رحيل ديڤيد لينش فنان الرؤى المميّزة

ناهضته هوليوود ونقادها ثم أحبوه

المخرج العالمي ديفيد لينش (أ.ف.ب)
المخرج العالمي ديفيد لينش (أ.ف.ب)
TT

رحيل ديڤيد لينش فنان الرؤى المميّزة

المخرج العالمي ديفيد لينش (أ.ف.ب)
المخرج العالمي ديفيد لينش (أ.ف.ب)

قبل نحو أسبوع من وفاته، اضطر المخرج ديڤيد لينش إلى مغادرة منزله الواقع على أحد مشارف «هوليوود هيلز» في لوس أنجليس. أُمِر، كآخرين، بمغادرة منزله قبل وصول النيران إليها التي ما أن وصلت حتى حرقت الأثاث والحاجيات و... الذاكرة.

هل مات حسرة على ما احترق من أرشيفات وأفلام ولوحات ونوتات موسيقية كتبها؟ أم أن جسمه لم يتحمّل معاناة الحياة بسبب تعرضه لـ«كورونا» قبل سنوات، ويُقال إنها تركت آثارها عليه؟ ربما الناحيتان، لكن بالتأكيد لم يكن سعيداً وهو يهجر بيتاً هادئاً معبّق بأعماله ويقع وسط غابة من الأشجار العالية اعتاد لينش أن يجول فيها حباً بالطبيعة.

ديڤيد لينش (آي أم دي بي)

انتقل لينش إلى جبال هوليوود هيلز قبل نحو 20 سنة عندما قرر أنه يريد العزلة عن مدينة لوس أنجليس الصاخبة. لم يكن من المخرجين الذين ينتقلون من استديو إلى آخر ليقبل ما يعرض عليه ولا بحثاً عن عمل. أفلامه في هذا الزمن المليء بأفلام الفصول والأجزاء لم تعد مقبولة ولا كان في وارد البحث عمن ينتجها له. ليس إنه الوحيد بين المخرجين المستقلين الفعليين الذين أنجزوا أعمالهم البديعة في فترة سابقة كانت أكثر ترحيباً بأعمالهم، لكنه من أكثرهم انفراداً فنياً وكأسلوب كتابة وعمل.

تبرهن أفلامه على ذلك منذ أول عمل له وهو «إرازرهَد» (Eraserhead) في 1977 وحتى آخر فيلم طويل له وهو «إمبراطورية داخلية» (Inland Empire) في 2006. ما بينهما ثمانية أفلام أخرى فقط عكست موهبة نادرة ورؤية فنية خاصة.

رحلات

وُلد لينش في بلدة في ولاية مونتانا اسمها ميسولا سنة 1946، لكنه ترعرع حيثما استقر والداه للعمل. عاش في ولايات فرجينيا وأيداهو ونورث كارولاينا وواشنطن قبل أن ينتقل للعمل والعيش في لوس أنجليس سنة 1970.

في عام 1967 أنجز فيلمه القصير الأول Six Men Getting Sick. ذلك الفيلم، لمن تتاح له مشاهدته اليوم، فيه كل بذور وجذور الأسلوب الفني للمخرج لينش. تبع ذلك بعدد كبير من الأفلام القصيرة وصولاً، سنة 1977، إلى أول فيلم طويل له وهو Eraserhead.

«إرازرهَد» (أميركان فيلم إنستتيوت)

هذا الفيلم وضعه، ولو بعد سنوات من عروضه الأولى، على قائمة أهم المواهب الجديدة في تلك الفترة. دراما من الهواجس التي تحمل سمة أفلام الرعب، لكنها تنحو إلى ما وراءها. إلى التجريب من ناحية وإنتاج عمل غير سهل التوصيف من ناحية أخرى من حيث إنه يحمل هاجساً هائماً من الصعب التعبير عنه. ‫«إرازرهَد»: شخص يعمل في منطقة صناعية ملوّثة ويؤم بيت صديقته القشيب وهي أم طفل يصرخ، بلا توقف، من ألم مبرح أو حاجة غير معروفة. من المحتمل أن يكون هذا الطفل وُلد مشوّهاً أو ربما هو ليس بشراً في الأصل. تنتقل الأم مع طفلها إلى منزل صديقها، لكنها ستغادره بسبب غرابة تصرّفاته وهواجسه.

في الواقع كل شيء في هذا الفيلم الذي صوّره بالأبيض والأسود عبارة عن هواجس وكوابيس في رحلة رجل ربما كان يبحث عن معنى لحياته التي تشابه الأماكن المعتمة والفقيرة الحالكة التي نراه فيها. هذا فيلم رعب في الأساس مع مشاهد سوريالية. لكن لينش يمتنع عن اختيار مشاهد دون أخرى لإحداث صدمة. على العكس يحقق هذا الفيلم صدمة واحدة طويلة. التصوير بالأبيض والأسود يتناغم مع كل معطيات الفيلم وغاياته مساهماً في خلق صورة موحشة. على ذلك هناك فن في كل ما نراه. إنه ليس مجرد فيلم قاتم وكابوسي لأجل أن يكون كذلك، بل هو تفعيل خاص لرؤية سوريالية كما قد يعمد إليها رسّام ينتمي لعصر ما بعد الحداثة.

تكلّف الفيلم 100 ألف دولار وجلب من عروضه الليلية (إذ لم يتم اعتباره عملاً يستقطب جمهور الحفلات العادية) 7 ملايين دولار. السمعة التي ساعدت انتشاره هي غرابته، لكن هذه الغرابة لم تقنع كثيرين من نقاد ذلك الحين بأنها تشاهد فيلماً يعلن ولادة موهبة.

كتبت عنه صحيفة «النيويورك تايمز» (بعد ثلاث سنوات من عرضه!) بأنه ليس فيلم رعب، بل «فيلم مُطوّل». مجلة «ڤارايتي» وجدته «تجربة ذات ذوق مريض». لعل ناقد «ذَ هوليوود ريبورتر» جوردَن مينتزر أصاب الهدف قبل يومين عندما كتب في رثاء لينش: «إنه كما لو أن لينش لمس شيئاً أراد الجمهور مشاهدته بما فيه من غرائب».

المؤكد، والذي فات معظم النقاد حينها، أنه لم يعمد إلى منوال قصّة يستطيع كثيرون استخدامها لشرح الفيلم.

موعد مع النجاح

لم تعترف هوليوود بنجاح «إرازرهَد» ولم تكترث لإيراد تصرفه في أسبوع تصوير واحد لأحد أفلامها المتوسطة الحجم. ما أنقذ وضعه هو أن أحد منتجي شركة «مل بروكس» المستقلة، واسمه ستيوَرت كورنفلد كان شاهد «‫إرازرهَد» وخرج منه متيّماً. عُرض على لينش بضعة مشاريع اختار المخرج منها «رجل الفيل» (The Elephant Man) الذي تناول حكاية حقيقية وقعت في لندن عند مطلع القرن التاسع عشر مفادها حالة رجل مشوّه الوجه بفم يتدلى منه ما يشبه خرطوماً صغيراً اسمه ميريك (جون هْرْت). وجده جرّاح شاب (أنطوني هوبكنز) في إعلان نشره سيرك يدعو الناس لمشاهدة «الرجل الفيل». يأخذ الجراح ذلك الرجل ويضعه في مستشفى خاص لمعالجته، لكن أحد الممرضين يجد طريقة لجني بعض المال عن طريق عرض المريض على من يدفع مقابل زيارته. هذا يسيء حالة المريض فيهرب من المستشفى إلى السيرك، حيث يتحول أحد أنجح استعراضاته.

«الرجل الفيل» (بروكسفيلم)

نال «رجل الفيل» ترشيحاً لأوسكار أفضل فيلم ونال لينش ترشيحاً آخر كأفضل مخرج وحظي الممثل البريطاني جون هَرْت بالترشح أفضل ممثل (ذهبت جائزة أفضل فيلم إلى «أناس عاديون» لروبرت ردفورد الذي نال كذلك أوسكار أفضل مخرج، بينما استلم روبرت دِ نيرو أوسكار أفضل ممثل عن «ثور هائج»، Raging Bull).

خط مستقيم

تغيّر الوضع بالنسبة للينش فأسندت هوليوود إليه تحقيق Dune عن رواية فرانك هربرت الضخمة سنة 1984. لكن قبل ذلك اقترح جورج لوكاس على لينش إخراج الجزء الثالث من «ستار وورز»، لكن لينش اعتذر.

كان هذا أوج تعامل لينش مع المؤسسة الهوليوودية. ليس إنها لم تعمد لتوزيع بعض أفلامه اللاحقة، إلا أن «كثبان» انتمى (كالسلسلة الحالية) إلى الإنتاجات الضخمة ولو بأسلوب وطريقة تنفيذ لينش.

كان من المفترض أن ينجز لينش جزءاً ثانياً من هذا الفيلم، لكن ذلك لم يتحقق لأن الفيلم لم يحقق نجاحاً. عوض ذلك أمّ لينش أحد أعماله التي تنتمي إلى عالمه بشكل كامل وهو فيلم «مخمل أزرق» (Blue Velvet): هناك عنف وقسوة في مشاهد هذا الفيلم، لكن ضمن معالجة لحكاية تسيطر عليها الشخصيات المتناقضة. قام بالبطولة كايل مكلاكلن (الذي ظهر في أفلام لينش السابقة) ودنيس هوبر ولورا ديرن وإيزابيللا روسيلليني.

ناوومي ووتس في «مولهولاند درايڤ» (ألان ساردي فيلمز)

مع هذا الفيلم لم يعد هناك من نقد معارض بالحجم السابق. من تلك النقطة وما بعد سبحت أعماله في مياه عذبة واعتبر النقاد حول العالم لينش أحد أفضل عباقرة السينما في الثمانينات وما بعد.

لم يتخلّف لينش عن تحقيق المزيد من الانتصارات الفنية، فأخرج «متوحش في القلب» (Wild At Heart) و«توين بيكس: النار امشي بجانبي» Me)و«الطريق المفقودة» و«حكايةسترايت» ثم «مولهولاند درايف» Mulholand Drive (2001) وهو أحد أهم إنجازاته. حكاية لغزية أخرى تقع أحداثها ليس بعيداً عن تلال هوليوود التي عاش فيها من بطولة ناوومي ووتس ولورا هارينغ في تعارف غير متوقع ورحلتين مختلفتين.

أفلام لينش ليست لمحبي السرد السريع أو التقليدي. لجانب ما يتخلل حكاياتها من مفارقات غير متوقعة وما تتضمنه من شخصيات غريبة، هناك الرؤية الخاصة به التي يمارسها كما يرغب وهو الذي يؤمن بأن على المخرج تحقيق ما في ذاته من رؤى وأفكار بالطريقة التي يشعر بها.

«قصة سترايت» (بوانا ڤيزتا)

فيلم واحد له خرج من هذا التقليد، لكن من دون أن يتخلى لينش عن رؤاه وهو «قصة سترايت» (The Straight Story) بطل الفيلم (العجوز ربتشارد فارنسوورث) الذي يركب «تراكتور» زراعياً لينقله من ولاية إلى أخرى لزيارة شقيقه المريض. المسافة تبلغ 300 كلم متر وسرعة التراكتور 2 كلم في الساعة.

الرجل اسمه سترايت، لكن الكلمة تعني أيضاً «مستقيم» و«أمين» والفيلم كذلك يُشاهد مثل كحكاية مستقيمة بلا اعوجاج، لكنها تنتمي «بأمانة» إلى فن مخرجها.


مقالات ذات صلة

5 أفلام جديدة تكشف الفجوة بين النقد والجمهور

سينما 5 أفلام جديدة تكشف الفجوة بين النقد والجمهور

5 أفلام جديدة تكشف الفجوة بين النقد والجمهور

في غضون 3 أيام هذا الأسبوع، بلغت الإيرادات الإجمالية لـ5 أفلام معروضة تجارياً على نطاق واسع أكثر من 158 مليون دولار في السوقين الأميركية والكندية فقط.

محمد رُضا (باريس)
سينما شاشة الناقد: فيلمان جديدان برسم الترفيه... إذا أمكن

شاشة الناقد: فيلمان جديدان برسم الترفيه... إذا أمكن

ما يبقى عالقاً في الذهن من الجزء الأول من هذا الفيلم هو أنه ترفيه يشبه حديث الصالونات، مع الكثير من الأضواء وتصاميم الشعر والأزياء، وقليل من الصدق.

محمد رُضا (باريس)
يوميات الشرق أخرجت قعدان أصوات الفلسطينيين في الداخل إلى الشاشة الكبيرة (صور المخرجة)

«سيجيء يوم آخر»: صوت حيّ من فلسطين إلى العالم

يمرُّ الفيلم على مشاهد البحر والشاطئ وأشجار السرو، بينما تتردّد في الخلفية رسالة صوتية تقول إنّ ملامح فلسطين الحقيقية طُمست تحت طبقات الإسفلت.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق عُرض الفيلم للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان برلين (الشركة المنتجة)

«كونتيسة الدم»... عودة أسطورة قديمة برؤية سينمائية معاصرة

عودة غامضة لـ«كونتيسة الدم» بعد اختفاء طويل، حيث تظهر من جديد في قلب فيينا الحديثة، وكأنها خرجت من زمن آخر لتستأنف وجودها وسط عالم تغيّر كثيراً.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق عرض الفيلم للمرة الأولى في سويسرا (الشركة المنتجة)

«ثمن الشمس»... فيلم وثائقي يسلط الضوء على أمازيغ المغرب

يقدم الفيلم الوثائقي البلجيكي «ثمن الشمس» توثيقاً لكيفية تغير نمط حياة مجموعة من السكان المحليين في المغرب مع تنفيذ مشروع ضخم للطاقة النظيفة.

أحمد عدلي (القاهرة )

فيروس «هانتا»... هل يتحول وباءً عالمياً؟

الإخلاء الطبي لمشتبه في إصابتهم بفيروس «هانتا» (منظمة الصحة العالمية)
الإخلاء الطبي لمشتبه في إصابتهم بفيروس «هانتا» (منظمة الصحة العالمية)
TT

فيروس «هانتا»... هل يتحول وباءً عالمياً؟

الإخلاء الطبي لمشتبه في إصابتهم بفيروس «هانتا» (منظمة الصحة العالمية)
الإخلاء الطبي لمشتبه في إصابتهم بفيروس «هانتا» (منظمة الصحة العالمية)

في وقت تزايد المخاوف العالمية من الأمراض الفيروسية الناشئة، أعاد تفشّي فيروس «هانتا» على متن السفينة السياحية «إم في هونديوس»، المتجهة من الأرجنتين إلى الرأس الأخضر، إلى الواجهة التساؤلات بشأن احتمالية ظهور وباء جديد شبيه بجائحة «شبح كورونا»، بعدما أسفر الحادث عن ثلاث وفيات وعدد من الإصابات المؤكدة بين الركاب.

وبينما سارعت منظمة الصحة العالمية، الخميس، إلى التأكيد أن الوضع الراهن لا يشكّل «بداية جائحة» أو «وباء»، وأن خطر الانتشار الواسع لا يزال منخفضاً، يثير ظهور سلالة «الأنديز» - الوحيدة المعروفة بقدرتها على الانتقال من إنسان إلى آخر - قلق الأوساط الصحية، خصوصاً مع تنقّل الركاب بين دول عدة قبل اكتشاف الإصابات.

وفيروس «هانتا» هو مجموعة من الفيروسات التي تنتقل أساساً من القوارض إلى الإنسان، وتسبب أمراضاً قد تصيب الجهاز التنفسي أو الكلى بدرجات متفاوتة من الخطورة. وتحدث العدوى غالباً عند استنشاق جزيئات ملوثة ببول أو براز أو لعاب القوارض المصابة، خصوصاً في الأماكن المغلقة أو سيئة التهوية، كما يمكن أن تنتقل عبر ملامسة الأسطح الملوثة ثم لمس الأنف أو الفم، وفي حالات نادرة عبر عضّات القوارض.

ومعظم سلالات فيروس «هانتا» لا تنتقل بين البشر، إلا أن سلالة «الأنديز» الموجودة في أميركا الجنوبية تُعدّ الاستثناء الوحيد المعروف بقدرتها على الانتقال من شخص إلى آخر من خلال المخالطة الوثيقة.

ويضع هذا التفشّي المحدود العالم مجدداً أمام اختبار يتعلق بسرعة الاستجابة، وفاعلية أنظمة المراقبة الصحية، والاستعداد لاحتمالات تحوّل الفيروسات النادرة تهديدات أوسع نطاقاً.

هل يتحول جائحةً؟

وينتقل هذا المرض النادر والقاتل عادة عبر براز أو بول أو لعاب القوارض المصابة، غير أن منظمة الصحة العالمية أكدت عدم العثور على أي قوارض على متن السفينة.

ويقول اختصاصي الأمراض المعدية الدكتور ويليام شافنر إن فيروسات «هانتا» تنتقل عادة عبر ملامسة بول أو براز القوارض الصغيرة، موضحاً أن معظم سلالات الفيروس لا تنتقل من شخص إلى آخر.

لكنه أشار، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن السلالة غير المعتادة المرتبطة بتفشّي العدوى على متن السفينة السياحية تختلف عن غيرها؛ إذ تمتلك القدرة على الانتقال بين البشر، وهي سلالة «الأنديز» المنتشرة في أميركا الجنوبية.

وأضاف أن التفشّي الحالي لا يزال محصوراً في عدد محدود من ركاب السفينة، ورغم احتمال تسجيل إصابات إضافية خلال الفترة المقبلة، فإنه من غير المرجح أن ينتشر الفيروس على نطاق واسع، مؤكداً أن الوضع الحالي لن يتحول جائحة أخرى مثل «كوفيد - 19».

جهود دولية للحد من انتشار فيروس «هانتا» (رويترز)

وأوضح شافنر أن فيروسات «هانتا» معروفة منذ فترة طويلة وليست فيروسات جديدة، كما أنها مستقرة جينياً ولا تتحور بسهولة، لافتاً إلى أنه من المتوقع ظهور معلومات إضافية مع استمرار التحقيقات بشأن التفشّي، لكن انتقال العدوى من الركاب إلى نطاق أوسع سيظل محدوداً على الأرجح.

بينما أكد استشاري الحساسية والمناعة، الدكتور مجدي بدران، أن فيروس «هانتا» يُعدّ من الفيروسات الخطيرة التي قد ترتفع معدلات الوفاة الناتجة منها في بعض الحالات، لكنه لا يمتلك حتى الآن الخصائص الوبائية التي تجعله قادراً على التحول إلى جائحة عالمية واسعة الانتشار على غرار فيروس كورونا.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن معظم الإصابات تحدث نتيجة التعرض لبول القوارض أو فضلاتها أو لعابها، في حين يظل انتقال العدوى بين البشر نادراً للغاية ومحصوراً في ظروف محددة.

وأشار إلى أنه لا توجد حتى الآن أي أدلة علمية مؤكدة على ظهور طفرات جديدة في فيروس «هانتا» تزيد قدرته على الانتقال الفعّال بين البشر، مؤكداً أن «الفيروس لا يتمتع بسرعة انتشار عالية أو بقدرة وبائية واسعة».

ولفت إلى أن «فيروس الأنديز» في أميركا الجنوبية يُعدّ السلالة الوحيدة المعروفة التي ثبتت قدرتها المحدودة على الانتقال من شخص إلى آخر، إلا أن هذا الانتقال يحدث بشكل نادر جداً، وغالباً بعد مخالطة وثيقة ومطولة، خصوصاً بين أفراد الأسرة أو المخالطين المقربين.

وأضاف بدران أن «التاريخ سجل بالفعل حالات انتقال محدودة ومؤكدة للفيروس بين البشر، خصوصاً في الأرجنتين وتشيلي، لكن التحقيقات الوبائية أظهرت أن سلاسل العدوى كانت قصيرة ومحدودة، ولم تتطور إلى انتقال مجتمعي واسع أو مستدام كما حدث مع (كوفيد -19). كما ظلت العدوى المرتبطة بالمستشفيات والرعاية الصحية نادرة للغاية، في حين بقيت معظم الإصابات عالمياً مرتبطة بالتعرض المباشر للقوارض الملوثة بالفيروس».

وأوضح أن هناك عوامل عدة تمنع فيروس «هانتا» حالياً من التحول وباءً عالمياً سريع الانتشار، أبرزها أن الفيروس يعتمد أساساً على القوارض عائلاً طبيعياً، وليس على الانتقال البشري المستمر، كما أن معظم سلالاته لا تمتلك قدرة عالية على الانتشار عبر الهواء، إضافة إلى ضعف كفاءة انتقال العدوى بين البشر حتى في حالة فيروس الأنديز.

وأشار بدران إلى أن التفشّيات المسجلة تنتهي عادة بسرعة ولا تستمر داخل المجتمعات، فضلاً عن عدم رصد أي طفرات جينية تمنح الفيروس قدرة أكبر على العدوى البشرية.

وبيّن أن شدة المرض نفسها قد تحد من انتشاره؛ إذ تؤدي الأعراض القوية إلى تقليل حركة المصابين واختلاطهم بالآخرين، في حين يحتاج انتقال العدوى غالباً إلى ظروف بيئية محددة، مثل استنشاق جزيئات ملوثة بمخلفات القوارض.

وأضاف أن المصابين لا يفرزون كميات كبيرة من الفيروس تسمح بانتشاره على نطاق واسع، في حين تسهم إجراءات الصحة العامة، مثل مكافحة القوارض والعزل السريع للمصابين، في الحد من أي تفشّيات محتملة. وشدد بدران على أن المخاوف من حدوث «كورونا جديد» لا تدعمها أي مبررات علمية كافية.

خطر محتمل

بينما يشير أستاذ اقتصاديات الصحة وعلم انتشار الأوبئة بجامعة مصر الدولية، الدكتور إسلام عنان، إلى أن فيروس «هانتا» يصنّف على أنه خطر وبائي محتمل، رغم أن ظهوره يعود إلى عقود طويلة.

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»، أن «بدايات اكتشاف المرض تعود إلى خمسينات القرن الماضي، عندما أُصيب عدد من الجنود خلال الحرب الكورية بأعراض غامضة، قبل أن يُشتق اسم الفيروس من نهر (هانتان) الفاصل بين كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية، في حين لم يتمكن العلماء من عزل الفيروس معملياً إلا عام 1978».

وأضاف أن الفيروس عاد إلى الواجهة بقوة عام 1993، بعدما توفي عدد من الشباب في الولايات المتحدة نتيجة فشل تنفسي حاد، حيث جرى حينها اكتشاف سلالة شديدة الخطورة وصلت معدلات الوفاة فيها إلى نحو 50 في المائة، وكانت العدوى تقتصر على الانتقال من القوارض إلى الإنسان.

وتابع عنان أن «التحول الأبرز حدث عام 1995 مع ظهور سلالة (الأنديز) في أميركا الجنوبية، وهي السلالة الوحيدة المعروفة بقدرتها على الانتقال من إنسان إلى آخر، وهي نفسها السلالة المرتبطة بالتفشّي الذي شهدته السفينة السياحية مؤخراً؛ ما أعاد المخاوف المتعلقة بإمكانية انتشار المرض إلى الواجهة الدولية».

وأوضح أن «العدوى تنتقل إلى الإنسان غالباً عبر استنشاق جزيئات ملوثة ببول أو براز القوارض، خصوصاً بعد جفاف هذه المخلفات وتحولها جسيمات دقيقة قابلة للانتشار في الهواء؛ ما يزيد احتمالات انتقال الفيروس. كما توجد سلالات مختلفة من فيروس (هانتا) حول العالم؛ إذ تنتشر بعض السلالات في آسيا وأوروبا وتهاجم الكلى مسببة حالات فشل كلوي، في حين تنتشر سلالات أخرى في الأميركيتين وتستهدف الرئتين؛ ما قد يؤدي إلى فشل تنفسي حاد وسريع».

وعن احتمالات تحول الفيروس وباءً عالمياً، يشير عنان إلى أنه رغم تأكيد منظمة الصحة العالمية أن مستوى الخطر العالمي لا يزال منخفضاً، فإن هناك مخاوف متزايدة من تأثيرات التغير المناخي، خصوصاً مع احتمال تسبب ارتفاع درجات الحرارة في اتساع نطاق انتشار القوارض الحاملة للفيروس ووصولها إلى مناطق جديدة.

وفيما يتعلق بالعلاج، أوضح أنه «لا يوجد حتى الآن علاج نوعي مخصص لفيروس (هانتا)؛ إذ تعتمد الرعاية الطبية الحالية على علاج الأعراض وتقديم الرعاية الداعمة، مع إمكانية استخدام بعض مضادات الفيروسات في حالات محددة. كما لا يتوافر لقاح معتمد للمرض حتى الآن، إلا أن هناك لقاحات عدة لا تزال قيد التطوير والدراسة».


ماجد المصري: «أولاد الراعي» من أهم الأعمال في حياتي الفنّية

ماجد المصري يرى أنّ السينما «هي البريق والخلود» رغم انشغاله بالتلفزيون (فيسبوك)
ماجد المصري يرى أنّ السينما «هي البريق والخلود» رغم انشغاله بالتلفزيون (فيسبوك)
TT

ماجد المصري: «أولاد الراعي» من أهم الأعمال في حياتي الفنّية

ماجد المصري يرى أنّ السينما «هي البريق والخلود» رغم انشغاله بالتلفزيون (فيسبوك)
ماجد المصري يرى أنّ السينما «هي البريق والخلود» رغم انشغاله بالتلفزيون (فيسبوك)

وصف الفنان ماجد المصري مسلسل «أولاد الراعي»، الذي عُرض خلال موسم الدراما الرمضانية الماضي، بأنه نقطة تحوّل في مسيرته الفنية، ومن أهم المسلسلات التي قدَّمها في حياته، وأكّد، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أنّ السلاسة في الأداء كانت المفتاح الذي دخل به إلى شخصية «راغب الراعي».

وأشار إلى أنّ العمل شهد مباراة قوية في الأداء بينه وبين خالد الصاوي وأحمد عيد، اللذين جمعتهما به «كواليس رائعة»، مؤكداً أنّ المسلسل طرح مشكلات مهمّة تعيشها الأسر العربية. كما لفت إلى أنّ الأغنية التي قدَّمها نجله آدم في المسلسل لقيت تفاعلاً واسعاً، وأعلن قرب عودته إلى السينما التي شهدت انطلاقته الفنّية.

وحقَّق المسلسل الرمضاني «أولاد الراعي» اهتماماً لافتاً بفضل أبطاله وقصته، وحظيت شخصية «راغب الراعي» التي أدّاها ماجد المصري بإعجاب واسع عبر مواقع التواصل الاجتماعي وبين النقاد.

ويقول عنها: «كانت من أجمل الشخصيات التي أدّيتها، فهو أحد 3 أشقاء ليست لديهم مشكلة في الميراث، بل في علاقتهم بعضهم ببعض. ومن الضروري استمرارية الحياة معاً والحفاظ على علاقات الأشقاء. كما أنّ (راغب) من الشخصيات الحسَّاسة، ورغم أنّ بعض المُشاهدين قد فهموه في البداية على نحو خاطئ، فإنه سعى إلى الإصلاح بين شقيقيه طوال الوقت».

مع خالد الصاوي وأحمد عيد في المسلسل (الشركة المنتجة)

ووصف المسلسل بأنه نقطة تحوّل في مسيرته، موضحاً أنه «عمل مهم في جميع جوانبه، وطرحَ مشكلات حقيقية تُلامس الأسر العربية، وأشعرُ بالفخر لما حقَّقه من نجاح، فهو من المسلسلات التي كان لها صدى كبير، بل من أهم الأعمال في حياتي».

وعن كيفية تعامله مع الشخصية، يتابع: «لم يكن هناك أفضل من أن أكون طبيعياً قدر الإمكان، لأنها تتطلَّب بساطة وسلاسة في الأداء، وهي من أصعب الأمور. و(راغب) يتعامل مع جميع الشخصيات في المسلسل، كما أنّ له خطاً عاطفياً في علاقته بأمه وإخوته وحبيبته وابنته، التي لم يعلم بوجودها إلا وعمرها 14 عاماً. كل ذلك يجعله يبحث عن حلول عقلانية للأمور من دون عصبية».

وكانت المَشاهد التي جمعته ببطلَي المسلسل خالد الصاوي وأحمد عيد مباراة في الأداء بينهم، وفق ما يؤكد: «كانت مباراة قوية، لأنّ الصاوي وعيد نجمان كبيران، ولكلّ منهما مكانته وقدره، وعلاقتنا قائمة على المحبة والاحترام. كما كانت كواليس العمل مليئة بالضحك، وكنا نتناقش ونتبادل الآراء حرصاً على تقديم أفضل ما لدينا».

وأشاد المصري بمخرج المسلسل محمود كامل، مؤكداً أنه تمنّى العمل معه منذ مدّة طويلة، ووجه له الشكر لما وصفه بالحرفية العالية في التنفيذ.

ولقيت أغنية «يا حرام»، التي قدَّمها نجله آدم المصري في المسلسل، تفاعلاً واسعاً. ويبدو التشابه واضحاً بين بدايات آدم ووالده، الذي بدأ مطرباً أيضاً. ويقول ماجد إنّ «الأغنية أحدثت رد فعل كبيراً، حتى إنّ الإعلامية منى الشاذلي عرضتها خلال استضافتي وفريق العمل في البرنامج. وقد تتشابه بدايات آدم معي، لكنه يضع عينه على التمثيل، ويؤجل دخول المجال إلى ما بعد إنهاء دراسته في معهد الفنون المسرحية، لأنه يريد أن يقدّم نفسه ممثلاً بعدما يصل إلى قدر كافٍ من الاحترافية والتمكُّن، وأتمنى له التوفيق، فهو من الشخصيات الملتزمة»، نافياً تفكيره في العودة إلى الغناء، قائلاً: «ليس ذلك في بالي حالياً».

وعمّا يحكم اختياراته الفنية، يقول: «الكتابة الجيدة، والشخصية الجديدة، والموضوع الجاذب، والمنظومة التي تعمل على إنجاح العمل. وأرى أنّ الدور الجديد الذي أستطيع من خلاله تقديم أداء مختلف هو رزقٌ من الله، لأنّ هذا أكثر ما يرضي الفنان، أن يكتشف نفسه من جديد، ويحظى بثقة الناس وحبهم وتقديرهم».

ماجد المصري في لقطة من مسلسل «أولاد الراعي» (الشركة المنتجة)

واستحوذت الدراما التلفزيونية على أعمال ماجد المصري، رغم بطولته في بداياته لأفلام سينمائية مهمّة، مثل «سارق الفرح» للمخرج داود عبد السيد، و«تفاحة» للمخرج رأفت الميهي. ويعترف بأن «السينما هي البريق والخلود»، ويقول: «إذا وجدت أفلاماً تليق بي فسأرّحب بها بالتأكيد، خلاف ذلك أواصل العمل في الدراما وأصل إلى الناس من خلال الموضوعات. بالفعل أنا بعيد عن السينما حالياً، لكن الفترة المقبلة ستشهد نشاطاً سينمائياً مهماً».

ويختم: «طموحي أن أكون قريباً من الناس، وأن يكون كل ما أقدمه مفيداً لهم. أتطلع إلى تقديم رسالتي على أكمل وجه، وأن أجد الأدوار التي تحترم عقل المشاهد وتستحق أن ترى النور، ولدينا أجيال جديدة تعمل على تطوير الفنّ بشكل متسارع».


«طريق سرّي» نحو المريخ قد يختصر الرحلة إلى 153 يوماً

في الفضاء أيضاً قد تقودنا المصادفة إلى أقصر الطرق (شاترستوك)
في الفضاء أيضاً قد تقودنا المصادفة إلى أقصر الطرق (شاترستوك)
TT

«طريق سرّي» نحو المريخ قد يختصر الرحلة إلى 153 يوماً

في الفضاء أيضاً قد تقودنا المصادفة إلى أقصر الطرق (شاترستوك)
في الفضاء أيضاً قد تقودنا المصادفة إلى أقصر الطرق (شاترستوك)

كشف علماء فلك عن ممرّ فضائي جديد قد يختصر مئات الأيام من زمن الرحلة إلى كوكب المريخ، من خلال الاستفادة من مسار طبيعي تسلكه بعض الكويكبات بين الكواكب.

وتتباين المسافة بين الأرض والمريخ باستمرار تبعاً لموقعيهما وسرعتَي دورانهما حول الشمس، وتبلغ أدنى مستوياتها عندما تقع الأرض مباشرة بين الشمس والكوكب الأحمر، وهي الظاهرة المعروفة باسم «مقابلة المريخ»، التي تتكرَّر تقريباً كل 26 شهراً.

ورغم ذلك، فإنّ الوصول إلى المريخ يستغرق حالياً ما بين 7 و10 أشهر، حتى باستخدام أسرع المركبات الفضائية المُتاحة.

لكن الممر الفضائي المُكتشف حديثاً، والذي يُفتح خلال فترات الاقتراب بين الكوكبين، قد يختصر مدة المهمة كاملة إلى 153 يوماً فقط.

وعادة، تعتمد وكالات الفضاء عند التخطيط للبعثات الكوكبية على تحليل بيانات مدارات الكواكب لتحديد أفضل المسارات واحتياجات الوقود، وإنما هذا الممر الجديد اكتُشف من خلال دراسة بيانات مدارات الكويكبات.

ودرس علماء الفلك إمكانية الاستفادة من مسارات الكويكبات للكشف عن طرق مختصرة مخفيّة في الفضاء، مع التركيز على الكويكب «2001 CA21»، الذي تشير التوقّعات إلى أنّ مساره يعبُر مدارَي الأرض والمريخ.

وحلل الباحثون اقتراب الكويكب من المريخ، وهو مسار قد يسمح للمركبات الفضائية باتباع طريق أكثر مباشرة نحو الكوكب الأحمر. كما درسوا حالات «مقابلة المريخ» خلال أعوام 2027 و2029 و2031، لتحديد أيها يوفّر أفضل الظروف لرحلة أقصر.

وتوصَّلت الدراسة إلى أنّ عام 2031 هو العام الوحيد الذي يشهد اصطفافاً ملائماً بين هندسة الأرض والمريخ والمستوى المداري للكويكب، بما يسمح بتحقيق هذا المسار السريع.

وقال الباحثون في الدراسة التي نقلتها «الإندبندنت» عن دورية «أكتا أسترونوتيكا»: «إنّ مقابلة المريخ عام 2031 تدعم مهمّتَيْن كاملتَيْن ذهاباً وإياباً في أقلّ من عام، بما يتوافق مع المستوى المداري المرتبط بالكويكب CA21، وهو ما يوضح كيف يمكن لبيانات مدارات الأجرام الصغيرة أن تُسهم مبكراً في اكتشاف فرص سريعة للانتقال بين الكواكب».

وأضافوا: «تقدم هذه الدراسة منهجية هندسية مبتكرة لتصميم بعثات سريعة بين الكواكب».

ويأمل فريق الدراسة أن تُسهم البحوث المستقبلية المتعلّقة بهندسة مسارات الكويكبات القريبة من الأرض في تطوير تصميمات أسرع وأكثر كفاءة للرحلات الفضائية بين الكواكب.