاء النفس لدى الأطفال. وفي المقابل أظهرت الأنماط الثلاثة المتعلقة بالسيطرة النفسية، وخصوصاً مجموعة السيطرة الكاملة، ارتباطاً وثيقاً بإيذاء النفس غير الانتحاري بعد عام من الدراسة. ويعتبر إيذاء الجسد -من دون غرض التخلص من الحياة- عملاً لمجرد الشعور بالألم كنوع من الإحساس بالذنب.

وكان نمط التربية المختلطة من الأنماط السيئة للغاية على نفسية المراهقين؛ لأن الإشارات المتضاربة للدعم السطحي، المقترن بالسيطرة النفسية الشديدة، تركتهم في حالة من التشتت الشديد، أكثر سوءاً من النمط المسيطر بشكل واضح، ما انعكس بالسلب على نفسيتهم.

ومن المعروف أن السيطرة النفسية الأبوية، تتسبب في حدوث خلل عاطفي للمراهقين، وهو ما يظهر في سلوكياتهم بعد ذلك، مثل الاندفاعية، والمبالغة في ردود الأفعال، وصعوبة التعامل مع المشاعر السلبية؛ حيث يمهد وجود هذا الخلل العاطفي فترات طويلة لحدوث أعراض الاكتئاب وما يتبعها من إيذاء النفس، وهو ما ظهر واضحاً بشكل خاص بين الإناث المشاركات في الدراسة.

ونصحت الدراسة الآباء بضرورة تحقيق التوازن في تربية المراهقين، بين وضع الحدود والاستقلالية المناسبة والدعم العاطفي. ومن خلال تخفيف السيطرة النفسية عليهم، يمكن للآباء مساعدة أبنائهم على تطوير مهارات تنظيم الانفعالات العاطفية المختلفة.

وأكد الباحثون أن هذه الدراسة تُعد شديدة الأهمية في المجتمعات المتقدمة، التي تتميز بتنافسية كبيرة في الدراسة والعمل؛ لأن الآباء في هذه المجتمعات في الأغلب تكون لديهم طموحات عالية جداً لأبنائهم، وبالتالي يضطرون إلى ممارسة السيطرة النفسية عليهم، كشكل من أشكال الرعاية والمسؤولية، لحثهم على التقدم العلمي والتركيز على العمل.

ونتيجة لهذه القناعات يتصرف الآباء بنوع من القسوة، متخيلين أن هذه التصرفات لصالح الأبناء، ما يؤدي إلى حدوث ضغوط نفسية على الأبناء بشكل غير مقصود. وبدلاً من تحقيق النتائج التعليمية المرجوة، في الأغلب تتسبب هذه التصرفات في حدوث ضرر بالغ للصحة النفسية للطفل، وشعوره بقيمته الذاتية، وتؤثر بالسلب على علاقته بوالديه.

واقترح الباحثون أن تقوم الجهات الصحية بعمل مسح لأسر الطلاب، يمكن من خلاله معرفة أساليب التربية المختلفة، وتحديد المراهقين المعرضين لخطر إيذاء الذات غير الانتحاري والاكتئاب، وتعليمهم كيفية إدارة المشاعر ودعم الصحة النفسية.

* استشاري طب الأطفال


الدم... مورد طبي ثمين لم يستطع العلم استبداله

الدم... مورد طبي ثمين لم يستطع العلم استبداله
TT

الدم... مورد طبي ثمين لم يستطع العلم استبداله

الدم... مورد طبي ثمين لم يستطع العلم استبداله

في الرابع عشر من يونيو (حزيران) من كل عام، يحتفل العالم باليوم العالمي للمتبرعين بالدم، تكريماً لملايين الأشخاص الذين يهبون دماءهم طوعاً ومن دون مقابل لإنقاذ حياة الآخرين. وفي هذا العام (2026)، اختارت «منظمة الصحة العالمية» شعار «قطرةٌ من الإنسانيّة... تَبَرَّعْ بالدَّمِ وأنقِذْ الأرواحَ» (One Drop of Humanity. Give Blood. Save Lives)، في رسالة تؤكد أن التبرع بالدم لا يمثل مجرد إجراء طبي؛ بل يجسد أسمى معاني التضامن الإنساني والمسؤولية المشتركة.

ويأتي هذا الاحتفاء العالمي في وقت تتزايد فيه النزاعات المسلحة والكوارث الطبيعية والأزمات الإنسانية والصحية، ما يجعل الحاجة إلى الدم الآمن أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.

وتؤكد «منظمة الصحة العالمية» أن مساهمات المتبرعين بالدم تمثل ركناً أساسياً في دعم الأنظمة الصحية حول العالم، حيث تسهم في إنقاذ المرضى في حالات الطوارئ والحوادث، ومضاعفات الحمل والولادة، والعمليات الجراحية، وعلاج السرطان، والعديد من الأمراض المزمنة والخطيرة. ورغم التطور الكبير الذي شهدته أنظمة سلامة الدم والفحوصات المخبرية، فإن توفير الدم الآمن لا يزال يعتمد بصورة أساسية على الأشخاص المستعدين للتبرع بانتظام وطوعاً، في وقت لا تزال فيه دول عديدة تواجه نقصاً في الإمدادات وعدم مساواة في فرص الحصول على الدم ومشتقاته.

شعار المناسبة 2026

مورد طبي ثمين

على الرغم من الإنجازات المذهلة في مجالات الهندسة الحيوية والذكاء الاصطناعي، فإن العلم لم يتمكن حتى الآن من إنتاج بديل صناعي يؤدي جميع الوظائف الحيوية للدم البشري.

ويتكون الدم من منظومة حيوية معقدة تشمل خلايا الدم الحمراء المسؤولة عن نقل الأكسجين، والصفائح الدموية التي تؤدي دوراً أساسياً في وقف النزيف، والبلازما التي تنقل العناصر الغذائية والهرمونات والبروتينات الضرورية، إضافة إلى خلايا الدم البيضاء التي تشكل ركناً مهماً من منظومة الدفاع المناعي.

وعند التبرع بوحدة دم واحدة، يمكن فصل هذه المكونات واستخدامها لعلاج أكثر من مريض حسب احتياجاته الطبية، وهو ما يضاعف القيمة العلاجية لكل عملية تبرع.

وتشير بيانات «منظمة الصحة العالمية» إلى أن أكثر من 118 مليون تبرع بالدم يتم تسجيلها سنوياً حول العالم، إلا أن توزيعها لا يزال غير متوازن؛ إذ تتركز نسبة كبيرة منها في الدول ذات الدخل المرتفع، رغم أن غالبية سكان العالم تعيش في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل. ويؤدي هذا التفاوت إلى تحديات مستمرة في توفير الدم الآمن للفئات الأكثر احتياجاً.

وتشير بيانات «منظمة الصحة العالمية» إلى وجود تفاوت واضح في أنماط الاستفادة من خدمات نقل الدم بين الدول المختلفة؛ ففي الدول منخفضة الدخل تُعطى نسبة كبيرة من عمليات نقل الدم للأطفال دون الخامسة من العمر، بينما تتركز غالبية عمليات نقل الدم في الدول مرتفعة الدخل بين كبار السن والمرضى الذين يخضعون للعمليات الجراحية المعقدة أو علاجات الأورام. ويعكس هذا التباين أن قضية الدم لا ترتبط فقط بتوافر الإمدادات؛ بل تمتد أيضاً إلى مفهوم العدالة الصحية العالمية وضمان حصول جميع المرضى على الرعاية التي يحتاجونها بغض النظر عن الموقع الجغرافي أو مستوى الدخل.

ومن الحقائق المهمة أن صلاحية مكونات الدم محدودة زمنياً؛ فالصفائح الدموية لا يمكن الاحتفاظ بها إلا لفترة قصيرة لا تتجاوز عدة أيام، في حين تحتاج خلايا الدم الحمراء إلى ظروف حفظ دقيقة ولمدة محدودة أيضاً. ولذلك لا تستطيع بنوك الدم الاعتماد على التخزين طويل الأمد؛ بل تحتاج باستمرار إلى تدفق منتظم للمتبرعين للحفاظ على توازن دقيق بين العرض والطلب.

ولا تقتصر التحديات المرتبطة بإمدادات الدم على الاحتياجات الحالية فحسب؛ بل تمتد أيضاً إلى المستقبل. فمع تزايد أعداد كبار السن في كثير من دول العالم وارتفاع معدلات الأمراض المزمنة والحاجة إلى العمليات الجراحية المعقدة وعلاجات الأورام، يتوقع الخبراء زيادة الطلب على الدم ومكوناته خلال العقود المقبلة. وفي المقابل، يواجه بعض الدول تحديات مرتبطة بتراجع أعداد المتبرعين المنتظمين نتيجة التغيرات الديمغرافية وأنماط الحياة الحديثة، مما يجعل تعزيز ثقافة التبرع بالدم استثماراً طويل الأمد في استدامة الأنظمة الصحية.

الحروب والكوارث والأمن الصحي

عندما تقع الكارثة يصبح الدم أثمن من الدواء! وتتضاعف أهمية الدم بصورة كبيرة عند وقوع الكوارث والأزمات الإنسانية. ففي اللحظات التي تتعرض فيها المجتمعات للحروب، أو الزلازل، أو الفيضانات، يصبح توفر الدم ومشتقاته عاملاً حاسماً في إنقاذ الأرواح خلال الساعات الأولى الحرجة، وهي الفترة التي تحدد فرص النجاة.

وفي حالات الصدمات الكبرى والإصابات البالغة، قد يحتاج المصاب إلى عدة وحدات من الدم خلال فترة زمنية قصيرة لتعويض الفاقد. وتشير الأدبيات الطبية إلى أن النزيف الشديد ما زال يمثل أحد الأسباب الرئيسية للوفاة التي يمكن الوقاية منها في حالات الحوادث والكوارث، إذا توافرت الرعاية الطبية السريعة.

ومن المفارقات المقلقة أن الحاجة إلى الدم ترتفع بشكل حاد في أوقات الأزمات، بينما تنخفض في الوقت نفسه معدلات التبرع نتيجة تعطل وسائل النقل، أو إغلاق المرافق، أو انشغال السكان بظروف الطوارئ. وقد كشفت جائحة «كوفيد - 19» مثالاً واضحاً على هشاشة سلاسل إمداد الدم، حيث تراجعت معدلات التبرع نتيجة القيود المفروضة على الحركة والتجمعات، مما أظهر أن استدامة خدمات نقل الدم ترتبط مباشرة بمرونة الأنظمة الصحية وقدرتها على مواصلة تقديم الرعاية في الظروف الاستثنائية.

وحين تقع الكارثة، لا يكون هناك متسع من الوقت للبحث عن متبرعين؛ بل يعتمد نجاح الاستجابة على ما تم بناؤه مسبقاً من ثقافة مجتمعية داعمة للتبرع، وتوافر مخزون كافٍ من الدم ومكوناته.

أما الأمن الصحي، فهو أكثر من مجرد مستشفيات وأدوية؛ إذ أثبتت التجارب العالمية الحديثة أن الأمن الصحي أصبح ركناً أساسياً من أركان استقرار الدول. وفي هذا الإطار، برزت خدمات نقل الدم بوصفها أحد المؤشرات المهمة على قوة النظام الصحي ومرونته. فتوفر مخزون آمن ومستدام يعكس مستوى الوعي المجتمعي، وفاعلية السياسات العامة، وقدرة الدولة على التخطيط الاستراتيجي.

ومن منظور إدارة المخاطر، فإن النقص في إمدادات الدم قد يتحول بسرعة إلى أزمة تؤثر على قطاعات واسعة من الخدمات الطبية، حيث تضطر المستشفيات إلى تأجيل العمليات الجراحية غير الطارئة، أو إعادة ترتيب الأولويات العلاجية. ولا يقتصر مفهوم الأمن الصحي على توافر الدم من حيث الكمية، بل يشمل سلامته وجودته؛ فكل وحدة تمر بسلسلة من الإجراءات الدقيقة للفحص والتصنيف وفق معايير صارمة لحماية المتلقي من الأمراض المنقولة.

وفي المملكة العربية السعودية، يكتسب هذا المفهوم أهمية إضافية استثنائية في ضوء الدور الذي تؤديه المنظومة الصحية في خدمة ملايين المواطنين والمقيمين، إلى جانب الملايين من الزوار القادمين من مختلف أنحاء العالم على مدار العام. فالمواسم الدينية الكبرى، وما يصاحبها من كثافة بشرية عالية في أوقات زمنية محددة، تتطلب جاهزية مستمرة لخدمات الطوارئ، بما في ذلك توفير مخزون كافٍ وآمن من الدم ومكوناته. وقد شهدت المملكة خلال السنوات الماضية، تطوراً ملحوظاً في برامج التبرع بالدم وحملات التوعية المجتمعية الرقمية والميدانية، وتطوير بنوك الدم المركزية، مما يعكس إدراكاً متزايداً لأهمية هذا المورد في دعم الأمن الصحي الوطني.

فئات معتمدة على نقل الدم

رغم ارتباط التبرع بالدم في الأذهان بضحايا الحوادث، فإن الحقيقة أن الحاجة إليه تمثل جزءاً من الرعاية الطبية اليومية المستمرة لعدد كبير من المرضى، وعلى سبيل المثال:

• صحة الأمومة: تأتي النساء اللاتي يتعرضن لمضاعفات النزيف الحاد أثناء الحمل أو الولادة في مقدمة المستفيدين. ووفقاً لـ«منظمة الصحة العالمية»، لا يزال النزيف الحاد أحد الأسباب الرئيسية لوفيات الأمهات عالمياً، ويكون توفر الدم عاجلاً هو العامل الفاصل بين الحياة والموت.

• مرضى الأورام والسرطان: يتسبب العلاج الكيميائي والإشعاعي في تثبيط قدرة نخاع العظم على إنتاج خلايا الدم، ما يجعل المرضى بحاجة مستمرة لنقل كريات الدم الحمراء أو الصفائح الدموية، لدعم وظائف الجسم أثناء فترة العلاج.

• أمراض الدم الوراثية: على رأسها الثلاسيميا والأنيميا المنجلية، وتكتسب أهمية خاصة في منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي لارتفاع معدلات انتشارها. فمرضى الثلاسيميا الشديدة يحتاجون إلى نقل الدم دورياً كل بضعة أسابيع مدى الحياة، للبقاء على قيد الحياة.

• العمليات الجراحية المعقدة: مثل جراحات القلب المفتوح، وزراعة الأعضاء، وجراحات الأورام الكبرى، التي تتطلب توفير مخزون مسبق لضمان سلامة المريض.

• الأطفال الخدج وحديثو الولادة: الذين يعانون من مشكلات صحية مرتبطة بالولادة المبكرة أو اضطرابات الدم المكتسبة.

«قطرةٌ من الإنسانيّة... تَبَرَّعْ بالدَّمِ وأنقِذْ الأرواحَ»

مفاهيم خاطئة

رغم فوائد التبرع بالدم، لا يزال هناك بعض المفاهيم الخاطئة والمخاوف غير المبررة التي تقف عائقاً أمام زيادة أعداد المتبرعين في المجتمعات، ومن أبرزها:

- الخوف من الإصابة بالعدوى: يعتقد البعض أن التبرع قد ينقل أمراضاً فيروسية، والحقيقة العلمية تؤكد أن جميع الأدوات والمستلزمات الطبية المستخدمة في سحب الدم معقمة بالكامل، وتُستخدم لمرة واحدة فقط لكل متبرع ثم يتم التخلص منها، مما يجعل انتقال العدوى أمراً مستحيلاً.

- الاعتقاد بأن التبرع يسبب الضعف العام: يخشى البعض أن يؤدي التبرع إلى فقر الدم أو الإرهاق المزمن. وعلمياً، يعوّض الجسم حجم السائل المفقود (البلازما) في غضون من 24 إلى 48 ساعة، بينما تتجدد خلايا الدم الحمراء بالكامل خلال أسابيع قليلة، بل إن التبرع ينشط نخاع العظم لإنتاج خلايا جديدة ويحسن الدورة الدموية.

- اشتراط فصيلة دم نادرة: يمتنع البعض ظناً منهم أن فصائل دمهم الشائعة متوفرة بكثرة ولا قيمة للتبرع بها، والواقع أن الفصائل الشائعة هي الأكثر طلباً واستهلاكاً في المستشفيات يومياً، والحاجة إليها مستمرة بلا انقطاع. وفي عالم تتزايد فيه التحديات، يبقى الدم واحداً من أكثر الموارد الطبية ارتباطاً بقيمة الحياة نفسها. فهو مورد لا يمكن تصنيعه، ولا يمكن توفيره إلا من خلال أشخاص يختارون تلبية الواجب الإنساني بمنح جزءٍ يسيرٍ من دمهم لإنقاذ حياة إنسان آخر قد لا يعرفونه أبداً.

وفي وقت تتزايد فيه النزاعات والكوارث ويتسع فيه الطلب على خدمات الرعاية الصحية المتقدمة، يبقى المتبرع بالدم شريكاً صامتاً في إنقاذ الأرواح ودعم استدامة الأنظمة الصحية، حتى إن لم يرَ يوماً الأشخاص الذين ساعدهم في مواصلة الحياة.

إن التبرع بالدم يتجاوز كونه عملاً تطوعياً فردياً ليصبح ركيزة في منظومة الأمن الصحي الوطني والعالمي، وعنصراً حاسماً في جاهزية الدول لمواجهة الأزمات. ومع الاحتفاء باليوم العالمي للمتبرعين بالدم، تتجدد الدعوة لترسيخ ثقافة التبرع الطوعي المنتظم بوصفها مسؤولية مجتمعية مستدامة، فحين يتبرع الإنسان بدمه، فإنه لا يمنح مجرد مكون بيولوجي؛ بل يمنح أملاً، وفرصةً جديدة للحياة، وخطاً دفاعياً صامتاً يحمي الأرواح ويعزز أمن المجتمعات ومستقبلها.

* استشاري طب المجتمع