«خزانات الكربون»... مواد بناء جديدة تقاوم تغير المناخ

قطاع التشييد والبناء مسؤول عن نحو 39 في المائة من إجمالي انبعاثات الغازات الدفيئة (جامعة كاليفورنيا)
قطاع التشييد والبناء مسؤول عن نحو 39 في المائة من إجمالي انبعاثات الغازات الدفيئة (جامعة كاليفورنيا)
TT

«خزانات الكربون»... مواد بناء جديدة تقاوم تغير المناخ

قطاع التشييد والبناء مسؤول عن نحو 39 في المائة من إجمالي انبعاثات الغازات الدفيئة (جامعة كاليفورنيا)
قطاع التشييد والبناء مسؤول عن نحو 39 في المائة من إجمالي انبعاثات الغازات الدفيئة (جامعة كاليفورنيا)

يُعد قطاع التشييد والبناء من أكبر المساهمين في انبعاثات ثاني أكسيد الكربون على مستوى العالم، فهو مسؤول عن نحو 39 في المائة من إجمالي انبعاثات الغازات الدفيئة، وفق تقديرات الأمم المتحدة.

وتنجم هذه الانبعاثات بشكل رئيسي عن عمليات تصنيع المواد مثل الخرسانة والطوب والأسفلت والبلاستيك، فضلاً عن استهلاك الطاقة في عمليات البناء والإنشاء.

ومع ذلك، فإن هناك اهتماماً متزايداً بتحسين تقنيات تصنيع المواد واستخدام مواد بناء جديدة تهدف لتقليل الانبعاثات، مثل الأسمنت منخفض الانبعاثات أو المواد المضافة مثل الفحم الحيوي، الذي يمكن أن يساعد في امتصاص الكربون في أثناء استخدامه في البناء وتخزينه.

الخرسانة يمكنها تخزين الكربون من خلال إضافة الفحم الحيوي إلى الخليط أثناء التصنيع (جامعة كاليفورنيا)

طرق تخزين الكربون

يهدف تخزين الكربون إلى التقاط ثاني أكسيد الكربون من مصادر انبعاثه أو من الغلاف الجوي وتحويله إلى شكل مستقر، ثم تخزينه بعيداً عن الغلاف الجوي بحيث لا يمكنه المساهمة في التغير المناخي.

وقد تم اقتراح العديد من الأساليب، مثل حقن الكربون في باطن الأرض أو تخزينه في أعماق المحيطات، إلا أن هذه الأساليب تواجه تحديات عملية ومخاطر بيئية.

وفي نهج مبتكر، اقترح باحثون من جامعة كاليفورنيا الأميركية، استخدام مواد البناء الشائعة لتخزين الكربون. ودرس الباحثون إمكانية تعديل مواد مثل الخرسانة والأسفلت والبلاستيك والخشب والطوب، التي يُنتج منها أكثر من 30 مليار طن سنوياً على مستوى العالم، لتخزين ثاني أكسيد الكربون.

ووجدوا أن هذا النهج قد يسهم في تخزين 16.6 غيغا طن من الكربون سنوياً؛ أي نحو 50 في المائة من انبعاثات الكربون البشرية عام 2021؛ ما يدعم جهود تحقيق الحياد الكربوني، ونُشرت النتائج في عدد 10 يناير (كانون الثاني) 2025 من دورية «ساينس».

وتقول الدكتورة إليزابيث فان رويجن، الباحثة الرئيسية للدراسة من قسم الهندسة المدنية والبيئية في جامعة كاليفورنيا، إن فكرة تخزين الكربون في مواد البناء تعتمد على تعديل تركيبها الكيميائي أو استخدام مواد بديلة قادرة على احتجاز الكربون.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن المواد القائمة على الكربونات، مثل الركام في الخرسانة والأسفلت، يمكنها تخزين الكربون عن طريق تفاعل أكاسيد المعادن (مثل أكسيد المغنيسيوم أو أكسيد الكالسيوم) مع ثاني أكسيد الكربون، حيث تتحول هذه المواد لصخور تحبس الكربون داخل تركيبها الكيميائي.

وأوضحت أن الخرسانة يمكن أن تخزن الكربون من خلال إضافة الفحم الحيوي «البيوشار» إلى الخليط في أثناء التصنيع. وعند خلط هذه المواد مع الأسمنت، تعمل كخزان للكربون، حيث يحتوي الفحم الحيوي على الكربون الذي يُحتجز داخل الهيكل الخرساني على المدى الطويل.

أما في الطوب فيتم استبدال بعض المواد التقليدية المستخدمة في تصنيعه بمواد حيوية تحتوي على كربون، مثل الطين الذي يُمزج مع الفحم الحيوي، ما يساعد على تخزين الكربون في أثناء عملية التصنيع ويقلل انبعاثاته لاحقاً.

فيما يتعلق بالأسفلت، نوهت بأنه يمكن تعديل تركيبته ليحتوي على مواد كربونية أو إضافة كربون مخزن لتركيبته؛ لأن الأسفلت المستخدم في بناء الطرق يمكن أن يساهم في تخزين الكربون لفترات طويلة، ما يقلل من التأثير البيئي لهذه المواد.

تحديات تقنية واقتصادية

أما في البلاستيك فيتم إدخال مواد كربونية مثل البلاستيك الحيوي المشتق من مصادر نباتية تحتوي على كربون، مما يساهم في تخزين الكربون لفترات طويلة وبالتالي يقلل من تأثيره البيئي.

وبخصوص الخشب، أشارت رويجن إلى أنه يعد مادة طبيعية قادرة على تخزين الكربون بشكل طبيعي، حيث تمتص الأشجار الكربون من الهواء في أثناء نموها وتخزنه في خلاياها. وعند استخدامه في البناء، يظل هذا الكربون محبوساً في المادة نفسها لفترة طويلة، ما يساهم في تقليل انبعاثات الكربون.

ونوهت رويجن بأن تلك المواد يمكنها تخزين أكثر من 16 مليار طن من ثاني أكسيد الكربون سنوياً، وقد تم تحديد هذا الرقم بناءً على افتراض استبدال جميع المواد المستخدمة في الخرسانة والأسفلت بمواد قائمة على الكربون.

رغم أهمية هذا النهج، تشير رويجن إلى وجود تحديات تحتاج لحلول من أجل تطبيقه على نطاق واسع. وأضافت أن بعض التقنيات، مثل الخرسانة القابلة لتخزين الكربون، لا تزال قيد البحث على مستوى النماذج التجريبية، وبالتالي تحتاج لمزيد من التحقق قبل أن يتم تبنيها بشكل واسع.

علاوة على ذلك، رغم توافر بعض الموارد حالياً مثل النفايات الصناعية الغنية بالمعادن والمخلفات الزراعية، فإن الوصول لحجم تخزين الكربون المحدد في الدراسة يتطلب بحثاً مستمراً لضمان توافر هذه الموارد بكميات كافية واستدامة عملية التخزين في مواد البناء.

ونوهت رويجن إلى أن العقبة الرئيسية بالنسبة للبلاستيك الحيوي تكمن في الجدوى الاقتصادية، حيث إن تكلفة البلاستيك المشتق من المواد البترولية منخفضة جداً؛ ما يجعله صعب التنافس من الناحية الاقتصادية. لكنها أشارت إلى أن المبادرات التي تدعم إدراج المواد الخام الحيوية، ربما باستخدام التكلفة الاجتماعية للكربون، قد تحفز الشركات للتحول إلى هذه المواد بهدف تقليل الانبعاثات.



في عصر الذكاء الاصطناعي… الاحتيال والنصب يصبحان أمراً سهلاً للغاية

في عصر الذكاء الاصطناعي… الاحتيال والنصب يصبحان أمراً سهلاً للغاية
TT

في عصر الذكاء الاصطناعي… الاحتيال والنصب يصبحان أمراً سهلاً للغاية

في عصر الذكاء الاصطناعي… الاحتيال والنصب يصبحان أمراً سهلاً للغاية

أصبح الغش سهلاً للغاية الآن. فباستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي، يستطيع أي شخص الحصول على وجبة تعويضية أو منتج بديل مجاناً. بل يمكنه حتى الحصول على أموال مجانية عن طريق الاحتيال على الحكومة نفسها. وكما اكتشف اختصاصيو الأشعة حديثاً، فإنه يمكن أيضاً خداع الأطباء وشركات التأمين باستخدام صور الأشعة السينية المولّدة بالذكاء الاصطناعي.

صعوبة تمييز أشعة «اكس» مزيفة

ووفقاً لدراسة جديدة نشرتها الجمعية الإشعاعية لأميركا الشمالية، فإن معظم الخبراء لا يستطيعون التمييز بين الكسور المزيفة والكسور الحقيقية. أصبح الاحتيال التأميني الذي لا يمكن كشفه على بُعد نقرة واحدة. هذه ليست سوى أحدث حلقة في سلسلة متزايدة من عمليات الاحتيال السهلة والمجانية التي أصبحت ممكنة بفضل قوة الذكاء الاصطناعي.

دراسة علمية

أخضعت دراسة أجرتها الجمعية 17 طبيباً متخصصاً من ست دول مختلفة، بعضهم يمتلك خبرة ميدانية تصل إلى 40 عاماً، لاختبار بصري شمل 264 صورة أشعة سينية - نصفها صور حقيقية، والنصف الآخر صور اصطناعية تم إنشاؤها بواسطة أدوات الذكاء الاصطناعي مثل «تشات جي بي تي» ونموذج «رونت جين» RoentGen مفتوح المصدر من جامعة ستانفورد. وعندما لم يكن الأطباء على علم بوجود هذه الصور الاصطناعية، لم يتمكنوا من تحديد صور الأشعة السينية الاصطناعية بشكل صحيح إلا في 41 في المائة من الحالات.

نجاح محدود في كشف التزييف

وحتى بعد تلقيهم تحذيرات صريحة بوجود صور مزيفة ضمن المجموعة، ازداد متوسط ​​نسبة نجاحهم إلى 75 في المائة؛ إذ تراوحت النسبة بين 58 في المائة المتدنية و92 في المائة المقبولة. ولكنها نتيجة غير مثالية. وتشير الدراسة إلى أن عقوداً من سنوات الخبرة العملية للأطباء لم تُسهم بشكل كبير في كشف التزييف، على الرغم من أن أداء خبراء الجهاز العضلي الهيكلي كان أفضل قليلاً من زملائهم.

حتى النظم الذكية أخفقت في كشف التزييف

وما يزيد الأمر سوءاً، أن نماذج اللغة الضخمة المسؤولة عن ظهور هذه الخدعة الرقمية - بما في ذلك «جي بي تي 40» و«جي بي تي 5» و«جيمناي برو 2.5» و«مافريك» Maverick و«لاما 4» من «ميتا» - لم تكن أفضل حالاً كأدوات كشف آلية؛ إذ تراوحت معدلات دقتها بين 57 في المائة و85 في المائة.

ثغرة أمنية وطبية خطيرة

وأشار الدكتور ميكائيل توردجمان، المؤلف الرئيسي للدراسة، إلى أن «دراستنا تُظهر أن صور الأشعة السينية المزيفة بتقنية التزييف العميق واقعية لدرجة كافية لخداع اختصاصيي الأشعة، وهم أكثر المتخصصين تدريباً في مجال التصوير الطبي، حتى عندما كانوا على دراية بوجود صور مُولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي». وأضاف: «يُشكّل هذا ثغرة أمنية خطيرة للغاية للتقاضي الاحتيالي، على سبيل المثال، إذا كان من الصعب التمييز بين كسر مُختلق وكسر حقيقي. كما يُوجد خطر كبير على الأمن السيبراني إذا تمكن المتسللون من الوصول إلى شبكة المستشفى وحقن صور اصطناعية للتلاعب بتشخيصات المرضى أو إحداث فوضى سريرية واسعة النطاق من خلال تقويض الموثوقية الأساسية للسجل الطبي الرقمي».

صور دقيقة بشكل مفرط

حسب توردجمان، غالباً ما تبدو الصور الطبية المُولّدة بالذكاء الاصطناعي مثاليةً للغاية، حيث تظهر العظام «ناعمةً بشكلٍ مفرط، والعمود الفقري مستقيماً بشكلٍ غير طبيعي، والرئتان متناظرتين بشكلٍ مفرط، وأنماط الأوعية الدموية متجانسةً بشكلٍ مفرط، والكسور تبدو نظيفةً ومتناسقةً بشكلٍ غير عادي، وغالباً ما تقتصر على جانب واحد من العظم».

لكن هذه مجرد مجموعة أدوات قديمة. فمثل مقاطع الفيديو المُولّدة بالذكاء الاصطناعي، سيجعل الذكاء الاصطناعي هذه الأشعة السينية مثاليةً تماماً وغير قابلةٍ للكشف قريباً. هذه هي طبيعة الذكاء الاصطناعي المتطور باستمرار.

ولمكافحة ذلك؛ يطالب الخبراء بعلامات مائية غير مرئية وتوقيعات تشفيرية مرتبطة مباشرةً بالفني الذي التقط الصورة، تعمل فعلياً كختم رياضي للمصداقية يُثبت وجود جسم بشري بالفعل في الغرفة.

التزييف السطحي والصفقات المشبوهة

تُعدّ صور الأشعة السينية الاحتيالية مثالاً خطيراً على التلاعب بالحقائق الذي يحدث بالفعل. خذ على سبيل المثال انتشار التزييف السطحي، وهو عبارة عن أوهام رقمية سطحية مختلقة لا تتطلب سوى جهد ضئيل لتحقيق أقصى مقدار من الخداع المالي.

يستغل المستهلكون العاديون تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي لتغيير مظهر صور طلبات أطباق الطعام مثلاً وتحويلها أطباقاً «كارثية» غير شهية. بنقرة واحدة فقط؛ إذ مكّن التلاعب رقمياً بمظهر شطيرة البرغر أو قطعة الدجاج ليظهر وكأنه نيء؛ ما يخدع الخوارزميات وممثلي خدمة الزبائن للموافقة على استرداد الزبون أمواله فوراً.

خداع وتلاعب في كل المستويات

«هذا التوجه حقيقي ومتزايد»، كما صرّح ألبرتو بالومار، المتخصص في مكافحة الاحتيال باستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي، لصحيفة «إل كونفيدينسيال» الإسبانية. «يُتيح الذكاء الاصطناعي لأي شخص، حتى من لا يملك أي فكرة عن التكنولوجيا، إمكانية استغلال هذه الخدعة على جميع المستويات».

خدعة رقمية وأضرار بشرية

تقع الخسائر البشرية الجانبية في هذه الخدعة الرقمية على عاتق عمال توصيل الطعام. فعندما ينجح أحد الزبائن في تزييف وجبة تالفة أو غير مطهوة جيداً، يُعاقب السائق بمنحه تقييمات سيئة أو بتعطيل حسابه نهائياً.

من جهة أخرى، يستخدم بعض السائقين هذه التقنية أيضاً لتزييف عمليات توصيل يسرقونها ببساطة.

آثارٌ ورقيةٌ مزيفة لتسلّم التأمين... بملايين الدولارات

في غضون ذلك، يتحول وباء الاحتيال الصغير كارثةً اقتصادية كلية لقطاع التأمين العالمي، مُحوّلاً خدوش السيارات البسيطة وأعطال الهواتف الذكية التزاماتٍ مالية ضخمة على الشركات.

في الولايات المتحدة، «قد تتضمن 20 -30 في المائة من مطالبات التأمين الآن صوراً مُعدّلة، أو وثائق مُزوّرة، أو تقارير طبية مُزيّفة»، وفقاً لشركة «شيفت تكنولوجي»، وهي شركة تقنية تُقدّم وكلاء ذكاء اصطناعي لأتمتة المطالبات.

في المملكة المتحدة، أفادت شركة التأمين «أليانز» بزيادة نسبتها 300 في المائة في استخدام الذكاء الاصطناعي لتعديل الوثائق والصور ومقاطع الفيديو في مطالبات العملاء بين عامي 2022 و2023. وتتوقع شركة «فيريسك» العالمية لتحليلات بيانات التأمين أن يزداد الوضع سوءاً: «واحد من كل ثلاثة مستهلكين قد يُفكّر في تعديل صورة أو وثيقة مطالبة تأمين رقمياً لتعزيز موقفه، وترتفع هذه النسبة إلى 55 في المائة بين جيل الشباب».

في إسبانيا، تُفيد شركة التأمين «أكسا» بأنها تُعالج ما يصل إلى 30 ألف وثيقة متعلقة بالمطالبات يومياً؛ ما يُصعّب اكتشاف التلاعب المُصطنع على نطاق واسع.

وأوضح أرتورو لوبيز ليناريس، مدير قسم المطالبات في «أكسا» إسبانيا، أن «المشكلة الآن تكمن في سهولة القيام بذلك، وفي أن هذه الأدوات في متناول الجميع. يُمكنك أن تطلب من الذكاء الاصطناعي وضع خدش على سيارتك أو تعديل فاتورة إصلاح. من المستحيل اكتشاف ذلك بالعين المجردة؛ لذا أنت في حاجة أيضاً إلى استخدام التكنولوجيا لتحديده».

2 % من السكان يمارسون الغش

مع التسليم بأن نسبة مرتكبي الغش الرقمي لا تتجاوز 2 في المائة من السكان، إلا أن الأرقام لا ترحم. تكمن المشكلة في استحالة كشف هذه الجرائم. صحيح أنه يُمكن تحليل البيانات الوصفية للصور الرقمية - وهي عبارة عن سلاسل برمجية مخفية تعمل كبصمات رقمية تُسجّل الموقع الجغرافي ومواصفات الجهاز والوقت - ولكن نظراً لسهولة تزييف هذه البيانات؛ فقد زال هذا الحاجز.

التحقق من صحة البيانات

يرى البعض أن الدفاع الأمثل يعتمد على برامج تحليل الصور المتقدمة، ولكن كما أظهرت دراسة الأشعة السينية، فإن ذلك صعب أيضاً، وسيصبح مستحيلاً قريباً. ستتفوق أجيال الذكاء الاصطناعي القادمة على أي إجراءات مضادة في مجال الطب الشرعي الرقمي نطورها. إضافةً إلى ذلك، فإن تكلفة هذه الإجراءات، التي ستكون باهظة التنفيذ والتشغيل في مراكز البيانات، تُهدد فعلياً بقاء الشركات الصغيرة والمتوسطة.

ولعل الآن، ومع بدء تأثير الذكاء الاصطناعي على الاقتصاد، وعلى أرباح الشركات والحكومات، سيزداد الضغط بما يكفي للمطالبة بحلول إلزامية للتحقق من صحة البيانات، بما يعود بالنفع على الجميع.

* مجلة «فاست كومباني»


روابط جديدة بين الجينات… والأمراض والاستجابة للعلاج

روابط جديدة بين الجينات… والأمراض والاستجابة للعلاج
TT

روابط جديدة بين الجينات… والأمراض والاستجابة للعلاج

روابط جديدة بين الجينات… والأمراض والاستجابة للعلاج

في خطوة قد تعيد تشكيل مستقبل الطب الشخصي، كشفت دراسة علمية جديدة أجرتها جامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس عن أهمية التنوع العرقي في الأبحاث الجينية، موضحة كيف يمكن لهذا التنوع أن يكشف روابط غير مسبوقة بين الجينات وخطر الإصابة بالأمراض، بل وحتى كيفية استجابة المرضى للعلاج.

الدراسة، التي أجراها باحثون من جامعة كاليفورنيا الأميركية ونُشرت في مجلة «Cell» في27 مارس (آذار) 2026 اعتمدت على تحليل بيانات ما يقارب 94 ألف مشارك ضمن بنك حيوي يُعرف باسم «أطلس» ATLAS، وهو واحد من أكثر قواعد البيانات تنوعاً من حيث الخلفيات العرقية في العالم.

لماذا يُعد التنوع مهماً؟

لطالما اعتمدت الدراسات الجينية السابقة بشكل كبير على عينات من أصول أوروبية، ما حدّ من إمكانية تعميم نتائجها على بقية سكان العالم. لكن هذه الدراسة تقدم نموذجاً مختلفاً، حيث شملت مشاركين من خلفيات متعددة تعكس التنوع الكبير في مدينة لوس أنجليس.

وقال دانيال غيشويند الباحث الرئيس في الدراسة من قسم علم الوراثة البشرية في جامعة كاليفورنيا إن هذه ليست نتائج مختبرية محدودة، بل تعكس بيانات حقيقية من مرضى متنوعين، ما يجعلها قابلة للتطبيق على فئات طالما تم تجاهلها في الطب.

الجينات تحدد الاستجابة للعلاج

ومن أبرز نتائج الدراسة أن الجينات قد تؤثر بشكل واضح على مدى استجابة المرضى لأدوية إنقاص الوزن من فئة GLP - 1، وهي أدوية تحاكي هرموناً طبيعياً في الجسم يساعد على تنظيم الشهية، وسكر الدم. ومن أشهر هذه العلاجات دواء سيماغلوتايد Semaglutide المتوفر تحت أسماء تجارية، مثل أوزيمبيك Ozempic، وويغوفي Wegovy.

وأظهرت النتائج أن فعالية هذه الأدوية تختلف بين الأفراد تبعاً لخلفياتهم الجينية، وترتبط بشكل خاص بمستوى الخطر الجيني للإصابة بمرض السكري من النوع الثاني. كما تم تحديد ارتباط جيني جديد بين استجابة المرضى للعلاج وجين يُعرف باسم PTPRU، وهو اكتشاف قد يفتح الباب أمام تطوير علاجات أكثر دقة في المستقبل.

اكتشافات جديدة للأمراض

ولم تقتصر نتائج الدراسة على الأدوية فقط، بل امتدت لتشمل فهماً أعمق لمخاطر الأمراض. فقد تمكن الباحثون من تحديد روابط جينية جديدة لم تكن معروفة سابقاً، خاصة عند تحليل «المتغيرات الجينية النادرة» Rare genetic variants.

على سبيل المثال، تم ربط جين ANKZF1 بمرض الأوعية الدموية الطرفية لدى أشخاص من أصول أفريقية. كما وُجدت علاقة بين جين EPG5 ومستويات الدهون في الدم لدى أفراد من أصول يهودية أشكنازية.

كما أظهرت الدراسة أن بعض المجموعات السكانية، مثل المتحدرين من أصول مكسيكية، أو من أميركا الجنوبية، قد يكونون أكثر عرضة لآثار جانبية معينة للعلاج الهرموني.

نحو طب أكثر دقة

واحدة من الأدوات المهمة التي تناولتها الدراسة هي ما يُعرف بـ«درجات الخطورة الجينية» Polygenic Risk Scores، وهي مؤشرات تُحسب بناءً على مئات أو آلاف المتغيرات الجينية لتقدير احتمالية الإصابة بأمراض مثل السكري، وأمراض القلب، والسرطان.

وأظهرت النتائج أن هذه الأداة قد تكون قريبة من الاستخدام السريري، حيث تم تحديد آلاف الأشخاص المعرضين لخطر مرتفع للإصابة بأمراض شائعة، مثل السكري من النوع الأول.

لكن الباحثين يؤكدون أن هناك حاجة لمزيد من الدراسات قبل اعتماد هذه النتائج بشكل واسع في الأنظمة الصحية.

قاعدة بيانات تعكس الواقع

في خطوة تعيد تشكيل مشهد البحث الطبي يبرز بنك «أطلس» الحيوي كنموذج استثنائي يدمج البيانات الجينية مع السجلات الصحية الإلكترونية، وليوفّر منصة فريدة لدراسة التفاعل بين الجينات والصحة في بيئة واقعية بعيداً عن حدود المختبرات التقليدية.

ويؤكد الباحث روني هاس من قسم علم الوراثة البشرية في جامعة كاليفورنيا، والمعد الرئيس للدراسة، أن كثيراً من الأبحاث السابقة كانت تفتقر إلى التنوع السكاني الكافي، بينما يأتي «أطلس» ليعكس تركيبة مجتمع حقيقي متعدّد الأعراق، ما يمنح النتائج العلمية قوّة، وواقعيةً استثنائية.

ويستوعب البنك الحيوي التنوع الهائل لمقاطعة لوس أنجليس التي تضم 9.6 مليون نسمة، حيث يغطي المشاركون خمس مجموعات قارية رئيسة، و36 مجموعة فرعية دقيقة، من بينهم أرمن، ويهود أشكناز، وفلبينيون، ومكسيكيون أميركيون، ويهود إيرانيون. وهذا المزيج الفريد يتيح للباحثين إجراء مقارنات دقيقة للتأثيرات الجينية على الصحة داخل نظام صحي واحد، مما يحدّ من الاختلافات في طرق الرعاية التي غالباً ما تعقّد الدراسات الممتدّة على مؤسسات متعددة.

مستقبل الطب الشخصي

وتشير هذه النتائج إلى تحول كبير في كيفية فهم الأمراض، وعلاجها. فبدلاً من الاعتماد على نهج موحد للجميع، يقترب الطب من مرحلة يمكن فيها تصميم العلاج وفقاً للتركيبة الجينية لكل فرد.

كما تؤكد الدراسة أن دمج البيانات الجينية مع السجلات الطبية في أنظمة صحية كبيرة ومتنوعة يمكن أن يفتح آفاقاً جديدة لفهم الأمراض، وتطوير استراتيجيات علاجية أكثر دقة، وفعالية.

ومع استمرار توسع هذه الأبحاث يبدو أن مستقبل الطب لن يعتمد فقط على تشخيص المرض، بل على فهم «الخريطة الجينية» لكل مريض، وهو ما قد يغير قواعد اللعبة في الرعاية الصحية حول العالم.


الذكاء الاصطناعي: 20 ثانية للموافقة على ضربة عسكرية… و1.2 ثانية لرفض طلب تأمين صحي

الذكاء الاصطناعي: 20 ثانية للموافقة على ضربة عسكرية… و1.2 ثانية لرفض طلب تأمين صحي
TT

الذكاء الاصطناعي: 20 ثانية للموافقة على ضربة عسكرية… و1.2 ثانية لرفض طلب تأمين صحي

الذكاء الاصطناعي: 20 ثانية للموافقة على ضربة عسكرية… و1.2 ثانية لرفض طلب تأمين صحي

في أول 24 ساعة من الحرب مع إيران، شنت الولايات المتحدة ضربات على ألف هدف. وبحلول نهاية الأسبوع، تجاوز العدد الإجمالي 3000 هدف، أي ضعف ما تم استهدافه في مرحلة «الصدمة والترويع» خلال غزو العراق عام 2003، وفقاً لوزير الحرب بيت هيغسيث، كما كتب فيصل حق (*).

دور الذكاء الاصطناعي العسكري

وقد أصبح هذا العدد غير المسبوق من الضربات ممكناً بفضل الذكاء الاصطناعي. وتصرّ القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) على أن العنصر البشري يبقى مشاركاً في كل قرار يتعلق بتحديد الأهداف، وأن الذكاء الاصطناعي موجود لمساعدتهما على اتخاذ «قرارات أكثر ذكاءً وبسرعة أكبر». لكن يبقى الدور الذي يمكن أن يلعبه البشر تحديداً عندما تعمل الأنظمة بهذه السرعة، غير واضح.

توفير الوقت... لقتل الفلسطينيين

قد يُقدم استخدام إسرائيل للذكاء الاصطناعي في تحديد الأهداف خلال حربها على «حماس» بعض الأفكار. فقد أفاد تحقيق أُجري العام الماضي بأن الجيش الإسرائيلي نشر نظام ذكاء اصطناعي يُدعى «لافندر» Lavender لتحديد المشتبه بهم من المسلحين في غزة.

وكانت الرواية الرسمية هي أن جميع قرارات الاستهداف كانت تخضع لتقييم بشري. لكن وفقاً لأحد العاملين في شركة «لافندر»، فإنه ومع ازدياد ثقة الموظفين بالنظام، اقتصرت فحوصهم على التأكد من أن الشخص المستهدف، ذكر. وهو يقول: «كنت أقضي 20 ثانية لكل شخص مستهدف. لم يكن لوجودي أي قيمة مضافة كإنسان، باستثناء كوني مجرد موافقة. لقد وفر ذلك الكثير من الوقت».

رفض طلب صحي - أسرع

وقد ساد هذا النمط نفسه في عالم الأعمال. ففي عام 2023، كشفت «بروبابليكا» عن أن شركة «سيغنا»، إحدى أكبر شركات التأمين الصحي في أميركا، استخدمت خوارزمية لتحديد المطالبات التي تستدعي الرفض. وكان أطباؤها، الذين يُلزمهم القانون بممارسة حكمهم السريري، يوقّعون على قرارات الخوارزمية على دفعات، ويقضون في المتوسط ​​1.2 ثانية في كل حالة. وقد رفض أحد الأطباء أكثر من 60 ألف مطالبة في شهر واحد. يقول طبيب سابق في «سيغنا»: «ببساطة، نضغط على زر الإرسال، ونرسل. لا يستغرق الأمر أكثر من 10 ثوانٍ لمعالجة 50 مطالبة في المرة الواحدة».

الانفصال عن القرار يجرّده من جوهره

يكتب الروائي ميلان كونديرا عن ثقل مواجهة خطورة أفعالنا الدائمة. إن الانفصال عن ثقل قراراتنا يُجرّدها من جوهرها ومعناها.

يَعِد الذكاء الاصطناعي بتخفيف عبء العمل الصعب والمُرهِق ذهنياً، فهو يُسهّل العمل. تصبح القرارات أسرع وأسهل. وفي الكثير من المجالات، يُعدّ هذا تقدماً حقيقياً. لكن بعض القرارات بالغة الأهمية لدرجة أننا يجب أن نشعر بثقلها.

ميزة التأني قبل القصف

يجب أن يستغرق الأمر وقتاً لاتخاذ قرار بقتل شخص أو رفض طلب رعاية صحية. يجب أن يكون من الصعب تحديد المباني التي يجب قصفها. في مثل هذه القرارات، تُؤدي الصعوبة وظيفةً، فهي ميزة وليست عيباً. إنها آلية تُجبر المؤسسات على التفكير ملياً فيما تفعله. عندما يُزيل الذكاء الاصطناعي هذا العبء، لا تصبح المؤسسة أكثر كفاءة، بل تُصبح عاجزة.

هذا ليس تقدماً... بل انحطاط أخلاقي

عندما يُزيل الذكاء الاصطناعي عبء اتخاذ القرارات بشأن من يعيش ومن يموت، فهذا ليس تقدماً، بل هو انحطاط أخلاقي.

إذا كان الإنسان في هذه العملية لا يقضي سوى ثوانٍ معدودة في كل قرار، فإن مسألة ما إذا كان النظام ذاتياً أم خاضعاً لإشراف بشري تصبح مسألة لفظية في جوهرها. علينا أن نُصرّ على وجود العنصر البشري في هذه العملية أيضاً.

السماح للإنسان أن يكون إنساناً

في مثل هذه الحالات، يجب السماح للإنسان بأن يكون إنساناً، حتى لو كان ذلك يعني أنه أبطأ وأقل دقة وكفاءة. هذا هو الثمن الذي ندفعه مقابل شيء ضروري للغاية: نحتاج إلى أن يشعر الإنسان بثقل القرارات التي يتخذها؛ لأن الصعوبة تُولّد الاحتكاك الذي يدفع الناس إلى التوقف والتساؤل والاعتراض.

الثقافة المؤسسية

عندما تصبح القرارات الصعبة سهلة، تتغير المؤسسة نفسها. يتوقف الناس عن التساؤل؛ لأنه لا يوجد ما يستحق التساؤل - فالنظام قد حسم أمره، ودور الإنسان هو التأكيد. يتراجع الاختلاف لأن الاختلاف يتطلب جهداً، وقد تم التخلص من هذا الجهد. تتضاءل المساءلة لأن الجميع يعلم أن الحاسوب هو من يتخذ القرارات.

لم تكن طبيبة شركة «سيغنا» التي رفضت 60 ألف مطالبة في شهر واحد قاسية. لقد وُضعت في نظام لا يتطلب فيه رفض المطالبة جهداً أكثر من نقرة زر. وفعل النظام شيئاً أكثر خبثاً من مجرد إفساد حكمها - لقد جعل حكمها غير ضروري. لهذا السبب؛ فإن قضية «سيغنا» ليست قصة عن شخص واحد سيئ، بل هي قصة عما يحدث لأي مؤسسة تُفرغ قراراتها الصعبة من ثقلها بشكل منهجي.

تكلفة «إفراغ المساءلة»

لإفراغ المساءلة تكلفة تظهر في ثلاثة جوانب للشركات.

- أولاً، المسؤولية القانونية. لا يمكن مقاضاة الخوارزمية أو فصلها أو تحميلها مسؤولية أخطائها. يمكن للمؤسسة التي وظّفته أن تفعل ذلك. إن الرقابة الشكلية ليست منطقة رمادية قانونية، بل هي مسؤولية تنتظر تدخل المحامين.

- ثانياً، الهشاشة المؤسسية. عندما يتوقف البشر عن المشاركة الفعّالة في اتخاذ القرارات، يتوقفون عن التعلم منها. عندما يبدو أن الآلة تُصيب دائماً، لا أحد يكتسب القدرة على التمييز بين الخطأ والخطأ. والمؤسسات التي تُهمّش دور البشر في عملية اتخاذ القرار تُصبح معتمدة على أنظمة لم تعد تفهمها تماماً. وهذا يُؤدي إلى هشاشة في اللحظات التي تتطلب المرونة.

- ثالثاً، الثقة. قد يرغب العملاء والموظفون والجهات التنظيمية في معرفة ما إذا كان الذكاء الاصطناعي قد اتخذ قراراً. لكنهم سيرغبون بالتأكيد في معرفة ما إذا كان هناك من يتحمل المسؤولية الحقيقية عنه. والإجابة، إنه في كثير من المؤسسات هي: لا، وهذه الإجابة لها عواقب وخيمة على علاقات المنظمة بالجهات المسؤولة أمامها.

الخلاصة

يُقال لنا إن الذكاء الاصطناعي يُحررنا - من الأعمال الشاقة، ومن بطء الإجراءات، ومن عبء القرارات الصعبة. وغالباً ما يكون كذلك. لكن ليس كل عبء مشكلة يجب حلها. أحياناً، تكون الأعباء هي الهدف. إنّ الثقل الذي ينبغي أن يشعر به القائد قبل إصدار أمرٍ بشنّ ضربة، والجهد الذي يبذله الطبيب قبل رفض تقديم الرعاية - ليسا مجرد أوجه قصور يمكن التخلص منها بسهولة. بل هما الآليتان اللتان تضمنان نزاهة المؤسسات فيما يتعلق بالسلطة التي تمارسها.

بالطبع، ستكون المؤسسات التي تتخلص من هذا الثقل أسرع وأخفّ وزناً. وقد يبدو، لفترة من الزمن، أنها تحقق النصر. لكن هذه المؤسسات ستكون أيضاً هي التي ستكتشف، بعد فوات الأوان، أن الصعوبة كانت ثمن كونها صاحبة القرار - وفي اللحظة التي تتوقف فيها المؤسسة عن دفع هذا الثمن، لا يحق لها اتخاذ أي قرار على الإطلاق.

* مجلة «فاست كومباني»