ميلانيا ترمب... قوة ناعمة أم قوة قادمة؟

رسائلها تُعلن حرب استقلال وتكشف أسلحتها الكامنة

ميلانيا مع دونالد ترمب في حفل التنصيب المسائي ظهرت فيه بفستان أنثوي كشف عن قوام عارضة أزياء سوبر (أ.ب)
ميلانيا مع دونالد ترمب في حفل التنصيب المسائي ظهرت فيه بفستان أنثوي كشف عن قوام عارضة أزياء سوبر (أ.ب)
TT

ميلانيا ترمب... قوة ناعمة أم قوة قادمة؟

ميلانيا مع دونالد ترمب في حفل التنصيب المسائي ظهرت فيه بفستان أنثوي كشف عن قوام عارضة أزياء سوبر (أ.ب)
ميلانيا مع دونالد ترمب في حفل التنصيب المسائي ظهرت فيه بفستان أنثوي كشف عن قوام عارضة أزياء سوبر (أ.ب)

لا تزال أصداء حفل تنصيب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي جرت مراسيمه يوم الاثنين الماضي، مدوية. الأسباب السياسية كثيرة، فلم تقتصر على ما جاء في خطابه فحسب، بل أيضاً على أزياء السيدة الأولى ودلالاتها. فهذه أكدت بما لا يترك مجالاً للشك أن السياسة والأزياء لهما التأثير والقوة نفسهما، وإن كانت الغلبة في هذه المناسبة للموضة.

صحيح أن صوت الرئيس كان عالياً وهو يلقي خطابه التاريخي، ويشرح فيه أجندته، لكن صوت السيدة الأولى ميلانيا كان أعلى منه... من دون أن تنبس بكلمة واحدة.

قبعة ميلانيا كانت رسالة وحماية من عيون الفضوليين (رويترز)

كانت أزياؤها وإكسسواراتها اللغة التي اعتمدتها للتعبير عما هو آتٍ، وما هي ناوية عليه. من القبعة التي صممها لها الأميركي إريك جافيتس، والتي أثارت كثيراً من الجدل على مواقع التواصل الاجتماعي، إلى الزي الكُحلي الصارم المُكوّن من سترة مفصلة بصفي أزرار، من تصميم مصمم أميركي آخر هو آدم ليبس. غنيٌّ عن القول أن الزي أخفى معالم أنوثتها، فالجانب الأنثوي كشفته في المساء من خلال فستان باللون الأبيض، تتخلله خطوط بالأسود عند محيط الصدر ويحيط بفتحة الساق العالية. الفستان من تصميم الفرنسي المقيم في أميركا هيرفيه بيير، الذي سبق أن صمم لها فستان السهرة للمناسبة نفسها في عام 2017.

ميلانيا مع دونالد ترمب في حفل التنصيب المسائي ظهرت فيه بفستان أنثوي كشف عن قوام عارضة أزياء سوبر (رويترز)

كانت هذه الإطلالة الأنثوية هي المتوقع منها، على العكس من إطلالتها الأولى التي كانت سياسية بكل المقاييس. تعمّدت فيها أن تتحدّى وتصرخ بأنها قادمة. في بعض اللقطات بدت كأنها جنرال مقبل على معركة، ينوي أن يخرج منها منتصراً مهما كلّف الثمن. كل تفاصيلها، بما في ذلك القفازان الجلديان، تتضمن إيحاءات عسكرية، تُردد آراء زوجها بإيذان عهد جديد ومزدهر... لكنه صارم.

كادت قبعة ميلانيا تسرق الأضواء من كل الحضور لدلالاتها وغرابتها (أ.ف.ب)

لكن لا يختلف اثنان على أن قبعتها أكثر ما أشعل مواقع التواصل الاجتماعي وأثار الجدل، خصوصاً بعد أن عاق حجمها دونالد ترمب من طبع قُبلة على وجنتها. هزمته القبعة واكتفى بنصف قُبلة، وابتسامة منها.

رغم شغفها باستعمال القبعات، فإنها هذه المرة لم تكن مجرد إكسسوار استعملته لتكمل مظهرها. صممها لها الأميركي إريك جافيتس، بالتعاون مع المصمم آدم ليبس، مستعملاً قماش البدلة نفسه، لتكون بمثابة قناع يمنحها مساحة خاصة، وفي الوقت نفسه تتيح لها التحكم في محيطها، بأن تتابع ما يجري من حولها بحريّة من دون أن يستطيع أحد قراءة ما يجول بداخلها. أفلا يقولون إن العيون مفتاح الروح والشخصية؟.

من الناحية البصرية، استحضر تصميم القبعة، الذي أخفى نصف وجهها، قناع «زورو»، الذي كان يعتمر قبعة مماثلة. وسائل التواصل الاجتماعي من جهتها سارعت في عقد مقارنات بينها وبين قبعة اللصة الخيالية كارمن ساندييغو. وسواء كان هذا أم ذاك، فإن كلاً من «زورو» وكارمن ساندييغو، يتصفان بالشجاعة ويستعملان مهاراتهما من أجل الخير، وهذا ما تنوي القيام به ميلانيا، حسب تصريحاتها، ولن يتحقق من دون دخولها في حرب استقلال.

بين الأمس واليوم

في عام 2017، اختارت زياً سماوياً ناعماً من الكشمير، كان مفعماً بالأنوثة لكنه كلاسيكي ومضمون؛ لأنها كانت تريد أن يتم تقبلها من قِبَل مجتمع كانت شرائح كبيرة منه رافضة سياسات زوجها. استلهمه لها مصمم دار «رالف لوران» من جاكلين كيندي، لكسب التعاطف، فجاكلين أيقونة موضة تتمتع بشعبية كبيرة في العالم أجمع. ميلانيا آنذاك لم تكن تعرف ما ينتظرها من عدوانية، ولا كيف تتعامل مع وسائل الإعلام المتحيزة والمتحاملة. كان كل شيء جديداً بالنسبة لها. فوجئت مثل غيرها بفوز زوجها، وعلى الرغم من جمال الفستان وتألقها فيه، لم يعكس شخصيتها وقوتها الكامنة، وجعلها تبدو مجرد نسخة مكررة وباهتة تسعى لكسب رضا الآخر.

لكن شتان بين الأمس واليوم، فميلانيا الآن أكثر ثقة واستعداداً للكشف عن حقيقتها. لقد تعلّمت من التجربة السابقة، واطلعت على خبايا الأمور، وقررت أخيراً استعمال أسلحتها بصفتها عارضة أزياء سابقة، فهذه كفيلة بأن ترسخ مكانتها بصفتها أيقونة موضة، لها أسلوبها الخاص. ومن هذا المنظور، فإن اختيارها هذا الزي من مصمم أميركي غير معروف، وبهذا الأسلوب الهندسي المفصل بالمليمتر على جسدها الممشوق، يشهد على هذا التحول، كما يُسجل لتغيير جذري في أزياء السيدة الأولى. فهي لن تبقى بعد الآن مجرد قوة ناعمة تعمل بهدوء وراء دهاليز السياسة، بل ستنتقل إلى قوة قادرة على التأثير، وتغيير سياسات زوجها أيضاً.

استقلالية ميلانيا تظهر في لغة الجسد وفي خطواتها الواثقة (رويترز)

لغة جسدها أمام الكاميرات تؤكد استقلاليتها المستجدة، وبأن علاقتها مع الرئيس الأميركي مبنية على الاحترام والندية. ففي كثير من اللقطات، لم تعد تظهر وهي تمشي وراءه تُحاول اللحاق به، الأمر الذي أثار كثيراً من الانتقادات في الماضي، بل هي اليوم تمشي إلى جانبه وأحياناً أمامه.

بداية المصالحة

تعاونها مع مصممين أميركيين غير معروفين رسالة بحد ذاتها، بوصفه خطوة نحو مصالحة مع قطاع رفضها خلال ولاية زوجها الأولى، وكانت ردة فعلها آنذاك متحدية. فضّلت التعامل مع مصممين أوروبيين وعالميين. كانوا معذورين لأن فوز ترمب في عام 2017 لم يكن متوقعاً بسبب آرائه الشعبوية، لكن فوزه الأخير لولاية ثانية بعد 4 سنوات من خروجه من البيت الأبيض، فاجأهم أكثر. لقد كان ساحقاً، وشمل مختلف الأعمار والأهواء، ما جعل تبريرات المقاطعة غير متماشية مع الرأي العام. من جهتها، تعلّمت ميلانيا من مطبات الماضي، وتعاملت مع الأمر بدبلوماسية.

لدى وصولها مع زوجها ونائب الرئيس فانس وزوجته (أ.ب)

فالملاحظ أنه منذ فترة وماكينة خفية تعمل على تجميل صورتها وتقريبها من الناخب الأميركي. في لقاءات تلفزيونية مع محطات انتقتها بعناية، نأت بنفسها عن بعض سياسات زوجها، وأعلنت أنها تتمتع بكيانها الخاص. ذهبت إلى أبعد من ذلك بأن أوضحت أنها ملتزمة هذه المرة «باستخدام دورها سيدةً أولى من أجل الخير».

تاريخ من الرسائل

ميلانيا ليست أول مَن تستعمل الموضة رسائلَ، فهذا تقليد متبع منذ بداية القرن الماضي، وربما قبله بقرون لعدم توافر صور لأزياء زوجات الرؤساء الأوائل. هذه الرسائل تنجح دائماً في إثارة جدل فني، مثل فستان مامي آيزنهاور في عام 1953 الذي داعبت من خلاله المخيلة الأميركية بعدم الكشف عن تفاصيله حتى يوم التنصيب. لكن الفضل في جعل الموضة جزءاً لا يتجزأ من حفلات التنصيب يعود إلى جاكلين كيندي في عام 1961. كان أول حفل يتم بثه على التلفزيون بالألوان، وظهرت فيه بمعطف مستقيم من الصوف، تزينه أزرار كبيرة، عوض معطف فخم من الفرو وفستان طويل. كانت إطلالة بسيطة وعصرية تخاطب جيل الشباب، وتُعلن عن التغيير. في التاريخ الحديث، زادت جرعة الدلالات السياسية. فستان جيل بايدن خلال حفل تنصيب زوجها جو بايدن في عام 2021، مثلاً يشهد على هذا. كان فستاناً مع معطف من الكشمير من تصميم غابرييلا هيرست، مطرز بالورود. لكنها لم تكن فقط للزينة، فكل وردة كانت تُمثل ولاية وإقليماً في الولايات المتحدة. كانت رسالة جيل بايدن أنها تأمل أن تجمع الشمل بعد الشتات والانقسام اللذين شهدتهما أميركا، وما نتج عن خسارة ترمب من اضطرابات واتهامات تزوير في نتائج الانتخابات. تزامن كل ذلك مع جائحة «كورونا»، التي تشهد عليها كمامتها المطرزة هي الأخرى بالورود.

 


مقالات ذات صلة

ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

لمسات الموضة إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)

ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

خرجت دوقة ساسيكس من المؤسسة الملكية البريطانية بدرس مهم عن الموضة وكيف يمكن استعمالها لغةً صامتة... لكن بليغة.

لمسات الموضة تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)

كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

أصبحت المهرجانات السينمائية منصة لاستعراض الإبداعات الفنية كما لآخِر خطوط الموضة. فصُناع الموضة يتنافسون مع صناع السينما لجذب الأنظار والبريق بشتى الطرق. لكن…

فيفيان حداد (بيروت)
لمسات الموضة «برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)

«ديور» وبيوت عالمية أخرى تدخل سباق رمضان بروح مختلفة وألوان جديدة

اقتراب شهر رمضان الكريم، يكشف كثير من دور الأزياء العالمية عن مجموعات خاصة وحصرية بمناسبة هذا الشهر الفضيل، فيما أصبح يُعرف بـ«سباق رمضان».

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)

خلال عيد الحب... «ميسيكا» تكشف عن توأم روحها بالألماس في «لابيروز» الباريسي

«ميسيكا» تقدم إصدارها الجديد من خاتم «ماي توين توي آند موي My Twin Toi & Moi» بالألماس بمطعم «لابيروز» التاريخي حيث يلتقي الفن الباريسي بالتاريخ والجمال الخالد.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة كانت تشكيلة آندرسون لـ«ديور» طبقاً دسماً من الأشكال المبتكرة (رويترز)

كيف تواصل المصممون الجدد مع إرث بيوت الأزياء العريقة؟

الـ«هوت كوتور» لا يُبنى على «الجمال السهل»، بل على إرباك المتلقي ودفعه لإعادة النظر فيما اعتاده؛ لأن الأفكار، لا الصيغ الجاهزة، هي التي تصنع القيمة طويلة الأمد.

جميلة حلفيشي (لندن)

ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
TT

ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)

هناك كثير ممّا يمكن قوله عن ميغان ماركل، وحتى انتقادها عليه؛ بدءاً من جموح قراراتها، إلى جرأة تصريحاتها. يمكن القول أيضاً إنها لم تأخذ خلال الفترة التي قضتها مع العائلة المالكة البريطانية حكمَتهم في أن «لا تشك ولا تُفسِّر». بيد أنها في المقابل، تعلمت منهم لغة الموضة الصامتة. باتت تستعملها بطلاقة لإيصال رسائل مبطنة في الأوقات التي تعلم فيها أن أنظار العالم بأسره ستكون مسلّطة عليها، وأن كل تفصيلة مما قد ترتديه أو تتخلى عنه ستخضع للتدقيق والتحليل. لا توفَّق دائماً في اختيار ما يناسب مقاييسها، لكنها تنجح في إثارة الاهتمام ومحركات البحث.

كل ما في هذه الإطلالة كان مثيرا ويبدو أن الدوقة اختارته بدقة لتخطف الأضواء (أ.ف.ب)

في لقاء لها مع صحيفة «نيويورك تايمز» قالت: «حين أعلم أن هناك تركيزاً عالمياً، وأن الاهتمام سينصب على كل تفصيلة في إطلالتي، أحرص على دعم مصممين تربطني بهم صداقات، أو علامات صغيرة ناشئة تستحق تسليط الضوء عليها». وأضافت: «هذا أقل ما يمكنني فعله وأقواه في الوقت ذاته». قوة تأثيرها تجعل مؤسسات خيرية تتمنى حضورها لتسليط الضوء عليها. فأي دعاية، وإن كانت نقداً، أفضل من لا دعاية.

ظهرت مؤخراً في حفل «فيفتين برسينت بليدج (Fifteen Per Cent Pledge)» الخيري في لوس أنجليس، بفستان مستوحى من عصر «هوليوود» الذهبي من «هاربيسن استوديو (Harbison Studio)». علامة لم يسمع بها كثيرون من قبل، لكن بمجرد ظهور الدوقة بها، اشتعلت محركات البحث طيلة الأيام الأخيرة. تميز الفستان بدرجة لونية تميل إليها ميغان، وهي الأبيض العاجي المائل إلى الوردي من دون حمالات.

تألقت ميغان ماركل بإطلالة كلاسيكية بفضل الرداء الملكي الطويل (إ.ب.أ)

تميز بقصة مستقيمة تعانق القوام، بينما ظهر عند الصدر خط أسود ناعم لعب دور الرابط بين الفستان والرداء المخملي الحريري الطويل الذي زاد الإطلالة إبهاراً. انسدل على كتفيها كذيل ملكي تطلّب أن تكون له مساعدة خاصة لترتيبه وإبراز طوله أمام المصورين. فتحة الفستان الخلفية أسهمت في جعل الحركة أسهل، وأيضاً في منح لمحة على صندل أسود من علامة «ستيوارت وايزمان» ظهرت به ماركل في مناسبات عدة سابقة.

تردّد أن الفستان صمم خصيصاً لها وعلى مقاسها، لكن التدقيق فيه يطرح السؤال عما إذا كان يرقى إلى مستوى الـ«هوت كوتور» الباريسي؟ ربما يكون الجواب بالنفي، لكن ما يشفع له أنه بتصميم أنيق وقماش ساتاني سميك ناسب الدوقة، وتناسق مع الرداء ومع الإطلالة عموماً، بما فيها الماكياج.

تسريحة الشعر المشدودة إلى الوراء أتاحت الفرصة لإبراز قِرطَيْ أذنين متدليين من حجر الأونيكس الأسود المرصع بالألماس. يعتقد أن هذه الأقراط تعود إلى السبعينات، ومن مجموعة «فينتاج» من علامة «ميزون ميرينور (Maison Mernor)» الموجود مقرها في «بيفرلي هيلز» لمؤسستها آمي ساتشو، التي تعشق جمع القطع الأثرية.

كان اختيارها قرطين من حجر الأونيكس مثيراً لما يحمله هذا الحجر الكريم من دلالات رمزية متناقضة (إ.ب.أ)

اختيار الأونيكس يبدو مثيراً للدهشة؛ فرغم أنه من الأحجار الكريمة ذات الرمزية العميقة، فإنها رمزية متناقضة لا تتفق عليها كل الثقافات؛ ففيما يعدّه بعض الحضارات القديمة حجراً يحمل طاقة ثقيلة وسلبية تجلب الحزن، رأت فيه ثقافات أخرى رمزاً للقوة الداخلية والثبات والصبر والحماية، وبالتالي كانت تستخدمه تميمة لدرء الشرور وما تُعرف بـ«الهجمات النفسية» و«الطاقات السيئة». ويبدو واضحاً أنه في عالم ميغان ماركل ينتمي إلى هذه الفئة. كما قد يكون اختيارها أيضاً من باب الأناقة أولاً وأخيراً، بما أن لونه الأسود يتناغم والرداء والفستان، وكفيل بأن يزيدها ألَقَاً.


كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
TT

كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)

أصبحت المهرجانات السينمائية منصة لاستعراض الإبداعات الفنية كما لآخِر خطوط الموضة. فصُناع الموضة يتنافسون مع صناع السينما لجذب الأنظار والبريق بشتى الطرق. لكن المُخرجة جناي بولس، الحاصلة على «جائزة لجنة التحكيم» الخاصة بالتأثير الصحافي عن فيلمها الوثائقي «عصافير الحرب»، قررت أن تحضر مهرجان «صاندانس» السينمائي وهي تحمل هويتها اللبنانية، اختارت قفطاناً مطرّزاً من تصميم ابنة بلدها المصممة حنان فقيه، كل تطريزة فيه تحمل ألف رسالة حب.

ترى جناي الأمر طبيعياً: «كان لا بد أن اختار إطلالة صُممت وصُنعت في لبنان أولاً، وأن تكون مُستوحاة من تفاصيل الحياة اليومية والذاكرة والحنين ثانياً. فهذا القفطان لم يكن مجرد زي أنيق أردتُ من خلاله التألق في المهرجان، بل كان رسالة حملتها معي إلى الساحة السينمائية العالمية للتعبير عن الهوية والانتماء والفخر».

المخرجة جناي بولس (خاص)

عن هذا التعاون تشرح المصممة حنان فقيه: «لم أتردد حين اتصلت بي جناي طالبةً قفطاناً يحمل الهوية اللبنانية، لترتديه خلال عرض فيلمها الوثائقي (عصافير الحرب) في مهرجان صاندانس الأميركي».

وجرى الاتفاق على أن يُصنع القفطان من المخمل الحريري الأسود، مع بطانة من الساتان؛ «لمنحِه تماسكاً وأناقة في الحركة». وطبعاً كان لا بد أن يُطرَز برسومات بألوان الأخضر والأحمر والأزرق، عبارة عن رموز ترتبط ارتباطاً وثيقاً بلبنان، مثل الأرزة الخضراء، والقلب الأحمر، والطربوش، وشمس لبنان، وفنجان القهوة العربية الملوّن. كما يتضمن رسومات لهياكل بعلبك، إلى جانب أسماء مناطق لبنانية مثل بيروت وجبيل.

تعاونت المصممة والمخرجة على تصميم القفطان حتى يعبر عن الهوية والانتماء بشكل مبتكر (خاص)

وتُعلق المصممة أن جناي حرصت على اختيار هذه الرموز اللبنانية بنفسها، «وبما أنها من مدينة جبيل، أضفت اسمها إلى باقي التطريزات حتى أمنحه خصوصية أكبر».

أما جناي فتقول عن هذا التعاون بينها وبين المصممة إنه في غاية الأهمية، ولا سيما «في زمنٍ تختزل فيه القصة اللبنانية غالباً في خطاب الأزمات، في حين شكَّل هذا القفطان بالنسبة لي تأكيداً بالاستمرارية الثقافية والحرفة والخيال». أما اختيارها للمصممة فيعود إلى أنها تتمتع بأسلوب مميز تبرز فيه «رموز وتقاليد تنبع من روح بلدي لبنان، حتى تتمتع كل قطعة بهوية واضحة يمكن تمييزها بسرعة عن أي تصميم آخر».

حنان فقيه... المصممة

حنان فقيه، عملت في مجال الاقتصاد، في البداية، لكنها ومنذ خمس سنوات، تفرغت لتحقيق حلمها بأن دخلت عالم التصميم والخياطة والتطريز، وهي تشير إلى أن هذا الشغف لم يأت صدفة، فهي، وفق ما تقوله لـ«الشرق الأوسط»، اكتسبت خبرتها في هذا المجال من والديها اللذين يملكان مصنع أقمشة في بيروت. تقول: «كنت أرافقهما دائماً في اختيار أنواع النسيج والقماش. ومع الوقت أصبحت هذه التفاصيل جزءاً من عالمي». شعورها بأن عملها في تصميم الأزياء يشكّل امتداداً لإرث عائلي يزيدها فخراً ومسؤولية.

قفطان مطرّز بلوحة من الطبيعة اللبنانية (إنستغرام)

وتتابع: «خلال فترة قصيرة، أصبحت تصاميمي تلقى رواجاً واسعاً في لبنان؛ لما تحمله من رموز خاصة»، هذه الرموز هي التي أثارت المخرجة جناي بولس إليها عندما فكرت في حضور مهرجان «صاندانس» الأخير.

اللافت أن ارتداء هذا الزي في «صاندانس» كان أيضاً امتداداً طبيعياً للفيلم نفسه «وتذكيراً بأن التمثيل لا يقتصر على ما نرويه على الشاشة، بل يشمل أيضاً كيف نختار لغة بصرية وثقافية للتعريف بأنفسنا»، وفق قول المخرجة.

تحرص حنان على تصميمات أزياء بنكهة شرقية دافئة تناسب المرأة في كل زمان أو مكان (إنستغرام)

أما المصممة فوجهت كثيراً من الاهتمام أيضاً إلى إبراز تفاصيل القفطان، آخذة في الحسبان مقاييس جناي بولس، حتى تبرز كل حركة بشكل صحيح وتظهر التطريزات بصورة لائقة: «كنت أريدها أن تبدو تلقائية في أي لقطة فوتوغرافية تُلتقط خلال المناسبة».

تجدر الإشارة إلى أن تصاميم الفقيه تتنوع بين عباءات وقفاطين وجاكيتات وفساتين بنكهة شرقية دافئة أصبحت لصيقة بها. رغم انتمائها للشرق فإنها قابلة لأن تجد لها مكاناً مناسباً في كل زمان ومكان، فهي بقصات كلاسيكية وأقمشة غنية مثل الكريب، ولا سيما اللمّاع منه، واستخدام خيوط ذهبية وأخرى من القصب اللمّاع والفيروزي.

من تصميمات حنان فقيه التي تحمل تطريزات دقيقة (إنستغرام)

ونظراً لتاريخ العائلة في صناعة الأقمشة، كان لا بد أن تتوفر لديها كل الأنواع، لكنها لا تكتفي بذلك، بل تمنحها لمسات خاصة بطباعتها في مصنع النسيج الذي يملكه والدها، مع إضافة رسومات تحاكي لوحات تشكيلية «تتضمن الورود، نقدّمها أحياناً منمنمة، وأحياناً أخرى نافرة ولافتة للنظر»، وفق قولها. «فأنا أحرص على أن تتمتع كل قطعة بالتفرد من حيث التصميم، وكذلك من خلال الأقمشة المبتكرة التي أطوعها لتخدم التصميم».


«ديور» وبيوت عالمية أخرى تدخل سباق رمضان بروح مختلفة وألوان جديدة

«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)
«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)
TT

«ديور» وبيوت عالمية أخرى تدخل سباق رمضان بروح مختلفة وألوان جديدة

«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)
«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)

مع اقتراب شهر رمضان الكريم، يكشف كثير من دور الأزياء العالمية عن مجموعات خاصة وحصرية بمناسبة هذا الشهر الفضيل، فيما أصبح يُعرف بـ«سباق رمضان». هذا السباق؛ الذي كان إلى عهد قريباً سباقاً تجارياً بحتاً يتودد إلى زبونة لا تبخل على نفسها وأحبتها بالغالي والرخيص في هذه المناسبة، أصبح مع الوقت سباقاً على كسبها بما يُرضيها. لم يعد من الأولويات طرحُ إكسسوارات جلدية فاخرة بلمسات لامعة وزخرفات غنية، وأزياء بتصاميم طويلة تطبعها ألوان مستوحاة من رمال الصحراء الذهبية أو من الأخضر الزمردي الذي تربطه بالمنطقة حالة عشق ممتدة.

ألوان هادئة وتصاميم راقية تهمس أكثر مما تصرخ (برونيلو كوتشينيلّي)

فهذه الزبونة باتت تُدقق في كل شيء، ولم يعد همّها الصرعات التي تنتهي بانتهاء موسم واحد. أصبحت أعمق وعياً بأهمية الاستدامة من خلال الاستثمار في قطع بجودة عالية تغذي الرغبة في التألق والتميز، وفي الوقت ذاته تستمر مدة أطول.

والنتيجة كانت أن بيوت الأزياء الكبيرة وسعت الخيارات، وكسرت المتوقع أو تلك الصورة النمطية التي رسموها في أذهانهم عن هذا الشهر ومتطلباته. تنوعت الألوان لتشمل كل ألوان الموضة، مثل الأبيض والعنابي، كما تخففت الإكسسوارات والأزياء المقترحة من التطريزات الكثيرة.

صورة رسمتها دار «برونيلو كوتشينيلّي» للمرأة العربية لا تحتاج إلى تسويق (برونيلو كوتشينيلّي)

في المقابل، قدم معظمهم تصاميم تهمس بالرقي بدل الصراخ، وليس أدلّ على هذا من دار «برونيلو كوتشينيلّي» التي قدمت تصاميم تنبض رقياً وأناقةً، من خلال عبايات تأخذ في كل تفاصيلها ثقافة المنطقة من جهة؛ وموسم الخريف والشتاء من جهة ثانية... معاطف وفساتين طويلة بأكمام وكنزات من الكشمير ناعمة، وبنطلونات مستوحاة من عالم الفروسية، وأوشحة رأس تحولت زينةً نظراً إلى جمالها وتناسقها مع البشرة العربية... كل ما في هذه التشكيلة مرسوم لامرأة تريد خيارات عملية وعقلانية تتعدى ما تتطلبه اللحظة أو المناسبة، بل تريدها استثماراً طويل المدى، أو على الأقل تستفيد منها سنوات بدل شهر واحد.

من مقترحات دار «بيربري» للشهر الفضيل (بيربري)

كذلك دار «بيربري» التي تقدم مجموعة رمضانية بأسلوب يعكس هويتها بشكل واضح، وذلك من خلال نقشات المربعات اللصيقة بها، وظهرت في معاطف واقية من المطر خفيفة تناسب أجواء المنطقة الدافئة، وأوشحة من الكشمير. وتتضمن التشكيلة أيضاً أحذية «سلون (Sloane)» المفتوحة من الخلف، وحقائب «برايدل (Bridle)» المطرزة بأحجار الراين الشفافة والمزينة بنقشة الدار الكلاسيكية المتقاطعة باللون البيج، بالإضافة إلى نظارات شمسية بمفصل معدني على شكل شعار الفارس «نايت (Knight)» الخاص بالعلامة؛ مزينٍ بأحجار الكريستال.

في أول تشكيلة رمضانية له وضع جوناثان آندرسون لمساته على حقيبة «لايدي ديور» بشكل زادها أناقة (ديور)

«ديور» لم تخرج من السباق، بل دخلته بقوة أكبر هذه المرة؛ فجوناثان آندرسون، الذي قدم أول مجموعة من خط الـ«هوت كوتور» منذ فترة قصيرة أبهر بها عالم الموضة، يقدم هنا أول مجموعة رمضانية له أيضاً. بحسه الفني، فتح فصلاً جديداً احترم فيه ذوق المرأة العربية، مدركاً أنها لا تريد تغيير رموز الدار الأساسية: فهي تعشقها.

«لايدي ديور» مطرزة بالورود (ديور)

حقيبة «لايدي ديور» مثلا عادت بلمسة مميزة عبارة عن عقدة أنيقة بتوقيع خاص من المصمم، وأخرى تكسوها زخارف زهرية دقيقة من مئات البتلات الوردية. لم يكن الغرض منها مخاطبة امرأة معروفة بحبها التطريز والبريق، بقدر ما كان احتراماً لإرث دار عشق مؤسسها الورود وزرعها بحب في حدائقه وأزيائه كما في عطوره وإكسسواراته.

لم تعد الألوان مقتصرة على ألوان الصحراء والذهبي... ودخل العنابي على الخط في كثير من الإكسسوارات (ديور)

في هذه المجموعة، لم يكتف آندرسون بالأزياء والإكسسوارات، مثل حقيبتَي «لايدي ديور» و«ديور بو» أو أحذية لكل المناسبات المهمة فقط، بل أبدع مجموعة من المجوهرات يمكن أن ترتقي بأي زيٍّ مهما كانت بساطته. لم يغب اللون الذهبي عن المجموعة، لكنه أضاف إليه مجموعة بألوان العنابي والوردي والأبيض ليخاطب كل المناسبات والأذواق.