البحث عن «الفقع» وزراعته... من هواية إلى «ميزة نسبية» في السعودية

القصيم سجّلت 14 مليون دولار مداخيل... وشحّ الأمطار يؤخِّر ظهوره

صناديق من «الفقع» يعرضها باعة متجوّلون (الشرق الأوسط)
صناديق من «الفقع» يعرضها باعة متجوّلون (الشرق الأوسط)
TT

البحث عن «الفقع» وزراعته... من هواية إلى «ميزة نسبية» في السعودية

صناديق من «الفقع» يعرضها باعة متجوّلون (الشرق الأوسط)
صناديق من «الفقع» يعرضها باعة متجوّلون (الشرق الأوسط)

بعد أيام من دخول فصل الشتاء في السعودية منتصف ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وهطول أمطار وُصفت بالمتوسّطة إلى الغزيرة، انطلق ناصر (43 عاماً) في رحلة من منزله بالرياض إلى عدد من المناطق التي شهدت هطولاً للأمطار مؤخراً في المملكة، بحثاً عن «الفقع»؛ وهو الزائر السنوي المفضّل لديه ولدى كثيرين من أقرانه، متمتّعاً بفسحة من الوقت في يومه الذي يبدأه بدوام روتيني لا يتجاوز ساعات، قبل أن يفرض «الفقع» نفسه على بقية ساعات يومه الشتوي.

تبدأ رحلته من ضواحي الرياض الشمالية والشرقية، وتدور في حلقة دائرية تحيط بالعاصمة السعودية حيث يشتهر بعض المناطق المحيطة بها بكثرة ظهور «الفقع»، وتحديداً بعد هطول الأمطار، خصوصاً تلك الموسمية التي تُثمر ظهور العشب في الأرض عند حلول الربيع، وذلك وفقاً لهواة ومهتمّين كشفوا لـ«الشرق الأوسط» عن جانب من معرفتهم التي تكوّنت بعد سنوات من مطاردة «الفقع» واستخراجه عبر نبش الأرض بعصا صغيرة.

أحد الهواة يستعرض حبّة من «الفقع» بحجم كبير (الشرق الأوسط)

بدوره، أكّد سحمي شلاش (55 عاماً) أنه لا يمكن تمييز منطقة بعينها بكونها رئيسيةً لظهور «الفقع»، إذ إنه «قد يظهر في فناء المنزل الترابي إذا توافرت ظروف الأمطار الموسمية وظهور النباتات».

وأضاف أنّ مناطق الرعي التي يتّجه إليها ملّاك الإبل والمواشي في فترات الشتاء، تمتدّ غالباً من وسط إلى أقصى شمال الجزيرة العربية، باتجاه الشرق؛ وهي تثمر ربيعاً في الأرض عقب الأمطار ويقصدها الباحثون عن «الفقع» الذي يظهر في تلك الظروف.

واعتاد هواة البحث عنه قَصْد مناطق اشتهرت بأنها منابت له، وليست حصراً، على غرار تلك البرّية القريبة من محافظة حفر الباطن والخفجي والنعيرية في المنطقة الشرقية من البلاد، ومناطق الحدود الشمالية إلى طريف ومنطقة سكاكا (الجوف)، وحائل والقصيم، بالإضافة إلى المناطق المحيطة بمحافظة الدوادمي التابعة للعاصمة.

الأمير فيصل بن مشعل أكّد أن المنطقة قادرة على تحويل «الفقع» علامةً تجاريةً مميّزة (إمارة القصيم)

أما أبو راكان (50 عاماً)، وهو دلّال في «سوق الفقع» بمنطقة حائل شمال السعودية، فقال إنّ أنواعه متعدّدة، منها «الزبيدي الخلاسي وفقع النفود والجباة، بالإضافة إلى الزبيدي الذي يظهر في مزارع ويتميّز بلونه الأبيض».

وأضاف أنّ «الفقع الطبيعي الذي يظهر في الصحراء وفي النفود، أفضل جودةً مما يظهر في المزارع نظراً إلى أن الزراعي يتأثّر بعدد من العوامل الطبيعية بشكل أسرع من (الفقع) الطبيعي».

من جهته، أمضى متعب بن عزام (38 عاماً)، من محافظة الدوادمي التابعة للعاصمة، سنوات في هواية البحث وراء مناطق ظهور «الفقع»، ومارس في أوقات متلاحقة زراعته في المزارع، وكشف عن جانب من عدم انتشار مزارعه مقارنةً بالبحث العشوائي؛ مفسّراً ذلك بأنّ الناس تهوى البحث عنه بما يترافق مع رحلات برّية، كـ«شتات»، والتنقّل بين عدد من المواقع التي تشهد نموّه.

«الفقع» على موائد السعوديين (الشرق الأوسط)

ولفت ابن عزام، لـ«الشرق الأوسط»، إلى أنّ شح الأمطار في بعض المواسم يقلّل نسبة ظهور «الفقع» في المناطق البرّية المفتوحة، غير أنّ لذلك جانباً إيجابياً يتمثّل في التشجيع على زراعته. وتابع: «الزبيدي ذو اللون الأبيض هو الأغلى ثمناً في الأسواق، وبظهوره في المنطقة الوسطى، يكون عادةً في مناطق مثل الصمان وضواحي الزلفي والمناطق البرّية الواسعة المحيطة بمحافظة الدوادمي».

وفي السعودية التي تتميّز بمساحات شاسعة من الصحاري، تنتشر أسواق لـ«الفقع» في كل موسم شتاء، مثل «مهرجان الفقع» الذي نظمته «هيئة فنون الطهي» عام 2022، بالتعاون مع الهيئة الملكية لمدينة الرياض، في ساحة الكندي بحي السفارات في الرياض، إلى جانب سوق «الفقع»، «الكمأ»، بمحافظة طريف بمنطقة الحدود الشمالية، وسوق «الفقع» في شري بمنطقة القصيم، وأخرى في حائل.

زراعة «الفقع» أصبحت رائجة مؤخراً في الأوقات التي تقلّ فيها الأمطار (واس)

ووفقاً لسلطان العصيمي (27 عاماً) الذي اعتاد بيع كرتون «الفقع» في أماكن متفرّقة دون دخول الأسواق، فإنّ أسعار الكيلوغرام غير الخاضعة لتسعيرة محدّدة، تبدأ غالباً من 300 ريال سعودي (80 دولاراً) فصاعداً، خصوصاً نوع الزبيدي؛ و«كلما كبر حجم (الفقع)، زادت قيمته»، فيما تتراوح الأسعار من دون حدود، خصوصاً على طرق السفر الرئيسية أو في بعض محطات البنزين، إذ يجهل أحياناً الباعة أو المشترين القيمة الحقيقية لـ«الفقع»، فيُسعّرونه وفقاً لتوقّعاتهم وللمجهود الذي بذلوه في عملية البحث.

وفي مناطق من البلاد، «أصبحت مزارع (الفقع) ميزة نسبيّة» للمنطقة، كما أكّد أمير منطقة القصيم الدكتور فيصل بن مشعل بن سعود بن عبد العزيز، بالنظر «لِما توفّره من فرص اقتصادية واعدة وإسهام فاعل في تنمية القطاع الزراعي»، لافتاً النظر إلى أنّ «الفقع» يُعدّ من المنتجات ذات العائد الاقتصادي الكبير، إذ تحقّق مزارعه مداخيل سنوية تفوق 55 مليون ريال (14 مليون دولار).

الزبيدي ذو اللون الأبيض من أجود أنواع «الفقع» (الشرق الأوسط)

وتحتوي منطقة القصيم وحدها، وفقاً لإحصائية رسمية، على 25 مزرعة لإنتاجه، وأشار أميرها إلى أهمية التركيز على الصناعات التحويلية المرتبطة بـ«الفقع»، لتعظيم القيمة المضافة لهذا المنتج وتسويقه بطرق مبتكرة تعكس جودته العالية وتتناسب مع تطلّعات السوقَيْن المحلّية والدولية.

والعمل على تطوير المنتجات الزراعية من خلال تحويلها إلى منتجات نهائية قابلة للتصدير أو الاستهلاك المحلّي بشكل مميّز، يُعدّ خطوة أساسية لتعزيز استدامة القطاع الزراعي في المنطقة، لافتاً الانتباه إلى أنّ «الفقع» يتمتّع بإمكانات واسعة ليصبح عنصراً رئيسياً في الصناعات التحويلية.

يُقام في السعودية عدد من المهرجانات والأسواق الموسمية لـ«الفقع» (واس)

ونوّهت «الهيئة العامة للغذاء والدواء» السعودية، إلى أفضلية استخدام «الفقع» خلال 10 أيام بعد استخراجه من الأرض، وعدم حفظه لفترات طويلة عبر السلق أو التجميد، حفاظاً على قوامه ونكهته.

وشدّدت على أهمية إزالة المناطق سوداء اللون، وتنظيفه من التربة جيداً عند التحضير، وشطفه بالماء الجاري وتجفيفه، مبيّنةً أنّ من فوائد «الفقع» احتواءه على جميع الأحماض الأمينية الأساسية، وعلى مستويات عالية من مضادات الأكسدة، بالإضافة إلى أنه غني بالبروتينات والدهون والألياف الغذائية والفوسفور.


مقالات ذات صلة

السعودية وقطر وتركيا تبحث خفض التصعيد الإقليمي

الخليج الأمير فيصل بن فرحان والشيخ محمد بن عبد الرحمن والوزير هاكان فيدان (الخارجية السعودية)

السعودية وقطر وتركيا تبحث خفض التصعيد الإقليمي

بحث وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، مع رئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن، ووزير خارجية تركيا هاكان فيدان، جهود خفض التصعيد في المنطقة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج الدكتور عبد العزيز الواصل يلقي كلمته بمناسبة يوم الأمم المتحدة للتعاون بين بلدان الجنوب (البعثة السعودية)

السعودية ترحب بإطلاق «تحالف التعاون بين بلدان الجنوب»

رحّبت السعودية بإطلاق التحالف العالمي للتعاون بين بلدان الجنوب والتعاون الثلاثي، مؤكدة أهميته في تعزيز التكامل والحد من ازدواجية الجهود مع احترام أولويات الدول.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الخليج موظفان في «أرامكو» يقومان بأعمالهما في أحد مرافقها (الشركة)

السعودية تدين استهداف خط أنابيب «شرق - غرب» بمسيّرات من العراق

أدانت السعودية بأشد العبارات الاستهداف الذي تعرض له خط أنابيب «شرق - غرب» بعدة مسيّرات قادمة من العراق، نتجت عنه إصابات بشرية، وأضرار تجري معالجتها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد جانب من شكل السيارة التي تتطلع «سير» لتدشينها في وقت لاحق من سبتمبر الحالي (الشرق الأوسط)

«سير» تطلق أولى سياراتها الكهربائية في السعودية 21 سبتمبر

حددت شركة «سير» السعودية  للسيارات 21 سبتمبر (أيلول) الحالي موعداً للإطلاق العالمي لأول طرازاتها الكهربائية، التي تشمل فئتي السيدان والدفع الرباعي.

«الشرق الأوسط» (الرياض )
خاص البنية التحتية والحوسبة وحدهما لا تولدان قيمة اقتصادية ما لم يتحول الذكاء الاصطناعي إلى استخدام فعلي داخل المؤسسات (شاترستوك)

خاص «إرنست ويونغ» لـ«الشرق الأوسط»: سيادة الذكاء الاصطناعي في السعودية تتجاوز البيانات إلى بناء القدرات

ترى «إرنست ويونغ» أن سيادة الذكاء الاصطناعي في السعودية تتطلب قدرات محلية ومواهب وحوكمة لا توطين البيانات والبنية فقط.

نسيم رمضان (الرياض)

ما قصة ارتداء الأميرة ديانا «فستان الانتقام»؟

الأميرة ديانا ترتدي الفستان الشهير (أرشيفية-غيتي)
الأميرة ديانا ترتدي الفستان الشهير (أرشيفية-غيتي)
TT

ما قصة ارتداء الأميرة ديانا «فستان الانتقام»؟

الأميرة ديانا ترتدي الفستان الشهير (أرشيفية-غيتي)
الأميرة ديانا ترتدي الفستان الشهير (أرشيفية-غيتي)

تعتزم دار «سوذبيز» أن تَعرض للبيع في مزاد في نيويورك، خلال شهر ديسمبر (كانون الأول) المقبل، «فستان الانتقام» للأميرة الراحلة ديانا، الذي ارتدته بعد ساعات من اعتراف الأمير تشارلز حينذاك، بخيانته الزوجية لها.

ومن المتوقع أن يراوح سعر الفستان الذي صممته اليونانية كريستينا ستامبوليان من 150 إلى 300 ألف دولار، على أن يخصَّص جزء من العائدات للأعمال الخيرية.

وكان الفستان قد عُرض سابقاً في مزاد لصالح جمعيات خيرية تُعنى بمرضى السرطان والإيدز عام 1997 قبل فترة وجيزة من وفاة ديانا في حادث سير بباريس عن عمر ناهز 36 عاماً.

فما قصة ارتداء الأميرة للفستان؟

ارتدت الأميرة ديانا الفستان الحريري الجريء والمكشوف الكتفين، في حفل عشاء أقيم في لندن، في 29 يونيو (حزيران) من عام 1994، في اليوم نفسه الذي اعترف فيه زوجها الذي أصبح ملكاً لبريطانيا حالياً، بخيانته لها، خلال مقابلة تلفزيونية بعد سنوات من الشائعات والتقارير الإعلامية.

ووفق هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، كانت تفاصيل المقابلة قد سُرِّبت قبل بضعة أيام، مما جعل ظهور ديانا العلني الأول بعد المقابلة يُفسَّر، على نطاق واسع، بوصفه رداً منها على ما ورد فيها.

ونُقل عن آنا هارفي، منسقة أزيائها آنذاك، قولها إن أميرة ويلز سابقاً «أرادت أن تبدو في غاية الأناقة والروعة». وقد أجرت الأميرة تغييراً في اللحظة الأخيرة على ملابسها قبل التوجه إلى الحفل؛ إذ استبعدت فستاناً من تصميم «فالنتينو» كان أقل لفتاً للأنظار، واختارت بدلاً منه فستان اليونانية ستامبوليان الذي لُقب بـ«فستان الانتقام».

وصرّحت ديانا قبلها، لصحيفة «الإندبندنت»، بأنها اشترت الفستان لا لترتديه، بل لأن العائدات كانت ستذهب لصالح مؤسسة خيرية. وقالت: «لا يمكنني ارتداؤه».

ديانا حولت الموضة إلى لغة

ومن المقرر أن يجوب «فستان الانتقام» العالم قبل طرحه للبيع؛ حيث سيُعرض في صالة «سوذبيز» بلندن، في الفترة من 18 إلى 24 سبتمبر (آب) الحالي، ثم ينتقل إلى هونغ كونغ، في مطلع أكتوبر (تشرين الأول)، وإلى جنيف في مطلع نوفمبر (تشرين الثاني)، قبل أن يصل إلى نيويورك حيث سيجري بيعه.

وقالت مورغان حليمي، من دار «سوذبيز» للمزادات التي أعلنت، الخميس، عملية البيع المرتقبة: «حوّلت الأميرة ديانا الفستان إلى واحدة من أقوى الرسائل التي وجهتها على الإطلاق، في مرحلة من حياتها هي الأكثر تعرضاً للتدقيق والشحن العاطفي».

وأوضحت أن الأميرة ديانا «أدركت بفطرتها» أن الموضة يمكن أن تكون لغة بحد ذاتها. وأضافت أن الفستان «سمح للجميع، وخاصة النساء، باستخدام الأزياء لأغراض تتجاوز مجرد الزينة، وبشكل أكثر تعمداً ومعنى: كدرع وسلاح، أو كليهما معاً».

بدورها، قالت مجلة «بيبول» إن الأميرة ديانا كانت أيقونةً للأناقة، لكن لم تحظَ أي إطلالةٍ لها بالقدر نفسه من الضجة التي أحدثها «فستان الانتقام»، بوصفه زياً جريئاً غير معتاد لأحد أفراد العائلة المالكة المحافظة عادةً.


«القاهرة السينمائي» يستعيد زمن «أفلام الروايات»

ملتقى «من الكتاب إلى الشاشة» ينطلق في «مهرجان القاهرة السينمائي» (إدارة المهرجان)
ملتقى «من الكتاب إلى الشاشة» ينطلق في «مهرجان القاهرة السينمائي» (إدارة المهرجان)
TT

«القاهرة السينمائي» يستعيد زمن «أفلام الروايات»

ملتقى «من الكتاب إلى الشاشة» ينطلق في «مهرجان القاهرة السينمائي» (إدارة المهرجان)
ملتقى «من الكتاب إلى الشاشة» ينطلق في «مهرجان القاهرة السينمائي» (إدارة المهرجان)

بين حين وآخر، تتذكَّر السينما المصرية عصرها الذهبي، الذي كان من أبرز سماته التفاعل بين السينما والأدب، من خلال أدباء كبار أثروا السينما برواياتهم وقصصهم، وتركوا بصمة خالدة في تاريخ السينما العربية، وعُدّت الأفلام المأخوذة عن أعمالهم من كلاسيكيات السينما المصرية والعربية. وفي مقدمتهم نجيب محفوظ، وطه حسين، وإحسان عبد القدوس، ويوسف إدريس، وتوفيق الحكيم، ويوسف السباعي، وغيرهم.

لكن مع مرور الزمن، تراجعت هذه الظاهرة، ولم تعد تمثّل حالة لافتة في صناعة السينما، وإن ظهرت بين حين وآخر أفلام تستند إلى روايات لأدباء شباب، مثل أفلام المخرج مروان حامد المأخوذة عن روايات أحمد مراد.

ملصق الملتقى (مهرجان القاهرة السينمائي)

من هنا، أطلق مهرجان القاهرة السينمائي مبادرة جديدة بعنوان «من الكتاب إلى الشاشة»، تستهدف إعادة بناء الجسر بين صناعتي النشر والسينما والمحتوى السمعي البصري، وفتح آفاق أوسع أمام تحويل الملكية الفكرية للأعمال الأدبية المصرية والعربية إلى أعمال تصل إلى الشاشة. ويأتي ذلك خلال الدورة الـ47 للمهرجان، التي تُقام من 11 إلى 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026، وضمن فعاليات «أيام القاهرة لصناعة السينما»، بمشاركة 10 من كبرى دور النشر المصرية التي تتولى نشر أعمال لكبار الأدباء والروائيين المصريين، وتحقق إصداراتها نجاحاً ومبيعات واسعة في سوقَي القراءة والنشر. كما تضم هذه الإصدارات أعمالاً تمتلك بنية سردية قوية تؤهلها لنقل نجاحها الجماهيري من صفحات الكتب إلى سوقَي الدراما والسينما.

وأثار البيان الذي أصدره المهرجان، الخميس، تساؤلات حول آلية تحقيق هذه الأهداف، وما إذا كانت منصات ستتولى دعم إنتاج هذه الأفلام، أم أن دور المهرجان سيتوقف عند إتاحة الروايات وعرضها على جهات الإنتاج والتوزيع.

شادية ونجيب محفوظ في كواليس تصوير «زقاق المدق» (فيسبوك)

وكشف الناقد زين خيري، مدير الملتقى، أن إدارة المهرجان درست سوق النشر جيداً، واختارت 10 من كبرى دور النشر في مصر للمشاركة في الدورة الأولى من الملتقى، على أن ترشّح كل دار منها عملاً ترى أنه الأنسب للتحويل إلى فيلم أو مسلسل، بناءً على معايير محددة جرى الاتفاق عليها وإدراجها في استمارة التقديم. ومن بين هذه المعايير قيمة الرواية وأهميتها، والعناصر التي قد تجذب منتجاً أو منصة إلى تحويلها إلى فيلم أو مسلسل.

وأضاف خيري لـ«الشرق الأوسط» أن «المهرجان سيتيح الفرصة لممثلي دور النشر للقاء أهل الصناعة، ويوفر لهم جلسات لعرض مشروعاتهم على صنّاعها، كما يضمن الحفاظ على حقوق الملكية الفكرية من خلال عقود قانونية وافية بين المنتجين ودور النشر والمؤلفين». وأكد أنه سيُعلَن لاحقاً عن الروايات المختارة، بالتزامن مع انطلاق «أيام القاهرة لصناعة السينما»، التي يرأسها الناقد محمد سيد عبد الرحيم، صاحب فكرة المبادرة أيضاً.

ونفى خيري أن يحصل المهرجان على حقوق حصرية لعرض الأعمال الناتجة عن المبادرة، لكنه سيكون مشرفاً على الاتفاقات الأولية التي تُبرم بين الطرفين، بما يضمن حقوق المؤلفين ودور النشر التي تمتلك حقوق الملكية الفكرية بموافقة المؤلفين.

ووفقاً للناقدة الفنية المصرية ناهد صلاح، فإن مبادرة «من الكتاب إلى الشاشة» تُعدّ خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح. وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه المبادرة تلتفت إلى أحد أهم المصادر التي صنعت تاريخ السينما المصرية، وهو الأدب، من خلال أفلام شكّلت علامات فارقة في ذاكرتنا السينمائية. وتنبع أهمية المبادرة اليوم من أن العلاقة بين الأدب والسينما لم تعد مجرد بحث عن رواية تصلح لتكون فيلماً، بل باتت جزءاً من اقتصاد صناعة المحتوى».

وأكدت أن «القيمة الحقيقية للملتقى، ونقطة القوة في هذه المبادرة، تَظهران حين تتحول الكتب التي ستُقدَّم إلى مشروعات سينمائية فعلية؛ فليست كل رواية ناجحة تصلح لأن تكون مشروعاً سينمائياً، كما أن القضية لا تتعلق بالروايات الأكثر مبيعاً؛ لأن السينما تحتاج إلى اكتشاف أصوات جديدة وعوالم مختلفة». وأعربت عن أملها في أن «تتجاوز المبادرة فكرة سوق للحقوق، لتصبح مختبراً حقيقياً لتطوير الأعمال الأدبية وتحويلها إلى محتوى بصري، ومنصة مؤثرة في صناعة السينما والمحتوى العربي».

لقطة من فيلم «رد قلبي» عن رواية ليوسف السباعي (يوتيوب)

وكان الفنان حسين فهمي، رئيس مهرجان القاهرة السينمائي، قد ذكر، عبر بيان المهرجان، أن الأدب كان دائماً أحد أهم روافد السينما المصرية، وأن ملتقى «من الكتاب إلى الشاشة» يأتي في إطار اهتمام المهرجان بتطوير الصناعة وخلق مساحات جديدة للتعاون بين مختلف عناصرها. ولفت إلى أن الملتقى يستهدف تقديم حقوق الملكية الفكرية للأعمال الأدبية (IP)، وإتاحة الفرصة أمام المنتجين وصنّاع المحتوى لاكتشاف أعمال مصرية وعربية تمتلك مقومات التحول إلى أفلام ومسلسلات.

وأبدى الناقد أشرف غريب حماسه لهذه المبادرة، مؤكداً أنه «في حال نجاحها، يمكن أن تعيد البريق إلى السينما المصرية، كما كانت الحال حين اقتربت بقوة من الأدب وقدّمت مجموعة من كلاسيكياتها، ولا سيما حقبتي الخمسينات والستينات، استناداً إلى نصوص روائية جيدة لأدباء كبار تحولت إلى أفلام كان لها تأثير كبير في المتلقي المصري والعربي».

وأكد غريب لـ«الشرق الأوسط» أن «نجاح الملتقى مرهون بقدرته على خلق تيار متكامل من الأفلام المستندة إلى نصوص أدبية، وأنه لن يترك التأثير المطلوب إذا أسفر عن إنتاج فيلمين فقط خلال عامين أو 3 أعوام، في ظل سيطرة أفلام الكوميديا والحركة على الذوق العام». وأشار إلى أنه «لا بد من آلية يعتمدها المهرجان، من خلال تنظيم مسابقة موازية للسيناريو، يحصل الفائزون فيها على دعم منه، أو عبر الدفع بهذه الأفلام وترشيحها وتيسير مشاركتها في المهرجانات الكبرى».


مصر تعوّل على المعارض الأثرية بالخارج في جذب السائحين

جانب من معرض «رمسيس وذهب الفراعنة» في جولاته حول العالم (وزارة السياحة والآثار)
جانب من معرض «رمسيس وذهب الفراعنة» في جولاته حول العالم (وزارة السياحة والآثار)
TT

مصر تعوّل على المعارض الأثرية بالخارج في جذب السائحين

جانب من معرض «رمسيس وذهب الفراعنة» في جولاته حول العالم (وزارة السياحة والآثار)
جانب من معرض «رمسيس وذهب الفراعنة» في جولاته حول العالم (وزارة السياحة والآثار)

تعوِّل مصر على المعارض الأثرية المؤقتة في الخارج لجذب السائحين، بوصفها سفيرةً للحضارة المصرية في العالم ووسيلةً من وسائل القوة الناعمة، وفق وصف مراقبين وتصريحات رسمية لمسؤولي وزارة السياحة والآثار.

وخلال الاجتماع الأحدث للمجلس الأعلى للآثار، برئاسة وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، استُعرضت نتائج معارض الآثار المصرية المؤقتة المقامة في الخارج؛ إذ استقبل معرض «رمسيس وذهب الفراعنة»، المقام في العاصمة البريطانية لندن، نحو 140 ألف زائر منذ افتتاحه في فبراير (شباط) الماضي، في حين استقبل معرض «كنوز الفراعنة»، منذ افتتاحه في أغسطس (آب) الماضي في متحف دي يونغ بمدينة سان فرنسيسكو في الولايات المتحدة الأميركية، نحو 42 ألف زائر.

وأشار الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور هشام الليثي، إلى النجاح الكبير الذي شهده معرض «مصر القديمة تكشف عن نفسها: كنوز من المتاحف المصرية» خلال رحلته في متحف قصر هونغ كونغ؛ إذ تخطى عدد زواره 600 ألف زائر خلال مدة عرضه، وجرى الاحتفاء بالنجاح الباهر الذي حققه، وفق بيان لوزارة السياحة والآثار.

وحقَّقت معارض مصر الخارجية أرقاماً قياسية في دول عدَّة، من بينها معرض «قمة الهرم: حضارة مصر القديمة»، الذي اجتذب نحو 2.77 مليون زائر خلال عرضه على مدى 13 شهراً في شنغهاي بالصين العام الماضي، وفق ما نشرته وكالة الأنباء الصينية، ومعرض «توت عنخ آمون»، الذي أُقيم في باريس عام 2019 وزاره 1.3 مليون زائر.

معرض «قمة الهرم» شهد حضوراً لافتاً في شنغهاي (شينخوا)

وفي السنوات الأخيرة، استقبل معرض «رمسيس وذهب الفراعنة» نحو 420 ألف زائر في مدينة طوكيو، كما استقبل المعرض نفسه 500 ألف زائر في أستراليا.

وخلال الاجتماع، وافق المجلس الأعلى للآثار على تمديد مدة إقامة معرض «رمسيس وذهب الفراعنة» بقاعة «Neon Battersea Power Station» في لندن 4 أشهر إضافية، لينتهي في 3 يناير (كانون الثاني) 2027، بدلاً من الموعد الذي كان مقرراً له في 30 أغسطس 2026، وكذلك على إقامة معرض «كنوز الفراعنة» في متحف غرب أستراليا بولا بارديب، بالمركز الثقافي الأسترالي في مدينة بيرث، وذلك عقب انتهاء مدة عرضه في متحف كيمبل للفنون بمدينة فورت وورث في الولايات المتحدة.

وتمثل المعارض الأثرية المصرية، التي تجوب عواصم العالم ومدنه، إحدى أهم أدوات الترويج الحضاري والسياحي لمصر، خصوصاً مع الأرقام القياسية التي باتت تحققها من حيث أعداد الزائرين، وفق تصريحات المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا»، الدكتورة دينا سليمان. وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن «نجاح معرض (كنوز الفراعنة) في روما، والإقبال الكبير على المعارض المصرية في آسيا، يؤكدان أن الحضارة المصرية القديمة ما زالت تمتلك قدرة استثنائية على جذب الجمهور العالمي».

وأشارت إلى أن «القيمة الحقيقية لهذه المعارض تتجاوز عرض القطع الأثرية؛ فهي تقدم للزائر صورة حية عن مصر، وتعيد تشكيل رغبته في الانتقال من مشاهدة الحضارة في الخارج إلى اكتشافها في موطنها الأصلي. وهذا ما يجعل المعارض الخارجية أداة فاعلة في التسويق السياحي، وليست مجرد نشاط ثقافي مؤقت».

وأضافت أن انتقال «كنوز الفراعنة» إلى أستراليا يفتح مجالاً مهماً للوصول إلى جمهور بعيد جغرافياً عن مصر، ولا سيما أن التجارب السابقة للمعارض المصرية في أستراليا أثبتت وجود اهتمام جماهيري واضح بالحضارة المصرية.

جانب من معرض «كنوز الفراعنة» (وزارة السياحة والآثار)

وأكدت أن «تعظيم العائد السياحي من هذه المعارض يتطلب ربطها بحملات ترويجية متكاملة تقدم للسائح المحتمل رحلة تبدأ بالمعرض وتنتهي في مصر؛ لزيارة المتاحف والمواقع الأثرية واكتشاف الحضارة في سياقها الأصلي. وهنا تتحول الآثار إلى قوة ناعمة ودبلوماسية ثقافية، وإلى جسر مباشر بين التعريف بمصر وزيارتها».

وتنظّم مصر معارضها الأثرية المؤقتة في الخارج، التي تضم مقتنيات من المتاحف والمواقع الأثرية وقطعاً من الاكتشافات الحديثة؛ لتقديم صورة بانورامية عن الحضارة المصرية القديمة، بما تتضمنه من فنون وعادات وتقاليد وصور شخصية وتماثيل وتوابيت وغيرها من القطع الأثرية.

ويرى الخبير السياحي المصري محمد كارم أن «المعارض الأثرية المصرية المؤقتة في الخارج جزء من القوة الناعمة لمصر، وتسهم في جذب السائحين إليها؛ لأنها تفتح نافذة مباشرة أمام الجمهور العالمي للتعرف على الحضارة المصرية». وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه المعارض قادرة على تقديم صورة جاذبة عن الحضارة المصرية وما تمثله من عناصر فريدة على مختلف المستويات».

ولفت كارم إلى أن «هذه المعارض تقدم لمحة عن الحضارة المصرية إلى جمهور الدول المختلفة في أوروبا وأستراليا وآسيا وأميركا، انطلاقاً من التقدير العلمي للحضارة المصرية، وفي الوقت نفسه تثير فضول أفراد الجمهور والسائحين الذين يتطلعون إلى معرفة المزيد عن هذه الحضارة بزيارتها في موطنها الأصلي».

ويرى أن «أثر هذه المعارض يجب ألا ينتهي بانتهائها، وإنما ينبغي أن يمتد من خلال حملة سياحية متكاملة للترويج لمصر، ويمكن الاستفادة من كل معرض في تقديم تجارب سياحية متكاملة عبر التسويق السياحي من خلال هذه المعارض».