فرنسا تبحث خيارات الرد على ما تعده «إذلالاً» جزائرياً

وزراء وسياسيون فرنسيون يعرضون مروحة واسعة لـ«الانتقام من الإهانة» التي لحقت ببلادهم

وزير العدل الفرنسي جيرالد درامانان خارجاً من قصر الإليزيه في 8 الجاري ويتبعه وزير الدفاع سيباستيان لو كورنو (رويترز)
وزير العدل الفرنسي جيرالد درامانان خارجاً من قصر الإليزيه في 8 الجاري ويتبعه وزير الدفاع سيباستيان لو كورنو (رويترز)
TT

فرنسا تبحث خيارات الرد على ما تعده «إذلالاً» جزائرياً

وزير العدل الفرنسي جيرالد درامانان خارجاً من قصر الإليزيه في 8 الجاري ويتبعه وزير الدفاع سيباستيان لو كورنو (رويترز)
وزير العدل الفرنسي جيرالد درامانان خارجاً من قصر الإليزيه في 8 الجاري ويتبعه وزير الدفاع سيباستيان لو كورنو (رويترز)

تتوجه الأنظار في فرنسا نحو البرلمان لتلمس المسار الذي ستسلكه الأزمة الفرنسية - الجزائرية بمناسبة الكلمة المرتقبة، الثلاثاء، لرئيس الحكومة الجديد فرنسوا بايرو، الذي سيُعرض، للمرة الأولى، للنواب، برنامجه الحكومي في الداخل والخارج.

وبالنظر إلى التعبئة الحكومية والسياسية إزاء ملف بالغ الحساسية، من المنتظر أن يكشف بايرو عن الإجراءات التي تنوي الحكومة اتخاذها للرد على ما عدَّه وزير الداخلية برونو روتايو «تحقيراً» أو «إذلالاً» لفرنسا عندما رفضت سلطات الأمن في مطار الجزائر استعادة مواطنها «بوعلام ن» المؤثر والناشط على وسائل التواصل الاجتماعي الذي سحبت منه ترخيص إقامته عل الأراضي الفرنسية ورحَّلته إلى الجزائر بحجة «الدعوة إلى اللجوء إلى العنف» ضد معارضين للنظام الجزائري.

الرئيس إيمانويل ماكرون متحدثاً في إطار الاجتماع السنوي لسفراء فرنسا عبر العالم بقصر الإليزيه (رويترز)

وما كان لحادثة من هذا النوع أن تتفاعل بهذا الشكل وتثير هذه «التعبئة» من الجانب الفرنسي، لو أن العلاقات الفرنسية - الجزائرية «طبيعية». وإذا كانت هذه العلاقات تعرف منذ عشرات السنوات «مطبات هوائية» متكررة، فلأنها، تاريخياً، بالغة الحساسية بسبب الخلافات المتراكمة بين الطرفين التي لم تنجح الجهود التي بذلها الرئيسان إيمانويل ماكرون وعبد المجيد تبون، في الأعوام الثلاثة الماضية، في تسويتها. وبكلام آخر، فإن الحادثة الأخيرة ليست سوى الجزء الظاهر من «جبل الجليد» الذي يمنع حقيقة تجاوز الخلافات والتوصل إلى «مصالحة حقيقية» بين الطرفين.

العاهل المغربي مستقبلاً الرئيس الفرنسي خلال زيارته الأخيرة للمغرب (أ.ف.ب)

بيد أن الانفجار الحقيقي للعلاقات يعود للصيف الماضي، عندما وجه ماكرون رسالة رسمية إلى ملك المغرب محمد السادس، في 27 يوليو (تموز )الماضي، بمناسبة «عيد العرش» وفيها يتبنى سياسة إزاء الصحراء الغربية، مختلفة جذرياً عن السياسة الفرنسية التقليدية.

وجاء في رسالة ماكرون اعتباره أن «حاضر ومستقبل الصحراء الغربية يُدرجان في إطار السيادة المغربية»، مشدداً على «ثبات الموقف الفرنسي إزاء هذا التحدي للأمن الوطني المغربي». وكان رد الجزائر عبر استدعاء سفيرها وتجميد العلاقات الثنائية في غالبية المجالات وحملة تعبئة ضد فرنسا، القوة المستعمرة السابقة.

صورة للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون خلال زيارته إيطاليا يونيو الماضي بمناسبة قمة السبع (د.ب.أ)

ومؤخراً، جاءت كلمة ماكرون، يوم 6 الجاري، في حديثه عن احتجاز الكاتب الجزائري - الفرنسي بوعلام صنصال منتصف نوفمبر (تشرين الثاني) لدى وصوله إلى مطار الجزائر، بأن الجزائر «ألحقت العار بنفسها لمنع العلاج عن رجل مريض للغاية»، ووصفه بأنه «مناضل من أجل الحرية»، وأنه «محتجز بطريقة تعسفية من المسؤولين الجزائريين»، لتصب الزيت على النار.

كان تبون قد رأى أن باريس «أرسلت محتالاً لا يعرف هويته ولا يعرف والده، وجاء ليقول إن نصف الجزائر ينتمي إلى دولة أخرى»... يقصد المغرب.

ما سبق غيض من فيض الخلافات المتنوعة بين البلدين. ولاكتمال الصورة، تجدر الإشارة إلى أن جهود الطرفين من أجل «مصالحة الذاكرة» الثنائية باءت بالفشل رغم ما أنجزته اللجنة التي يترأسها من الجانب الفرنسي المؤرخ بنجامين ستورا. فالجزائر تريد اعتذاراً من فرنسا على ما قامت به خلال فترة الاستعمار الممتدة لـ132 عاماً. كما تريد جلاء مجموعة من الملفات، منها التجارب النووية الفرنسية في الصحراء الجزائرية، والحصول على تعويضات، فضلاً عن استعادة الآثار الجزائرية المنهوبة.

كذلك تطلب الجزائر، دورياً، من باريس أن تسلمها من تسمّيهم «المخربين»، أي المعارضين الجزائريين المقيمين على الأراضي الفرنسية الذين يهاجمون النظام على وسائل التواصل الاجتماعي، الأمر الذي ترفضه باريس، معتبرةً أنه من «صلاحيات المحاكم وحدها».

وزير الداخلية برونو روتايو متحدثاً خلال اجتماع يوم الاثنين في مدينة لو هافر (شمال فرنسا) حول أمن المواني (أ.ف.ب)

من جانبها، تأخذ باريس على الجزائر رفضها التعاون القنصلي في استقبال الجزائريين الذين فقدوا حق البقاء على الأراضي الفرنسية والذين تريد باريس ترحيلهم، بالتوازي مع مماطلة الجزائر في إعطاء تأشيرات دخول للفرنسيين، بعكس ما تقوم به السلطات الفرنسية.

يضاف إلى ما سبق، أن فرنسا لا ترى أن علاقاتها الاقتصادية والتجارية مع الجزائر تذهب في الاتجاه الصحيح، فضلاً عن أن الجزائر تماطل أيضاً في دفع متأخرات ومستحقات شركات فرنسية كبرى عاملة في الجزائر.

فرنسا تتهيأ للرد

ولعبت حادثة الناشط «المؤثر»، (بوعلام ن)، دور القشة التي قصمت ظهر البعير. ومنذ الخميس الماضي، ثمة ما يشبه التنافس بين الوزراء والسياسيين الفرنسيين في طرح وسائل الرد على «الإهانة» الجزائرية. فوزير الداخلية القادم إلى الحكم من اليمين، والساعي إلى إبراز عضلاته في فرض الأمن، والتعامل بشدة مع ملفات الهجرة والعصابات والتهريب والمخدرات، كان أول من أطلق النفير بدعوته إلى الرد على «العمل العدواني» الجزائري من خلال «درس جميع وسائل الانتقام المتاحة لنا، وأعني كل هذه الوسائل».

من لقاء سابق بين الرئيسين الفرنسي والجزائري (الرئاسة الفرنسية)

ومن وسائل الردع، أشار برونو روتايو إلى تفعيل مبدأ «المعاملة بالمثل» في موضوع التأشيرات، واستخدام المساعدات الإنمائية التي تقدمها باريس. ويريد روتايو اللجوء إلى الاتحاد الأوروبي لليّ ذراع الجزائر، من خلال تجميد المحادثات الخاصة باتفاقية التجارة بينها وبين الاتحاد.

بيد أن السلاح الرادع الذي يريد الوزير المعنيّ اللجوء إليه عنوانه تعليق أو إلغاء اتفاقية عام 1968 بين الطرفين التي توفر تسهيلات إقامة وعمل للجزائريين في فرنسا. وقال روتايو: «شخصياً، لطالما كنت أؤيد ذلك. ولكن لا يمكن أن يكون الأمر منوطاً بي فقط».

وتجدر الإشارة إلى أن السلطات الفرنسية أوقفت أخيراً، ثلاثة «مؤثرين» جزائريين، للاشتباه في «تحريضهم على الإرهاب»، ووضع منشورات تحض على ارتكاب أعمال عنف في فرنسا ضد معارضين للنظام الجزائري.

لم يتأخر رئيس الحكومة السابق غابرييل أتال، في الانضمام إلى وزير الداخلية بدعوته إلى وقف العمل باتفاقية عام 1968. ومن جانبه، لحق جان نويل بارو، وزير الخارجية، بالداعين إلى اتخاذ إجراءات مضادة. وأعلن الجمعة، في حديث تلفزيوني، أنه «لن يكون أمام فرنسا سوى الرد... إذا داوم الجزائريون على موقفهم التصعيدي». وأشار إلى أنه «من بين الأوراق التي نستطيع تفعيلها، التأشيرات، ومساعدات التنمية»، فضلاً عن «عدد معين من مواضيع التعاون الأخرى»، لتي لم يسمّها.

الرئيس إيمانويل ماكرون ورئيس حكومته فرنسوا بايرو (رويترز)

أما جيرالد درامانان، وزير العدل الحالي والداخلية، فقد عثر على الرد الذي من شأنه أن يؤذي «النخبة الجزائرية». واقترح درامانان الذي له أصول جزائرية، مساء الأحد، إلغاء الاتفاق الحكومي المشترك المبرم في عام 2013، الذي يتيح لمن يحملون جوازات سفر رسمية، أو جوازات سفر دبلوماسية جزائرية، (وهناك الآلاف منهم)، بالمجيء إلى فرنسا من دون تأشيرة والتنقل بحرية.

وحسب الوزير المذكور، فإن هذا الإجراء «الانتقامي» يصيب النخب، ويعد «أكثر ذكاءً وفاعلية ويمكن القيام به بسرعة كبيرة». كما دعم درامانان مقترح مراجعة أو إلغاء اتفاقية عام 1968، التي وصفها بأنها «أصبحت قديمة»، و«تمت مراجعتها في كثير من المرات» في السابق.

لا شيء يشي، من الجانبين، بأن الأمور ذاهبة نحو التهدئة. لكنَّ سفيراً فرنسياً سابقاً قال لـ«الشرق الأوسط» إن علاقات البلدين عرفت منذ عقود كثيراً من التوترات، إلا أن الطرفين «أخذا دوماً في الاعتبار مصلحتهما المشتركة في الحفاظ عليها». فهل سيلجمان، هذه المرة، الموجة التصعيدية أم أنها ستتواصل؟ المؤشر قد يأتي عبر خطاب بايرو، الذي سيدلّ ربما على المسار الذي ستسلكه هذه العلاقات.


مقالات ذات صلة

ماكرون يدعو إيران إلى «الانخراط بنية حسنة في المفاوضات» لإنهاء الحرب

شؤون إقليمية الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (رويترز)

ماكرون يدعو إيران إلى «الانخراط بنية حسنة في المفاوضات» لإنهاء الحرب

دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الثلاثاء، إيران إلى «الانخراط بنيّة حسنة في مفاوضات» تهدف إلى «خفض التصعيد» في الحرب الدائرة بالشرق الأوسط، وذلك عقب محادثة…

«الشرق الأوسط» (باريس )
المشرق العربي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي خطاباً خلال زيارته لمعرض «جبيل، مدينة لبنان الألفية»، في معهد العالم العربي في باريس 23 مارس 2026 (أ.ب)

ماكرون يحذّر من «احتلال» لبنان خلال افتتاحه معرضاً عن مدينة جبيل الأثرية

أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الاثنين، أن أي «احتلال» لا يضمن «أمن أيّ شخص كان»، محذراً إسرائيل من مخاطر عملياتها البرية في لبنان.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا الرئيس الفرنسي خلال مشاركته في القمة الأوروبية في بروكسل (إ.ب.أ)

ماكرون: مفاوضات لبنان وإسرائيل المباشرة رهن بضوء أخضر إسرائيلي

أكد الرئيس الفرنسي للصحافيين عقب قمة أوروبية في بروكسل أنه «لا يوجد أي مقترح فرنسي على الإطلاق يتضمن» اعتراف لبنان بإسرائيل.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
أوروبا المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يحضران مؤتمراً صحافياً في برلين ألمانيا 23 يوليو 2025 (رويترز)

ماكرون يلتقي ميرتس في بروكسل الأربعاء عشية قمة للاتحاد الأوروبي

أعلنت الرئاسة الفرنسية أن الرئيس إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني فريدريش ميرتس سيلتقيان الأربعاء في بروكسل لتنسيق جهودهما عشية قمة للاتحاد الأوروبي.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وزوجته بريجيت بعد اقتراعهما في الانتخابات المحلية بمدينة لو توكيه في شمال فرنسا (أ.ف.ب)

ماكرون: فرنسا غير مستعدة للمشاركة في تأمين مضيق هرمز في الظرف الراهن

أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن فرنسا غير مستعدة للمشاركة في تأمين مضيق هرمز «في الظرف الراهن».

«الشرق الأوسط» (باريس)

الخارجية السودانية تتهم واشنطن بالانحياز لـ«الدعم السريع» و«التضليل»

مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية (نيويورك تايمز)
مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية (نيويورك تايمز)
TT

الخارجية السودانية تتهم واشنطن بالانحياز لـ«الدعم السريع» و«التضليل»

مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية (نيويورك تايمز)
مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية (نيويورك تايمز)

أعربت وزارة الخارجية السودانية، عن استنكارها الشديد لتصريحات مسؤول أميركي بارز حمّل فيها الجيش السوداني مسؤولية قصف مستشفى «الضعين» في إقليم دارفور، الذي أسفر عن مقتل 70 شخصاً وإصابة 146 آخرين، وعدّتها «تفتقر إلى الدقة والموضوعية»، وتخدم أجندة «قوات الدعم السريع»، في وقت تتصاعد فيه حدة المواجهات ميدانياً، لا سيما في إقليم النيل الأزرق.

وأدان مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية والعربية، مسعد بولس، في منشور على منصة «إكس»، الهجوم الذي استهدف مستشفى «الضعين»، واصفاً إياه بأنه «أمر مروّع» يحرم المدنيين من الرعاية الصحية المنقذة للحياة. ودعا إلى وقف العنف من الجانبين، والقبول بهدنة إنسانية من شأنها تخفيف معاناة السودانيين وإتاحة الفرصة لعلاج المصابين.

وكان هجوم بطائرات مسيّرة، وقع في أول أيام عيد الفطر الأسبوع الماضي، قد أسفر عن مقتل 70 شخصاً وإصابة 146 آخرين، بعد استهداف مستشفى «الضعين التعليمي» في دارفور. وفي رسالة لاحقة، نسب بولس الضربة إلى القوات المسلحة السودانية، الأمر الذي أثار ردود فعل غاضبة في الخرطوم.

وقالت وزارة الخارجية السودانية، في بيان صحافي، إنها «تستنكر بأشد العبارات» تلك التصريحات، مؤكدة أنها صدرت من دون تحقيق أو تقصٍّ، وأسهمت في «تضليل الرأي العام المحلي والدولي»، وألحقت ضرراً بجهود السلام. وأضافت أن هذه التصريحات «لا تخدم إلا أجندة الرعاة الإقليميين للميليشيا»، وتمنحها فرصة للتنصل من «جرائمها في استهداف المرافق الصحية بصورة ممنهجة».

صور للأقمار الاصطناعية تؤكد

في المقابل، كانت «قوات الدعم السريع» قد اتهمت الجيش بتنفيذ الهجوم، مشيرة إلى استخدام طائرة مسيّرة تركية الصنع، ووصفت الواقعة بأنها «جريمة حرب مكتملة الأركان»، مطالبة بفتح تحقيق دولي مستقل. لكن الجيش نفى، في بيان رسمي، ضلوعه في القصف، عادّاً الاتهامات «حملة دعائية»، ومؤكداً التزامه بالقوانين والأعراف الدولية.

في سياق متصل، خلص تقرير صادر عن «مختبر البحوث الإنسانية» التابع لجامعة ييل إلى أن الجيش السوداني هو من نفّذ قصف مستشفى «الضعين»، استناداً إلى تحليل صور أقمار اصطناعية. وأشار التقرير إلى أن الاستهداف كان مباشراً، واستخدم فيه ما وصفه بـ«تكتيك الضربة المزدوجة»، ما أدى إلى دمار واسع في أقسام الطوارئ والأطفال والولادة، وخلف أكثر من 150 ضحية بين قتيل وجريح.

ميدانياً، أفادت مصادر طبية بمقتل 28 مدنياً على الأقل جراء غارتين بطائرات مسيّرة استهدفتا ولايتي شمال دارفور وشمال كردفان. وأوضحت أن إحدى الغارتين استهدفت سوقاً في مدينة «سرف عمرة»، ما أسفر عن مقتل 22 شخصاً، بينهم رضيع، وإصابة 17 آخرين، بعد اندلاع حريق واسع في الموقع.

وفي هجوم آخر بولاية شمال كردفان، أسفرت ضربة مماثلة عن مقتل ستة أشخاص وإصابة عشرة، حيث اتهمت مصادر طبية «قوات الدعم السريع» بالمسؤولية. وتشير الوقائع إلى أن الضربات بالطائرات المسيّرة باتت سمة بارزة في النزاع، خصوصاً في مناطق كردفان، حيث تتسبب بسقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين.

«الدعم» يتقدم في النيل الأزرق

على صعيد العمليات العسكرية، أعلنت «قوات الدعم السريع» تحقيق تقدم في إقليم النيل الأزرق، مؤكدة سيطرتها على مواقع استراتيجية في محافظة «باو» بعد معارك عنيفة مع الجيش، ما يفتح الطريق نحو عاصمة الإقليم «الدمازين». كما تحدثت عن سيطرتها على مدينة «الكرمك» الاستراتيجية، الواقعة على بُعد نحو 150 كيلومتراً من العاصمة، في حين لم يقرّ الجيش بفقدانها.

وتعكس هذه التطورات استمرار تصاعد النزاع في السودان، وسط تدهور الأوضاع الإنسانية، وتزايد الدعوات الدولية لوقف القتال والدخول في مسار سياسي يفضي إلى إنهاء الحرب.


تنديد حقوقي في طرابلس ومصراتة باستمرار اعتقال ناشط سياسي

الناشط الليبي المهدي عبد العاطي (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)
الناشط الليبي المهدي عبد العاطي (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)
TT

تنديد حقوقي في طرابلس ومصراتة باستمرار اعتقال ناشط سياسي

الناشط الليبي المهدي عبد العاطي (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)
الناشط الليبي المهدي عبد العاطي (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)

تصاعدت موجة التنديد في غرب ليبيا باستمرار اعتقال الناشط والمدوّن المهدي عبد العاطي، الذي اقتاده «مسلحون مجهولون»؛ والذي قالت أسرته عقب اعتقاله إنه «يتعرّض للتعذيب، مما تسبب في اعتلال صحته»، محمّلة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، وأجهزته الأمنية المسؤولية عن سلامته.

ومن طرابلس إلى مصراتة، طالب حقوقيون حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة بضرورة إطلاق سراح المهدي، كما أهابوا بالنائب العام الصديق الصور سرعة فتح تحقيق في ملابسات اعتقاله على «يد جهاز الأمن الداخلي» التابع للحكومة.

ولم تكشف أي جهة أمنية أو تشكيل مسلح مسؤوليته عن اعتقال المهدي، الذي اقتيد من مدينة مصراتة الخميس الماضي، لكن ليبيا تشهد حوادث مشابهة منذ السنوات التي تلت إسقاط نظام الرئيس السابق معمر القذافي عام 2011، وتغوّل التشكيلات المسلحة في الحياة العامة.

وقال المحلل السياسي والناشط أسامة الشحومي، الذي أدان عملية اعتقال المهدي، إنه «لا يجوز القبض على أي إنسان أو حبسه إلا بأمر من السلطات المختصة بذلك قانوناً»، كما «لا يجوز إصدار أمر القبض إلا بناءً على تحقيقات سابقة، ولا يكون ذلك بناءً على تقرير كتابي».

النائب العام الليبي الصديق الصور (المكتب الإعلامي للنائب العام)

وأضاف الشحومي في رسالة إلى النائب العام، موضحا أن قضية المهدي عبد العاطي «أصبحت قضية رأي عام لمواطن ليبي يمارس حقه في التعبير، الذي كفله له القانون والإعلان الدستوري والمواثيق والقوانين؛ لذا فالأمل معقود على النائب العام للكشف عن مصير المهدي أولاً، ثم معاقبة كل من تورط في خطفه والتنكيل به»، منوهاً إلى أهمية «غل يد الخارجين عن القانون، والدخلاء على الوظائف الأمنية والعسكرية الذين يسيئون استعمال السلطة من أجل خدمة سادتهم وحماية كراسيهم».

وسبق أن أعربت أسرة الناشط المهدي، بداية الأسبوع الماضي، عن «بالغ قلقها واستنكارها الشديدَين إزاء ما وردها من معلومات مؤكدة حول تدهور حالته الصحية، وتعرضه لظروف قاسية شملت التعذيب والترهيب أثناء فترة احتجازه، مما استدعى نقله إلى المستشفى لتلقي العلاج». وقالت إن «هذه التطورات الخطيرة تمثّل انتهاكاً جسيماً لكل القوانين الوطنية والمواثيق الدولية التي تجرّم التعذيب وسوء المعاملة، وتفرض حماية كرامة وسلامة المحتجزين». وبعدما حمّلت الدبيبة وجهاز الأمن الداخلي بطرابلس المسؤولية عن حياة نجلها، أشارت إلى أن «ما يتعرّض له ابنها يُعد جريمة لا تسقط بالتقادم، وستتم ملاحقة المسؤولين عنها قانونياً».

ودفعت قضية اعتقال الناشط المهدي البعثة الأممية إلى القول إن «هذا الاحتجاز ليس بحادثة فردية، بل إنه نمط كثير الحدوث، وسائد بين أوساط الأجهزة الأمنية وأجهزة إنفاذ القانون في البلاد»، مطالبة «بالإفراج الفوري» عنه من قبل جهاز الأمن الداخلي حسبما ورد إليها.

وقالت البعثة في بيان الأربعاء: «يبدو أن هذا التوقيف والاحتجاز يشكل انتهاكاً للقوانين الليبية والتزامات ليبيا الدولية إزاء حقوق الإنسان»، وذكرت أنه «من الضروري أن يعزز قادة ليبيا ومسؤولوها الحيز المدني على نحو يمكن الليبيين، بمن فيهم أولئك الذين يعبرون عن آراء مناهضة، من الخوض في مناظرات وحوارات وهم يشعرون بالأمان في ممارسة حقهم في حرية التعبير».

ودخل مجلس حكماء وأعيان مصراتة على خط أزمة اعتقال المهدي، معبراً عن بالغ «الغضب والاستياء» مما وقع له، وقال: «ما يجري يمثل اعتداءً سافراً على الحقوق والحريات العامة ويستدعي موقفاً حازماً».

ويعتقد مجلس حكماء وأعيان مصراتة في بيان مساء الأربعاء أن عملية «خطف المهدي تمت بشكل تعسفي وخارج نطاق القانون، دون أي إذن قضائي أو استدعاء رسمي؛ ما يعد انتهاكاً واضحاً للإجراءات القانونية وتقويضاً لهيبة مؤسسات الدولة والنظام العام».

وحمّل المجلس «جهاز الأمن الداخلي كامل المسؤولية القانونية والأخلاقية والجنائية عن سلامة المخطوف، وطالبه بالكشف الفوري عن مكان احتجازه»، ورأى أن «هذا الحادث يعيد إلى الأذهان ممارسات القمع والتنكيل التي كانت سائدة في العهود السابقة». وقبيل اعتقال الناشط المهدي، كان يتحدث عن «عمليات تهريب الوقود في ليبيا، وضلوع شخصيات نافذة في هذا الأمر».


الجزائر تصعّد ضد فرنسا في «أزمة سجن الموظف القنصلي»

القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر (السفارة)
القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر (السفارة)
TT

الجزائر تصعّد ضد فرنسا في «أزمة سجن الموظف القنصلي»

القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر (السفارة)
القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر (السفارة)

احتجت الجزائر، الخميس، بشدة على تمديد الحبس الاحتياطي لموظف قنصلي تابع لها في فرنسا، وجّه إليه الادعاء الفرنسي قبل عام تهمة «الإرهاب» بشأن خطف واحتجاز المعارض الجزائري الشهير أمير بوخرص، المقيم في فرنسا بوصفه لاجئاً سياسياً.

وأكدت وزارة الخارجية الجزائرية، في بيان، استدعاء القائم بالأعمال في سفارة فرنسا لدى الجزائر، في اليوم نفسه، إلى مقر وزارة الشؤون الخارجية، وسلّمته احتجاجاً بـ«أشد العبارات ضد تجديد الحبس المؤقت لموظف قنصلي جزائري يوم أمس (الأربعاء)، لمدة إضافية بلغت سنة كاملة».

وأوضح البيان أنه جرى «لفت انتباه الدبلوماسي الفرنسي بشكل حازم إلى أن الموظف القنصلي الجزائري كان يخضع بالفعل لحبس مؤقت لمدة عام منذ شهر أبريل (نيسان) 2025، وذلك رغم وضعه المحمي بموجب (اتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية لعام 1963)».

اليوتيوبر المعارض أمير بوخرص (حسابه بالإعلام الاجتماعي)

كما جرى إبلاغه، وفق البيان، «استنكارنا الشديد للمعاملة غير المقبولة التي يتعرض لها الموظف القنصلي الجزائري منذ سجنه، والتي كشفت عنها أول زيارة قنصلية مرخص بها استفاد منها في 17 مارس (آذار)» الحالي.

وأضاف البيان ذاته أن مسؤولي وزارة الخارجية الجزائرية أخطروا القائم بالأعمال الفرنسي بأن قرار تمديد حبس الموظف القنصلي «يصعب تبريره، ولا يمكن قبوله، وستكون له حتماً عواقب على المجرى الطبيعي للعلاقات الجزائرية - الفرنسية».

واندلعت هذه الأزمة حينما أوقفت السلطات الفرنسية موظفاً يعمل في قنصلية الجزائر بمنطقة كريتاي في ضواحي باريس، من دون الكشف عن اسمه، كما أن السلطات الجزائرية لم تفصح عن هويته حتى الساعة، فيما ذكرت صحف فرنسية أنه رجل أمن تابع للشبكة الدبلوماسية الجزائرية لدى فرنسا.

وجرت عملية الاعتقال بطريقة وصفتها الجزائر بـ«الاستعراضية والمهينة»، حيث وقعت في الطريق العامة دون مراعاة للأعراف الدبلوماسية المعمول بها، وفق ما جاء يومها في بيان من وزارة الخارجية الجزائرية.

واتهم القضاء الفرنسي الموظف الجزائري بالضلوع في محاولة اختطاف المعارض أمير بوخرص، المعروف بـ«أمير دي زد» في فرنسا، وهي تهمة استندت فيها السلطات الفرنسية إلى تتبع اتصالات هاتفية وتحقيقات أمنية، زاعمة أن الموظف شارك في التخطيط لعملية استدراج المعارض في ربيع عام 2024. وحتى اليوم لا يُعرف أي شيء عن تطورات هذا الاختطاف؛ إذ عاد بوخرص إلى بيته بعد 72 ساعة من احتجازه في ظروف يلفها كثير من الغموض.

ورفضت الجزائر هذه الاتهامات بشدة، ووصفت القضية بـ«المسرحية القضائية»، وبأن توقيف الموظف القنصلي يمثل «خرقاً سافراً» لـ«اتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية»، التي تمنح الحصانة للموظفين الدبلوماسيين والقنصليين. وردت حينها بخطوات تصعيدية شملت طرد 12 موظفاً فرنسياً من سفارة باريس لدى الجزائر، مؤكدة أن المعني كان يمارس مهامه القنصلية العادية. كما ردت فرنسا بالإجراء نفسه حيث أبعدت 12 دبلوماسياً جزائرياً.

وزيرا خارجية الجزائر وفرنسا في 6 أبريل الماضي (الخارجية الجزائرية)

وشكّلت قضية «أمير دي زد» إحدى أشد حلقات التوتر في علاقات البلدين، التي كانت أصلاً تمرّ بأزمة حادة منذ صيف 2024؛ وذلك على أثر اعتراف «الإليزيه» بسيادة المغرب على الصحراء. وتصاعد التوتر بشكل لافت في يناير (كانون الثاني) الماضي؛ بسبب ظهور بوخرص في وثائقي بثته قناة «فرنس2» العمومية، تهجم فيه على الرئيس الجزائري عبد المجيد تبّون.