ماذا سيذكر التاريخ عن ولاية الرئيس الـ46 وإرثه التاريخي؟

وضعت مجلة «تايم» جو بايدن واحداً من أفضل الرؤساء الذين تولّوا منصبهم لفترة واحدة في التاريخ الأميركي

أيام قليلة ويغادر الرئيس الأميركي بايدن البيت الأبيض تاركاً وراءه سجلاً من الإنجازات والإخفاقات التي سيذكرها ويقيمها التاريخ (أ.ف.ب)
أيام قليلة ويغادر الرئيس الأميركي بايدن البيت الأبيض تاركاً وراءه سجلاً من الإنجازات والإخفاقات التي سيذكرها ويقيمها التاريخ (أ.ف.ب)
TT

ماذا سيذكر التاريخ عن ولاية الرئيس الـ46 وإرثه التاريخي؟

أيام قليلة ويغادر الرئيس الأميركي بايدن البيت الأبيض تاركاً وراءه سجلاً من الإنجازات والإخفاقات التي سيذكرها ويقيمها التاريخ (أ.ف.ب)
أيام قليلة ويغادر الرئيس الأميركي بايدن البيت الأبيض تاركاً وراءه سجلاً من الإنجازات والإخفاقات التي سيذكرها ويقيمها التاريخ (أ.ف.ب)

يحرص كل رئيس أميركي على مغادرة السلطة وقد ترك بصمة خاصة في التاريخ الأميركي، من خلال ما أنجزه من سياسات اقتصادية، وإصلاحات اجتماعية، وعلاقات دولية. ويذكر التاريخ منذ عهد جورج واشنطن -أول رئيس للولايات المتحدة- البصمات التي تركها كل رئيس، وأبرز إنجازاته.

ويترك الرئيس جو بايدن منصبه بعد ولاية واحدة فقط، وقد شهدت السنوات الأربع كثيراً من الأحداث الدولية والمحلية والصراعات الحزبية والحروب، كما شهدت تقلبات اقتصادية وخلافات اجتماعية وأيديولوجية، فما الذي سيذكره التاريخ عن رئاسة بايدن وإرثه التاريخي؟ وأين سيضعه المؤرخون في قائمة الرؤساء الأميركيين؟ وهل سيذكره التاريخ بشكل إيجابي أم سلبي؟

«الكابيتول» الأميركي ونجاحات بايدن في تمرير تشريعات مهمة خلال ولايته رغم الانقسامات الحزبية (أ.ف.ب)

المشهد الأبرز

أبرز المشاهد في رئاسة بايدن هي المناظرة المأساوية بينه وبين الرئيس المنتخب دونالد ترمب في 27 يونيو (حزيران) 2024؛ حيث ظهر جلياً خلالها تراجع قدراته البدنية والذهنية، ما أثار المخاوف والشكوك لدى الناخبين وقيادات الحزب الديمقراطي حول قدرات الرئيس، لكنه أصرّ على الترشح مرة أخرى، إلا أنه خضع للضغوط الداخلية. التاريخ لا يُعطي تقييمات عالية للرؤساء الذين يقضون ولاية واحدة، بل يسجل تقييمات أفضل للذين قضوا فترتين في السلطة.

ورغم التبرعات الكبيرة التي حصدتها كمالا هاريس لحملتها، والدعم الحزبي من كبار قيادات الديمقراطيين، فإنها خسرت الانتخابات أمام منافسها دونالد ترمب. وتبادل الديمقراطيون أصابع الاتهام نتيجة هذه الهزيمة القوية، ووجهوا جانباً كبيراً من اللوم للرئيس بايدن لتأخره في الانسحاب من السباق.

وقد يكون من الصعب تقدير وتقييم كيفية تأثير إصرار بايدن على الترشح لولاية ثانية على فرص ترمب للفوز في الانتخابات في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي. ويعتقد بعض المراقبين أنه لو قرر الانسحاب أواخر 2022 فربما كان بقدرة مرشح آخر أصغر سنّاً وأكثر حيوية الفوز في الانتخابات الرئاسية التمهيدية، ولتمكن من هزيمة ترمب.

وبالتأكيد سيذكر التاريخ لبايدن أنه انسحب من السباق الرئاسي بشكل درامي في وقت متأخر جدّاً، ودفع بنائبته لخوض السباق دون انتخابات تمهيدية.

وقد يكون جزء من إرثه هو رسالة تحذير للأميركيين بعدم انتخاب أي شخص يتجاوز عمره 75 عاماً، كما يُطرح سؤال كبير حول الاتجاهات المستقبلية للحزب الديمقراطي.

وقد حمّلت جريدة «وول ستريت جورنال» الرئيس بايدن مسؤولية وضع ترمب شهيداً في مواجهة الملاحقات القضائية الكثيرة، وساعدت في فوزه بترشيح الحزب الجمهوري.

وكتب فرانكلين فوير -مؤلف كتاب البيت الأبيض في عهد بايدن- مقالاً في مجلة «أتلانتك»، قال فيه: «إن بايدن لا يستطيع الهروب من حقيقة أن سنواته الأربع في منصبه مهّدت الطريق لعودة دونالد ترمب، وهذا هو إرثه».

إنجازات قد يلغيها ترمب

الرئيس المنتخب دونالد ترمب وخططه لتغيير بعض أو كل الإنجازات التشريعية والبيئية والاقتصادية للرئيس بايدن (أ.ب)

بعض إنجازات بايدن التي يتفاخر بها هي تمرير قانون خفض التضخم للتعافي الاقتصادي في أعقاب «كوفيد-19»، وتمرير تشريعات للبنية التحتية والاستثمار، وقرارات تنفيذية بالتنازل عن قروض الطلاب، وقرارات حماية البيئة وتقليل انبعاثات الكربون، وقرارات لحماية المهاجرين. وقد وعد ترمب بالفعل بإلغاء بعض أجزاء قانون خفض التضخم، وإلغاء التنازل عن قروض الطلاب، وتعهّد بفتح الأبواب أمام شركات النفط والوقود الأحفوري، وتعهد مراراً بترحيل كل المهاجرين غير الشرعيين، كما يدرس أيضاً انسحاباً من منظمة الصحة العالمية.

أفغانستان وروسيا وإسرائيل

من الإخفاقات التي سيذكرها التاريخ لإدارة بايدن هو الانسحاب الفوضوي من أفغانستان وعودة حركة «طالبان» للحكم (أ.ف.ب)

وفي مجال السياسة الخارجية يتفاخر بايدن ومناصروه بالتحالفات التي أبرمها على مستوى «أيكوس» (بين الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا)، رغم أنها أثارت الخلافات بين واشنطن وباريس، وتحالف الرباعية «كواد» مع قادة اليابان وأستراليا والهند، لكن الانسحاب الأميركي الفوضوي من أفغانستان في 31 أغسطس (آب) 2021 وعودة «طالبان» للسلطة، سيكون في قائمة الإخفاقات في سجل بايدن.

وجانب آخر من إرث بايدن في مجال السياسة الخارجية يتعلّق بالحرب الروسية ضد أوكرانيا المستمرة منذ فبراير (شباط) 2022، دون أن تضع إدارته آفاقاً للنهاية، سوى الاستمرار في مساندة أوكرانيا بكل ما يلزم من مساعدات مالية وعسكرية وفرض العقوبات ضد روسيا، وقد يكون لعجز بايدن عن وضع نهاية لهذه الحرب عواقب وخيمة على أوكرانيا وحلف شمال الأطلسي، وتحالفات الولايات المتحدة بشكل عام.

إلا أن الصدع الحقيقي سيكون تعامل بايدن في دعم الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في أعقاب «طوفان الأقصى» في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، رغم الاعتراضات الداخلية من التيار التقدمي في حزبه الحاكم والمظاهرات التي اندلعت في الجامعات الأميركية ضد إسرائيل وحرب الإبادة التي تقودها ضد الفلسطينيين. وسيذكر التاريخ فشل إدارة بايدن في تأمين وقف لإطلاق نار دائم في غزة.

وليس واضحاً كيف سيُقيم التاريخ موقف بايدن من إسرائيل، وهل سيكون من منطلق مقارنته بالإدارات الأميركية السابقة التي لطالما دافعت عن إسرائيل وساندتها سياسياً وعسكرياً ودبلوماسياً، أم سيتم تقييم موقفه وسياساته من منطلق التباين والنفاق بين مساندته لأوكرانيا ضد عدوان روسيا، ومساندته لإسرائيل في عدوانها على الشعب الفلسطيني، وفوق ذلك، فإن مجيء ترمب إلى السلطة قد يقود إلى تغييرات في سياسة الولايات المتحدة تجاه إسرائيل بطريقة تطغى على ما فعله بايدن أو لم يفعله.

وقد توترت العلاقات بين الولايات المتحدة والصين في عهد بايدن، الذي أبقى على التعريفات التي فرضها ترمب في ولايته السابقة، لكن بايدن صعّد من التوترات والصدام مع الصين منذ عام 2021 حول معاملة بكين لهونغ كونغ، وتهديداتها لتايوان.

استعادة روح أميركا

وقد جاء بايدن إلى السلطة في يناير (كانون الثاني) 2021 في خضم جائحة «كوفيد-19» وتأثيراته الصحية والاقتصادية، وفي أعقاب أحداث 6 يناير، وهجوم أنصار ترمب على مبنى «الكابيتول». وقد وعد خلال حملته الانتخابية في عام 2020 وفي خطابه يوم التنصيب بتوحيد الأمة والانتقال من عصر ترمب المثير للانقسام، ورفع شعار استعادة روح أميركا.

وقد يكون القرار التنفيذي الذي أصدره بايدن في أواخر نوفمبر 2024، بالعفو الكامل والشامل عن ابنه هانتر بايدن، الذي كان يواجه عقوبة السجن في جرائم تتعلق بالتهرب الضريبي، واقتناء سلاح بشكل غير قانوني، القشة التي قصمت ظهر البعير، فهذا القرار واجه انتقادات.

من أفضل الرؤساء

وقد وضعت مجلة «تايم» الرئيس بايدن واحداً من أفضل الرؤساء الذين تولوا منصبهم لفترة واحدة في التاريخ الأميركي، وقالت إنه تمكّن من توحيد الحزب الديمقراطي حول قيادته في وقت مبكر من ولايته، مستفيداً من خبرته السياسية والدبلوماسية الواسعة على مدى ما يقرب من نصف قرن، منها 36 عاماً في مجلس الشيوخ و8 سنوات نائباً للرئيس باراك أوباما.

وأشارت المجلة في عددها الصادر في أعقاب الانتخابات الرئاسية الأميركية، إلى نجاح بايدن في تمرير قانون البنية التحتية بقيمة تريليون دولار، وتمرير قانون يُقلل الاعتماد على التصنيع الأجنبي لرقائق أشباه الموصلات، وقوانين لتشديد الرقابة على الأسلحة، وقانون خفض التضخم بقيمة 800 مليار دولار، الذي تم تمريره في أغسطس 2022، وتم تمرير كل هذه القوانين على الرغم من أغلبية ديمقراطية ضئيلة في مجلس النواب، وانقسام مجلس الشيوخ (50 عضواً ديمقراطياً و50 عضواً جمهورياً). وقالت المجلة إن هذه الإنجازات تجعل بايدن أهم رئيس أصدر تشريعات منذ ليندون جونسون.

الرئيس فولوديمير زيلينسكي (يسار) يمنح وساماً لجندي خلال حفل في كييف وسط الغزو الروسي في أوكرانيا المستمر منذ 3 سنوات (أ.ف.ب)

ودافعت المجلة أيضاً عن دور بايدن في إحياء حلف شمال الأطلسي، بعد غزو بوتين لأوكرانيا، وتوسيع الحلف بانضمام فنلندا والسويد عضوين، وعدّت انسحابه من السباق الرئاسي بالقرار الشجاع، لأن خوض السباق كان دافعه منع ولاية ثانية لترمب، أي من منطلق وطني وليس بدافع شخصي. وقالت المجلة: «لو كان بايدن تمكّن من منع ولاية ثانية لترمب لأصبح واحداً من الرؤساء العظماء».

ودافعت مجلة «ذا هيل» أيضاً عن بايدن، واستشهدت بالإنجازات التشريعية نفسها، وبخفض معدل البطالة من 6.3 في المائة إلى 4.2 في المائة، وتوفير تطعيمات لإنهاء «كوفيد-19»، وخفض تكلفة التأمين الصحي والأدوية، إضافة إلى تعيين كيتانجي براون جاكسون -أول امرأة من ذوي البشرة السوداء- قاضية في المحكمة العليا.

وقالت المجلة إنه نجح في إطلاق سراح أكثر من 70 أميركياً محتجزين رهائن لدى حكومات أجنبية، بمن في ذلك لاعبة كرة السلة بريتني غرينر، والصحافي إيفان غيرشكوفيتش، وكل منهما كان محتجزاً لدى روسيا.

وقالت دونا برازيل، الخبيرة الاستراتيجية والمعلقة بشبكة «إيه بي سي نيوز»، إن التاريخ سيذكر إنجازات بايدن، وأن الشعب الأميركي مدين له بالشكر والامتنان لكل ما حققه للبلاد.

إنه الاقتصاد دائماً

والجانب الأكثر تذكراً لرئاسة بايدن هو ارتفاع مستويات التضخم في عامي 2021 و2022، الذي بلغ ذروته عند 9.1 في المائة منتصف عام 2022، وأصبح الملف المفضل للجمهوريين ضد بايدن في حملات الانتخابات النصفية التشريعية عام 2022، وفي الانتخابات الرئاسية عام 2024، وقد ظلّت تكلفة المعيشة وأسعار السلع والخدمات والرهون العقارية تحتل المرتبة الأولى في اهتمامات الناخبين، في استطلاعات الرأي، وهو ما دفع تقييم تأييد بايدن لدى الأميركيين إلى الانخفاض مع تراجع شعبيته عن معظم الرؤساء الأميركيين. ووفقاً لمعظم التحليلات التي أجريت بعد انتخابات 2024، كان الاقتصاد هو العامل الأكبر وراء فوز ترمب الكبير.

ولا شك في أن رئاسة بايدن ستقترن بعدم الرضا الاقتصادي للأميركيين، وهو ما يضعه في القائمة نفسها مع رؤساء سابقين، مثل جيمي كارتر وجورج بوش الأب، فقد شهدت فترة كارتر اضطرابات اقتصادية واضحة، من ركود تضخمي وانكماش للاقتصاد، كما شهدت فترة بوش الأب أيضاً فترة ركود.

ويعتقد عدد من خبراء الاقتصاد أن خطة الإنقاذ الأميركية -وهو أول تشريع لبايدن لمساعدة المتأثرين بالوباء- أسهمت إلى حد ما في ارتفاع التضخم.

ويدافع مناصرو بايدن عنه، مشيرين إلى أن ارتفاع التضخم كان نتيجة تفشي وباء «كوفيد-19»، واختلال سلاسل التوريد، ومن ثم لا يمكن إلقاء اللوم على بايدن، خصوصاً أن الرؤساء لا يملكون التحكم في الاقتصاد إلا بقدر ضئيل، لكن جانباً آخر من المحللين يشيرون إلى أن التاريخ يسجل للرؤساء الأميركيين الفضل أو اللوم في كيفية أداء الاقتصاد خلال ولايتهم، ويكفي أن بايدن سيخرج من البيت الأبيض بأقل معدل في التأييد والشعبية بين جميع الرؤساء الأميركيين.


مقالات ذات صلة

ترمب ينقض قرارات أوباما المناخية بعدّها «عملية احتيال»

الولايات المتحدة​ باراك أوباما مع ترمب خلال جنازة الرئيس جيمي كارتر (أ.ف.ب)

ترمب ينقض قرارات أوباما المناخية بعدّها «عملية احتيال»

نقض الرئيس الأميركي دونالد ترمب قرارات اتخذها سلفه باراك أوباما عام 2009 كأساس لجهود الولايات المتحدة في تنظيم انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.

علي بردى (واشنطن)
يوميات الشرق بيل ستيفنسون طليق السيدة الأميركية السابقة جيل بايدن (شرطة مقاطعة نيو كاسل- فيسبوك)

في قضية وفاة زوجته... توجيه تهمة القتل إلى طليق جيل بايدن

أعلنت السلطات الأميركية توجيه تهمة القتل العمد إلى طليق السيدة الأولى الأميركية السابقة جيل بايدن، على خلفية وفاة زوجته عقب شجار عائلي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي منازل فلسطينية متضررة بشدة خلال العملية العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة في بيت لاهيا شمال القطاع 18 ديسمبر 2024 (رويترز) p-circle

سفارة أميركا لدى إسرائيل عرقلت رسائل حذّرت من «أرض خراب كارثية» في غزة

حذّر موظفو الوكالة الأميركية للتنمية الدولية في أوائل 2024 المسؤولين الكبار في إدارة الرئيس السابق جو بايدن من أن شمال غزة مهدد بالتحول إلى أرض خراب كارثية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية بايدن ونتنياهو خلال زيارة الرئيس الأميركي لتل أبيب في 18 أكتوبر 2023 (أ.ب) p-circle

«نكران الجميل» عند نتنياهو يصدم بايدن ورجاله

أراد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الإطراء لنفسه والنفاق للرئيس الأميركي دونالد ترمب، فوجد نفسه يدخل في صدام مع مستشاري الرئيس السابق جو بايدن.

نظير مجلي (تل أبيب)
الولايات المتحدة​ رئيس هيئة الأركان المشتركة للقوات الجوية الأميركية الجنرال دان كين يشرح نتائج الضربات على المنشآت الإيرانية خلال مؤتمر صحافي في البنتاغون يوم 26 يونيو الماضي (أ.ف.ب)

ترمب نفّذ ضربات في عامه الأول تعادل ما نفذه بايدن في كامل ولايته

مجموع الضربات التي نفّذت منذ تولي ترمب ولايته الثانية في 20 يناير (كانون الثاني) 2025، إلى 672 ضربة جوية أو بطائرات مسيرة مقارنة بـ694 خلال كامل ولاية جو بايدن.

«الشرق الأوسط» (باريس)

لماذا لا يمكن أن يتأخر عقد قمة ترمب وشي أكثر؟

 دونالد ترمب وشي جينبينغ يتصافحان بعد محادثات القمة الأميركية الصينية بمطار جيمهاي الدولي في بوسان بكوريا الجنوبية (أ.ب)
دونالد ترمب وشي جينبينغ يتصافحان بعد محادثات القمة الأميركية الصينية بمطار جيمهاي الدولي في بوسان بكوريا الجنوبية (أ.ب)
TT

لماذا لا يمكن أن يتأخر عقد قمة ترمب وشي أكثر؟

 دونالد ترمب وشي جينبينغ يتصافحان بعد محادثات القمة الأميركية الصينية بمطار جيمهاي الدولي في بوسان بكوريا الجنوبية (أ.ب)
دونالد ترمب وشي جينبينغ يتصافحان بعد محادثات القمة الأميركية الصينية بمطار جيمهاي الدولي في بوسان بكوريا الجنوبية (أ.ب)

في ظل تصاعد الأزمات الدولية وتداخلها، من الحرب في الشرق الأوسط إلى التوتر في مضيق تايوان، تبدو الحاجة ملحة لعقد قمة بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ دون تأخير، لاحتواء المخاطر ومنع تحول التنافس بين القوتين إلى صدام مفتوح.

هذا ما أكده الباحث الأميركي البارز، مايكل دي. سوين، المتخصص في الشؤون الصينية والعلاقات الأميركية - الصينية، في تقرير نشرته مجلة «ناشيونال إنتريست» الأميركية.

ويقول سوين إن الحرب المتوقفة حالياً في إيران تحمل بطبيعة الحال تداعيات هائلة على السلام والاستقرار في الشرق الأوسط وخارجه. ومن بين هذه التداعيات، يبرز تأثير هذا الصراع على قضية تايوان، وهي بؤرة توتر أخرى محتملة قد تنخرط فيها الولايات المتحدة (في هذه الحالة مع الصين كخصم)، بوصفها مسألة بالغة الأهمية.

ترمب وجينبينغ بعد محادثات القمة الأميركية الصينية بمطار جيمهاي الدولي في بوسان بكوريا الجنوبية (أ.ب)

ويضيف أن نشوب حرب صينية - أميركية حول تايوان سيكون حدثاً كارثياً، وربما يفوق بكثير في خطورته الحرب مع إيران. ومع ذلك، يرى بعض المراقبين أن اندلاع حرب نشطة في إيران قد يغري الصين بمهاجمة الجزيرة، نظراً لانشغال واشنطن عن قضية تايوان، وكذلك بسبب قيام البنتاجون بنقل أنظمة تسليح حيوية كانت مخصصة لردع بكين إلى الشرق الأوسط.

هذه المخاوف، إلى جانب مجموعة من الخلافات الثنائية في مجالي التجارة والتكنولوجيا، تجعل من الضروري أن يعقد الرئيس دونالد ترمب قمة طال انتظارها مع الرئيس الصيني شي جينبينغ في أقرب وقت ممكن من أجل تحقيق قدر من الاستقرار في العلاقات الثنائية. غير أن الفوضى المستمرة في الشرق الأوسط أدت إلى إلغاء وإعادة جدولة هذه القمة، حيث تم تأجيل

موعدها من أواخر مارس (آذار) إلى منتصف مايو (أيار)، ويرى سوين أنه إذا عقدت القمة في نهاية المطاف، فمن المرجح أن يكون أحد أبرز بنود جدول الأعمال هو القضية شديدة الحساسية المتعلقة بالانتشار العسكري عبر مضيق تايوان، بما في ذلك مبيعات الأسلحة الأميركية إلى تايبيه. وقبل اندلاع الحرب في إيران، صرح ترمب في 16 فبراير (شباط)، على متن طائرة الرئاسة، بأنه أجرى «محادثة جيدة» مع الرئيس شي جينبينغ حول مبيعات الأسلحة الأميركية إلى الجزيرة.

وأثار هذا التصريح جدلاً واسعاً في واشنطن، لأنه يبدو أنه ينتهك إحدى ركائز سياسة «الصين الواحدة» كما يتم تقديمها حالياً، وهو ما يعرف بـ«الضمانات الـ6» المقدمة لتايوان. وبشكل محدد، تتضمن هذه الضمانات تأكيداً على أن الولايات المتحدة لم توافق على إجراء مشاورات مسبقة مع بكين بشأن مبيعات الأسلحة. وهذا ما يجعل حديث ترمب مع شي حول هذه المسألة يبدو وكأنه خرق لسياسة يفترض أنها ثابتة.

لكن في الواقع، لم تكن «الضمانات الـ6» يوماً ركيزة صلبة في سياسة الولايات المتحدة تجاه تايوان. فقد صدرت في الأصل عام 1982 في عهد الرئيس الأميركي آنذاك رونالد ريغان، وتم التعامل معها في ذلك الوقت بشكل منخفض المستوى، ونادراً ما أشير إليها علناً من قبل المسؤولين الأميركيين. ولم يرفع شأن هذه الضمانات إلا في السنوات الأخيرة عندما قام الكونغرس بتكريسها عبر تشريعات لتصبح بياناً رسمياً للسياسة الأميركية. ونتيجة لذلك، باتت تذكر الآن إلى جانب البيانات المشتركة الثلاثة بين الولايات المتحدة والصين وقانون العلاقات مع تايوان بوصفها مكونات لسياسة «الصين الواحدة». إلا أن وضع هذه السياسات المختلفة في سلة واحدة يخلط بين حدود قانونية صارمة ومبادئ توجيهية عامة.

وعلى الرغم من هذا الرفع لمكانتها في الخطاب السياسي، فإن الضمانات الـ6، وخصوصاً ما يتعلق بعدم التشاور مع بكين بشأن مبيعات الأسلحة، ليست ملزمة قانوناً أو بنص تشريعي. فعلى عكس قانون العلاقات مع تايوان (وهو قانون أميركي ملزم داخلياً) والبيانات المشتركة الثلاثة (وهي اتفاقيات تنفيذية ملزمة بموجب القانون الدولي)، فإن الضمانات الـ6 هي تعهدات تنفيذية أقل شأناً من الناحية القانونية، ولا ترقى إلى مستوى المعاهدات أو القوانين الدستورية أو الالتزامات التشغيلية، رغم أنها تتمتع بثقل سياسي نتيجة دعم الكونغرس وتأكيد الإدارات السابقة لها.

وعلاوة على ذلك، حتى لو كانت هذه الضمانات ملزمة قانوناً، فإنها لا تحظر بالضرورة التشاور مع بكين بشأن مبيعات الأسلحة إلى تايوان. فصياغتها، التي تنص على أن الولايات المتحدة «لم توافق على التشاور مع جمهورية الصين الشعبية بشأن مبيعات الأسلحة لتايوان»، لا تشير إلى أفعال مستقبلية للحكومة.

كذلك، وعلى الرغم من أن قانون العلاقات مع تايوان ينص على أن توفير المعدات والخدمات الدفاعية يجب أن يتم «بناء فقط على تقدير الرئيس والكونغرس لاحتياجات تايوان»، فإن هذا لا يمنع إجراء مشاورات مع بكين.

إذ يمكن للرئيس والكونغرس أن يقدرا أن «احتياجات» تايوان تخدم بشكل أفضل من خلال التوصل إلى اتفاق استقراري مع الصين بشأن الانتشار العسكري ومبيعات الأسلحة.

وبالتالي، فإن الضمانات الـ6 تمثل إرشادات سياسية غير ملزمة، وإن كانت تحظى بدعم قوي من الكونغرس وسوابق رئاسية، ما يعني أن أي رئيس يمتلك سلطة قانونية واضحة للتفاوض مع بكين بشأن قيود عسكرية متبادلة تهدف إلى خفض التوترات وتحقيق الاستقرار في مضيق تايوان. ويمكن أن تشمل هذه القيود تفاهمات بشأن توقيت وحجم ونوعية مبيعات الأسلحة إلى تايوان، مقابل تخفيضات أو تأجيلات أو إلغاءات محددة وقابلة للتحقق في قرارات التسليح الصينية ذات الصلة، مثل القدرات البرمائية والصواريخ قصيرة المدى.

ويقول سوين إن أي خطوة من هذا النوع من المرجح أن تواجه ردود فعل قوية من الكونغرس والمؤسسة العسكرية، وقد تشمل تعديلاً لقانون العلاقات مع تايوان يمنع صراحة أي نوع من المشاورات أو المفاوضات مع بكين بشأن مبيعات الأسلحة. كما قد تحاول بكين استغلال مثل هذه المفاوضات لدفع الولايات المتحدة إلى إنهاء مبيعات الأسلحة بالكامل مقابل تنازلات أقل بكثير.

ولهذا السبب، ينبغي ألا تتم أي محاولة من هذا القبيل إلا في إطار حزمة أوسع من المبادرات الرامية إلى استقرار ليس فقط قضية تايوان، بل مجمل العلاقات الأميركية - الصينية. فمثل هذا النهج الشامل، إذا أسفر عن نتائج إيجابية، فقد يخفف من حدة المعارضة لمثل هذه المفاوضات، ويسهم في تقليل التوترات حول تايوان.

لكن للأسف، وعلى الرغم من الحاجة الملحة إلى قمة ثنائية لتحقيق قدر من الاستقرار المؤقت في العلاقات بين البلدين، لا يبدو أن إدارة ترمب قادرة على تنفيذ إعادة ضبط استراتيجية طويلة الأمد بهذا التعقيد. فبحسب كثير من التقديرات، تصاغ سياسة ترمب تجاه الصين بشكل ارتجالي، وتعتمد إلى حد كبير على انطباعاته الشخصية، مع تركيز شبه كامل على عقد «صفقات» في مجالي التجارة والاستثمار مع «صديقه» شي.

ترمب وشي خلال لقائهما بمدينة بوسان في كوريا الجنوبية (د.ب.أ)

ولا يوجد دليل على وجود استراتيجية متماسكة تجاه الصين قائمة على آراء الخبراء من الجهات المعنية، وعلى تقييم متزن للخيارات السياسية المختلفة.

كما أن حالة التهدئة الحالية مع بكين تبدو إلى حد كبير وهمية، قائمة فقط على «حسن نية» شخصي بين الزعيمين، وليس على مصالح دائمة. وبالتالي، فإن أي محاولة منفردة للتفاوض الجاد بشأن قيود على مبيعات الأسلحة المرتبطة بتايوان قد تنتهي بسهولة بكارثة.


سياسات ترمب الداعمة لإسرائيل وحرب إيران تقسم حركة «ماغا»

تظاهر ناشطون في حديقة لافاييت بالقرب من البيت الأبيض في واشنطن الثلاثاء (أ.ب)
تظاهر ناشطون في حديقة لافاييت بالقرب من البيت الأبيض في واشنطن الثلاثاء (أ.ب)
TT

سياسات ترمب الداعمة لإسرائيل وحرب إيران تقسم حركة «ماغا»

تظاهر ناشطون في حديقة لافاييت بالقرب من البيت الأبيض في واشنطن الثلاثاء (أ.ب)
تظاهر ناشطون في حديقة لافاييت بالقرب من البيت الأبيض في واشنطن الثلاثاء (أ.ب)

أدت سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترمب حيال إسرائيل وحرب إيران إلى انقسامات وصفت بأنها «حقيقية» و«جوهرية» داخل قاعدة مؤيديه ضمن حركة «فلنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى»، المعروفة اختصاراً باسم «ماغا»، بمن في ذلك المؤثرون الناشطون عبر شبكات التواصل الاجتماعي، ومنها منصته «تروث سوشال».

ويكمن التوتر الأساسي في أن معتنقي شعار «أميركا أولاً» يركزون على ضرورة تفرغ إدارة ترمب لمعالجة القضايا الداخلية للمجتمعات الأميركية المختلفة في بلد يزيد عدد سكانه عن 340 مليون نسمة، والتخلي عن الدعم غير المشروط الذي تقدمه الدولة العظمى لإسرائيل.

أنصار ترمب من حركة «ماغا» في مؤتمر للمحافظين بتكساس يوم 26 مارس 2026 (أ.ف.ب)

وأدت حرب إيران إلى تفاقم التوتر القائم أصلاً داخل «ماغا»، مع تزايد مخاوف المحافظين من نفوذ إسرائيل في السياسة الخارجية الأميركية. وبدأ هذا الانقسام مبكراً: عندما صرّح وزير الخارجية ماركو روبيو للصحافيين بأن الولايات المتحدة دخلت الحرب لأنها كانت تعلم أن إسرائيل ستضرب إيران، وأرادت استباق أي رد إيراني. وجادل مؤيدو ترمب المحبطون بأن الرئيس صار خاضعاً لضغوط الصقور من العسكريين، والمحافظين الجدد الذين ترشح ضدهم صراحة.

بانون يغادر المحكمة بعد النطق بالحكم في واشنطن (أ.ب)

وانقلبت النائبة السابقة مارجوري تايلور غرين على ترمب بعدما كانت من أكبر مؤيديه، متهمة إياه بأنه انحرف عن مبادئ «أميركا أولاً». وقالت إن الجنود الأميركيين «ماتوا وقُتلوا من أجل دول أجنبية». ورأت أنه «كان من المفترض أن يكون شعار: (فلنجعل أميركا عظيمة مجدداً) شعاراً لأميركا أولاً، لا لإسرائيل أولاً».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض (د.ب.أ)

وكذلك ندد كل من المؤثر تاكر كارلسون، والمذيعة كانديس أوينز والصحافية ميغان كيلي والمؤثر مات والش وغيرهم من المحافظين اليمينيين بحرب إيران باعتبارها خيانة لمبادئ «أميركا أولاً». وتصاعد الخلاف إلى مستوى شخصي. واعتبرت كيلي أن الحرب روج لها «أنصار إسرائيل أولاً مثل مارك ليفين»، وهو من أكبر المؤثرين المدافعين عن ترمب وسياساته، مما دفع ليفين إلى وصفها بأنها «مختلة عاطفياً، وفاحشة، ومتذمرة». وردت عليه كيلي بعبارات نابية.

وكتب نيك فوينتيس: «سيموت أميركيون في هجمات إرهابية وضربات صاروخية حتى تتمكن إسرائيل من توسيع حدودها في كل اتجاه. خاننا ترمب، و(نائب الرئيس جيه دي) فانس، و(وزير الخارجية ماركو) روبيو».

تباعد بين الأجيال

وكان ناخبو «ماغا» الشباب متشككين بشكل خاص. وسأل أحد الطلاب: «هل أعتقد أن من مسؤوليتنا دعم إسرائيل في أي شيء تفعله؟ بالطبع لا. قطعاً لا. من الواضح أن هذه الحرب تصب في مصلحة إسرائيل».

ووصفها آخر بأنها مسألة أجيال: «نتذكر ما كان عليه الوضع في عام 2022 -ارتفاع أسعار البنزين، وتهديد التدخل العسكري في حرب أوروبية. لن نقع في الفخ نفسه».

وتفاعل آلاف المستخدمين على «تروث سوشال»، التي أنشئت عام 2022، مع منشورات ترمب المتواصلة حول حرب إيران. وكتب بعضهم أنه يشعر بـ«الخيانة» من جراء تصاعد الحرب، وأنهم شعروا بالخزي عندما استخدم ترمب ألفاظاً نابية. ووصف أحدهم كلمات الرئيس بأنها «لا معنى لها على الإطلاق». ومع ذلك، لا تزال الاستطلاعات تشير إلى أن الجمهوريين لا يزالون يؤيدون الحرب على نطاق واسع، رغم تصاعد القلق والغضب على منصة «تروث سوشال».

الإعلامي الأميركي تاكر كارلسون (أ.ب)

ويبلغ عدد مستخدمي «تروث سوشال» نحو ستة ملايين شخص مقارنة بأكثر من 550 مليون مستخدم على منصة «إكس» التي يملكها الملياردير إيلون ماسك. وأظهر استطلاع أجرته شركة «ياهو» مع مؤسسة «يوغوف» للاستبانات أن 55 في المائة من الأميركيين لا يوافقون على الحرب، بما في ذلك 90 في المائة من الديمقراطيين، و62 في المائة من المستقلين، و17 في المائة من الجمهوريين. ومن بين الذين صوتوا لترمب في عام 2024، ما يقرب من الربع غير موافقين.

معسكران في «ماغا»

أفراد من القوات الجوية الأميركية يقومون بأعمال صيانة على مدرج قاعدة فيرفورد الجوية التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني في غرب إنجلترا (إ.ب.أ)

وتُقسّم حرب إيران الحزب الجمهوري إلى جزأين: يقع الأول ضمن المعسكر المتشدد لشخصيات مثل السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام، والمؤثر مارك ليفين، فإنهم يرون القوة العسكرية الأميركية فضيلة في حد ذاتها. أما الجانب الآخر فهو معسكر «أميركا أولاً» القومي المحافظ، والمتشكك في المغامرات العسكرية التي تُعتبر خدمة للحلفاء، لا لمصالح الولايات المتحدة.

وكان ربع التعليقات من الشباب مؤيداً لترمب، بما في ذلك عبر منشورات تُشيد بـ«صلابة» الرئيس، وتطالبه «بإتمام المهمة». وعندما تراجع ترمب عن تهديده بمهاجمة البنية التحتية الإيرانية، قبل ساعات من الموعد النهائي الذي حدده مساء الثلاثاء، عبّرت بعض الحسابات التي كانت مؤيدة للحرب عن غضبها.

النائبة مارجوري تايلور غرين الجمهورية كانت تعد واحدة من أقرب المؤيدين لترمب تتحدث خلال مؤتمر صحافي في مبنى الكابيتول الأميركي مطالبة بالشفافية في الكشف عن ملفات إبستين (أ.ب)

الحجة المضادة

ولا يتفق الجميع على عمق هذا الانقسام. إذ يجادل البعض بأن الانقسام مبالغ فيه، مشيراً إلى أن شخصيات مثل كارلسون تراجعت في نهاية المطاف عن مواجهة ترمب مباشرة، لأن «خوض معركة خاسرة في نهاية المطاف مع ركيزة النظام الانتقامية نادراً ما يكون قراراً صائباً».

وحاول ترمب نفسه حسم الجدل بمنشور على «تروث سوشال» قال فيه: «إنهم ليسوا من مؤيدي ترمب، أنا منهم»، مُصراً على أن الحركة تشمل معارضة إيران باعتبارها «نظاماً إرهابياً مريضاً، ومختلاً، وعنيفاً».

وأوضح مؤتمر العمل السياسي المحافظ في أواخر مارس (آذار) الماضي هذا الغموض. فبينما يُعد عادة عرضاً للوحدة، أظهر تصدعات واضحة لخلاف لا يزال قائماً حتى مع التوصل إلى وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين، وبدء المفاوضات في إسلام آباد.


قضية إبستين تلاحق وزيرة العدل الأميركية رغم إقالتها

وزيرة العدل الأميركية السابقة بام بوندي خلال مناسبة في البيت الأبيض (أ.ب)
وزيرة العدل الأميركية السابقة بام بوندي خلال مناسبة في البيت الأبيض (أ.ب)
TT

قضية إبستين تلاحق وزيرة العدل الأميركية رغم إقالتها

وزيرة العدل الأميركية السابقة بام بوندي خلال مناسبة في البيت الأبيض (أ.ب)
وزيرة العدل الأميركية السابقة بام بوندي خلال مناسبة في البيت الأبيض (أ.ب)

أعلن مسؤولون في وزارة العدل الأميركية أن الوزيرة المقالة، بام بوندي، لن تمثل أمام لجنة الرقابة والإصلاح الحكومي في مجلس النواب الأسبوع المقبل، للإدلاء بشهادتها المقررة ضمن التحقيقات الجارية في قضية المدان بالاعتداءات الجنسية، جيفري إبستين.

وقالت الناطقة باسم لجنة الرقابة، جيسيكا كولينز، إن الوزارة أشارت إلى أن بوندي، التي أقالها الرئيس دونالد ترمب الأسبوع الماضي، لن تمثل أمام اللجنة للإدلاء بشهادتها في 14 أبريل (نيسان) الجاري «لأنها لم تعد وزيرة للعدل، وهي استدعيت بصفتها وزيرة للعدل». وأضافت أن اللجنة ستتواصل مع محامي بوندي الشخصي لمناقشة الخطوات التالية بشأن تحديد موعد المقابلة.

ولاحقاً كتب مساعد المدعي العام باتريك ديفيس في الرسالة: «نرجو منكم التكرم بتأكيد سحب أمر الاستدعاء».

غير أن الجمهوريين في اللجنة لمّحوا إلى أن الأمر قد لا يكون محسوماً، مذكرين بالتصويت الذي أجري الشهر الماضي على استدعاء بوندي للإدلاء بشهادتها في 14 أبريل الجاري، بعدما أبدى أعضاء من الحزبين استياءهم من تعامل وزارة العدل مع الإفراج الإلزامي، بموجب قانون أصدره الكونغرس، عن ملايين الصفحات من ملفات إبستين.

وتلقى رئيس اللجنة النائب الجمهوري جيمس كومر رسالة من مسؤولين في الوزارة تفيد أن بوندي لن تحضر، مستشهدين بقرار الرئيس دونالد ترمب إقالتها الأسبوع الماضي.

ناجون من جيفري إبستين أثناء استجواب وزيرة العدل السابقة بام بوندي خلال جلسة استماع للجنة القضائية بمجلس النواب في مبنى الكابيتول بواشنطن العاصمة (رويترز)

ويمثل قرار عدم حضور بوندي عقبة جديدة أمام جهود الكونغرس للضغط على مسؤولي إدارة ترمب بشأن امتثالهم للقانون الذي أصدره الكونغرس العام الماضي يلزم وزارة العدل بنشر ملفاتها المتعلقة بإبستين.

واتهم مشرعون من الحزبين الوزارة بتجاوز المواعيد النهائية لنشر المواد التي بحوزتها، وعدم حماية المعلومات الشخصية للضحايا بشكل كامل، وحجب تفاصيل رئيسة لحماية شخصيات بارزة في دائرة إبستين، الذي توفي في الحجز الفيدرالي عام 2019.

إصرار اللجنة

وأشار ناطق باسم اللجنة في بيان إلى أنها تعتزم مواصلة السعي للحصول على شهادة بوندي، رغم رسالة وزارة العدل. وقال: «ستتواصل اللجنة مع المستشار القانوني الشخصي لبام بوندي لمناقشة الخطوات التالية بشأن تحديد موعد إدلائها بشهادتها».

وواجهت بوندي تدقيقاً مكثفاً بسبب إشرافها على جهود وزارة العدل لنشر ملفات إبستين. وساهمت طريقة تعاملها مع القضية في قرار إقالتها من قبل ترمب الذي استشاط غضباً لأشهر مع استمرار تصدر قضية إبستين عناوين الأخبار، وإثارة الانقسام داخل حزبه.

وبعد إعلان إقالتها، صرّحت بوندي عبر وسائل التواصل الاجتماعي بأنها ستعمل خلال الشهر المقبل «بكل جدّية لتسليم مهام المنصب». إلا أن نائب وزيرة العدل تود بلانش عين قائماً بأعمال الوزارة مؤقتاً. ولا يزال موقع وزارة العدل الإلكتروني يُدرج بوندي في منصبها بصفتها وزيرة.

ودافعت بوندي بشكل عام عن عمل الوزارة، وجهودها للامتثال للقانون في شهادات سابقة أمام الكونغرس.

وبينما واجهت استجواباً بشأن إبستين خلال جلستي استماع سابقتين على الأقل في الكونغرس، صوّت أعضاء لجنة الرقابة في مارس (آذار) الماضي على استدعائها للإدلاء بشهادتها مرة أخرى، وهي خطوة فاجأت كومر.

وقاد هذا المسعى النائبان، الجمهورية نانسي مايس والديمقراطي رو كانا، اللذان أعلنا الأربعاء أنهما سيواصلان المطالبة بمثول بوندي أمام اللجنة. وكتبا في رسالة إلى كومر أن «إقالة بام بوندي من منصب وزيرة العدل لا تُقلل من حق اللجنة في الإشراف المشروع على شهادتها تحت القسم، ولا من ضرورة المساءلة، والحصول على معلومات حول الملفات التي حجبتها وزارة العدل عن العامة. بل على العكس، تُضفي على شهادتها تحت القسم أهمية أكبر».

وكتبت مايس بصورة منفصلة عبر وسائل التواصل الاجتماعي أنه «لا يمكن لبوندي التهرّب من المساءلة لمجرد أنها لم تعد تشغل منصب وزيرة العدل». وأضافت أن الطلب قُدّم «بالاسم لا باللقب»، متوقعة «مثولها بمجرد تحديد موعد جديد».

وكذلك هدد كبير الديمقراطيين في اللجنة، النائب روبرت غارسيا، باتخاذ إجراءات أكثر حسماً. وقال في بيان إن «عليها الحضور للإدلاء بشهادتها فوراً. إذا امتنعت عن الامتثال لأمر الاستدعاء، فسنبدأ إجراءات اتهامها بازدراء المحاكمة في الكونغرس. الضحايا يستحقون العدالة». وقال ناطق باسم وزارة العدل إن بوندي «لا تزال ملتزمة بالتعاون مع اللجنة».