«الشرق الأوسط» تدخل مختبر «مايكروسوفت للتكنولوجيا الشاملة» في أميركا

المختبر يعالج تحديات ذوي الإعاقة مع التكنولوجيا

المختبر يُجسد رؤية «مايكروسوفت» للشمولية والتزامها بتمكين ذوي الإعاقة عبر تكنولوجيا تلبي احتياجاتهم (الشرق الأوسط)
المختبر يُجسد رؤية «مايكروسوفت» للشمولية والتزامها بتمكين ذوي الإعاقة عبر تكنولوجيا تلبي احتياجاتهم (الشرق الأوسط)
TT

«الشرق الأوسط» تدخل مختبر «مايكروسوفت للتكنولوجيا الشاملة» في أميركا

المختبر يُجسد رؤية «مايكروسوفت» للشمولية والتزامها بتمكين ذوي الإعاقة عبر تكنولوجيا تلبي احتياجاتهم (الشرق الأوسط)
المختبر يُجسد رؤية «مايكروسوفت» للشمولية والتزامها بتمكين ذوي الإعاقة عبر تكنولوجيا تلبي احتياجاتهم (الشرق الأوسط)

تُشكل التكنولوجيا جزءاً لا يتجزأ من حياتنا اليومية، ويصبح ضمان وصولها إلى الجميع ضرورة أساسية وليست رفاهية. يُعد مختبر «مايكروسوفت للتكنولوجيا الشاملة» ( Inclusive Tech Lab) مثالاً حياً لكيفية استخدام الابتكار لتوفير عالم أكثر شمولية وتمكين الأفراد ذوي الإعاقة. المختبر الواقع في حرم الشركة الرئيسي في مدينة سياتل الأميركية، والذي تلقت «الشرق الأوسط» دعوة خاصة لزيارته، يعدّ مساحة ديناميكية تتحول فيه الأفكار إلى حلول عملية لتُحدث تغييراً جذرياً. كما يُجسد التزام «مايكروسوفت» بتوفير تكنولوجيا تخدم الجميع، بغض النظر عن القدرات البدنية أو الإدراكية.

تسعى «مايكروسوفت» من خلال المختبر إلى أن تكون القوة التي تمكّن الناس من تحقيق ما يريدونه وليس ما يعوقهم (الشرق الأوسط)

رؤية طموحة للشمولية

يرتكز مختبر «التكنولوجيا الشاملة» على فلسفة «التصميم لفرد واحد يمتد إلى الجميع»، وهي رؤية تُركز على معالجة التحديات التي يواجهها الأشخاص ذوو الإعاقة، مع ضمان أن تؤدي هذه الحلول إلى فوائد أوسع تشمل جميع المستخدمين. يوضح سولومون رومني، مدير برنامج الوصول في «مايكروسوفت» خلال حديثه مع «الشرق الأوسط»، أن «هذا المختبر ليس عن الأشخاص ذوي الإعاقة، بل هو من أجلهم».

هذه الكلمات تلخص التزام شركته بجعل التكنولوجيا شاملة للجميع من خلال التعاون مع مجتمع ذوي الإعاقة. منذ انضمامه إلى الشركة في عام 2014، كان لرومني دور رئيسي في تطوير منتجات بارزة مثل «Xbox Adaptive Controller» و«Surface Adaptive Kit». ومنذ انتقاله إلى «مختبر التكنولوجيا الشاملة» في عام 2020، قاد جهوداً لتطوير منتجات جديدة وتصميم عبوات أكثر شمولية، مما يجعل التكنولوجيا أكثر قرباً وراحةً للجميع.

«التصميم الشامل»... فلسفة تنبض بالإنسانية

يُميز «مختبر التكنولوجيا الشاملة» التزامه بمبادئ التصميم الشامل لـ«مايكروسوفت» من حيث بدء التصميم في فهم التحديات التي تواجه الفئات الأكثر تهميشاً. المبدأ الثاني يكمن في «حل مشكلة لشخص واحد، ثم توسيعها للجميع» ما يعني حلولاً تُركز على احتياجات فردية، لكنها تنعكس إيجابياً على الجميع.

إضافة إلى ذلك يلتزم المختبر باستلهام الأفكار من التجارب المتنوعة لضمان أن تلبي المنتجات احتياجات قاعدة أوسع من المستخدمين.

سولومون رومني مدير برنامج الوصول في «مايكروسوفت» متحدثاً عن «مختبر التكنولوجيا الشاملة» (الشرق الأوسط)

إعادة تصميم تغليف المنتجات

في الماضي، كان العديد من ذوي الإعاقة بحاجة إلى مساعدة لفتح عبوات المنتجات التقنية، مما كان يحرمهم من تجربة «فتح الصندوق» المميزة. الآن، وبفضل استخدام مواد مستدامة وتصميمات مدروسة تتضمن علامات بلغة «برايل» وطبقات سهلة الاستخدام والنزع، أصبحت هذه العبوات أكثر شمولية. يعد رومني أن «التغليف ليس مجرد عنصر ثانوي، بل جزء أساسي من تجربة المستخدم».

الابتكار في «مختبر التكنولوجيا الشاملة» لا يقتصر على العبوات. منتجات مثل «Surface Adaptive Kit» والإكسسوارات التكيفية مصممة لتعزيز الاستقلالية والتمكين. مثلاً يوفر نظام الفأرة ( الماوس) التكيفي إمكانية تخصيص الجهاز بما يناسب احتياجات كل مستخدم من خلال ملحقات مطبوعة بتقنية ثلاثية الأبعاد.

ويشير رومني إلى أهمية العمل التعاوني مع المجتمع طالباً من ذوي الإعاقة «أن يخبروا شركته بالمشكلات التي يواجهونها لتصميم الحلول بناءً على ذلك». هذه العملية التشاركية تضمن أن تكون المنتجات عملية ومناسبة لاحتياجات المستخدمين اليومية.

الذكاء الاصطناعي... محرك الشمولية في المستقبل

لا يقتصر عمل المختبر على تطوير الأجهزة فقط. أصبح دمج الذكاء الاصطناعي (AI) محوراً أساسياً لجهود «مايكروسوفت» لتعزيز الشمولية. يقول رومني إن «الذكاء الاصطناعي لديه القدرة على أتمتة المهام المتكررة وتقليل الجهد وتعزيز الاستقلالية».

من الأمثلة الملهمة لاستخدام الذكاء الاصطناعي، تحسين التفاعل مع الحاسوب. بالنسبة لأولئك الذين يعانون من صعوبة في الحركات الدقيقة، يمكن للذكاء الاصطناعي تفسير المدخلات العامة مثل الحركات العينية غير الدقيقة وتحويلها إلى مخرجات دقيقة. ويضيف رومني أن «الذكاء الاصطناعي يعمل كعدسة، يحول المدخلات غير الواضحة إلى إجراءات دقيقة، مما يجعل التكنولوجيا أكثر سهولة».

تسعى «مايكروسوفت» أيضاً إلى تطوير أدوات ذكاء اصطناعي يمكنها أتمتة عمليات مثل فتح التطبيقات أو الإملاء الصوتي، مما يمنح المستخدمين المزيد من الوقت والجهد للتركيز على الأمور المهمة.

شمولية على نطاق عالمي

على الرغم من أن جهود المختبر ركزت في البداية على أميركا الشمالية، فإن «مايكروسوفت» تعمل على توسيع تأثيرها عالمياً. من خلال شراكات مع منظمات محلية في أوروبا وآسيا وأميركا الجنوبية، تهدف الشركة إلى فهم الفروقات الثقافية في التعامل مع الإعاقة. يرى رومني أن «الإعاقة هي ظاهرة عالمية، ولكن كيفية التعامل معها تختلف من ثقافة إلى أخرى». هذه الفروق تستدعي حلولاً مخصصة لكل منطقة، مع التركيز على تلبية الاحتياجات المحلية بأفضل طريقة ممكنة.

تلتزم «مايكروسوفت» بتسعير منتجاتها التكيفية بشكل يجعلها متاحة لشريحة واسعة من المستخدمين دون تكلفة إضافية (الشرق الأوسط)

الألعاب... وسيلة للتواصل الشامل

«مايكروسوفت» تُعيد تعريف الألعاب لتصبح أكثر شمولية من أي وقت مضى. وحدة التحكم التكيفية لـ«إكس بوكس» (Xbox) هي مثال رائع على كيفية تسخير التكنولوجيا لتلبية احتياجات اللاعبين ذوي الإعاقة. يصف رومني أثر هذه الابتكارات بامتلاك وحدة تحكم تتيح لك اللعب على نفس المستوى مع الجميع، يمنحك إحساساً بالحرية والاستقلالية.

لا يقتصر الابتكار في هذا المجال على الأجهزة فقط، بل تعمل «مايكروسوفت» على استخدام الذكاء الاصطناعي لمساعدة اللاعبين على تحديد الألعاب التي تتناسب مع قدراتهم وتفضيلاتهم، مما يلغي عملية التجربة والخطأ التي كانت تُرهق العديد من المستخدمين.

الشمولية والاستدامة...رؤية واحدة

جانب آخر يُميز مختبر التكنولوجيا الشاملة هو التزامه بالاستدامة. من خلال تقليل التغليف الزائد واستخدام مواد صديقة للبيئة، تسعى «مايكروسوفت» إلى تحقيق توازن بين المسؤولية البيئية والاجتماعية. يقول رومني لـ«الشرق الأوسط» إنه «كلما قل التغليف، كان ذلك أفضل للبيئة وللمستخدم». ويوضح أن التصميمات المستدامة ليست فقط أخف وزناً وأسهل فتحاً، بل تعزز أيضاً تجربة المستخدم بشكل عام، مما يجعل التكنولوجيا أكثر شمولية للجميع.

يعمل المختبر مع منظمات محلية في أوروبا وآسيا وأميركا الجنوبية لفهم التحديات الثقافية وتصميم حلول تلبي الاحتياجات المحلية (الشرق الأوسط)

التكلفة وإتاحة الوصول

«مايكروسوفت» تؤمن بأن الشمولية يجب ألا تكون مكلفة. ويرفض رومني نظرية التكلفة الإضافية التي قد تفرض على ذوي الإعاقة للحصول على نفس التجربة التي يحصل عليها الجميع. ويوضح أن هذا المبدأ يدفع الشركة إلى تسعير منتجاتها التكيفية بأسعار تنافسية، مما يجعلها في متناول الجميع.

سواء كانت لوحة مفاتيح كبيرة الطباعة أو فأرة خاصة، تسعى «مايكروسوفت» لضمان أن تكون هذه المنتجات متاحة بأسعار ميسورة دون المساس بالجودة، على حد قوله.

مختبر الابتكار والأمل

بالنسبة لسولومون رومني، «مختبر التكنولوجيا الشاملة» هو أكثر من مجرد مكان عمل، «إنه مهمة لتغيير الحياة». يقول متأثراً: «هذا المكان غيّر حياتي... العمل هنا هو فرصة لإحداث تأثير حقيقي يومياً».

لا يعد «مختبر مايكروسوفت للتكنولوجيا الشاملة» مجرد مساحة لتطوير المنتجات؛ إنه نموذج لإعادة تعريف دور التكنولوجيا في بناء مجتمع أكثر عدالة. من خلال وضع الناس في مركز التصميم والاستفادة من أحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي، يُظهر المختبر كيف يمكن للتكنولوجيا أن تُحقق العدالة والشمولية، ويمهد الطريق لمستقبل تصبح فيه التكنولوجيا قوة دافعة للخير.


مقالات ذات صلة

النساء أم الرجال... من يرى الذكاء الاصطناعي أكثر خطورة؟

تكنولوجيا الفجوة في المواقف لا ترتبط فقط بمستوى المعرفة بل بدرجة النفور من المخاطرة وحجم التعرّض المحتمل لاضطراب سوق العمل (شاترستوك)

النساء أم الرجال... من يرى الذكاء الاصطناعي أكثر خطورة؟

تكشف الدراسة أن النساء ينظرن إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه أكثر خطورة من الرجال ويتراجع دعمهن له أسرع عندما تكون مكاسبه الوظيفية غير مؤكدة.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا إطار صور رقمي تفاعلي... يناسب شخصيتك وبيئتك

إطار صور رقمي تفاعلي... يناسب شخصيتك وبيئتك

جهاز واحد لكل مزاج

غريغ إيلمان (واشنطن)
تكنولوجيا تطبيقات استوديو «أبل» للمبدعين (أبل)

لماذا يختار بعض صُنّاع المحتوى «أبل»… ويتمسّك المحترفون بـ«أدوبي»؟

«أبل» تراهن على التكامل بين الأجهزة والسرعة والبساطة لصانع المحتوى اليومي، بينما ترتكز «أدوبي» على العمق والمرونة والأدوات الاحترافية للمشاريع المعقّدة.

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
تكنولوجيا تصميم عمودي مريح للاستخدامات المطولة ويمنع إصابات عصب الرسغ وآلام المعصم

وداعاً لآلام المعصم: فأرة عمودية تُعيد تعريف هندسة الراحة في عالم الكمبيوتر

تجربة ملحقات كمبيوتر مفيدة للمكتب والمنزل

خلدون غسان سعيد (جدة)
صحتك الدعامة قابلة للتمدد مع نمو الصغار

الأولى من نوعها… دعامة قلبية للرضع والأطفال

قابلة للتمدد مع نمو الصغار، وموجهة لعلاج التضيقات في الشريانين الأورطي، أو الرئوي

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)

بالخطأ... منصة في كوريا الجنوبية توزع «بتكوين» بقيمة 44 مليار دولار

شعار منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب» (رويترز)
شعار منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب» (رويترز)
TT

بالخطأ... منصة في كوريا الجنوبية توزع «بتكوين» بقيمة 44 مليار دولار

شعار منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب» (رويترز)
شعار منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب» (رويترز)

كشفت منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب»، اليوم السبت، عن أنها وزعت عملات «بتكوين» بقيمة تتجاوز 40 مليار دولار على عملاء بوصفها مكافآت ترويجية عن طريق الخطأ، ما أدى إلى موجة بيع حادة على المنصة.

واعتذرت «‌بيثامب» عن ‌الخطأ الذي ‌وقع ⁠أمس ​الجمعة، ‌وقالت إنها استعادت 99.7 في المائة من إجمالي 620 ألف «بتكوين» بقيمة تبلغ نحو 44 مليار دولار بالأسعار الحالية. وقيدت عمليات التداول والسحب ⁠على 695 عميلاً متأثراً بالواقعة في ‌غضون 35 دقيقة ‍من التوزيع ‍الخاطئ أمس.

وأفادت تقارير إعلامية بأن ‍المنصة كانت تعتزم توزيع مكافآت نقدية صغيرة في حدود 2000 وون كوري (1.40 دولار) ​أو أكثر لكل مستخدم في إطار حدث ترويجي، لكن ⁠الفائزين حصلوا بدلاً من ذلك على ألفي «بتكوين» على الأقل لكل منهم.

وقالت «‌بيثامب» في بيان: «نود أن نوضح أن هذا لا علاقة له بقرصنة خارجية أو انتهاكات أمنية، ولا توجد مشاكل في أمن النظام ‌أو إدارة أصول العملاء».


«مدمّر ستارلينك» المحتمل... خطوة تقنية صينية تفتح الباب أمام تعطيل الأقمار الاصطناعية

صورة مركبة لنموذج قمر اصطناعي مع خلفية لكوكب الأرض (رويترز)
صورة مركبة لنموذج قمر اصطناعي مع خلفية لكوكب الأرض (رويترز)
TT

«مدمّر ستارلينك» المحتمل... خطوة تقنية صينية تفتح الباب أمام تعطيل الأقمار الاصطناعية

صورة مركبة لنموذج قمر اصطناعي مع خلفية لكوكب الأرض (رويترز)
صورة مركبة لنموذج قمر اصطناعي مع خلفية لكوكب الأرض (رويترز)

طوّر علماء صينيون مولّد طاقة فائق القوة وصغير الحجم، في خطوة تمهّد الطريق لتطوير أسلحة من الجيل القادم قد تُستخدم يوماً ما ضد أسراب الأقمار الاصطناعية، مثل كوكبة «ستارلينك» التابعة لشركة «سبيس إكس»، وذلك وفقاً لما أوردته صحيفة «إندبندنت».

وخلال السنوات الأخيرة، اكتسبت أسلحة الموجات الدقيقة عالية الطاقة اهتماماً متزايداً بوصفها بديلاً منخفض التكلفة للصواريخ والبنادق التقليدية، نظراً لقدرتها شبه غير المحدودة على إطلاق النبضات.

وفي هذا السياق، يُجري باحثون في الولايات المتحدة، وروسيا، والصين على وجه الخصوص، دراسات مكثفة حول إمكانية تطوير هذه التقنية إلى أسلحة طاقة موجهة قادرة على تعطيل الأقمار الاصطناعية.

ويُعدّ تدمير قمر اصطناعي في الفضاء مهمة بالغة التعقيد، إذ من المرجح أن تُخلّف الأسلحة التقليدية كميات كبيرة من الحطام المداري، ما قد يؤدي إلى عواقب غير متوقعة، بما في ذلك تهديد الأقمار الاصطناعية التابعة للدولة المنفذة نفسها.

ومن الناحية النظرية، يمكن لأسلحة الموجات الدقيقة تعطيل الأقمار الاصطناعية مع توليد قدر محدود من الحطام، فضلاً عن إتاحة قدر من «الإنكار المعقول»، وهو ما يمنحها ميزة استراتيجية واضحة.

وتعتمد هذه الأسلحة على مبدأ تخزين الطاقة الكهربائية ثم إطلاقها دفعة واحدة على شكل نبضة قوية، على غرار آلية عمل ملف تسلا.

وتُستخدم هذه النبضة الهائلة من الطاقة في تشغيل مولدات الموجات الدقيقة، التي تعمل بدورها على تعطيل الأنظمة، والأجهزة الإلكترونية.

شاشة تظهر إيلون ماسك وشعار شركة «ستارلينك» (رويترز)

وحتى وقت قريب، كانت غالبية النماذج الأولية لهذه المولدات النبضية ضخمة الحجم، إذ بلغ طولها 10 أمتار على الأقل، ووزنها أكثر من 10 أطنان، ما جعل دمجها في أنظمة الأسلحة الصغيرة أو المتحركة أمراً بالغ الصعوبة.

غير أنّ دراسة حديثة أجراها علماء صينيون من معهد شمال غربي الصين للتكنولوجيا النووية (NINT) أظهرت تقدماً ملحوظاً في هذا المجال، حيث استخدم الباحثون مادة عازلة سائلة خاصة تُعرف باسم «ميدل 7131»، ما أتاح تحقيق كثافة أعلى لتخزين الطاقة، وعزلاً أكثر قوة، وتقليلاً لفقدان الطاقة، وأسهم في تصميم جهاز أصغر حجماً، وأكثر كفاءة.

وكتب العلماء في الدراسة المنشورة: «من خلال استخدام مادة عازلة سائلة عالية الكثافة للطاقة تُعرف باسم (ميدل 7131)، إلى جانب خط تشكيل نبضات مزدوج العرض، تمكنت الدراسة من تصغير حجم محول تسلا المتكامل، ونظام تشكيل النبضات».

وبحسب الدراسة، يبلغ طول الجهاز الجديد أربعة أمتار فقط (13 قدماً)، ويزن خمسة أطنان، ما يجعله أول جهاز تشغيل صغير الحجم في العالم لسلاح الميكروويف عالي الطاقة.

ويُعرف هذا الجهاز باسم TPG1000Cs، وهو صغير بما يكفي ليُثبت على الشاحنات، والطائرات، بل وحتى على أقمار اصطناعية أخرى، وفقاً لما أفاد به الباحثون.

وأشار الباحثون إلى أن «النظام أظهر استقراراً في التشغيل لمدة دقيقة واحدة متواصلة، حيث جُمعت نحو 200 ألف نبضة بأداء ثابت».

ويؤكد خبراء أن سلاح ميكروويف أرضياً بقدرة تتجاوز 1 غيغاواط (GW) سيكون قادراً على تعطيل وتدمير آلية عمل أقمار «ستارلينك» الاصطناعية في مدارها بشكل كبير.

وذكر الباحثون، بحسب ما نقلته صحيفة «ساوث تشاينا مورنينغ بوست»، أن جهاز TPG1000Cs قادر على توليد نبضات كهربائية فائقة القوة تصل إلى 20 غيغاواط.

وتأتي هذه التطورات في وقت نشرت فيه الصين عدداً من الدراسات التي تشدد على ضرورة إيجاد وسائل فعالة لتعطيل أقمار «ستارلينك» الاصطناعية التابعة لرجل الأعمال إيلون ماسك.


الذكاء الاصطناعي السيادي… نهاية السحابة أم بداية نموذج مزدوج؟

يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)
يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)
TT

الذكاء الاصطناعي السيادي… نهاية السحابة أم بداية نموذج مزدوج؟

يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)
يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرّد قصة برمجيات. فمع تسارع الحكومات في تنفيذ استراتيجياتها الرقمية، واندماج تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي في صلب العمليات المؤسسية، يتحوّل النقاش من التطبيقات إلى البنية التحتية، تحديداً من يملكها وأين تُدار وكيف تُبنى. فالمفهوم الذي يتصدر هذا الجدل اليوم هو «السيادة».

غير أن السيادة في سياق الذكاء الاصطناعي ليست مجرد شعار جيوسياسي، بل تعكس تحوّلاً بنيوياً في فهم الدول والشركات لمخاطر المرحلة الجديدة، خصوصاً في عصر النماذج اللغوية الكبرى.

فالحوسبة السحابية التقليدية أثارت مخاوف تتعلق بالخصوصية والأمن السيبراني. أما الذكاء الاصطناعي التوليدي فقد أضاف بُعداً مختلفاً. إذاً ماذا يحدث عندما تتعلّم النماذج من بيانات حساسة بطرق يصعب عكسها؟

يجيب سامي عيسى، الرئيس التنفيذي لشركة «غلوبال إيه آي»، بأنه «لا يوجد في عالم الذكاء الاصطناعي ما يُسمى بالحق في النسيان. إذا تعلّم نموذج لغوي أسرار نموذج عملي التجاري، فمن شبه المستحيل إقناعه بإلغاء ما تعلّمه». ويشير خلال لقاء خاص مع «الشرق الأوسط» إلى أن الفارق بين تخزين البيانات وترميزها داخل أوزان النموذج «هو ما يدفع باتجاه مفهوم الذكاء الاصطناعي السيادي».

سامي عيسى الرئيس التنفيذي لشركة «غلوبال إيه آي»

السيادة بالهندسة المعمارية

يمكن النظر إلى السيادة من زاويتين؛ الأولى قائمة على التشريعات والضوابط التعاقدية، والثانية قائمة على البنية الهندسية ذاتها. السيادة بالسياسة تعتمد على القوانين والاتفاقات، لكن تنفيذ تلك الضوابط يصبح معقّداً حين يكون «التسرّب» غير قابل للاسترجاع. ويقول عيسى إن «التسرّب لا يمكن استعادته ولا يمكنك أن تطلب من النموذج أن ينسى».

وهنا تظهر فكرة «السيادة بالهندسة المعمارية»، أي بناء بيئات حوسبة معزولة ومخصصة بالكامل لجهة واحدة، بحيث لا تكون مشتركة مع أطراف أخرى. وفي هذا النموذج، تكون البنية التحتية «مفصولة مادياً» (air-gapped)، ولا يشاركها أي عميل آخر.

المنطق واضح، فإذا كانت النماذج التوليدية تستمد قيمتها من بيانات حساسة كالنماذج التجارية أو الشيفرات الجينية أو البنى المالية، فإن التحكم المعماري يصبح أداًة استراتيجيةً لحماية هذه القيمة. فالسيادة هنا ليست انعزالاً، بل إدارة واعية للمخاطر طويلة الأمد.

الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي

على مدى عقدين تقريباً، أعادت الحوسبة السحابية تشكيل البنية الرقمية للشركات. لكن حتى اليوم، لم تنتقل غالبية بيانات المؤسسات بالكامل إلى السحابة العامة. ومع صعود الذكاء الاصطناعي التوليدي، بدأ البعض يعيد النظر.

يرى عيسى أنه «بعد 15 أو 20 عاماً من الحوسبة السحابية، لم تنتقل نسبة كبيرة من بيانات المؤسسات إلى السحابة. أما الآن، في عصر الذكاء الاصطناعي، نرى بعضهم ينسحب». ويُرجع عيسى السبب ليس إلى أساس عاطفي بل بنيوي، ويقول: «في الحوسبة التقليدية، يمكن فصل البيانات، أما في النماذج اللغوية، فإن المعرفة تصبح جزءاً من تكوين النموذج نفسه. لكن هل يعني ذلك أن الحوسبة السحابية والسيادة في مسار تصادمي؟».

يرد عيسى قائلاً: «أعتقد أن الأمر كذلك، فالذكاء الاصطناعي سرّع هذا الاتجاه»، موضحاً أن المقصود ليس نهاية الحوسبة السحابية، بل ظهور بنى مزدوجة. إنها بيئات سحابية مشتركة للأعمال العامة وبيئات سيادية مخصصة للتطبيقات الاستراتيجية.

النماذج اللغوية تجعل مسألة «السيادة» أكثر إلحاحاً لأن المعرفة التي تتعلّمها لا يمكن استرجاعها أو محوها بسهولة (غيتي)

مخاطر البطء أكبر من مخاطر الإسراف

بينما يتخوف بعض صناع القرار من الإفراط في الإنفاق على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، يرى عيسى أن الخطر الأكبر هو التردد، ويشرح أن «مخاطر التقليل في الاستثمار أكبر من مخاطر الإفراط فيه»، وأن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد تطور تدريجي في السرعة أو السعة، بل يعيد تعريف نماذج الإنتاجية والخدمات. ويصف عيسى ما يحدث بأنه «ليس مجرد قفزة تقنية بل طريقة مختلفة تماماً في التفكير بالأعمال وخلق القيمة». ويشدد على أنه بالنسبة للدول التي تسعى إلى التحول لمراكز للذكاء الاصطناعي، «فإن التأخير قد يعني خسارة سباق استقطاب المواهب».

البنية التحتية وحدها لا تكفي

الاستثمار في مراكز البيانات لا يحل المشكلة بالكامل، فالموهبة هي العامل الحاسم. ويفيد عيسى خلال حديثه مع «الشرق الأوسط» بأن «الموهبة تحتاج إلى وقت، وأن التحول نحو الذكاء الاصطناعي يتطلب طيفاً واسعاً من الكفاءات؛ مهندسي كهرباء ومختصي طاقة وخبراء مراكز بيانات ومطوري برمجيات وباحثي تعلم آلي وغيرهم». ويلفت عيسى إلى أن «أي تقنية تعزز الإنتاجية تؤثر في سوق العمل لكنها تخلق أيضاً وظائف جديدة»، ويضرب مثالاً توضيحياً كنجاح وادي السيليكون «الذي لم يكن نتيجة بنية تحتية فقط، بل نتيجة منظومة تعليمية ومؤسسية بُنيت على مدى عقود»، ويضيف: «إذا أردت أن تصبح مركزاً للذكاء الاصطناعي، فإن أهم قرار معماري هو أن تبدأ الآن».

تتجه بعض المؤسسات إلى نماذج سيادية معمارية مخصّصة بدل الاعتماد الكامل على الحوسبة السحابية المشتركة (غيتي)

السيادة... لكن مع ترابط عالمي

ألا تعني السيادة الاستقلال الكامل؟ يرد عيسى قائلاً إن «السيادة الكاملة دون أي ترابط هي خيال. فإنتاج الشرائح المتقدمة، على سبيل المثال، لا يزال يعتمد إلى حد كبير على مصانع خارجية... لذلك، السيادة مفهوم نسبي»، ويزيد: «هناك درجات من السيادة يمكن تحقيقها...لكن 100 في المائة سيادة؟ حتى العالم بأكمله لا يستطيع ذلك».

بالنسبة للدول ذات الطموحات الكبيرة والموارد المحدودة، يظل السؤال قائماً: كيف تلحق بالركب؟ يحذر عيسى من أن «هذه ليست ثورة تكنولوجية يمكن أن تتأخر عنها ولا يمكنك أيضاً أن تنتظر عشر سنوات بينما تستمتع الدول المجاورة بمكاسب الإنتاجية». الذكاء الاصطناعي لا يعيد تشكيل قطاع واحد، بل قطاعات بأكملها.

في النهاية، قد لا يكون الجدل حول السيادة مجرد صراع جيوسياسي، بل تحوّل اقتصادي عميق. فالتحكم في بيئات تدريب النماذج قد يصبح عاملاً استراتيجياً يعادل أهمية الموارد الطبيعية في مراحل سابقة. لكن، كما يختتم عيسى، فإن الاستثمار الحقيقي لا يقتصر على العتاد «حيث إن بناء الموهبة يحتاج إلى وقت واستثمار طويل الأمد».