الأثر بعد عين

رؤية قصصية

الأثر بعد عين
TT

الأثر بعد عين

الأثر بعد عين

تبدأ الكتابة القصصية من المراقبة البصرية في أثر الوقائع والأشياء، فالليل نهار غارب، وصمت الأزقة يخبئ صخب النساء والأطفال حتى يلوح ضوء الشمس كأنه النهوض من سبات قصير، وتراكم نفايات الأسواق في استراحة الباعة أو في حظر التجوال يكشف عن انحسار الصخب وخطى المتبضعين، وظلمة الأشجار تعبير عن نوم الأطيار العميق، ولفتة الشرطي الحذرة تضمّر واقعة لإطلاق سيل من الرصاص. من يشاهد أجواء الطوارئ وفجوات الصمت في الطريق البغدادي، لا بد أن يدرك وجوه الناس المتوجسة من تفخيخ، والمتسارعة الخطى خشية انفجار، والمرتابة بالنظر إلى بعضها، فضلاً عن أن خواء بعض الشوارع من المارة، والنظرات الزائغة لرجال المرور، يفضحان بقوة آثار سيارات محترقة، وتخريب أرصفة بعبوات ناسفة، ومواضع إطلاقات مرت صاخبة على واجهة وأسيجة البيوت!

تموت المدينة في المساء وتستيقظ في الصباح، حتى تغدو الكراهية مثل بندقية صيد موجهة إلى شجرة ملأى بالطيور، وحين يوجه الصياد إطلاقاته ليقتل بعضها تهرب الطيور الأخرى إلى سماوات قريبة، ثم تعود من جديد، وتظل فكرة اقتلاع الشجرة هي مقتل الصياد ومهواه الأخير.

تعقب أثرٍ ما

تبدأ الكتابة القصصية من استعادة الذاكرة للمكان وتنتهي إليه عبر إدارة القص، ولم تبقَ الكتابة أسيرة الشكل الدائري لعناصر الزمان والشخصيات والبيئة، بل هي متفجرة في فضائها باستمرار، وبين هذا وذاك تقوم على تحطيم العياني وإقامة الأثر (المتخيل الجديد الذي يُصبح جزءاً من الواقع الفني في الأقل).

إن وسائل السرد في جميع أشكاله الأدائية؛ الصورة في الفيلم السينمي، والرسم في الفن التشكيلي؛ أي الخط والحركة والفراغ واللون، واللغة في القصة، والممثل في المسرح... كل هذه الأشكال الأدائية تحاول أن تتعقب أثراً ما، اختفى ليعود وعاد ليختفي، تقتفيه وتبني قيافة الأثر (كأنه التعيين المادي للنص) في تراسل بين الحضور والغياب، الأثر بعد عين، وهو في النهاية ما يُشبه استعادة المفقود بهدف بناء عملية الواقع الفني الجديد، وربما تكون جزيئات هذا المفقود في الماضي أو المستقبل، فالتراكمات في واقعنا التاريخي هي تبدي الظلام العميق إلى مادة، وعلينا إزاحة الظلام عن هذه المادة من أجل ابتكار النص.

نعرف أن كل شيء في قريتنا تنعكس مرتسماته في مرايا الغيوم، كل قرية لها صورة غيوم، وكل ظلال قريتنا ترتقي إلى غيومها.

ظلالنا العالية هي التي تغدق علينا بالمطر... دلاء ناعور ترتفع بالماء، وتتلاشى في رحاة، دورةً... فدورة، وينتسج دقيقها في دورة المغزل.

نعرف الجدول القديم ذا القصب الكثيف، المتهدل الأوراق في قناته المطمومة، وجدران المعبد الصلدة بزقورته المرتفعة في «الحي المقدس».

أي شيء يدخل قريتنا سوف يجد مرتسماته هناك. البنادق الجديدة الصنع، الطويلة الأخماص، الملفوفة رصاصاتها في صناديق مبطنة بالقطيفة الملونة، يجلبها جوابون غرباء، والتماثيل الجهمة والجرار الهرمة الطافحة بأحجار غريبة، يعثرون عليها تحت أرض المعبد... ترتسم مراياها ألواحاً لم تُقرأ بعدُ، وأطياف أشخاص حليقي الرؤوس وذوي لحًى، يتسربلون في ثياب التعازيم وتلثمهم الظلمة. عربات مزخرفة الحافات تمر... وأنصاب نذرية مملوءة بالماء الخالص، وجرار طويلة الأعناق تفيض أحجاراً لامعة، تموه الأثر الريفي بظلام المدن القديمة.

صفات أثر على أثر

الخط أثر، أداته القلم، الفرشاة، الحرف الطباعي. والكلمة أو الصورة أثر الذاكرة الاجتماعية، وبذلك يزدوج الأثر ويتداخل أيضاً ليشمل الذاكرة التاريخية بجمعها. إن معقّبي السرد هم أثر زمنهم المستعاد من خلال الشكل السردي المتجدد لدى القراءة أو المشاهدة، بدليل حكايات ألف ليلة وليلة التي تعد أثراً مستعاداً من قرون ماضية، لكنها تُنسف - كنص - لدى أي قراءة جديدة عبر تقادم الزمن، وتوجه قرائياً على وفق الحاضر؛ أي تُؤلف من جديد في تعقب آخر، فالنص يقيم أثره باستمرار عند أي قراءة تعقبية جديدة، وهي أدوار يتداخل فيها الزمن بالوعي والغياب بالحضور، وبالعكس.

في الرواية الجديدة (مطلع الستينات من القرن الماضي)، استخدم القياس السيمتري أو التماثلي للأشياء والشخصيات، وبالرغم من ذلك فهو نفي لهما وإثبات للرؤية والمتخيل القصصي الافتراضيين كما يرى آلان روب غرييه، والاعتماد على تماثلية المشهد لا يعبر عن نقلها المباشر قدر ما يعني الافتراض، وتكثيفاً متخيلاً جديداً، واستحداث أثر لغوي لا يطابق الواقع حتى لو ماثله في أدق القياسات السيمترية، فالغابة تبدأ بشجرة أو شجرتين، وصف طويل أو قصير من الأشجار، وعدد كثيف من الأوراق والأغصان، ولكنها عند الكتابة أشجار وأغصان قصصية محكومة بإنتاج الأثر المستعاد، لا تستند إلى عيانها الحقيقي. وينطبق الأمر على الرواية التقليدية والإطارية، حيث شوارع دبلن وبغداد وباريس والقاهرة هي صفات أثر على أثر.

ليس ثمة شيء بكر لا يرتسم بأثر أبكر منه، مثل الماهية التي تسبق الأشياء، مثل الامتداد الأول اللامتناهي للبحر، الصحراء، الغابة... مثل تعقب قطرة الماء لتهب قدحاً أو بحراً، وذرة الرمل لتهب نسيج الوبر أو الصحراء، وتعقب لحاء الشجرة لتهب طيورها أو غاباتها.

بعض من فنن مصقول بلفح الشمس وتضاريس الرمال الساخنة، بعض من أحجار ناتئة، عتية وطير يعشش فيها، وأعراف خيول ذات غرر رمادية تصول فتلوي بها الرمال أنّى اتجهت.

إذن نحن مستحضرو الأثر... تغيّر أنهارنا مجراها على رسلها، ويقيم الناس بيوت الطين والأكواخ على القنوات العمياء.

حينما غيّر النهر مجراه آخر مرة، تقوضت قناطره، واتجهت نوارسه برشاقة إلى الفضاء الجديد للماء، وتحولت القوارب وشباك الصيد وظلالهما إلى القناة الجديدة، وزحفت كلاب وأفاعٍ مائية وأسماك، وانتقل الأطفال الغرقى الذين لم يعثر على جثامينهم غطاسو النهر، وراحت شموع الخضر المضيئة تحترق فوق مياه ثانية، حتى إن أشباحاً في الظلمة خاضت في المياه الضحلة، فأخرجت الإله «أبسو» محمولاً على آلة الآلهة، وأودعوه المجرى الجديد، ثم أخرجوا بعض المعاول البرونزية والفؤوس وزنازير تمائم، نثروها فوق سطح المياه العميقة لتأخذ تشكلها ثانية، وقفلوا عائدين إلى آثارهم، إنهم يستحدثون استعادتهم في السباحة في نهر يغيّر مجراه، ويدركون جيداً عبور الأنهار على طريقة هيرقليطس دون أن يعرفوه.

إذن نحن معقبو الأثر... نقتفي سلاماً ضاع في بغداد، وخطى ضاعت آثارها في رمال الذاكرة الخالية، ولكن أيضاً ندرك الخطى الضائعة التي نجوس فيها أقبية الماضي عبر سقف الحاضر الخفيض.

إذن نحن مبتكرو الأثر... الريح تقص تجاعيدها في شكل الرمال، وفي شكل الموجة على مياه النهر، تقص محيطها في شكل الأرض.

تميزنا ذاكرتنا التاريخية (الرافدينية على وجه التحديد) عن الآخرين عندما نكتب، وهي «المرسلة» والأشياء والوقائع والبيئة... تشكل المدرك القصصي. وثمة فصل بين الذاكرة واللحظة الراهنة، نحن ننسف هذه اللحظة افتراضاً ونختزلها في الذاكرة التاريخية، ونستجمع التشظي لكي نعيد مسار الوقائع على نحو آخر لحظةً فلحظة، ثم نقيم الأثر - النص - حتى يغدو جزءاً من المكان، فالقصة أو الأسطورة التي أنتجتها المدن القديمة من وحي خيالها غدت جزءاً من أثاثها وخرائطها وتاريخها، وليست تعبيراً معنوياً عن وجودها فحسب.

* كاتب عراقي



السرد المضاد في حكاية سنمّار

سعيد الغانمي
سعيد الغانمي
TT

السرد المضاد في حكاية سنمّار

سعيد الغانمي
سعيد الغانمي

تُعد مدينة الحِيرَة الواقعة جنوبي الكوفة في صورتها السردية التاريخية المتخيلة، عتبة تخطٍّ ومستودعاً مستقبلياً زاخراً لحفظ وصيانة الثقافة العربية، فهي إحدى النقاط الزمنية الأخيرة والفارقة منذ القرنين الرابع والخامس الميلادي حتى السابع التي استعادت فيها وجددت ثقافة العرب بنيانها وحفظت لهجات لغتها من مظاهر التعدد والتشتت والعزلة في عمق التاريخ وأنحاء المكان، وحالت دون التزاحم والاندماج مع الثقافات الأخرى، فكانت بحق الحقبة الثقافية التأسيسية الأولى الممهدة لليقظة القومية والثقافية والدينية، كما يصفها الدكتور سعيد الغانمي في كتابه «ينابيع اللغة الأولى».

مستودع سردي

كان ذلك المستودع اللغوي والسردي الحِيري الزاخر، قد انتقل إلى أطوار زمنية لاحقة مزدهرة نحو مدن جديدة، في الوقت الذي كانت تتطوح فيه اللهجات العربية مع مسار هجرات التنقل والرعي، وتغرب مع أفول الممالك والدول ونهاية الملوك وتتغرب في الشتات مع حملات الجيوش والغزاة غير أن هذا المستودع -العتبة- مضى يحمل هامشه اللغوي لصيانة اللغة العابرة للممالك والدول والملوك والمستقرة في الحواضر، وصار بناءً سردياً خالصاً، ينضوي على نسق تأويلي حر بين السرد التوكيدي لصالح الحاكم والسرد المضاد لصالح اللغة.

ولعل تلك العتبة السردية والتاريخية ما كانت لتتشكل لولا الوقائع السياسية الداعمة التي رافقت نشوء دولة وملوك المناذرة اللخميين العرب ودورهما في تأصيل وتكوين موقع مدينة الحيرة ووجودها الجغرافي والسياسي شبه المستقل وضبط إيقاعها المتناغم نسبياً مع القوى الإمبراطورية المهيمنة والسائدة في ذلك الوقت.

رسم توضيحي لقصر الخورنق

التوكيدي والمضاد

وإذا كان السرد التاريخي بنوعه التوكيدي الأول، يؤكد سعة وتركز الوقائع السياسية والثقافية واللغوية المستودعة في الأدب والسيرة والحكايات والشعر برفقة الصورة التاريخية للمدينة وإطارها الملكي والإمبراطوري فإن نوعه الثاني «السرد المضاد» يغدو في نسيج النصوص الأدبية قلقاً وتوتراً لغوياً، يجعل النص مفكراً ومعبراً في عمقه السردي عن معنى عميق خارج الإطار السياسي بما ينبئ عن كمون المواجهة النقدية على نحو معين وبيان الصورة الإنسانية المغيبة كما في نص «حكاية سنمّار»، موضوع القراءة في هذه السطور.

إن نص سنمّار يخفي في محتواه السردي، الطبيعة السياسية البارعة لشخصية المهندس الذي يستكمل بناء القصر الملكي الفخم فيخبئ آجرّة حتى إذا ما سُحبت، سوف يتقوض البناء عن آخره ويتهشم كأثر بعد عين، ولم يستطع الراوي تضليل براعة الفكرة أو إقناع المتلقي بإهمالها فيحاول عبثاً أن يجعل من سنمّار غفلاً سياسياً ليخبر الملك «بالقنبلة والشيفرة» التي ستفجر كل شيء، فمن غير المعقول أن مهندساً يقيم مخططين هندسيين فائقين للبناء والتقويض معاً ثم يفشي سرهما الذي سيؤدي إلى هلاكه حتماً.

في مقابل ذلك لا يمكن أن نعدّ الراوي غفلاً أو ساذجاً على مستوى بناء نصه أو يقدم تنازله الفني الفاضح لصالح خدمة الحاكم حسب، فقد حفل النص بتوتر لغوي وبترقب على مدى مفتوح في أن يُبقي سر الآجرّة محفوظاً دون أن يطلع عليه الملك أيضاً، وظلت فكرة التقويض قائمة ومرعبة مثل حكاية غير رسمية مخبأة، لم تروَ بعد، يحتفظ بكتمها المؤجل، الراوي «العليم» للحكاية أو يتوارى لغوياً بصرف انتباه الملك عنها.

وستغدو فكرة التقويض المغيبة عن الملك معادلة لتغييب الذكاء السياسي لدى شخصية المهندس، ومن خلال هذه المعادلة، يضطلع المحتوى السردي بالحكاية الأخرى المخبأة التي قد يتسلمها راوٍ آخر، يُشبه إلى حد بعيد تناوب الرواة في سرد حكاية واحدة على مدى الأزمان كما تناوله القاص محمد خضير في كتابه «بصرياثا» وقصة «رؤيا البرج» بشأن «الحكاية التي لم تنتهِ أو تمُتْ ليتسلم الحكاية نفسها حكَّاء آخر، يواصل الحكي بعد موت الأول».

إذن يتحرك زمن الرواة وتستمر الحكاية نفسها، والمفقود في حكاية سنمّار من تغييب لطبيعة شخصية المهندس وذكائه السياسي، تبيّنه الصورة الملكية والتاريخية العامة المعلنة أو تستعيض عنه في توكيد السرد لصالحها، وتُكسبه المواجهة النقدية والتوتر اللغوي في السرد المضاد، إذ أُخفيت آجرّة التقويض كحبكة تفجير في ثنايا النص ولغة الراوي «العليم» قبل البحث عنها وكشفها في جدران قصر الخورنق.

ما السرد المضاد؟

استند جون دوكر مؤلف كتاب «أصول العنف» إلى مفهوم التعدد الصوتي في السرد لدى باختين، فاستعار مصطلح «السرد والسرد المضاد» ليعبّر فيه مباشرةً عن حقله الاختصاصي في علم الضحية والظاهرة العنفية والإبادة الجماعية في التاريخ البشري، ويخلص بتهكم إلى صورة الإمبريالي النبيل الروماني الأصل سليل الطرواديين، والغربي الحديث سليل الرومان، ويتقفى سطح وعمق النصوص السيرية في السرد التوكيدي مبيناً الحملات التاريخية لشن العنف والقتل البربري فيما يتحدث عن النسق الضامر في السرد النقدي المضاد في مواجهة تاريخ الإبادات البشرية.

ولا يستخدم دوكر السرد المضاد في النصوص لغاية أدبية - نقدية قدر ما يعده ذخيرة بحثية ليقدم شيئاً جديداً في حقل دراسات السلام ونبذ العنف.

في هذا السياق فإن السرد المضاد هو محمول ضامر في النص، وهامش حر جرى التعتيم عليه وصرف الانتباه عنه لأسباب سياسية سائدة كثيراً ما يلجأ إليها الكاتب أو الراوي في سبك حكايته، ولكن سرعان ما يُكشف عنها في وقت آخر وتعد فخاً فنياً ولغوياً مؤجلاً باستمرار ومرمماً في رواية أخرى مخبأة.

سنمّار وصورة الحِيرَة السردية

في حكاية سنمّار، لا يتخطى الحكّاء إطارية الحكاية وصورتها العامة عبر وجود الحاكم وسلطته المطلقة على شعبه على الرغم من أن هذه السلطة في صورتها السردية التاريخية المضطربة، تابعة لأخرى خارجية، وتأتمر بأوامرها وينعكس وجودها من خلال التحالف معها، وبواسطة ذلك، جهَّز الحكّاء استهلاله التوكيدي عشية استعداد ملك الحيرة، النعمان بن المنذر، لاستقبال ملك الفرس ابن سابور، وكيف يُحسن ضيافته ويُرضيه، وعدا ذلك كانت الحكاية، تغض النظر عن «غاية الفخامة للمستعمر» وتصرف الانتباه عن ذكاء المهندس السياسي، وترتكز إلى امتياز شامل للنعمان بتشييد قصر فخم لا تضاهيه عمارة ولا يفوقه بناء.

وبذلك فإن الصورة السردية والتاريخية التي ترافق السرد، وتعبّر عنها الحكاية، هي أن موقع ووجود مدينة الحيرة يمثل النسق التوكيدي للغاية المضللة لدى المستعمر الفارسي والبيزنطي وتطلُّع الحيرة الحقيقي إلى الاستقلال، فيما يُظهر السرد المضاد النسق البربري لتاريخ العنف وحملات الغزو والإبادات البشرية الشاملة في المنطقة، مثلما تُخبأ الآجرَّة كفكرة تقويض وهدم مستمرة.

وبين هذين

السردين -سواء ما ترويه الحكايات، أو تعبّر عنه صورة المدينة السردية في التاريخ- تمكنت الثقافة العربية من أن تجد جسرها الصياني نحو ضفة ثانية لتجميع وتوحيد لهجاتها في فصحى الحيرة كونها آخر اللهجات الجامعة في اللغة العربية، كما يؤكد الغانمي، فها هي صورة الآرامي النبيل سليل التشتت والعزلة الشرقية، والعربي الحديث في القرن الخامس الميلادي سليل الآرامية، تستجمع سردها الملكي في حِيرَة الكوفة وتعقد بيانها لتغدو مهاداً ليقظة إنسانية وطوراً آخر للتجدد والبناء الملكيين في مكة وبغداد والأندلس، والأهم من ذلك كله ظل السرد المضاد في النصوص المفكرة، يبحث عن فكرته الجوهرية في آجرّة التقويض ونبذ العنف.

* كاتب عراقي


«حاملة الأزهار»... تمثال حجري من قصر هشام بن عبد الملك

تمثال أموي من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية مصدره قصر هشام نواحي شمال أريحا
تمثال أموي من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية مصدره قصر هشام نواحي شمال أريحا
TT

«حاملة الأزهار»... تمثال حجري من قصر هشام بن عبد الملك

تمثال أموي من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية مصدره قصر هشام نواحي شمال أريحا
تمثال أموي من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية مصدره قصر هشام نواحي شمال أريحا

ازدهر فن النحت والنقش ازدهاراً كبيراً خلال الحقبة الأموية، حيث ارتبط عضوياً بالعمارة المدنية، وشكّل ركناً أساسياً من أركان حللها الزينية. تجلّت معالم هذا الفن في مجموعة من التماثيل خرجت من قصر شيّده الخليفة هشام بن عبد الملك في البادية الفلسطينية، شمال أريحا، منها تمثال يمثّل امرأة تقف منتصبة، رافعة بيدها اليمنى باقة من الأزهار. يعكس هذا المجسّم أثر التقاليد الساسانية، ويشهد لاستمرارية الأطرزة الفنية المحلية التي عُرفت بها مدن بوادي الشام في القرون التي سبقت ظهور الإسلام. من جهة أخرى، يتميّز هذا الأثر بقالب مبتكر يظهر في عناصر عديدة من تكوينه، ويختزل جمالية أنثوية خاصة، اختمرت خلال العهد الأموي، وطبعت العديد من آثاره الفنية.

يبلغ طول هذا المجسّم نحو 1.5 متر؛ ما يعني أنه يحاكي تقريباً حجم القامة البشرية الطبيعية، وهو مكوَّن من كتلة منحوتة بأبعادها المختلفة؛ ما يجعله تمثالاً كاملاً، وفقاً للمصطلحات المكرّسة في القواميس الفنية. يخرج الأسلوب الفني المعتمد عن الأسس الكلاسيكية، ويتبنّى طرازاً محلياً تبقى شواهده الحية في ميراث تدمر الفني، حيث الحركة الحية غائبة، والسكون هو السيّد، ووضعية المواجهة تسيطر على التأليف، ومعها تبدو الوجوه شاخصة والعيون واسعة محدقة، والأيدي تنحني أو ترتفع وتنبسط، وفقاً لحركات ثابتة. يتكرّر هذا التكوين الجامع في هذا التمثال الأموي الأنثوي. يستقر الرأس على كتفين عريضتين، ويبدو مستقيماً في وضعية المواجهة. كذلك، يظهر الجسد في وضعيّة تسيطر عليها حالة من الجمود، وتقتصر الحركة الحية على ارتفاع الذراعين نحو الأعلى. سقطت اليد اليسرى وضاع أثرها، وبقيت اليد اليمنى، وظهرت بتكوينها الكامل، وتمثّلت بقبضة تمسك بأصابعها باقة من الأزهار.

الصدر ممتلئ، والبطن مكتنز، وكذلك الفخذان. الساقان متلاصقتان، ويلفّهما إزار طويل ينسدل حتى حدود القدمين. تزيّن هذا اللباس البسيط شبكة من الثنايا الأفقية المتوازية، ويعلوه حزام عريض ومعقود حول الخصر، ويحدّه شريط يمتد عمودياً بين الساقين، ويتواصل أفقياً، متّخذاً شكل بطانة عريضة. تزيّن الحزام العريض سلسلة من الثنايا المتلاصقة المجدولة، وتزّين البطانة سلسلة من الخانات المستطيلة المتساوية، في صياغة أنيقة، تصهر بين النقش والنحت والزخرفة. تتجلّى هذه الصياغة كذلك في سلسلة مجدولة معقودة حول الكتفين، تتدلّى من وسطها حلية نصف دائرية عريضة، تعلوها شبكة من النقوش تحاكي الأحجار المرصّعة. يقابل هذا العقد الجميل سواران عريضان مجرّدان، يلتفّان حول مفاصل الكتفين. يحضر هذا الأسلوب في تكوين باقة الأزهار التي ترفعها المرأة بيدها اليمنى، وهي هنا على شكل كوز مرصوص، يحوي كتلة من الأزهار، حُدّدت بتلات كلّ منها بدقة.

ملامح الوجه تدمرية بامتياز. العينان لوزتان ضخمتان شاخصتان، يتوسط كلاً منهما بؤبؤ غائر. الحاجبان قوسان محفوران، ينسدل من وسطهما خيط الأنف المستقيم. سقطت كتلة هذا الأنف الناتئة وتهشّمت، غير أن تكوينها الأصلي لا يزال ظاهراً. الثغر صغير، ويتكون من شفتين مطبقتين، يفصل بينهما شق غائر. الذقن عريضة، وكذلك العنق. تعلو الرأس كتلة من الشعر الكثيف، تحوّلت خصلها شبكةً من النقوش المزخرفة. تأتي الغرة على شكل إكليل يتألف من سلسلة من الحلقات الدائرية المتشابكة. وتتدلّى من طرفي هذه الغرة خصلتان متوازنتان تستقران عمودياً على الوجنتين. تلتف خصل الشعر في ثلاث طبقات متعاقبة ومتساوية تستقر فوق الهامة، مشكّلةً تسريحة خاصة تميّزت بها كما يبدو القطع الأنثوية الأموية، على اختلاف أنواعها، منها على سبيل المثل لوحة جدارية من محفوظات متحف الفن الإسلامي ببرلين، مصدرها موقع أموي في بادية الأردن يُعرف باسم قصير عمرة، وتمثّل امرأة مكتنزة تقف في وضعية نصف جانبية.

تحني هذه المرأة رأسها انحناءة طفيفة، وتبدو ملامح وجهها جليّة. العينان ضخمتان، وهما لوزيتان، ويعلوهما حاجبان عريضان، اتخذا شكل قوسين منفصلين. الأنف طويل، ومنخراه محدّدان بدقة. الثغر محدّد بشكل مماثل، مع شق في الوسط يفصل بين شفتيه. يستقر الرأس فوق صدر ممتلئ، يعلوه عقد من الحجارة الدائرية المنمنمة الحمراء، تتدلّى منه في الوسط قلادة عريضة تزيّنها ثلاثة فصوص بيضاء. تظهر الذراعان، وتظهر الحلل التي تزينهما. يزيّن كلّا من الذراعين سوار مزدوج خطّ باللون الأسود، ويزين كلّاً من اليدين سوار خُطّ بأسلوب مماثل. وتظهر عند أعلى الحوض سلسلة تنعقد حول الوسط على شكل حزام رفيع. الساقان مكتنزتان وملتصقتان، وتكشف القدم اليمنى عن سوار إضافي يأخذ هنا شكل خلخال بسيط. يعلو الرأس شعر أسود كثيف يأخذ شكل كتلة مرصوصة ضخمة، تكلّلها كتلة بيضاوية سوداء. وتعلو الشعر شبكة مكوّنة من سلاسل من الحجارة اللؤلؤية البيضاء.

يتكرّر هذا المثال الأنثوي تشكيلياً في جداريات قصير عمرة، كما يتكرّر تشكيلياً في منحوتات قصر هشام، ونقع على قطع متفرّقة يحضر فيها هذا النموذج، مصدرها مواقع أموية أخرى.

في الخلاصة، تشكّل هذه القطع المتنوعة مجموعة تشهد لنشوء مثال أنثوي خاص، ظهر خلال الحقبة الأموية، وارتبط بها بشكل خلّاق.


السيرة السورية بالأسود والأبيض وقليل من الأحمر

السيرة السورية بالأسود والأبيض وقليل من الأحمر
TT

السيرة السورية بالأسود والأبيض وقليل من الأحمر

السيرة السورية بالأسود والأبيض وقليل من الأحمر

في أول حضور لها في العاصمة السورية دمشق، عرضت الفنانة التشكيلية ديمة نشاوي ثلاثين لوحة توثق فنياً محطات مفصلية في سيرة المدن السورية خلال سنوات الثورة والحرب، ضمن معرضها الفردي الأول (المبتدأ... الأرض لنا) الذي استضافته صالة «منزول» أخيراً.

ديمة نشاوي التي درست علم الاجتماع في جامعة دمشق؛ لأنها لم تفلح في تأمين واسطة تدخلها إلى كلية الفنون الجميلة زمن النظام السابق؛ إذ كانت من الناشطين الذين ناهضوا نظام الأسد، واضطرت إلى مغادرة البلاد.

وخارج سوريا، كرَّست اهتماماتها الفنية لدعم الأطفال في مناطق النزاعات، مع التركيز على الأطفال السوريين في مخيمات النزوح في لبنان. ومن خلال انضمامها إلى فرقة Clown Me In المسرحية، استخدمت شخصيتها الكوميدية المهرجة «نسيت» لتقديم الدعم النفسي والإغاثي للأطفال، والعمل على إدخال البهجة والضحك إلى حياتهم. وتم اختيارها ضمن قائمة «بي بي سي» لأكثر 100 امرأة إلهاماً وتأثيراً حول العالم لعام 2018؛ تقديراً لجهودها المتميزة في دعم الأطفال.

بالتوازي مع النشاط الميداني، كانت ديمة توثّق الوجع السوري، وترسم الأحلام والآمال بالعودة والبناء والعمران، لتكون الحصيلة معرضاً تحمله إلى دمشق في عودتها الأولى، في رسالة فنية وإنسانية تؤكد حضورها كفنانة تشكيلية، وكامرأة سورية كانت وما زالت حاضرة في قلب الحدث السوري بدءاً من المظاهرات الأولى عام 2011 ولغاية سقوط النظام 2024، وحتى المرحلة الانتقالية وما تحمله من آمال بناء الدولة.

اعتمدت ديمة نشاوي على اللونين الضدين الأسود والأبيض مع حضور نادر للأحمر - كأن الواقع والحلم لا يحتملان التلوين - مقدّمة رؤيتها لأبرز المحطات المفصلية في سيرة شعب انتفض على كامل الجغرافية السورية، ضد الدكتاتورية والظلم، من انطلاق الشرارة في درعا واعتصام الساعة في حمص، وتدمير الجسر المعلق في دير الزور، واستباحة تنظيم «داعش» للرقة ومناطق الجزيرة السورية، مروراً بحماة وسيرة عذاباتها، وحتى مجازر الكيماوي والتهجير القسري وحصار الغوطة 2018، وصولاً إلى محافظة إدلب التي احتضنت النازحين والمهجّرين قسراً وغيرها من محافظات، حتى سقوط بشار الأسد، إضافة إلى الأحداث الكبرى والاعتداءات الإسرائيلية وحرب غزة.

والمفارقة في أعمال ديمة نشاوي، تقديم عناوين القضايا والأحداث بتقشف لوني وبذخ ترميزي، من خلال خطوط كثيفة دقيقة أقرب إلى فن الحفر على المعدن، مشحونة بفيض عاطفي منحها ليونة وحيوية فائقة، تكاد أن تلامس فن المنمنمات والزخارف الشرقية وروح اللوحات التي جسَّدت قصص ألف ليلة وليلة، دون أن يغيب عنها بعضٌ من سمات رسوم الأطفال (الكارتون) في خلطة تشكيلية نهلت أيضاً من مفردات الحلي والأزياء التراثية في المنطقة، كلوحة «سوريا العظيمة»، ولوحة «دير الزور» التي أرفقتها بأغنية تراثية «لشيل همي وهمك وأخطي الليل بعنيني»، ولوحة «الرقة والموصل» مع الإشارة إلى أغنية المغنية السورية ديمة أوشو «أولئك المنسيون على ضفاف الفرات». وتقول الفنانة إنها رسمتها حين اقتحم تنظيم «داعش» الرقة والموصل في العراق لتكون أحد ابرز الأعمال من حيث غنى التفاصيل المتخمة بالدلالات الرمزية.

وربما حاولت ديمة نشاوي تدوين مشاعرها التفاعلية، ببيان مواقفها كامرأة سورية وكناشطة اجتماعية، تعنى بقضايا المرأة والإنسان والانتماء، أكثر من تقديم مقترح تشكيلي يحجز لها موقعاً ضمن الساحة الفنية، فجاءت أعمالها تعبيراً عن انعكاسات الفقد والرعب والموت والنزوح والتهجير على النفس البشرية وما توّلده من تحدٍ ورغبة في المقاومة والعودة إلى الوطن والاهتمام بالعمران والبيئة. إنها أعمال تجنح إلى إعادة الجدل حول العلاقة بين الفن والالتزام.