ما «ديب سيك» الصينية؟ وماذا يعني ظهورها في سباق الذكاء الاصطناعي؟

تطبيق «ديب سيك» على جوال في بكين (أ.ف.ب)
تطبيق «ديب سيك» على جوال في بكين (أ.ف.ب)
TT

ما «ديب سيك» الصينية؟ وماذا يعني ظهورها في سباق الذكاء الاصطناعي؟

تطبيق «ديب سيك» على جوال في بكين (أ.ف.ب)
تطبيق «ديب سيك» على جوال في بكين (أ.ف.ب)

في عالم يشهد سباقاً محموماً نحو ريادة الذكاء الاصطناعي، ظهرت شركة ناشئة صينية تُدعى «ديب سيك» لتثير الارتباك في حسابات عمالقة التكنولوجيا، وتعيد صياغة قواعد اللعبة. ففي غضون عام واحد فقط، تمكنت «ديب سيك» من تقديم نماذج ذكاء اصطناعي تُنافس الأفضل عالمياً، ليس فقط من حيث الأداء، بل أيضاً من حيث التكلفة والكفاءة.

ما «ديب سيك»؟

«ديب سيك» هي شركة ناشئة صينية في مجال الذكاء الاصطناعي، تأسست في عام 2023 على يد ليانغ وينفنغ، رئيس صندوق التحوط القائم على الذكاء الاصطناعي «هاي فلاير».

تركز الشركة على تطوير نماذج ذكاء اصطناعي مفتوحة المصدر، ما يتيح للمطورين إمكانية فحص وتحسين البرمجيات بحرية.

وفي يناير (كانون الثاني)، صعد تطبيقها المحمول إلى قمة تصنيفات تنزيلات «آيفون» في الولايات المتحدة بعد إطلاقه، وفق «بلومبرغ».

وقد أثارت «ديب سيك» دهشة وقلقاً في وادي السيليكون بعد أن قدمت نماذج ذكاء اصطناعي تتسم بأداء مماثل لأفضل روبوتات المحادثة في العالم، لكن بتكلفة أقل بكثير. ويُعد ظهور «ديب سيك» نقطة تحول في الاعتقاد السائد بأن مستقبل الذكاء الاصطناعي سيعتمد بشكل زائد على كميات ضخمة من الطاقة والموارد لتطويره.

كيف يقارن «ديب سيك آر 1» مع «أوبن إيه آي» أو «ميتا إيه آي»؟

على الرغم من أن الشركة لم تكشف التفاصيل التقنية كافة، فإن تكلفة تدريب وتطوير نماذج «ديب سيك» تبدو جزءاً صغيراً من التكلفة التي تتطلبها نماذج «أوبن إيه آي»، أو منتجات «ميتا» المتطورة. وتثير الكفاءة العالية للنموذج تساؤلات جدية حول الحاجة إلى إنفاق ضخم للحصول على أحدث وأقوى مسرعات الذكاء الاصطناعي، مثل تلك التي توفرها شركة «إنفيديا». كما يبرز هذا التقدم في ظل القيود التي فرضتها الولايات المتحدة على صادرات أشباه الموصلات المتقدمة إلى الصين، والتي كانت تهدف إلى إبطاء تقدم الصين في هذا المجال. ومع ذلك، أظهرت «ديب سيك» ما يكفي من التقدم لتُشير إلى أن القيود التجارية لم تكن فعّالة تماماً في إعاقة تقدمها.

تُصرح «ديب سيك» بأن «آر 1» يحقق أداءً يعادل أو يتفوق على النماذج المنافسة في عدة معايير رئيسة، مثل «إيمي 2024» للمهام الرياضية، و«إم إم إل يو» للمعرفة العامة، و«ألباكا إيفال 2.0» لأداء الأسئلة والإجابات. كما يعد من بين أفضل المؤدين في لوحة القيادة التابعة لجامعة بيركلي المعروفة باسم «تشات بوت أرينا».

لماذا يثير «ديب سيك» القلق في الولايات المتحدة؟

حظرت الولايات المتحدة تصدير تقنيات متقدمة، مثل رقائق «جي بي يو» إلى الصين، في محاولة لإبطاء تقدمها في مجال الذكاء الاصطناعي، وهو المجال الذي يُعد من الجبهات الرئيسة في التنافس بين الولايات المتحدة والصين للهيمنة التقنية. لكن تقدم «ديب سيك» يشير إلى أن مهندسي الذكاء الاصطناعي في الصين تمكنوا من تجاوز هذه القيود عبر التركيز على زيادة الكفاءة باستخدام موارد محدودة. ورغم أنه غير واضح مدى وصول «ديب سيك» إلى الأجهزة المتقدمة للتدريب، فإن الشركة أظهرت ما يكفي للإشارة إلى أن هذه القيود التجارية لم تقف أمام تقدمها بالشكل المتوقع.

متى أثار «ديب سيك» الاهتمام العالمي؟

أصبح «ديب سيك» موضع اهتمام واسع النطاق بعد إطلاق أول نموذج له في عام 2023، وفي نوفمبر (تشرين الثاني) قدمت الشركة للعالم لمحة عن نموذج «ديب سيك آر 1»، الذي صُمم لمحاكاة التفكير البشري. ويعتمد هذا النموذج على تطبيق روبوت المحادثة المحمول، الذي أصبح بديلاً أرخص وأكثر كفاءة لـ«أوبن إيه آي»، ووصفه المستثمر مارك أندريسن بأنه «لحظة سبوتنيك للذكاء الاصطناعي».

وبحلول 25 يناير، تجاوز تطبيق «ديب سيك» المحمول 1.6 مليون عملية تنزيل، واحتل المرتبة الأولى في متاجر تطبيقات «الآيفون» في أستراليا وكندا والصين وسنغافورة والولايات المتحدة والمملكة المتحدة، وفقاً لبيانات من شركة تتبع السوق «آب فيعارز».

من مؤسس «ديب سيك»؟

وُلد ليانغ وينفنغ في غوانغدونغ عام 1985، وحصل على درجتي البكالوريوس والماجستير في الهندسة الإلكترونية والمعلومات من جامعة تشجيانغ. أسس «ديب سيك» برأس مال مسجل قدره 10 ملايين يوان (نحو 1.4 مليون دولار)، وفقاً لقاعدة بيانات «تيانيانتشا». وفي مقابلة مع موقع «كيه آر 36» الصيني، أكد ليانغ أن التحدي الأكبر أمام تقدم الشركة لا يكمن في جمع مزيد من الأموال، بل في القيود التي تفرضها الولايات المتحدة على الوصول إلى أحدث الرقائق.

أين تقف «ديب سيك» في مشهد الذكاء الاصطناعي في الصين؟

بينما تستثمر الشركات الكبرى في الصين، مثل «علي بابا»، و«بايدو»، و«تينسنت» بشكل كبير في تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي، تبرز «ديب سيك» بنهجها المفتوح المصدر، الذي يهدف إلى جذب أكبر عدد ممكن من المستخدمين بسرعة، قبل تطوير استراتيجيات التربح. وبفضل نماذجها ذات التكلفة المنخفضة، لعبت «ديب سيك» دوراً مهماً في خفض التكاليف لمطوري الذكاء الاصطناعي في الصين، ما أسهم في حرب أسعار بين الشركات الكبرى أدت إلى سلسلة من تخفيضات الأسعار خلال العام والنصف الماضيين.

ما تداعيات «ديب سيك» على سوق الذكاء الاصطناعي عالمياً؟

قد يدفع نجاح «ديب سيك» شركات، مثل «أوبن إيه آي» و«ميتا»، إلى خفض أسعار خدماتها للحفاظ على ريادتها. كما يثير هذا النجاح تساؤلات حول الإنفاق الضخم من قبل شركات مثل «ميتا» و«مايكروسوفت»، التي خصصت ميزانيات رأسمالية تتجاوز 65 مليار دولار هذا العام، معظمها موجه نحو البنية التحتية للذكاء الاصطناعي. هذا التحول تسبب في اضطراب أسواق الأسهم الآسيوية، حيث بدأ المستثمرون في البحث عن الشركات الصينية المرتبطة بـ«ديب سيك»، مثل «إيفلايتك»، والتحول بعيداً عن شركات سلسلة إمدادات الرقائق مثل «أدفانتست»، التي قد تواجه نقصاً في الطلب على أشباه الموصلات الخاصة بالذكاء الاصطناعي.

بدأ المطورون في جميع أنحاء العالم في تجربة برمجيات «ديب سيك»، وبناء أدوات باستخدامها، ما قد يُسهم في تسريع اعتماد نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة في التفكير. إلا أن هذا قد يثير القلق بشأن الحاجة إلى وضع ضوابط على كيفية استخدام هذه التكنولوجيا. وقد يسهم تقدم «ديب سيك» أيضاً في تسريع فرض التنظيمات لمراقبة تطور الذكاء الاصطناعي.

ما عيوب «ديب سيك»؟

مثل جميع نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية، يعتمد «ديب سيك» على الرقابة الذاتية في التعامل مع المواضيع الحساسة في الصين. يتجنب روبوت المحادثة الإجابة عن استفسارات تتعلق باحتجاجات «تيانانمن» في عام 1989 أو القضايا الجيوسياسية المثيرة للجدل، مثل إمكانية غزو الصين لتايوان. وفي الاختبارات، يمكن لروبوت المحادثة من «ديب سيك» تقديم إجابات مفصلة عن شخصيات سياسية، مثل رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي، ولكنه يرفض تقديم إجابات عن الرئيس الصيني شي جينبينغ.

ونظراً لشعبيتها المفاجئة، من المحتمل أن تتعرض بنية «ديب سيك» السحابية لضغط هائل. وقد شهدت الشركة انقطاعاً كبيراً في الخدمة في 27 يناير، ما يشير إلى أنها ستحتاج إلى إدارة حركة مرور أكبر مع تدفق مزيد من المستخدمين الجدد والعائدين الذين يطرحون استفسارات إضافية على روبوت المحادثة.


مقالات ذات صلة

الأسهم الآسيوية تتجه لتسجيل مكاسب للجلسة السادسة على التوالي

الاقتصاد لافتة مجموعة بورصة اليابان «جيه بي إكس» في بورصة طوكيو (رويترز)

الأسهم الآسيوية تتجه لتسجيل مكاسب للجلسة السادسة على التوالي

اتجهت الأسهم الآسيوية نحو تسجيل مكاسب، للجلسة السادسة على التوالي، يوم الأربعاء، مدفوعة باستمرار إقبال المستهلكين على تطبيقات الذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (رويترز)

بيرنهام يعلن استعداد بريطانيا لقيادة الجهود العالمية لتنظيم الذكاء الاصطناعي

أكد رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام، خلال كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، أن المملكة المتحدة مستعدة لقيادة جهد دولي يهدف إلى وضع معايير عالمية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
تكنولوجيا صورة تعبيرية تحمل شعارَي «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» (رويترز) p-circle

«أنثروبيك» و«أوبن إيه آي» تطلقان نماذج ذكاء اصطناعي جديدة وأقل تكلفة

أطلقت شركتا «أنثروبيك» و«أوبن إيه آي» الثلاثاء نماذج جديدة وأقل تكلفة للذكاء الاصطناعي، بفارق ساعات فقط بينهما.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد شاشة تعرض مؤشر «كوسبي» وسعر صرف العملات الأجنبية بين الدولار الأميركي والوون، وسعر أسهم شركتي «سامسونغ» و«إس كيه هاينكس» في سيول (أ.ب)

«كوسبي» الكوري يفقد زخمه بعد قفزة مبكرة بنحو 2 %

تخلت الأسهم الكورية الجنوبية عن معظم مكاسبها المبكرة خلال تعاملات الأربعاء، مع اتجاه المستثمرين إلى تقليص المخاطر.

«الشرق الأوسط» (سيول)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال لقائه بالرئيس الصيني شي جينبينغ في بكين يوم 14 مايو (رويترز)

ترمب يستقبل شي بحفاوة استثنائية... وقمة واشنطن تختبر هدنة هشة

تتجه الأنظار إلى ما إذا كانت الحفاوة البروتوكولية ستنجح في تثبيت الهدنة الهشة بين واشنطن وبكين، أم أنها ستكتفي بإرجاء ظهور خلافات استراتيجية عميقة.

هبة القدسي (واشنطن)

ضغوط أوروبا تكبح اليوان والأسهم الصينية قبل قمة ترمب وشي

مدخل مقر البورصة في جزيرة هونغ كونغ الصينية (رويترز)
مدخل مقر البورصة في جزيرة هونغ كونغ الصينية (رويترز)
TT

ضغوط أوروبا تكبح اليوان والأسهم الصينية قبل قمة ترمب وشي

مدخل مقر البورصة في جزيرة هونغ كونغ الصينية (رويترز)
مدخل مقر البورصة في جزيرة هونغ كونغ الصينية (رويترز)

تراجع اليوان والأسهم الصينية، الأربعاء، مع خفض المستثمرين توقعاتهم لنتائج لقاء الرئيس الصيني شي جينبينغ ونظيره الأميركي دونالد ترمب، بالتزامن مع تصاعد التوترات التجارية بين بكين وأوروبا، ما أعاد المخاوف بشأن مستقبل الصادرات الصينية إلى صدارة اهتمامات الأسواق.

وتراجع اليوان في السوق المحلية إلى نحو 6.7050 مقابل الدولار، منخفضاً 0.07 في المائة، بعدما كان قد سجَّل مكاسب متواصلة قبيل القمة الأميركية- الصينية المقررة في واشنطن يوم 24 سبتمبر (أيلول).

وجاء التحول بعدما حدد بنك الشعب الصيني السعر المرجعي للعملة عند 6.7468 يوان للدولار، منهياً سلسلة استمرت 10 جلسات من التثبيتات الأقوى. وكان السعر المرجعي أضعف بنحو 497 نقطة من تقديرات «رويترز»، في إشارة إلى استمرار حرص السلطات على منع ارتفاع العملة بوتيرة سريعة قد تضيف ضغوطاً على المصدرين.

وقال أندرو باستون، مدير بحوث الصين لدى «غافيكال دراغونوميكس»، إن موجة الصادرات الصينية القوية تُظهر مؤشرات على بلوغ ذروتها، ما قد يزيد القلق بشأن آفاق التجارة الخارجية ويدفع البنك المركزي إلى مزيد من الحذر تجاه وتيرة ارتفاع اليوان.

ورغم التراجع الأخير، لا تزال العملة الصينية مرتفعة بنحو 4.3 في المائة أمام الدولار منذ بداية العام. ولكن ارتفاع مؤشر الدولار لليوم الثالث واقترابه من أعلى مستوى في 8 أسابيع أضاف ضغطاً على اليوان.

وامتد الحذر إلى الأسهم، فقد تراجع مؤشر «سي إس آي 300» للأسهم القيادية 0.5 في المائة بحلول منتصف الجلسة، وهبط مؤشر «شنغهاي المركب» 0.4 في المائة، بينما خسر مؤشر «هانغ سنغ» في هونغ كونغ 0.8 في المائة.

ويراقب المستثمرون لقاء ترمب وشي لمعرفة ما إذا كان سيقود إلى تمديد الهدنة التجارية التي توصل إليها البلدان العام الماضي. وترى «أكسفورد إيكونوميكس» أن انعقاد اللقاء يجعل العلاقة بين الولايات المتحدة والصين أكثر قابلية للتوقع، ولكن السياسات المتعلقة بالتجارة والتكنولوجيا والأمن ستظل أكثر تقييداً على المدى الطويل، بما يعني علاقة «أكثر هدوءاً، ولكن ليست أكثر تقارباً».

وفي الوقت نفسه، تزداد الضغوط القادمة من أوروبا. فقد قال البنك المركزي الأوروبي إن التحول الصناعي الصيني يزاحم الشركات الأوروبية في الأسواق العالمية، بينما أشارت وكالة «فيتش» إلى أن الصدمة التجارية الصينية تؤثر بصورة خاصة على الاقتصادات الأوروبية المعتمدة على التصدير، وفي مقدمتها ألمانيا.

وتراجعت أسهم شركات صناعة السيارات الصينية 0.6 في المائة، بينما انخفض مؤشر مركبات الطاقة الجديدة نحو 1 في المائة، بعدما دعا مسؤولون ومديرون في قطاع السيارات الأوروبي إلى فرض متطلبات للمحتوى المحلي وتوسيع نطاق الرسوم ليشمل السيارات الهجينة القابلة للشحن القادمة من الصين.

كما خفَّضت «فيتش» توقعاتها لنمو الاقتصاد الصيني في 2026 بمقدار 0.1 نقطة مئوية إلى 4.5 في المائة، مشيرة إلى ازدياد الاختلالات الاقتصادية.

وخالف قطاع العقارات الاتجاه السلبي للأسواق؛ إذ ارتفعت أسهم المطورين بعد تقرير أفاد بأن الجهات التنظيمية طلبت من بعض البنوك عدم تصنيف قروض متأخرة لمجموعة «تشاينا فانكي» على أنها متعثرة، إلى جانب تمديد آجال السداد.

وتضع هذه التطورات الأسواق الصينية أمام معادلة أكثر تعقيداً: فتهدئة العلاقات مع واشنطن قد تقلص المخاطر الخارجية، ولكن تصاعد الخلاف التجاري مع أوروبا يهدد منفذاً مهماً للصادرات. وفي الوقت نفسه، يبدو بنك الشعب الصيني حريصاً على تحقيق توازن بين قوة اليوان والحفاظ على القدرة التنافسية للمصدرين، بما يرجح بقاء ارتفاع العملة تدريجياً بدلاً من السماح بمكاسب سريعة.


النشاط التجاري البريطاني يسجل تباطؤاً في سبتمبر وسط تنامي الضغوط التضخمية

منظر عام للحي المالي في لندن (رويترز)
منظر عام للحي المالي في لندن (رويترز)
TT

النشاط التجاري البريطاني يسجل تباطؤاً في سبتمبر وسط تنامي الضغوط التضخمية

منظر عام للحي المالي في لندن (رويترز)
منظر عام للحي المالي في لندن (رويترز)

أظهر مسح نُشر يوم الأربعاء تباطؤ نمو النشاط التجاري في المملكة المتحدة خلال سبتمبر (أيلول)، بالتزامن مع تصاعد الضغوط التضخمية، في تطور يزيد من صعوبة موقف وزير المالية جون هيلي قبيل إعلانه أول موازنة له الشهر المقبل.

وانخفض مؤشر «ستاندرد آند بورز غلوبال» لمديري المشتريات في قطاع الخدمات بالمملكة المتحدة في سبتمبر إلى 51.7 نقطة، من 52.5 نقطة في أغسطس (آب)، مسجلاً أدنى مستوى له في ثلاثة أشهر، وفقاً للبيانات الأولية. وكانت توقعات الاقتصاديين في استطلاع أجرته «رويترز» تشير إلى قراءة عند 52 نقطة.

وارتفعت الأسعار التي تفرضها شركات الخدمات، التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد البريطاني، بأسرع وتيرة لها في أربعة أشهر. كما أفادت الشركات بتزايد ضغوط التكلفة في أعقاب ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن تصاعد الحرب في إيران.

وقالت «ستاندرد آند بورز غلوبال» للبيانات إن مسحها يشير إلى نمو اقتصادي فصلي يبلغ نحو 0.1 في المائة، مقارنة بـ0.4 في المائة خلال الربع الثاني.

ويسعى هيلي إلى تبني نبرة متفائلة بشأن الآفاق الاقتصادية لبريطانيا، عقب سلسلة من البيانات القوية وغير المتوقعة المتعلقة بقطاع الأعمال والمستهلكين منذ تولي رئيس الوزراء أندي بيرنهام منصبه في يوليو (تموز).

غير أن الاقتصاديين يرون أن الارتفاع الكبير في تكاليف الاقتراض الحكومي، إلى جانب تصاعد الضغوط التضخمية، يهددان بتعكير صفو التوقعات الاقتصادية.

وقال كبير الاقتصاديين في «ستاندرد آند بورز غلوبال»، كريس ويليامسون: «يشهد شهر سبتمبر مزيجاً مقلقاً يتمثّل في نمو اقتصادي بطيء ومخيب للآمال وتصاعد في الضغوط التضخمية، في حين تستمر حالة ضعف ثقة الأعمال وارتفاع التكاليف في تثبيط عمليات التوظيف».

وأضاف: «في حين تشير مؤشرات الأسعار في المسح إلى أن (بنك إنجلترا) سيُبقي على الأرجح على توجه متشدد في سياسته النقدية، فإن الوتيرة الباهتة والمثيرة للقلق لنمو الأعمال تسلط الضوء على المخاطر التي تهدد الاقتصاد جراء ارتفاع تكاليف الاقتراض».

وأشارت الأسواق المالية يوم الثلاثاء إلى احتمال بنسبة 60 في المائة تقريباً لرفع «بنك إنجلترا» أسعار الفائدة في الخامس من نوفمبر (تشرين الثاني)، أي بعد أسبوع واحد من عرض هيلي موازنة أكتوبر (تشرين الأول).

ومع ذلك، أضافت بيانات مؤشر مديري المشتريات إلى الأخبار الإيجابية المتعلقة بقطاع التصنيع البريطاني، وذلك بعد يوم واحد من وصول مؤشر الطلبيات الصادر عن اتحاد الصناعات البريطانية إلى أعلى مستوى له منذ أكثر من ثلاث سنوات.

وارتفعت القراءة الأولية لمؤشر مديري المشتريات في قطاع التصنيع إلى 52 نقطة في سبتمبر، من 51.7 نقطة في أغسطس، مدعومة بزيادة الطلبيات المحلية، فيما بلغ التفاؤل في القطاع أعلى مستوياته في سبعة أشهر.

في المقابل، تراجع مؤشر مديري المشتريات المركب، الذي يجمع بين مسحي قطاعَي التصنيع والخدمات، إلى 51.7 نقطة في سبتمبر، من 52.5 نقطة.


نشاط الأعمال في منطقة اليورو يتعافى بأسرع وتيرة منذ أكثر من 3 سنوات

منظر جوي يُظهر نهر السين وأفق منطقة «لا ديفانس» المالية والتجارية بالقرب من باريس (رويترز)
منظر جوي يُظهر نهر السين وأفق منطقة «لا ديفانس» المالية والتجارية بالقرب من باريس (رويترز)
TT

نشاط الأعمال في منطقة اليورو يتعافى بأسرع وتيرة منذ أكثر من 3 سنوات

منظر جوي يُظهر نهر السين وأفق منطقة «لا ديفانس» المالية والتجارية بالقرب من باريس (رويترز)
منظر جوي يُظهر نهر السين وأفق منطقة «لا ديفانس» المالية والتجارية بالقرب من باريس (رويترز)

أظهر مسح أن نشاط الأعمال في منطقة اليورو تسارع خلال سبتمبر (أيلول) بأسرع وتيرة له منذ أكثر من ثلاث سنوات، مخالفاً توقعات بتباطؤ النمو، في وقت واجهت فيه الشركات ارتفاعاً حاداً في تكاليف التشغيل.

وارتفع مؤشر «ستاندر آند بورز غلوبال» الأولي المجمع لمديري المشتريات في منطقة اليورو، الذي يقيس الإنتاج، إلى 53.1 نقطة في سبتمبر، مقارنة بـ52 نقطة في أغسطس (آب)، مسجلاً أعلى مستوى له منذ أبريل (نيسان) 2023. وجاءت القراءة أعلى بكثير من توقعات استطلاع أجرته «رويترز»، التي أشارت إلى تراجع المؤشر إلى 51.7 نقطة.

وتشير القراءة التي تتجاوز مستوى 50 نقطة إلى نمو النشاط الاقتصادي.

وقال كبير الاقتصاديين في «ستاندر آند بورز غلوبال»، كريس ويليامسون: «ليس من المستغرب أن نرى الضغوط التضخمية تتصاعد مجدداً في سبتمبر، نظراً إلى ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الصراع المستمر في الشرق الأوسط؛ ولذا فإن رصد مؤشرات على مرونة النمو الاقتصادي يُعد أمراً مشجعاً للغاية».

وقفز إجمالي الطلبات الجديدة بأسرع وتيرة له منذ أكثر من أربع سنوات، مدعوماً بزيادة إضافية في الصادرات، بما في ذلك التجارة البينية داخل منطقة اليورو.

وأسهم قطاعا الخدمات والتصنيع معاً في هذا التوسع، إذ ارتفع مؤشر مديري المشتريات لقطاع الخدمات إلى 53 نقطة من 51.6 نقطة، مسجلاً أعلى مستوى له في نحو عام، ومتجاوزاً بفارق كبير توقعات الاستطلاع البالغة 51.5 نقطة.

واستقر مؤشر قطاع التصنيع عند 52.7 نقطة، وهو المستوى نفسه المسجل في أغسطس، في حين ارتفع مؤشر الإنتاج، الذي يدخل في حساب مؤشر مديري المشتريات المجمع، بشكل طفيف إلى 53.4 نقطة من 53.3 نقطة.

ومع زيادة الطلب، عزّزت الشركات مستويات التوظيف، لكنها واجهت في المقابل قفزة في تكاليف المدخلات نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، وتمكنت من تمرير جزء من هذه التكاليف الإضافية إلى العملاء.

وكان البنك المركزي الأوروبي قد رفع أسعار الفائدة في وقت سابق من هذا الشهر للمرة الثانية هذا العام، في محاولة لمواجهة التضخم المدفوع بارتفاع أسعار الطاقة، محذراً من احتمال استمرار الضغوط السعرية لفترة طويلة. وتسعّر الأسواق حالياً احتمال إقرار ثلاث زيادات أخرى في أسعار الفائدة بحلول نهاية يونيو (حزيران).

وقال ويليامسون إن مرونة النمو الاقتصادي، رغم الرياح المعاكسة الناجمة عن التوترات الجيوسياسية وارتفاع الأسعار، من المرجح أن تدفع البنك المركزي الأوروبي إلى رفع أسعار الفائدة مجدداً قبل نهاية العام، مضيفاً أن ذلك يعزّز الحجج المؤيدة لرفع الفائدة في وقت أقرب بدلاً من تأجيله، ويجعل خيار رفعها في أكتوبر مطروحاً بقوة.

ألمانيا تسجل أقوى نمو في النشاط منذ نحو عام

أظهر مسح أولي، نُشر يوم الأربعاء، توسع النشاط التجاري الألماني بقوة في سبتمبر، رغم تصاعد الضغوط التضخمية التي تواجهها الشركات.

وارتفع مؤشر «ستاندر آند بورز غلوبال» الأولي المجمع لمديري المشتريات في ألمانيا إلى 53.8 نقطة في سبتمبر، مقارنة بـ51.8 نقطة في أغسطس، مسجلاً أعلى مستوى له منذ أكتوبر من العام الماضي.

وكان خبراء اقتصاد استطلعت «رويترز» آراءهم قد توقعوا استقرار المؤشر عند 51.8 نقطة، دون تغيير عن الشهر السابق.

ويقيس المؤشر المجمع أداء قطاعَي الخدمات والتصنيع، اللذَيْن يشكلان معاً أكثر من ثلثي حجم أكبر اقتصاد في منطقة اليورو، فيما تشير القراءة التي تتجاوز 50 نقطة إلى النمو.

وقال المدير المساعد للشؤون الاقتصادية في مؤسسة «ستاندر آند بورز غلوبال ماركت إنتليجنس»، فيل سميث: «أشارت البيانات الأولية إلى أقوى ارتفاع في النشاط التجاري منذ نحو عام، إذ انضم قطاع الخدمات أخيراً إلى قطاع التصنيع في نطاق النمو».

وارتفع مؤشر مديري المشتريات لقطاع الخدمات إلى 52.9 نقطة من 49.7 نقطة، مسجلاً أعلى مستوى له في سبعة أشهر، ومنهياً سلسلة من الانكماش استمرت خمسة أشهر.

في المقابل، تراجع مؤشر مديري المشتريات لقطاع التصنيع إلى 53.8 نقطة من 54.3 نقطة في الشهر السابق، لكنه ظل ضمن نطاق التوسع.

وأضاف سميث: «أظهرت الشركات الألمانية مزيداً من علامات الصمود في سبتمبر؛ إذ تسارعت وتيرة نمو الإنتاج، واستقرت التوقعات المستقبلية، وارتفعت معدلات التوظيف للشهر الثاني على التوالي، وكل ذلك رغم تجدد الضغوط التضخمية».

كما ارتفعت تكاليف المدخلات بأسرع وتيرة لها في أربعة أشهر، وبمعدل يفوق بكثير متوسط السلسلة الزمنية طويلة الأجل، مع إشارة الشركات التي شملها المسح على نطاق واسع إلى تأثير ارتفاع أسعار الوقود وتكاليف الطاقة عموماً.

فرنسا تعود إلى النمو بأسرع وتيرة في أكثر من عامين

وفي فرنسا، أظهر مسح للأعمال، نُشر يوم الأربعاء، أن القطاع الخاص نما خلال سبتمبر بأسرع وتيرة له منذ ما يزيد قليلاً على عامين، مدفوعاً بانتعاش الطلب على الخدمات.

وأظهر المسح الذي أجرته مؤسسة «ستاندر آند بورز غلوبال» ارتفاع مؤشرها الأولي المركب للإنتاج في فرنسا إلى 51.2 نقطة، من 48.5 نقطة في أغسطس.

وقال كبير الاقتصاديين في «ستاندر آند بورز غلوبال ماركت إنتليجنس»، جو هايز: «أظهر الاقتصاد الفرنسي مرونة مفاجئة في سبتمبر، رغم أن استمرارية هذا التوسع تظل محل شك؛ نظراً إلى أن الطلبيات الجديدة لم تشهد سوى ارتفاع طفيف، كما تدهورت توقعات الشركات بشأن مستوى النشاط».

وجاء الجزء الأكبر من الزخم من قطاع الخدمات، إذ ارتفع مؤشر مديري المشتريات الأولي لنشاط الخدمات في فرنسا إلى 51.4 نقطة من 48 نقطة، مسجلاً أعلى مستوى له في 10 أشهر، في حين تباطأ نمو الإنتاج الصناعي وظل عند مستويات هامشية.

وكان تحسن الطلب محدوداً، إذ ارتفعت الطلبيات الجديدة للمرة الأولى منذ 10 أشهر، في حين سجلت الأعمال الخارجية الجديدة أبطأ معدل انكماش لها منذ بداية العام، ما أسهم في دفع حجم الأعمال المتراكمة، أي الطلبيات غير المنجزة، إلى أسرع زيادة لها منذ نحو ثلاث سنوات ونصف السنة.

وفي الوقت نفسه، واصلت الشركات تقليص أعداد الموظفين للشهر الخامس على التوالي، مع إشارة المشاركين في المسح إلى عمليات تسريح واستقالات وعدم تجديد العقود المؤقتة.

وبالتوازي، ارتفعت تكاليف المدخلات وأسعار المنتجات النهائية بأسرع وتيرة لها منذ مايو (أيار)، مدفوعة بارتفاع أسعار الوقود والطاقة والمعادن والمكونات الصناعية.

ومع ذلك، تراجعت توقعات الشركات مجدداً، لتصبح الشركات الفرنسية الأقل تفاؤلاً بشأن آفاق العام المقبل منذ مايو، في ظل تأثير أسعار الفائدة المرتفعة، وحالة عدم اليقين السياسي، والمنافسة الدولية سلباً على مستويات الثقة.