مجتمع الشعراء في مهرجان الشارقة للشعر العربي

لافتات إعلانية كبيرة تروج للحدث الشعري وتعلق صوره في الشوارع

مجتمع الشعراء في مهرجان الشارقة للشعر العربي
TT

مجتمع الشعراء في مهرجان الشارقة للشعر العربي

مجتمع الشعراء في مهرجان الشارقة للشعر العربي

لا نكاد نجد على طول الخريطة العربية اليوم مهرجاناً للشعر العربي الفصيح يجمع هذا العدد الهائل سنوياً من الشعراء إلا في الشارقة. إنه مهرجان يتجاوز بالتأكيد صفة الحدث الثقافي التقليدي الذي يستضيف شعراء بارزين من العالم العربي ويقيم لهم أمسيات أنيقة مؤثثةً بجمهور تفاعلي يضمن التواصل الضروري بين المبدع والمتلقي. وهكذا، نجد في هذا المهرجان سمات عديدة تميزه عن طابع الموسمية الذي يهيمن عادةً على الفعل الثقافي في كثير من فعالياتنا العربية، ونخص بالذكر تلك التي تُعنى بالثقافة والفن، لا سيما الشعر. جملة ما يمكن أن يخلص إليه من تابع أو حضر فعاليات هذا المهرجان هو أنه سعى ونجح إلى حد كبير في صنع مجتمع شعري متكامل الأركان يتعايش فيه المبدعون - وإن بصفة مؤقتة - لفترات غير قصيرة يتصل فيها النهار بالليل، فمن ندوات صباحية إلى أمسيات باذخة للشعر إلى سمر ليلي موسيقي في نُزل الشعراء يستمر حتى ساعات متأخرة من الليل على أنغام الطرب العربي الأصيل من أقطار ومدارس غنائية شتى. ثم يتواصل اللقاء بعدها في بهو الفندق في جلسات متفرقة هنا وهناك حتى ليُخيل للمتابع أن المكان تحول إلى حي سكني يقطنه شعب من الشعراء لا يتحدثون سوى في الشعر وعنه. وبالتوازي مع ذلك، يتناوب الشعراء الضيوف طيلة أيام المهرجان على مكاتب القنوات الفضائية والصحف والإذاعات لتسجيل عدد من اللقاءات الإعلامية التي تصب كلها في أنهار الجدل الشعري والحوار الإبداعي الذي يناقش القصيدة، والقصيدة فقط.

لا أعرف مهرجانات عربية كثيرة للشعر يرفع منظموها في مدنهم لافتات إعلانية كبيرة تروج للحدث الشعري وتعلق صوره في الشوارع والممرات. هناك في الشارقة نجد في كل الشوارع المحاذية لقصر الثقافة الذي يتوسط بفخامته المدينة صوراً للمهرجان تروج لأماسيه الرئيسية. وعند كل مساء نرقب توافد عائلات بأكملها على القصر باحثين عن موائد الشعر ومنصتين لما يقوله الشعراء، مصطحبين مسنّيهم وأطفالهم في مشهد عائلي يحتضن الثقافة كما لم نعتد أن نراه اليوم وسط عالم تسوده آلة النيو ليبرالية الاقتصادية التي همّشت الفنون الجميلة لمصلحة قيم الاستهلاك. وبالانسجام مع النشاط المسائي في قصر الثقافة، وفي الشارقة نفسها خلال أيام المهرجان الشعري، ما إن تمر على ساحل «شاطئ المجاز» الساحر، والذي يعبر اسمه عن توجه المدينة الثقافي، حتى ترى بالعين المجردة شعراء يمشون على الأقدام محتفين بنسائم الشتاء العليل في الشارقة، ومنهمكين في خوض حواراتهم الثقافية حول هذا الكائن الفني الهلامي الذي لا يمنحك بعضه حتى تمنحه كلك وأكثر.

إن مجتمعاً عربياً من الشعراء يمكن القول إنه قد تحقق بالفعل على أرض الشارقة، ولو لأسبوع واحد. جغرافياً حضوره كانت الشارقة وبالضبط بين النُّزل الفندقي والمسرح والمقاهي، حيث يتجمع الشعراء من مختلف الأقطار العربية، ويتحدثون ويتسامرون وقد يتشاجرون أيضاً حول هذا الموقف الشعري أو ذاك. يتحدثون بصوت مرتفع ويصرخ بعضهم، وبعضهم الآخر يكتفي بالصمت متابعاً ما يقوله الأكثر سناً وتجربة. إنهم يسائلون الحداثة الشعرية عن منجزها، فهناك منهم من ينتصر لضرورة الموقف الحداثي أيّاً كان شكل النص، وهناك من لا يزال راديكالياً في موقفه من حيث ضرورة التركيز على قدسية الشكل الذي يُعبر من وجه نظره عن صلابة عمود الشعر وأصالة بنيته. أحاديث تطول وتتوسع إلى تقييم حالة المشهد الثقافي العربي من حيث مساحة حضور الشعر ومصداقية الجوائز والتواصل المفقود أو الموجود على مضض بين الأجيال الشعرية في عالم عربي أثمن ما يغيب عنه هو التواصل. ولعل هذا التواصل يعد من سمات مهرجان الشارقة أيضاً وفضائله، فإذا كان اليوم الأول الافتتاحي للمهرجان يعمد دائماً إلى تكريم تجربة شعرية فردية أو أكثر تنتمي غالباً إلى جيل رائد، فإن الافتتاح أيضاً يتضمن التنويه بعدد من المواهب الشابة التي توَّجَتها قصائدها المنشورة في «مجلة القوافي». هذه الأخيرة تقدم نفسها مجلةً خالصةً للشعر العربي الفصيح، فهي لا تنشر غيره ولا تكتب عن شيء آخر سواه، تتواتر أعدادها شهرياً حتى تتوج ختامها السنوي باختيار بضعة قصائد منشورة على طول السنة كي يُحتفى بها في المهرجان الرئيسي في مستهل السنة الموالية. تتطور حالة التواصل داخل مجتمع الشعراء حتى تصبح أمتن من الصلة العائلية، فتجدهم يتفقدون بعضهم في البهو والغرف مع كل موعد انطلاق للمسرح، يتفقدون بعضهم في مقاعد الباصات ثم يبدأون بالغناء طول مسافة السير، ويشربون قهوة الوصول أمام المسرح منتظرين بدء الأمسية. هكذا إذن تتواصل الحساسيات والحركات والأجيال الشعرية المختلفة بيُسر وسلاسة دون قطائع نظرية أو أخرى نفسية واجتماعية، وهكذا يتوحد الشعر بقرائه ومبدعيه.

إن ما يميز هذا المهرجان ليس صنعه مجتمعاً شعرياً مفترضاً فقط، بل هو أنه بات يحفز كل الشعراء الذين باعدتهم المسافات الجغرافية وفرقتهم سبل العيش على تقديم أنفسهم مع أوراق اعتمادهم الشعري لهذ المهرجان من بوابة القصيدة، والقصيدة فقط، دون وسطاء ودون محسوبيات. ذلك أن من حق أي شاعر أن يحضر مشاركاً في هذا المهرجان، ما دام قادراً على تقديم قصيدته للنشر، وهي وحدها من ستؤهله للمشاركة ضيفاً مُقدّراً، ومن ثم الانضمام إلى أسرة الشعر التي تتعاظم بأفرادها وبأجوائها لتكون مجتمعاً فسيحاً يمد أطرافه من الخليج إلى المحيط.

مجتمع الشعراء الذي تحدثنا عنه ملياً في هذه المقالة يشكل جزءاً من مشروع بدأ بالفعل منذ سنوات ويتعلق بمبادرة «بيوت الشعر» التي أصبحت تتنامى أعدادها في أكثر من قُطر عربي غير الشارقة. حدث ذلك لأول مرة منذ حوالي عشر سنوات حين أطلق حاكم الشارقة الشيخ سلطان القاسمي مبادرة تهدف إلى إحداث ألف بيت للشعر في العالم العربي يكون نشيطاً طول السنة ويرعى المواهب الشعرية على غرار تجربة «بيت الشعر» في الشارقة. تطور الأمر وتم افتتاح عدد كبير من بيوت الشعر في الأردن ومصر والسودان والمغرب وموريتانيا وتونس. هذا المشروع أسس حالة جديدة في المشهد الثقافي يمكن أن نسميها «اللجوء الشعري» للشعراء داخل بلدانهم إلى مؤسسة «بيت الشعر» التي تعزل نفسها عن ضجيج الحياة الاعتيادية، وتقيم وطناً شعرياً موازياً يحتفي فيه الشعراء بقصائدهم، ويعانقون بعضهم بعد الإنصات والإنشاد والكتابة. إنه وطن الشعراء الذي يتشكل ومجتمع يضم كل أفراد عائلاته الشعرية التي تكبر كل يوم. وفي الحقيقة، لقد أسهم نشاط هذه البيوت داخل كل بلد في خلق حالة الانتماء لوطن القصيدة التي لا يعترف بالحدود الفاصلة ولا ينغلق فيه الفرد الشاعر على انتمائه القطري أو الثقافي أو حتى العرقي والطائفي. كيف يمكن لأي منا أن يتجاوز فرحته بجمالية هذا الإنجاز الذي جعل الشعر مفتاحاً للوحدة العربية في أبهى تجلياتها الفنية والإنسانية!

إن زبدة ما نود قوله عن مهرجان الشارقة للشعر العربي، هو أننا اليوم وفي بلدان عربية كثيرة باتت محجاً للمبدعين بحاجة لدعم فكرة المجتمع الشعري والإبداعي، وليس فقط لفعاليات ثقافية تنشط وتخمد بصفة روتينية بين موسم وآخر. وإذا كانت بشائر هذا التصور الجديد للقاء الشعري قد أصبحت تنضج بوضوح في مراكز ثقافية عربية كبرى كالسعودية والإمارات، فإن الحاجة اليوم باتت ملحة لتعميم وتكريس النموذج على امتداد الخريطة العربية كلها. فمجتمع الشعراء كما هو معلوم يخدم مسيرة السلام وينحاز بالضرورة لقيم الحضارة في مفهومها الكوني، إنه مجتمع مسالم ينتصر للجمال ويناهض الكراهية والتطرف والانغلاق. وعلى هذا الأساس ينبغي أن يتجسد حضوره عربياً، كما تجسد بالفعل في مهرجان الشارقة.

* شاعر من المغرب



حكايات مسكونة بالأسى وإحساس فادح بالذنب

حكايات مسكونة بالأسى وإحساس فادح بالذنب
TT

حكايات مسكونة بالأسى وإحساس فادح بالذنب

حكايات مسكونة بالأسى وإحساس فادح بالذنب

في مجموعتها القصصية «متحف الأخطاء» الصادرة أخيراً عن «دار الشروق» بالقاهرة، تنظر الكاتبة المصرية منصورة عز الدين إلى السرد عبر عدسةٍ مراوغة، ليتشكّل من خلال تخوم اللغة، ويختبر حدود المكان وموقع الإنسان داخله، فالشخصيات تتحرّك داخل مساحات من سعادة متوتّرة، تقتطع من العالم أزمنةً تتلكّأ في مغادرتها، أو تُوسّعها عبر الخيال، تحت وطأة سؤالٍ خفي؛ هل نسير إلى الأمام أم إلى الخلف؟

مفهوم «الخطأ» الذي يؤرّق بطلة القصة الأولى، يتسرّب صداه عبر قصص المجموعة بوصفه خيطاً ناظماً، حيث يُعاد تعريفه والالتفاف حوله، من خلال أبطالٍ مُنسحبين، ينظرون إلى وجودهم في العالم بوصفهم «ذنباً» يستوجب الاعتذار، فيعتري بطلة قصة «متحف الأخطاء» تطرّفٌ حاد في استجابتها للمحيطين بها: «عاشت لبنى كأنها تعتذر للعالم عن وجودها فيه»، فيبدو إيقاع حياتها مشدوداً إلى الحذر والانسحاب، ومحاولات دائمة للتغلّب على «دبيب الذنب»، ولا يلبث هذا الإيقاع أن يتكرّر بوجهٍ آخر لدى بطلة قصة «هذا كل ما في الأمر»، التي يغمرها شعور خفي بأنها مدينة للآخرين بشيءٍ لا تعرفه.

أبعد من إِرم

تتبدى نصوص المجموعة بوصفها قصصاً مُنفصلة، في حين تطرح الكاتبة «ثلاثية» قصصية تُقرأ كمُتتالية قصصية متصلة، عبر «رفقة ظلي»، و«أبعد للمشتاق من إرم»، و«تفاح نورماندي»، التي تتوزّع فيها الحكاية بين ثلاث شخصيات يتقاطع مسارهم داخل زاوية قدرية مشتركة، وفي لعبةٍ فنية تُبنى على تناوب الضوء والظل على ملامح أبطالها، تتشكل الحكاية عبر كشف وإضمار، لترسم عالماً مشدوداً إلى الأسى، على هيئة مثلثٍ مغلق: الزوج، والزوجة، والحبيبة.

يبدو تعقيد هذه العوالم، في ظاهره، نابعاً من تباعد المكان السردي الذي يجمع الشخصيات الثلاث، حيث يتفرّقون بين بلدانٍ متباعدة، غير أن هذا التباعد الجغرافي، وفروق التوقيت، لا يلبثان أن ينزاحا لصالح غربةٍ داخلية أعمق، يعيشها كلّ منهم على حِدة، فتغدو محاولات التواصل بينهم مدفوعةً بالاشتياق والغيرة، والحيرة معاً.

ففي «تفاح نورماندي» تنشغل الزوجة الفرنسية بتتبّع فتور علاقتها الزوجية، وتبدأ في البحث عن شواهِد عبر تفاصيل يومية؛ هاتفٌ مغلق، وآخر صامت، وإفراطٌ في استخدام زوجها لتعبيرات «الإيموجي» في تعليقات موجّهة إلى امرأة بعينها عبر مواقع التواصل، على غير عادته. تتحوّل هذه التفاصيل، بالنسبة لها، شواهد على علاقة تتشكّل في الخفاء، يتبعها تتبعٌ مستمر لتحديثات الصور على «إنستغرام» على كل من حِساب زوجها وحِساب الفتاة التي تُراودها الظنون بشأنها، حيث تغدو المقارنة بين تلك التحديثات أداةً لقراءة تطوّر علاقتهما المُفترضة.

من هنا تنزلق البطلة إلى «التلصّص» لاستكمال أحجية انجذاب زوجها إلى أخرى، في لعبةٍ سردية تستثمر فيها منصورة عز الدين توتّر الحب الذي يُضاعفه الفضاء الإلكتروني، في مقابل واقعٍ يتآكل بصمت، حيث لا تعود «الافتراضية» نقيضاً له، بل امتداداً ملتبساً يعيد تشكيل حدوده.

وفي موازاة ذلك، يقترب السرد من الزوج السوداني «إدريس»، بطل قصة «أبعد للمشتاق من إرم»، الذي لم يكن سفره إلى آيوا سيتي سوى تكريس لمسافاتٍ عاطفية طويلة تفصله عن زوجته المقيمة في فرنسا. تُزعجه اتصالاتها، في وقتٍ يحنّ فيه إلى مَرابع قريته القديمة في السودان، ويلازمه طيف امرأةٍ أخرى، تتبّع الزوجة حضورها بحدسها عبر ما تلتقطه من إشاراتٍ «خوارزمية» على مواقع التواصل.على هذا النحو، تبدو القصص الثلاث وكأنها انعكاساتٍ لعلاقة تتآكل، وأخرى مُحاصَرة داخل طيفٍ من نُحب.

ورغم تعدّد واتساع الأماكن التي تدور فيها قصص المجموعة، فإن الكاتبة تضع أبطالها داخل مساحاتٍ أضيق، سواء عبر الحنين أو المراجعة الذاتية، حيث ينسحبون من دوائر الصخب إلى عزلاتٍ صغيرة؛ السير في حديقة، أو الوقوف في ظلّ شجرة، حيث «الجمال واضح لمن يرغب في رؤيته»، وهي عبارةٌ تنسحب على الشجن والرحيل، كما في قصة «نجمة الصباح»، حيث تصنع البطلة عالماً موازياً على الورق، تبتكر فيه بطلةً مُتخيلة، قبل أن تتداخل معها تدريجياً في حياةٍ رحيبة لا تُغادر خطواتها طاولة المقهى الذي تجلس فيه، حيث «الأحلام تعبر الجسر قبل أصحابها».

حمولة اللغة

في مستوى آخر، تبدو اللغة في المجموعة ساحة أخرى للاشتباك، والمناورة والتوتّر، بحمولتها الثقافية والعاطفية، فبطلة «هذا كل ما في الأمر»: تستدعي رد فعلها الانفعالي تجاه صديقتها الفرنسية فتقول: «رددت بالعربية بعبارات مقتطعة، ثم حين استعادت أنفاسي بعض انتظامها، أخبرتها بالإنجليزية أنها أفزعتني، وأنني كنت فقط أتأمل النهر، فردّت عليّ بفرنسيتها المتعالية»، ليبدو اللجوء إلى اللغة الأم فعلاً عفوياً منحازاً للذات والحزن، فتلوذ البطلة بلغتها العربية وهي تستعيد «نوازلها وأحزانها» القديمة في دفقة شعورية متصلة، تعجز صديقتها عن التقاط معناها بلغتها الفرنسية، مكتفية بالتعاطف والمؤازرة، في حين يلوذ بطل قصة «ثوب العالم» بلغة الصمت: «أنتظر أن يأتي من يتحدث بلغتي؛ كي أطلعه على سر من أسراري».

ورغم هيمنة الزمن المعاصر على قصص المجموعة، تشد الكاتبة خيطها الناظم القائم على تمثيلات «الأطياف» ومراياها، إلى فضاءٍ برزخي يتجاوز حدود الزمان والمكان، مستعيدةً التراث وعالم الليالي في قصة «سرحة الغزلان»، لا من مركز «شهرزاد»، بل من موقعها بوصفها طيفاً تستدعيه زوجة «شهريار»، التي أُلصق بها ذنب الخيانة عبر التاريخ.

من هذا الموضع السردي المغاير، تُستعاد الحكاية من طرفها المهمَّش، فتُزاح السردية المكرَّسة إلى موضع الشك، في لعبةٍ فنية تُعيد توجيه الحكاية لتقويض مركزها، فيصدر السرد هنا عن صوت «جُلبهار»، الزوجة التي تستيقظ في برزخها عقب غدر شهريار بها وقتلها، لتعيد تأويل الحكاية من جديد.

 في هذا الانزياح، لا تعود صورة «الملك السعيد» بوصفه الملك المأزوم الذي تُبرَّر جرائمه بوصفها ردّ فعل على خيانة زوجته، بل يُعاد النظر إليها بوصفها سردية كرّست العنف وبرّرته. ومن ثم، يتقدّم صوت «جُلبهار» بحمولة «ما ورائية»، مخاطباً «شهرزاد» بصوتٍ يُخلخل منطق الحكاية والنجاة بها، مُتسائلاً: «أَمِن المجدي هدهدة السفّاح بالحكايات؟».


المسرح الصيني: تنوع في الأفكار والأساليب الفنية

المسرح الصيني: تنوع في الأفكار والأساليب الفنية
TT

المسرح الصيني: تنوع في الأفكار والأساليب الفنية

المسرح الصيني: تنوع في الأفكار والأساليب الفنية

يشكل تنوع الأفكار واختلاف الأساليب الفنية في عالم الإبداع عبر القرن العشرين جوهر كتاب «مختارات من المسرح الصيني الحديث» الصادر في القاهرة عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة، ضمن سلسلة «آفاق عالمية»، تقديم الناقد والأكاديمي محسن فرجاني، بمشاركة المترجمات أسماء مصطفى عيطة، وبسمة طارق، ودينا تهامي، وسارة عزت، وبسمة طارق، ورانيا فتحي وياسمين شوري.

استهل فرجاني، الأستاذ المساعد بكلية الألسن بجامعة عين شمس، الكتاب البالغ 447 صفحة بمقدمة مستفيضة خلُص فيها إلى أن ترجمة المسرح الصيني الحديث تستلزم وعياً عميقاً بالأوبرا الكلاسيكية وتقنياتها ورموزها، مشيراً إلى أن طغيان الآيديولوجيا السياسية على العمل المسرحي الصيني قد غيّب أحياناً شخصيته الفنية الجمالية في بعض مراحل البدايات الأولى، لا سيما في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.

وشهد المسرح الحديث خلال الستينات والسبعينات قفزة نوعية في الأداء والمحتوى، لا سيما في الجانب التجريبي الذي ركز على مسرحة الأعمال الأدبية، ورغم أن رياح التحديث شملت عموم الأدب الصيني، فإن المسار لم يكن سهلاً حتى في المناطق المنفتحة جغرافياً وتاريخياً على الغرب؛ حيث لم تنضج هذه التجربة وتتوسع آفاقها إلا في الستينات.

وفي هونغ كونغ، مثّلت الستينات حقبة النهوض الفعلي، ممهدةً لظهور فرق مسرحية متطورة نصاً وعرضاً. ومع حلول الثمانينات، بدأ تحول جذري بانتقاد الهيمنة السياسية والتاريخية على الدراما؛ ما أطلق «فترة جديدة» من الإبداع غير المسبوق. تعززت هذه المرحلة بحركة ترجمة واسعة للمسرح الغربي، أتاحت للمسرحيين الصينيين التفاعل مع الاتجاهات العالمية المعاصرة وتجاوز النمط الواقعي التقليدي. واستمر هذا التمازج مع التيارات الغربية حتى نهاية القرن العشرين؛ ليتزامن مع النهضة الاقتصادية للصين ظهور تيار مسرحي حديث يجمع بين الحداثة والخصوصية الصينية.

ويؤكد الباحث أن اختيار تلك النصوص يهدف إلى سد الفجوة المعرفية في المكتبة العربية، حيث توقفت الترجمات المباشرة والوسيطة للمسرح الصيني عند مطلع السبعينات؛ ما جعل من الضروري متابعة تطور هذا الفن كتابةً وعرضاً. وفيما يخص المسرح الكلاسيكي الصيني، يرى فرجاني أن المكتبة العربية عانت شحٍاً واضحاً، باستثناء محاولات نادرة مثل ترجمة بهي الدين زيان لمسرحية «الفتاة ذات الشعر الأبيض» للكاتب هوشنغ شي عام 1957. ويظل الكاتب تساو يو هو الأكثر حضوراً على الساحة العربية من خلال أعمال، مثل «عاصفة رعدية» و«شروق الشمس» الصادرتين عن سلسلة «المسرح العالمي» بالكويت، و«أهل بكين» عن وزارة الثقافة السورية.

ومن أبرز النصوص التي يضمها الكتاب مسرحية «المسافر» لرائد الأدب الصيني لوشون (1881- 1936)، وهو المفكر والشاعر والناقد الأدبي الذي تعدّه الدوائر الثقافية اليابانية المعاصرة «أهم كاتب من جنوب شرقي آسيا في القرن العشرين»، بصفته المبدع الأكثر شهرة خارج بلاده.

ورغم أنه معروف روائياً وقاصاً، وكان أول كاتب قصة حديثة في تاريخ الصين، فإن العمل يكشف عن وجه مختلف له، لا سيما أنه يترجم للعربية للمرة الأولى في لغة تحافظ على سمة الحس الشعري التي ميزت النص الأصلي الذي نُشر للمرة الأولى عام 1925. وهناك كذلك مسرحية «اصطياد النمر» لأحد أهم مؤسسي الدراما الصينية الحديثة وهو المبدع تيان هان (1898- 1968)، وهو أيضاً شاعر ومترجم وكاتب سيناريو وروائي، والذي تحولت المقاطع الأولى التي وضعها لأغنية السور العظيم لتصبح كلمات النشيد الوطني للبلاد.، كما أن كتاباته الدرامية كان لها أثرها في نشأة المسرح الصيني الحديث. ومن أبرز كتاباته في المسرح الحديث «ليلة في المقهى»، و«سبع فتيات تحت المطر»، و«أنشودة عودة الربيع» و«أعداء بلا بنادق».

وبالكتاب أيضاً مسرحية «اخفض صوتك» للكاتب المسرحي والفنان تشن ليتنيغ الذي ترادفت سنوات عمره مع سنوات زمن الحداثة الصينية تقريباً، حيث عاش مائة وثلاث سنوات (1910- 2013)، بالإضافة إلى كتاباته المسرحية في فترة مبكرة من حياته؛ فقد اتسعت دائرة نشاطه الفني فشملت الإخراج المسرحي والسينمائي وكتابة السيناريو.

ويضم الكتاب أيضاً ثلاثة نصوص درامية للمسرحي الصيني دينيغ شيلين (1892 -1974)، ويعدّ أهم من كتب دراما الفصل الواحد.


أرز لبنان الذي تغنى به الشعراء وباعه التجار

أرز لبنان الذي تغنى به الشعراء وباعه التجار
TT

أرز لبنان الذي تغنى به الشعراء وباعه التجار

أرز لبنان الذي تغنى به الشعراء وباعه التجار

لطالما حظيت شجرة الأرز بمكانة مرموقة لم تتح لأي شجرة مماثلة عبر التاريخ، سواء تعلق الأمر بالملاحم والأساطير أم بالكتب المقدسة وقصائد الشعراء. ففي ملحمة غلغامش الشهيرة، لم يجد البطل السومري أفضل من أرز لبنان، لكي يبني من أخشابه بيوت أوروك، حتى ولو اضطره الأمر إلى مصارعة «خومبابا»، الكائن المرعب الذي عيّنه الإله «إنليل» حارساً للغابة. والأرزة هي الشجرة التي حرص الفينيقيون على الاستعانة بخشبها لصناعة سفنهم التجارية العابرة للبحار، والتي استعان بها الفراعنة للإفادة من زيوتها في تحنيط الموتى، واستعان بها العبريون لبناء الدور والقصور والمعابد.

كما ورد اسم الأرز أكثر من سبعين مرة في العهد القديم، بوصفه أحد أكثر الأشجار صلابةً وجمالاً وتحدياً لغضب الطبيعة وثباتاً في وجه الزمن. ففي سفْر الأخبار الثاني يكتب الملك سليمان لحيرام ملك صور، أثناء بناء الهيكل، رسالة جاء فيها «أرسل لي خشب أرزٍ وسروٍ وصندلٍ من لبنان، فأنا أعرف أن رجالك ماهرون في قطع خشب الأرز». وجاء في سفْر عزرا «أعطوا فضة للنحاتين والنجارين ومأكلاً ومشرباً للصيدونيين والصوريين كي يأتوا بخشب الأرز من لبنان إلى بحر يافا، حسب إذن قورش ملك فارس». أما في «نشيد الأناشيد»، فيرد شجر الأرز في موقعي الجمال والصلابة في آن واحد، فالعريس في النشيد «طلعته كلبنان رائع كالأرز»، فيما الحبيبان يأنسان إلى مسكن راسخ الأركان، يصفانه بالقول «جوائز بيتنا أرز وروافدنا سرو».

أمين الريحاني

ولعل الصفات الاستثنائية التي جعلت من الأرز موضع إعجاب الأنبياء والملوك في العهد القديم هي نفسها التي جعلته يظهر من جهة أخرى بمظهر الصلف والتشاوف الجالبين للشرور، بحيث جاء في المزمور السابع والثلاثين «رأيت الشرير متعالياً مثل أرز لبنان». كما جاء في سفر حزقيال «يا ابن آدم، قل لفرعون ملك مصر إني أشبّهك بشجرة أرز في لبنان، بهية الأغصان، وارفة الظل، شامخة تُطاول قمتها الغيوم. ولأن فرعون تشامخ وتكبّر، فإن الرب يكسره ويحطم فروعه، لئلا تشمخ شجرةٌ ما، مغروسة على المياه».

إلا أن التهديد بأوخم العواقب، لن يظل في دائرة البشر المستكبرين والشبيهين بالشجرة فحسب، بل سيتعدى ذلك ليطال الشجرة نفسها، وقد طفح بغرورها الكيل. وهو ما بدا واضحاً في المزمور التاسع والعشرين، حيث نقرأ ما حرفيته «صوت الرب عظيم القوة. صوت الرب يكسر الأرز. يكسر الرب أرز لبنان. يجعل لبنان يقفز كالعجل، وحرمون كولد الثور الوحشي». والأرجح أن يسرائيل كاتس، وزير الدفاع الإسرائيلي الحالي، كان يستند إلى الوعيد التوراتي نفسه، حين عمد قبل أيام إلى التهديد بإحراق لبنان وأرزه، على حد سواء.

سعيد عقل

أما اللبنانيون من جهتهم، فلم يكفوا عن التغني بالشجرة المعمرة، التي رأوا في مواصفاتها النادرة دليلاً آخر على فرادة لبنان، ورأوا في شموخها بعضاً من شموخه. ولأن الشجرة واحدة من الرموز القليلة التي اتفقوا عبر الزمن على الالتفاف حولها، فهم لم يترددوا في جعلها تتوسط علم الكيان الناشئ، ليصبح لونها الأخضر، بما يحمله من دلالات الخصب والنماء، اللون الثالث المضاف إلى بياض الثلوج والقلوب، وإلى احمرار الدماء المراقة على مذبح التحقق.

ولم يكن مستغرباً بالطبع، أن يجعل رشيد نخلة من الشجرة المعمّرة جزءاً من النشيد الوطني اللبناني، وهو الذي يسند ظهره وشعره إلى غابة أرز الباروك، الأمر الذي عكسه قوله في النشيد «إسمهُ عزّهُ، منذ كان الجدودْ، مجدهُ أرزهُ، رمزه للخلودْ». على أن نخلة لم يكتف من الأرز بهذه الإشارة المهمة التي يرددها ملايين اللبنانيين منذ أجيال، بل أفرد له قصائد ومنظومات عدة، كان من أكثرها حرارة وصدقاً قوله أثناء إبعاده القسري إلى فلسطين، عند نهايات الحقبة العثمانية:

تلفَّتُ من عليا فلسطين أبتغي

سواحلَ أرض الأرز والهضباتِ

فقلتُ لنفسي تلكُمُ الدار دارهم

رفاقي، وأهلي عنها ولِداتي

فهل حفروا قبري بمنْبت أرزها

ولفُّوا بخضراء الغصون رفاتي

إذا طاب موتي بعد يأسٍ وغربةٍ

وإن رقصتْ فوق الضريح عِدَاتي

اللافت أن رغبة الشاعر في أن يتحول خشب الأرز إلى نعش له، وترابه إلى مثوى، قد سرت لدى الكثير من شعراء لبنان مسرى النار في الهشيم، وتكررت عند غير مشتغل بالأدب والفن، وبينها قول داود عمون، البرلماني والحقوقي والشاعر اللبناني المعروف، وقد اضطرته الظروف القاهرة للابتعاد طويلاً عن وطنه الأم:

يا بني أمي إذا حضرتْ ساعتي

والطبُّ أسلَمَني

فاجعلوا في الأرز مقبرتي

وخذوا من ثلجه كفني

والواقع أن كل من يتابع نتاج الشعراء والكتاب اللبنانيين في القرنين السابقين، بخاصة في الفترة التي أعقبت ولادة دولة لبنان الكبير، لا بد له أن يلاحظ مدى ما خص به هؤلاء شجر الأرز من عناية واهتمام. لا بل إن التغزل بالأرز وصفاته ودلالاته الموحية، بات جزءاً لا يتجزأ من الصورة الزاهية التي رسمها للبنان، عشرات الشعراء والكتاب الذين اصطلح على وضعهم في خانة «المدرسة اللبنانية في الأدب». وإذا كان قد أطلق على شبلي الملاط لقب «شاعر الأرز»، فإن سعيد عقل رغم ذلك، هو الذي يستحق تلك التسمية، باعتباره أحد أكثر الشعراء الذين خصوا لبنان وجباله وأرزه بعشرات القصائد والمقطوعات، وبينها بيتاه الشهيران:

أهلي، ويغلون، يغدو الموت لعبتهم إذا تطلّع صوب السفح عقْبانُ

من حفنةٍ وشذى أرزٍ كفايتهمْ زنودهم، إن تَقلَّ الأرضُ، أوطانُ

وبصرف النظر عن القيمة الإبداعية للقصائد والنصوص المكتوبة في تمجيد الأرز، وقد اتسم بعضها بالوصف السطحي والإنشاء الركيك، فيما حفل بعضها الآخر بالبلاغة العالية والأسلوب المتقن، فقد انفرد المفكر والأديب اللبناني أمين الريحاني بتقديم مقاربة مغايرة لواقع الحال، تختلف تماماً عن المألوف البلاغي أو المدرسي.

كل من يتابع نتاج الشعراء والكتاب اللبنانيين في القرنين السابقين لا بد له أن يلاحظ مدى ما خص به هؤلاء شجر الأرز من عناية واهتمام

ففي مقالة له بعنوان «الأرز»، كتبها إثر زيارة قام بها إلى غابة بشرّي المعروفة، يستهل صاحب «قلب لبنان» المقالة بالقول: «وصلنا إليك يا أرز لبنان سالمين. ولكن الأمل تدهور من علياه، والخيال طاح عن سماه، والقلب نُكب في إيمانه وهواه، عندما أطللتُ على مجدك المكوّم تحت جفن الجبل»، وصولاً إلى قوله القاسي: «كنت أتخيل الزمان مجسماً في غابات الأرز، فرأيت الأرز مصغراً في كف الزمان».

ومع أن الريحاني ما يلبث لدى توغله في عمق الغابة، أن يصحح الصورة على نحو ما، ليوضح مستدركاً بأن ما يصح على الجبال والسهول والبحار، لا يصح على المعابد والآثار واللوحات، لأن هذه الأخيرة ينبغي معاينتها عن كثب، لكي يمكننا الوقوف على قيمتها الحقيقية، إلا أن ذلك لم يمنعه بالمقابل من الانتقاد الجريء لأسلافه الأقدمين، باعتبار أنهم أسهموا جميعاً في تقزيم غابة الأرز، لتنكمش على نفسها في ركن منعزل من الجبل، فكتب قائلاً «سمعتُ أصوات الفؤوس والمناجل في الغابات، وسمعتُ أصوات المطارق والمناشير في مصانع جبيل، ورأيت خشب الأرز في السفن الحربية التي غزا بها الفرس بلاد الإغريق».

وإذ يغفر الريحاني لأسلافه الفينيقيين قطعهم أشجار الأرز لبناء سفن متينة يمخرون بواسطتها أعالي البحار، بحثاً عن حياة أفضل وتبادلات تجارية رابحة، فإنه لم يغفر لهم تنازلهم عن تلك الأشجار العظيمة لغيرهم من الأمم والشعوب، ممن بنوا بواسطتها هياكل ومعابد وقصوراً باذخة، مقابل حفنات متفاوتة من الأموال. لا بل إن ما أصابه بالذهول، هو أن الأسلاف أنفسهم، هم الذين قدموا للإسكندر المقدوني، الخشب اللازم لبناء الأسطول الضخم، الذي تمكن بواسطته من إسقاط مدنهم الساحلية، واحدة تلو الأخرى. ولم يكن بالأمر المفاجئ تبعاً لذلك، أن يختتم الريحاني نصه المؤثر بالقول «ولكنها التجارة يا بني، التجارة على الدوام، في كل زمان ومكان».