ترمب في عهده الثاني: نسخة جديدة أم تكرار لولايته الأولى؟

دوره في إنجاز اتفاق غزة يعزز «نظرية التغيير»

ترمب يؤدي رقصته الشهيرة في حدث انتخابي في أتلانتا، في 15 أكتوبر 2024 (أ.ب)
ترمب يؤدي رقصته الشهيرة في حدث انتخابي في أتلانتا، في 15 أكتوبر 2024 (أ.ب)
TT

ترمب في عهده الثاني: نسخة جديدة أم تكرار لولايته الأولى؟

ترمب يؤدي رقصته الشهيرة في حدث انتخابي في أتلانتا، في 15 أكتوبر 2024 (أ.ب)
ترمب يؤدي رقصته الشهيرة في حدث انتخابي في أتلانتا، في 15 أكتوبر 2024 (أ.ب)

يأمل كبار السياسيين بواشنطن في أن تكون إدارة دونالد ترمب الثانية مختلفةً عن الأولى، وأن يكون قد تعلم من أخطاء وهفوات الفترة الرئاسية السابقة ليدخل البيت الأبيض هذه المرة بنسخة جديدة مُعدّلة تُبقي على عامل المفاجأة، لكنها تسعى لتوازن في الحكم، وربما مدّ غصن زيتون للديمقراطيين. وعززت صورة ترمب في حديث ودّي جمعه بالرئيس السابق باراك أوباما، في جنازة جيمي كارتر، هذه النظرية، لكن مواقفه التوسعية من ضمّ كندا وغرينلاند وقناة بنما، عادت لتزرع الشكوك في نفوس المتفائلين بالتغيير.

وقبل ساعات من يوم تنصيب الرئيس السابع والأربعين للبلاد، يستعرض برنامج تقرير واشنطن، وهو ثمرة تعاون بين صحيفة «الشرق الأوسط» وقناة «الشرق»، ما إذا كان ترمب سيُقدّم وجهاً جديداً في ولايته الثانية، أم أن المفاجآت والتجاذبات ستعود إلى أروقة البيت الأبيض، بالإضافة إلى قدرته على حل أزمات دولية عالقة قبل استلامه للحكم.

ترمب «تعلم من تجاربه»

الاستعدادات جارية لحفل تنصيب ترمب أمام مبنى الكابيتول في 12 يناير 2025 (أ.ف.ب)

تقول رايتشل دين، مديرة الاتصالات السابقة للسيناتور جون مكاين والمديرة التنفيذية في معهد «German Martial Fund»، إن ترمب يتمتع بالأفضلية في عهده الثاني لأنه «كان رئيساً من قبل وتعلم من تجربته». وتعدُّ دين أن خير دليل على ذلك هو التوصل إلى وقف إطلاق نار في غزة، مضيفة أن «اعتلاء سدة الرئاسة بالتزامن مع إنجاز كهذا، والتعاون مع إدارة بايدن، يُعدّ انتصاراً. إذ خفف من الأزمات التي يجب أن يعالجها في بداية عهده».

كما تحدّثت دين عن اختلاف الدعم لإدارة ترمب اليوم مقارنة بالسابق، مشيرة إلى الدعم الكبير له خصوصاً من قبل قطاع التكنولوجيا ومن عمالقة وسائل التواصل الاجتماعي الذين سيحضرون حفل تنصيبه.

من جهته، يُشدّد مات كيلان، المستشار السابق لحملات ترمب الرئاسية والمدير الإداري لمجموعة الضغط «Vogel»، على قناعته التامة بأن ترمب سيكون مختلفاً تماماً وأكثر تركيزاً في ولايته الثانية، مما كان عليه في ولايته الأولى. وأشار إلى انضباط حملته بشكل أكبر خلال ترشحه للمرة الثانية، وانضباطه الشخصي في تغريداته ورسائله مقارنة بالعامين 2020 و2016، وأضاف: «لقد كان مرشحاً مختلفاً تماماً».

وذكر كيلان أن أحد العوامل التي أدّت إلى اختلاف ترمب هو الفريق الذي أحاط نفسه به، خصوصاً سوزي وايلز التي أدارت حملته واختارها كبيرةَ الموظفين في البيت الأبيض. وأضاف: «إذا ما نظرنا إلى الأشخاص الذين يحيطون به هذه المرة، حتى في حكومته، هناك العديد من الديمقراطيين السابقين. لذا أعتقد أنه سيحاول التواصل مع الديمقراطيين والعمل معهم أكثر مما قام به في السابق.. وكما أنه رئيس في ولايته الثانية، لذا سيركّز على إرثه وهذا سيؤثر على تصرفاته».

لكن ديفيد جونستون، الصحفي الاستقصائي ومؤلّف كتاب «The Making of Trump»، يرفض كلياً النظرية القائلة بأن ترمب تغيّر. ويشير الصحافي الذي تعمّق في دراسة ترمب وشخصيته على مدى أربعين عاماً، أن ترمب يستحق لقب «أعظم محتال في تاريخ العالم»، على حد تعبيره، مضيفاً: «أنا أحذر منه منذ عام 2015، فهو يتحدث عن تعليق الدستور، كما أحاط نفسه هذه المرة بفريق من الأشخاص المخلصين. هؤلاء هم أشخاص عندما يُسألون خلال جلسات استماع مجلس الشيوخ عما إذا كانوا قد يرتكبون أفعالاً غير قانونية أو يتبعون أوامر غير قانونية، يرفضون الإجابة عن السؤال».

تصرفات «غير متوقعة»

ترمب ورئيس الوزراء الكندي المستقيل جاستن ترودو، في قمة الناتو بواتفودر البريطانية، في 4 ديسمبر 2019 (أ.ف.ب)

تُرجّح دين أن ترمب سيُركّز في عهده الثاني على إبرام اتفاقات، وأنه سيسعى إلى التعاون مع دول أخرى بشكل ثنائي، بدلاً من التعاون مع مؤسسات متعددة الأطراف. وتذكّر بإدارة ترمب الأولى، مشيرة إلى أنّه «زعزع» الأمور مع الحلفاء والخصوم، على حد سواء، بسبب تصرفاته غير المتوقعة، وتضيف: «هناك فوائد تنتج عن ذلك، كما هناك سلبيات لهذه الاستراتيجية».

ويوافق كيلان مع هذا التقييم، مشيراً إلى أن خشية البعض من ترمب أدّت إلى وجود عالم «في حالة سلام» في عهده الأول. وعدَّ كيلان أن أحد أسباب «اشتعال العالم» في عهد بايدن هو «مغادرة أميركا المسرح العالمي وتسليمه إلى أشخاص آخرين... بينما كان دونالد ترمب منذ بدايته في عالم الأعمال، وحتى اليوم الذي يغادر فيه منصبه، سيهتم بإظهار قوة أميركا وقوته». ويتابع: «رأينا ذلك مع المفاوضات في الشرق الأوسط، فالصراع هناك لم يكن متأزماً في عهد ترمب، بل كنا نوقع على (اتفاقات إبراهيم)، لكنه تحوّل إلى صراع مشتعل تماماً مع جو بايدن، لنرى أن تهديداً واحداً من ترمب بجحيم في المنطقة أدّى إلى حصول تحركات هائلة في الاتجاه الصحيح».

ويعدُّ كيلان أن تصرفات من هذا النوع تعكس صورة قوية لترمب، وهذا ما يريد العالم رؤيته في كل الملفات، خصوصاً على صعيد السياسة الخارجية. وقال إن «العالم يريد قائداً مستعداً لأن يقول للجميع: يجب أن تأتوا إلى الطاولة للتوصل إلى اتفاق، سينبغي على الجميع التنازل قليلاً. وهذا ما سيحدث برأيي مع أوكرانيا وروسيا، على أمل أن نتوصل إلى سلام».

ويعدُّ جونستون أن أحد أسباب «خشية» قادة العالم من ترمب هو أنه «شخص لا يمكن توقع تصرفاته، ويجب التصرف معه بحذر». ويعرب عن قلقه من أن ترمب سيشكل خطراً أكبر للديمقراطية الأميركية في عهده الثاني، خصوصاً في ظل التوقعات بتأييده وفريقه لمشروع 2025 المحافظ. ووجه جونستون انتقادات لاذعة لطموحات ترمب التوسعية، عبر تصريحاته الداعمة لضم كندا وغيرنلاند وقناة بنما، فقال: «لقد اقترح بأنه سيتخذ إجراءات عسكرية ضد حليف من الناتو، الدنمارك، من خلال الاستيلاء على غرينلاند ولم يستبعد استخدام القوة العسكرية. وهذا ما سيعد هجوماً على عضو حليف في حلف الناتو»، ويتساءل: «إذاً ماذا سيحدث في السياسة الخارجية؟ يجب أن ننتظر لنرى. لكن برأيي، يجب أن نكون قلقين جدّاً حيال طروحاته بالاستيلاء على قناة بنما وتصريحاته حول غرينلاند».

حزب جمهوري «مختلف»

ترمب وأوباما يتحدثان في جنازة جيمي كارتر في 9 يناير 2025 (أ.ف.ب)

وهنا يشير كيلان إلى أن الحزب الجمهوري في عهد ترمب مختلف جداً عن الحزب التقليدي، وأنه أصبح شعبوياً، وهذا ما ينعكس على سياساته الخارجية. ويفسر قائلاً: «أميركا تنظر إلى نفسها متسائلةً: إذا كنا نرسل كل هذه المبالغ إلى الخارج لحروب لا يجب أن تخاض، لما لا يمكننا إعادة تخصيص هذه الأموال في الداخل؟».

ويعدُّ كيلان أن أكبر مشكلة خاصة بالسياسة الخارجية التي تواجهها الولايات المتحدة هي مشكلة مستويات الدين القومي، مضيفاً: «إن لم نستطع التحكم بالدين، لن يبق لنا أي مال للقيام بأي شيء، كتمويل للجيش والخدمات الأساسية».

لكن دين تعارض ربط السياسة الداخلية بالخارجية، مشيرةً إلى تهديدات محدقة بالأمن القومي الأميركي من قبل دول كروسيا والصين وإيران. وتقول: «يمكن أن تكون لدينا سياسة خارجية ذكية ونشطة، حيث ندعم حلفاءنا وندافع عنهم. كما يمكن أن نقوم بعمل أفضل في الداخل».

وتُعرب دين عن أملها في أن يشهد عهد ترمب الثاني تعاوناً أكبر بين الديمقراطيين والجمهوريين، خصوصاً في ظل الأغلبية الضئيلة التي يتمتع بها الحزب الجمهوري في الكونغرس، ما سيضطرهم إلى التوصل إلى تسويات مع الحزب الديمقراطي في ملفات كالهجرة مثلاً، وهي على رأس أولويات إدارة ترمب.

وهنا يتحدث كيلان عن تفاؤل الأميركيين لدى رؤية ترمب وأوباما يتبادلان أطراف الحديث في جنازة جيمي كارتر، معتبراً أنها لحظة مشجعة للجميع لأن الأميركيين يريدون رؤية تعاون أكبر بين الحزبين. وأعرب عن أمله في أن يستكمل الرجلان هذا الحوار، معتبراً أنها فرصة لـ«رأب الصدع ولم شمل البلاد»، على حد تعبيره. ويضيف: «ما زلت أعتقد أن باراك أوباما هو زعيم الحزب الديمقراطي، فقد رأينا ذلك خلال الحملة حين حان الوقت لكي يخرج جو بايدن من السباق، وكان أوباما يدير ذلك. وهناك على ما آمل محاولة لعقد اجتماع بينه وبين ترمب، حيث يمكن أن يتوصلا إلى نقاط مشتركة والعمل على قضايا مهمة».


مقالات ذات صلة

كوسوفو والبوسنة تعتزمان المشاركة في قوة إرساء الاستقرار بغزة

المشرق العربي مشيعون فلسطينيون يحملون جثمان شخص قُتل في غارة إسرائيلية على مدينة غزة (أ.ف.ب) p-circle

كوسوفو والبوسنة تعتزمان المشاركة في قوة إرساء الاستقرار بغزة

أعلنت كوسوفو والبوسنة، الجمعة، عزمهما على إرسال جنود إلى غزة في إطار قوة دولية مزمع تشكيلها لإرساء الاستقرار في القطاع، بإشراف «مجلس السلام» الذي أنشأه ترمب.

«الشرق الأوسط» (بريشتينا)
شؤون إقليمية صورة نشرها التلفزيون الرسمي من اجتماع الوفد الإيراني على هامش محادثات باكستان p-circle

طائرات باكستانية رافقت مفاوضي إيران خشية هجوم إسرائيلي

رافقت ​القوات الجوية الباكستانية المفاوضين الإيرانيين إلى بلادهم بعد أن حضروا في إسلام آباد محادثات مع الولايات المتحدة لإنهاء الحرب.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم السفير الأميركي لدى تركيا توم براك متحدثاً في إحدى جلسات «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الجمعة (أ.ف.ب)

سفير أميركا في أنقرة: لا نمانع عودة تركيا إلى برنامج مقاتلات «إف - 35»

عبّر السفير الأميركي لدى تركيا، توم براك، عن اعتقاده بحل الخلاف حول اقتناء تركيا منظومة الدفاع الروسية «إس - 400» قريباً

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أوروبا Brazilian President Luiz Inacio Lula da Silva (Photo by Evaristo Sa / AFP) p-circle

40 دولة تجتمع في برشلونة تحت عنوان «التعبئة التقدمية العالمية» في مواجهة «اليمين العالمي»

تحت عنوان «التعبئة التقدمية العالمية» تجتمع، الجمعة، ولمدة يومين نحو 40 دولة في عاصمة إقليم كاتالونيا برشلونة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
تحليل إخباري تستمر أسعار الوقود في الارتفاع بالولايات المتحدة بسبب حرب إيران (أ.ف.ب)

تحليل إخباري انقسامات وضغوط داخلية ترافق توجّه ترمب نحو حسم حرب إيران

تتصاعد الضغوط على الإدارة مع ارتفاع مستمر في الأسعار، وتململ جمهوري من حرب قد تتحول إلى عبء انتخابي مع اقتراب استحقاق نوفمبر.

رنا أبتر (واشنطن)

ترمب: حصار موانىء إيران «سيظل قائماً» في حال عدم التوصل إلى اتفاق

ترمب متحدثاً للصحافيين على متن الطائرة الرئاسية (ا.ف.ب)
ترمب متحدثاً للصحافيين على متن الطائرة الرئاسية (ا.ف.ب)
TT

ترمب: حصار موانىء إيران «سيظل قائماً» في حال عدم التوصل إلى اتفاق

ترمب متحدثاً للصحافيين على متن الطائرة الرئاسية (ا.ف.ب)
ترمب متحدثاً للصحافيين على متن الطائرة الرئاسية (ا.ف.ب)

أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أنه يعتزم مواصلة محاصرة الموانىء الإيرانية في حال عدم التوصل إلى اتفاق مع طهران، مشيرا إلى أنه قد لا يمدد وقف إطلاق النار بعد موعد انتهائه الأربعاء.

 

وقال ترمب للصحافيين على متن الطائرة الرئاسية «اير فورس وان» في تعليق على مصير وقف إطلاق النار في حال عدم التوصل لاتفاق مع طهران «ربما لن أمدده»، مضيفا «لكن الحصار سيظل قائما».

وقد أعادت إيران فتح مضيق هرمز الجمعة إثر اتفاق لوقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان، رغم تهديد طهران بإغلاق هذا الممر المائي الحيوي مجددا في حال استمرار الحصار الأميركي.

وعند سؤال ترمب عن إمكانية التوصل إلى اتفاق، قال «أعتقد أن ذلك سيحدث».

ولا تزال ثمة خلافات جوهرية بين مطالب الولايات المتحدة وإيران اللتين فشلتا سابقا في التوصل إلى اتفاق خلال محادثات باكستان.

وأبلغ ترمب الصحافيين أنه «لن تُفرض رسوم» من جانب إيران على السفن العابرة لمضيق هرمز، وهو مطلب طرحته الجمهورية الإسلامية خلال مفاوضات سابقة.

وفي منشور على منصته «تروث سوشال»، قال ترمب إن الرئيس الصيني شي جينبينغ «سعيد للغاية» بإعادة فتح هذا الممر المائي الحيوي.

وأضاف «سيكون اجتماعنا في الصين مميزا، وربما تاريخيا»، في إشارة إلى القمة المزمع عقدها في بكين بين الرئيسين الأميركي والصيني في مايو (أيار).

كما شدد ترمب على أن واشنطن وطهران ستنقلان معا اليورانيوم المخصب المخزّن في إيران إلى الولايات المتحدة بموجب الخطة التي تعمل عليها واشنطن لإنهاء الحرب التي بدأت في 28 فبراير (شباط).

وكانت وزارة الخارجية الإيرانية قد صرّحت سابقا بأن مخزونها من اليورانيوم لن يُنقل «إلى أي مكان».

 


الولايات المتحدة تمدد إعفاء النفط الروسي الموجود في عرض البحر من العقوبات

ناقلة النفط الروسية «أناتولي كولودكين» تصل إلى محطة النفط في ميناء ماتانزاس شمال غربي كوبا بتاريخ 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)
ناقلة النفط الروسية «أناتولي كولودكين» تصل إلى محطة النفط في ميناء ماتانزاس شمال غربي كوبا بتاريخ 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

الولايات المتحدة تمدد إعفاء النفط الروسي الموجود في عرض البحر من العقوبات

ناقلة النفط الروسية «أناتولي كولودكين» تصل إلى محطة النفط في ميناء ماتانزاس شمال غربي كوبا بتاريخ 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)
ناقلة النفط الروسية «أناتولي كولودكين» تصل إلى محطة النفط في ميناء ماتانزاس شمال غربي كوبا بتاريخ 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)

أصدرت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إعفاء لمدة شهر يسمح ببيع النفط الروسي المحمل على متن ناقلات في عرض البحر، وذلك في إطار خطوة سابقة لتهدئة ارتفاع أسعار الطاقة.

ويأتي هذا الترخيص الصادر عن وزارة الخزانة الأميركية، بعد يومين من تصريح وزير الخزانة سكوت بيسنت بأن واشنطن لن تمدد الإعفاء.


انقسامات وضغوط داخلية ترافق توجّه ترمب نحو حسم حرب إيران

تستمر أسعار الوقود في الارتفاع بالولايات المتحدة بسبب حرب إيران (أ.ف.ب)
تستمر أسعار الوقود في الارتفاع بالولايات المتحدة بسبب حرب إيران (أ.ف.ب)
TT

انقسامات وضغوط داخلية ترافق توجّه ترمب نحو حسم حرب إيران

تستمر أسعار الوقود في الارتفاع بالولايات المتحدة بسبب حرب إيران (أ.ف.ب)
تستمر أسعار الوقود في الارتفاع بالولايات المتحدة بسبب حرب إيران (أ.ف.ب)

بالتوازي مع الحديث عن جولة ثانية من المفاوضات بين واشنطن وطهران، أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن حرب إيران شارفت على الانتهاء، في تغيير لافت في مواقفه من لهجة التصعيد إلى التهدئة، ومن التهديد إلى الانفتاح على التسوية.

وفي الداخل الأميركي، تتصاعد الضغوط على الإدارة مع ارتفاع مستمر في الأسعار، وتململ جمهوري من حرب قد تتحول إلى عبء انتخابي مع اقتراب استحقاق نوفمبر (تشرين الثاني) للتجديد النصفي.

في المقابل، لا تزال الحشود العسكرية تتوجه إلى الشرق الأوسط مع إعلان «البنتاغون» عن إرسال الآلاف من القوات الإضافية هذا الأسبوع.

يستعرض برنامج تقرير واشنطن، وهو ثمرة تعاون بين صحيفة «الشرق الأوسط» وقناة «الشرق»، التجاذبات الداخلية في الولايات المتحدة جراء حرب إيران، وما إذا كانت تؤثر على توجّه ترمب في استئناف الحرب أو التوصل إلى اتفاق مع إيران.

لبنان وإيران

مع إعلان ترمب عن التوصل إلى وقف إطلاق نار بين لبنان وإسرائيل، رحب أدولفو فرانكو مستشار السيناتور الجمهوري السابق جون ماكين والخبير الاستراتيجي الجمهوري، بهذا التطور ووصفه بالإيجابي للغاية، مشيراً إلى ارتباطه الوثيق بالملف الإيراني. وفسّر قائلاً إن وقف إطلاق النار شكّل نقطة خلافية مع إيران، التي تصر على أنه كان جزءاً من الاتفاق الأولي معها، على خلاف موقف الولايات المتحدة.

ترمب أعلن عن اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل في 16 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ويعتبر فرانكو أن هذا الإعلان من شأنه أن يزيل عقبة أمام استمرار المفاوضات مع طهران.

من ناحيته، يعتبر إيان راسل نائب المدير التنفيذي السابق للجنة الحملة الانتخابية الديمقراطية للكونغرس، أن أحد أسباب هذا الإعلان هو أن ترمب يواجه مشكلة حقيقية في الداخل الأميركي، ما سيدفعه للجوء إلى تسوية مع إيران. ويشير إلى أنه أصبح في موقف دفاعي بسبب ارتفاع أسعار الوقود والمواد الغذائية، وتأثير ذلك على استطلاعات الرأي، مضيفاً: «الرئيس يواجه مشكلة حقيقية في الوقت الحالي، والجمهوريون الذين يخوضون انتخابات نوفمبر يواجهون المشكلة ذاتها؛ لذا تبدو الإدارة في حالة يأس متزايد في محاولة للتوصل إلى حل لهذا الأمر».

وانعكس هذا القلق الجمهوري في تصويت مجلس النواب لتقييد صلاحيات ترمب في حرب إيران؛ إذ كانت النتيجة متقاربة جداً بفارق صوت واحد فقط تمكن من إفشال إقراره، على خلاف مجلس الشيوخ، حيث لا يزال الجمهوريون محافظين على وحدة صفهم.

وتنقل دانييلا تشيسلو، مراسلة الأمن القومي في موقع «بوليتيكو»، ما سمعته من آراء المشرّعين بهذا الخصوص، مشيرة إلى تقارب الأرقام في مجلس النواب. وقالت إن الديمقراطيين سيستمرون في محاولاتهم طرح هذه المشاريع للتصويت للضغط على الجمهوريين في الموسم الانتخابي، في حين يحرص الجمهوريون على عدم إغضاب ترمب في هذه المرحلة، ويدفعون نحو المزيد من الإحاطات من الإدارة التي لا تزال حتى الساعة مغلقة.

انقسامات حزبية

دافع فرانكو عن الموقف الجمهوري الداعم لسياسات ترمب تجاه إيران، مشدداً على أن التقارب في الأصوات طبيعي في قضايا من هذا النوع بسبب التركيبة الحالية في الكونغرس.

زعيم الجمهوريين في مجلس الشيوخ جون ثون بالكونغرس يوم 14 أبريل 2026 (رويترز)

ويعتبر فرانكو أن تحرك الديمقراطيين في مساعيهم لتقييد صلاحيات ترمب هو سياسي بحت، مشيراً إلى أنه، حتى لو تم إقرار المشروع، يمكن لترمب استعمال حق النقض ضده. وفي رأي المحلل الجمهوري، فإن مشروع تفويض الحرب الذي أقره الكونغرس في عام 1973، والذي يعطي المجلس التشريعي صلاحية الإعلان عن الحرب، هو «غير قانوني ومخالف للدستور»، معرباً عن أمله في أن يسعى ترمب إلى اختباره في المحاكم الأميركية.

ويخفف فرانكو من وطأة حرب إيران على حظوظ الجمهوريين في الانتخابات النصفية، مشيراً إلى أن حزب الرئيس غالباً ما يخسر الأغلبية في مجلس النواب بغض النظر عن القضايا المطروحة.

كما خفّف من شأن ارتفاع الأسعار، وقال: «أنا أختلف تماماً مع هذه المقاربة، لو كان هذا هو التحليل في الحرب العالمية الثانية، لما خضنا الحرب. إيران تشكل تهديداً وجودياً للمنطقة وللعالم. إنها دولة إرهابية لا يمكننا تحمل امتلاكها سلاحاً نووياً».

ورداً على انتقادات الديمقراطيين، ذكر فرانكو أن سعر البنزين في عهد إدارة بايدن وصل إلى مستويات عالية بسبب حرب أوكرانيا، مضيفاً: «كانت إدارة بايدن تدعو الأميركيين إلى التحمل بسبب حرب أوكرانيا. والوضع نفسه ينطبق الآن على الجمهوريين. لكن الفارق هو أن الشعب الأميركي يدرك أن إيران تشكل تهديداً لأمن هذا البلد».

ترتفع أسعار البنزين في أميركا جراء حرب إيران (رويترز)

تصريحات أثارت استياء راسل، الذي أعرب عن أمله في أن يردد الجمهوريون مواقف فرانكو في انتخابات التجديد النصفي، معتبراً أن الشعب الأميركي سيستجيب بشكل سلبي للغاية لهذه الرسالة. ويضيف: «الجمهوريون في وضع حرج بالفعل مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي. وما فعله ترمب هو أنه عقّد فرصهم في الفوز. فهو ركز في حملته الانتخابية على خفض التكاليف. لكن بدلاً من ذلك، ارتفعت التكاليف. كما لم يحاول إقناع الشعب الأميركي بضرورة خوض هذه الحرب».

واعتبر راسل أن الحرب ستتسبب في «كارثة سياسية للمرشحين الجمهوريين في جميع أنحاء البلاد». وتوقع أن يبرم ترمب اتفاقاً مشابهاً لذلك الذي أبرمته إدارة باراك أوباما مع إيران، مضيفاً: «لقد أدرك الإيرانيون أنه بإمكانهم فرض رسوم عبور على مضيق هرمز. وقد نكون في وضع أسوأ مما كنا عليه في عام 2016 بعد أن أبرم أوباما الاتفاق النووي مع إيران. إنها كارثة سياسية كاملة بالنسبة لترمب والجمهوريين، وأخشى أن الأسوأ لم يأتِ بعد».

ترمب يتحدث عن سياساته الضريبية في نيفادا يوم 16 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

وتسلط تشيسلو الضوء على ما تسمعه من بعض النشطاء الجمهوريين، مشيرة إلى أنهم يشعرون بالقلق من الانتخابات، وتنقل عنهم: «لقد قال أحد النشطاء لزملائي إن كل شيء أصبح أكثر صعوبة بسبب القرارات الصادرة من البيت الأبيض، على حد تعبيره. إنهم يشعرون أنه في الوقت الذي يريدون فيه أن يركز الرئيس على مسألة القدرة على تحمل التكاليف، فإنه يشتت انتباهه بالحرب في إيران».

وأعطت مثالاً على ذلك قائلة إن الخامس عشر من أبريل (نيسان) كان يوم الضرائب في أميركا، وهو يوم كان من المفترض أن يعكس انتصاراً سياسياً كبيراً للجمهوريين الذين أقروا تخفيضات كبيرة في الضرائب، لكن الناس لا يشعرون بتخفيف العبء؛ لأن أسعار البنزين ترتفع. وتضيف: «يشهد المزارعون ارتفاعاً في أسعار الأسمدة والديزل. هذه فئة من الناخبين كانت داعمة جداً للرئيس. وأعتقد أن الاستراتيجيين الجمهوريين يشعرون بقلق أكبر قليلاً مما قد نسمعه من الجمهوريين، مثل زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ جون ثون، الذي يتحدث بثقة كبيرة داعماً لتحركات الرئيس». لكن فرانكو يعارض هذا التقييم، ويرفض استطلاعات الرأي التي تظهر أن أغلبية الأميركيين يعارضون الحرب، مشيراً إلى أن «موسم الحرب لم ينتهِ بعد». ويقول: «بمجرد أن تنتهي هذه الحرب، وأعتقد أنها ستنتهي لصالح الولايات المتحدة وسنحقق أهدافنا، أعتقد أن شعبية الرئيس سترتفع بشكل كبير، وستبدأ الأسعار في الانخفاض بسرعة. أنا أتفق أنه من الصعب دائماً إقناع الناس بضرورة شد أحزمتهم. لكن الأمر يتعلق بكيفية انتهاء هذا الصراع في النهاية، وأعتقد أن الناس يرون الفرق بين القوة والضعف. وما نراه الآن هو اختلاف كبير مع سياسات الديمقراطيين الكارثية الاستسلامية والانهزامية».

استراتيجية ديمقراطية

أما راسل فيعتبر أن ما يراه الشعب الأميركي مختلف عما يصوره فرانكو. ويقول إن «أحد الأسباب التي تجعل هذه الأزمة كارثة سياسية كبرى بالنسبة لترمب، هو أن الشعب الأميركي يقول إن الأموال تتوفر بوفرة عندما يريد الجنرالات والسياسيون خوض حرب، ولكن عندما يتعلق الأمر بتوفير الرعاية الصحية أو بناء البنية التحتية أو تنمية بلدنا ورعاية شعبنا، فإن ترمب نفسه قال إننا لا نستطيع توفير حضانات للأطفال وتوفير الرعاية الصحية لأن لدينا حرباً نخوضها. الشعب الأميركي لم يوافق على هذه الصفقة، ولن يقبل بذلك. ولهذا السبب، سيُطرد الجمهوريون من مناصبهم في نوفمبر».

زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر بالكونغرس يوم 14 أبريل 2026 (أ.ب)

تصريحات أثارت غضب فرانكو الذي توجّه إلى راسل بالحديث قائلاً: «لن تقلق بشأن الرعاية الصحية أو سوق الأسهم أو الاقتصاد إذا أطلقت إيران قنبلة نووية على الولايات المتحدة. مشكلة الحزب الديمقراطي هي أنه يدعم فلسفة الأربعينيات، التي انتظرت حتى ضربة في بيرل هاربور. ربما ينجح ذلك في الحرب التقليدية وعدم شن ضربة استباقية، لكنه لا ينجح في عالم اليوم. لن نضطر إلى القلق بشأن اقتصادنا إذا طورت إيران سلاحاً نووياً؛ سنضطر إلى القلق بشأن بقائنا. وهذا هو ما يُعتبر قصر نظر. كان قصر نظر في الثلاثينيات عندما كان أمثالهم في السلطة ووقع هجوم بيرل هاربور، وهو قصر نظر اليوم».

تراجع الدعم الحزبي لإسرائيل

وفي ظل هذه الاتهامات المتبادلة، تتحدث تشيسلو عن تغيير لافت في المشهد السياسي الأميركي. وتعطي مثالاً على ذلك بتصويت مجلس الشيوخ على تقييد الأسلحة الأميركية لإسرائيل الذي طرحه السيناتور التقدمي بيرني ساندرز.

السيناتور التقدمي بيرني ساندرز في تجمع للنقابات العمالية بنيويورك يوم 14 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

فرغم إسقاط المشروع، فإنه حصد دعم 40 ديمقراطياً من أصل 47، وهو يُعدّ سابقة في الكونغرس الذي لطالما دعم الحزبان فيه إسرائيل. وأضافت: «ما نراه الآن هو أن إسرائيل ستظهر مراراً وتكراراً كقضية حاسمة للغاية بالنسبة للديمقراطيين في الانتخابات النصفية، وستشكل نوعاً من الاختبار الحاسم لمعرفة مَن في الحزب مستعد لاتخاذ موقف أكثر تقدمية، وأكثر يسارية، وانتقادي تجاه إسرائيل، ومَن سيبقى متمسكاً بالموقف الأكثر اعتدالاً للحزب، الذي، مثل الجمهوريين، ظل على مدى عقود متحالفاً مع إسرائيل».

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مؤتمر صحافي بالقدس يوم 19 مارس 2026 (أ.ف.ب)

ويلوم راسل رئيسَ الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وسياساته على جعل إسرائيل قضية حزبية، بعد أن كانت قضية يُجمع عليها الحزبان. ويضيف: «لقد كانت إسرائيل وأمنها يعلوان على السياسة الحزبية، لكن نتنياهو غيّر ذلك. إذا نظرتم إلى التصويت في مجلس الشيوخ، فإن أي ديمقراطي في المجلس يفكر بجدية في الترشح للرئاسة صوّت لصالح مشروع ساندرز. وهذا يعكس موقف الناخبين وموقف الديمقراطيين. فهناك شعور أن إسرائيل تحصل على كل ما تطلبه من الولايات المتحدة. وحقيقة الأمر أن ترمب حقق حلم نتنياهو المحموم بضرب إيران، والشعب الأميركي يدفع ثمناً باهظاً لذلك».