الجيش السوداني يحقق «انتصاراً كبيراً» ويستعيد عاصمة الجزيرة

مستشار «حميدتي»: خسرنا معركة ولم نخسر الحرب

احتفالات شعبية في مدينة بورتسودان بعد سيطرة الجيش على مدينة ود مدني السبت (أ.ف.ب)
احتفالات شعبية في مدينة بورتسودان بعد سيطرة الجيش على مدينة ود مدني السبت (أ.ف.ب)
TT

الجيش السوداني يحقق «انتصاراً كبيراً» ويستعيد عاصمة الجزيرة

احتفالات شعبية في مدينة بورتسودان بعد سيطرة الجيش على مدينة ود مدني السبت (أ.ف.ب)
احتفالات شعبية في مدينة بورتسودان بعد سيطرة الجيش على مدينة ود مدني السبت (أ.ف.ب)

أعلن الجيش السوداني، السبت، استعادة مدينة «ود مدني» عاصمة ولاية الجزيرة وسط البلاد من قبضة «قوات الدعم السريع»، التي سيطرت عليها منذ أكثر من عام، وشاب الغموض عملية استرداد المدينة بسهولة غير متوقعة، إثر انسحاب «قوات الدعم السريع» من المدينة والمواقع المتقدمة في كل أنحاء الولاية.

وهنأ الجيش السوداني الشعب السوداني بدخول قواته مدينة ود مدني، التي تبعد نحو 186 كيلومتراً جنوب العاصمة الخرطوم، وقال المتحدث الرسمي باسمه العميد نبيل عبد الله، إن قواته تعمل الآن على «نظافة جيوب المتمردين داخل المدينة»، وإن القوات المسلحة والقوات المساندة لها تتقدم بعزيمة وإصرار في كل المحاور.

وعبر الجيش والفصائل المتحالفة معه إلى قلب المدينة من خلال الجسر الرئيسي «جسر حنتوب» الذي يعبر النيل الأزرق من شرق المدينة، دون خوض أي معارك مع «قوات الدعم السريع» التي كانت تسيطر المدينة عليها منذ ديسمبر (كانون الأول) 2023.

ومع تصاعد العمليات العسكرية في الجزيرة لم تدخل «قوات الدعم السريع» في أي اشتباكات عسكرية جدية أو معارك كبيرة في معظم المواقع التي كانت تقع تحت سيطرتها.

وخلال عام من سيطرتها على ولاية الجزيرة، اتهمت «قوات الدعم السريع» بارتكاب مجازر وانتهاكات فظيعة ضد الأهالي، أدت إلى مقتل الآلاف من المواطنين العزل ونهبت ممتلكاتهم.

احتفالات شعبية شملت عدة مدن سودانية بعد سيطرة الجيش على مدينة ود مدني السبت (أ.ف.ب)

وبحسب متابعات «الشرق الأوسط»، سرّع الجيش السوداني والفصائل المتحالفة معه، خلال الأيام الماضية من وتيرة العمليات العسكرية في ولاية الجزيرة، وأحرز تقدماً كبيراً في جبهات القتال، بدءاً من السيطرة على مدينة «الحاج عبد الله» وعدد من البلدات المجاورة لها التي تقع غرب ود مدني، ثم في شرق المدينة بما في ذلك بلدات «أم القرى» و«الشبارقة».

وكان مدهشاً لكثير من المراقبين أن «قوات الدعم السريع» على الرغم من كثافة انتشارها في ولاية الجزيرة، بدأت التراجع من مواقعها وارتكازاتها دون خوض معارك فعلية.

«الدعم» يعترف بالخسارة

وفي أول تعليق صادر عن «قوات الدعم السريع»، اعترف المستشار القانوني لقائد قوات الدعم السريع محمد المختار بـ«خسارة معركة الجزيرة»، بقوله في مقطع فيديو: «خسرنا معركة لم نخسر الحرب»، وأضاف: «الحرب كر وفر»، قبل أن يعود ليتابع: «معركتنا ستظل مستمرة ولن نتراجع».

وشنت «قوات درع السودان» التي تقاتل إلى جانب الجيش، ويقودها القائد المنشق عن «الدعم السريع» «أبو عاقلة كيكل»، الجمعة، هجوماً مباغتاً، استطاعت على أثره استعادة بلدة «أم القرى» شرق مدني، بعد انسحاب «قوات الدعم السريع»، وهي بلدة تقع في منطقة استراتيجية جغرافياً في الطريق إلى عاصمة الولاية.

قائد الجيش الفريق عبد الفتاح البرهان بين جنود القاعدة البحرية في بورتسودان (أ.ف.ب)

وواصلت قوات كيكل، السبت، توغلها في العمق، وسيطرت على عدد من البلدات والقرى الصغيرة، ومن ثم تمكنت من عبور «جسر حنتوب» على الضفة الشرقية لنهر النيل الأزرق والالتحام بقوات قادمة من محاور أخرى للوصول إلى وسط ود مدني دون قتال يذكر.

وعلمت «الشرق الأوسط» أن القيادة العسكرية العليا للجيش السوداني، وضعت خططاً عسكرية معقدة لاسترداد ود مدني، ومهاجمتها بمتحركات قادمة من كل جبهات القتال، بمشاركة كبيرة من القوات المساندة لها، أبرزها «قوات درع السودان»، والقوات المشتركة التابعة للحركات المسلحة الدارفورية، وعدد من كتائب وميليشيات الإسلاميين التي تحارب في صفوف الجيش منذ بدء الحرب.

وأظهرت مقاطع فيديو متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي، قائد «قوات درع السودان»، أبو عاقلة كيكل، يقف أمام مدخل الفرقة الأولى مشاة التابعة للجيش السوداني بوسط المدينة.

وقال مواطنون من ود مدني لــ«الشرق الأوسط»، إنهم لاحظوا حركة غير عادية ليلة الجمعة لـ«قوات الدعم السريع»، التي كانت تنتشر في الأحياء السكنية وتسيطر على المواقع المهمة للحكومة في المدينة. وأفاد سكان قرويون جنوب مدني بأنهم شاهدوا عناصر من «الدعم السريع» على متن سيارات عسكرية مقاتلة وأخرى مدنية، يتجهون عبر الطريق الغربي باتجاه العاصمة الخرطوم.

اتهامات أميركية لـ«الدعم»

وكانت قوات الجيش قد انسحبت من مدينة ود مدني في 11 ديسمبر 2023، ودخلتها «قوات الدعم السريع» دون قتال كبير أيضاً، ووقتها أعلن الجيش فتح تحقيق في ملابسات وأسباب انسحاب قواته من مواقعها العسكرية في مدينة ود مدني.

ورغم مرور أكثر من عام على الواقعة، لم تصدر نتائج التحقيق بشأن انسحاب القوات التي كانت موجودة في المدينة، وهي الفرقة الأولى مشاة.

وأتت التطورات الميدانية بعد بضعة أيام من العقوبات التي أصدرتها إدارة الرئيس الأميركي المنتهية ولايته جو بايدن، بحق قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو، الشهير باسم «حميدتي»، واتهمت قواته انتهاكات كبيرة، بما في ذلك جرائم إبادة جماعية وتطهير عرقي وجرائم حرب في إقليم دارفور غرب البلاد.

آثار معارك سابقة في أحد شوارع مدينة «ود مدني» عاصمة ولاية الجزيرة (أ.ف.ب)

وقالت مصادر سياسية مدنية متعددة لـ«الشرق الأوسط»، أمس، إنها لم تكن تستبعد دخول الجيش ولاية الجزيرة دون معارك، ورجحت أن تكون العملية قد تمت ضمن عمليات إعادة تموضع وترتيبات عسكرية جديدة لـ«قوات الدعم السريع»، وخفض وجودها العسكري في بعض الولايات.

وأضافت المصادر أن مجريات العمليات العسكرية على الأرض، كانت تشير بوضوح طوال الأيام الماضية، إلى متغيرات عسكرية متوقعة، بما في ذلك انسحاب «قوات الدعم السريع» دون خوض معارك كبيرة أو مواجهات ضخمة مع الجيش.

وألمحت المصادر إلى احتمال أن يكون انسحاب «الدعم السريع» من الولاية التي سيطر عليها لأكثر من عام، ضمن إطار تكتيكي عسكري للتوغل في ولايات أخرى، خاصة بعد تقدمها في ولاية النيل الأزرق في الجزء الجنوبي الشرقي للبلاد، أو تهديدات لولايات في شمال البلاد.

محاصرة الخرطوم

ووصف خبراء عسكريون تحدثوا لــ«الشرق الأوسط»، فضلوا عدم الكشف عن هوياتهم، استعادة الجيش لمدينة ود مدني، بأنها «نصر كبير»، وقالوا إن هذا النصر يعني فعلياً نجاح التكتيكات العسكرية التي اتبعها الجيش، من أجل محاصرة «قوات الدعم السريع» في جنوب العاصمة الخرطوم، وتابعوا: «هذه الخطط بدأت باستعادة المدن الرئيسية في ولاية سنار، وكان الهدف منها قطع الطريق أمام أي تقدم أو تحرك لـ(قوات الدعم السريع)، وعدم إتاحة الفرصة لها لتهديد مناطق أخرى».

وأفاد خبراء، وهم ضباط سابقون في الجيش السوداني، بأن تحرير ولاية الجزيرة يعني إنهاء أي وجود لـ«الدعم السريع»، ويضع قواته التي لا تزال تسيطر على مناطق واسعة في الخرطوم جنوباً باتجاه ولاية الجزيرة، في «كماشة» تمكن الجيش من القضاء عليها.

احتفالات شعبية

عنصر من الجيش السوداني يمرّ بين منازل متضررة جراء الحرب مطلع الشهر في مدينة امدرمان بالخرطوم (رويترز)

وفور وصول أنباء استعادة الجزيرة من قبضة «الدعم السريع»، خرج آلاف المواطنين في مدن البلاد المختلفة، ابتداء بالعاصمة الإدارية المؤقتة، مروراً بمدينة «عطبرة» في ولاية نهر النيل (شمال)، إلى مدينة أم درمان ثانية كبرى مدن العاصمة السودانية الخرطوم، وإلى القضارف شرقاً، احتفالاً باستعادة الجيش السوداني ود مدني عاصمة ولاية الجزيرة.

ومنذ ديسمبر 2023، سيطرت «قوات الدعم السريع» على 6 محليات في ولاية الجزيرة، ولم يتبق للجيش سوى محلية المناقل التي ما زالت تحت سيطرته، ويسعى عبر محورها لاستعادة الولاية كاملة.

وعلى الرغم من تقدم الجيش السوداني عسكرياً خلال الأشهر الماضية في وسط البلاد والخرطوم، لا تزال «الدعم السريع» تسيطر على معظم أنحاء العاصمة الخرطوم وولاية الجزيرة في وسط البلاد، ومناطق شاسعة في إقليم دارفور، إضافة إلى جزء كبير من إقليم كردفان وبعض المناطق في النيل الأزرق والأبيض.

ويقول الخبراء إن الجيش وفي حال فرضه لسيطرته الكاملة على ولاية الجزيرة، سيحاصر «قوات الدعم السريع» في العاصمة الخرطوم من الجهتين، الجنوبية، والشمالية، عبر مدينة الخرطوم بحري التي استعاد الجيش أجزاء واسعة منها أخيراً، ويضعها في «كماشة» يصعب الخروج منها.

واندلعت الحرب بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في 15 أبريل (نيسان) 2023، وأدت لمقتل أكثر من 188 ألف شخص، وفرار أكثر من 10 ملايين شخص من منازلهم، إلى مناطق آمنة، ولجوء أكثر من 3 ملايين إلى دول الجوار، بحسب تقديرات أممية.


مقالات ذات صلة

السودان يستعيد 570 قطعة أثرية سُرقت من المتحف القومي

خاص قطع أثرية يعود تاريخها إلى آلاف السنين سرقت من داخل المتحف القومي السوداني (الشرق الأوسط)

السودان يستعيد 570 قطعة أثرية سُرقت من المتحف القومي

أعلنت السلطات السودانية، الثلاثاء، استرداد 570 قطعة أثرية تعود إلى حقب تاريخية مختلفة كانت في طريقها إلى خارج البلاد.

وجدان طلحة (بورتسودان)
المشرق العربي عبد القادر عبد الله القنصل العام للسودان لمحافظات جنوب مصر (سانا)

428 ألف سوداني عادوا طوعاً من مصر حتى نهاية 2025

مسؤول سوداني يقول إن أكثر من 428 ألف سوداني عادوا طوعاً من مصر حتى نهاية 2025.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا جنود تابعون للجيش السوداني في شوارع مدينة القضارف شرق البلاد في 14 أغسطس 2025 احتفالاً بالذكرى الـ71 لتأسيس الجيش (أ.ف.ب)

رئيس وزراء السودان يعلن عودة للحكومة إلى الخرطوم

أعلن رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس، عودة الحكومة رسمياً إلى العاصمة الخرطوم بعد نحو 3 سنوات من انتقالها إلى مقرها المؤقت في بورتسودان.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا آلاف اللاجئين من دارفور يعيشون حالياً بمخيم أدري الحدودي في تشاد هرباً من الحرب (رويترز)

حرب مُسيَّرات متصاعدة في دارفور ومعارك قرب الحدود التشادية

تواصلت المواجهات بين الجيش وحليفته «القوة المشتركة»، و«قوات الدعم السريع»، قرب حدود تشاد، وسط تبادل للاتهامات بشأن السيطرة الميدانية.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا وزارة الري المصرية تؤكد متابعة حالة الجاهزية الفنية لمنظومة «السد العالي» وخزان أسوان (مجلس الوزراء المصري)

مصر تطور منظومة تشغيل «السد العالي» لحماية أمنها المائي

احتفت مصر، الجمعة، بمرور 66 عاماً على قيام الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر بوضع حجر الأساس لمشروع «السد العالي» في 9 يناير عام 1960.

وليد عبد الرحمن (القاهرة )

السودان يستعيد 570 قطعة أثرية سُرقت من المتحف القومي

قطع أثرية يعود تاريخها إلى آلاف السنين سرقت من داخل المتحف القومي السوداني (الشرق الأوسط)
قطع أثرية يعود تاريخها إلى آلاف السنين سرقت من داخل المتحف القومي السوداني (الشرق الأوسط)
TT

السودان يستعيد 570 قطعة أثرية سُرقت من المتحف القومي

قطع أثرية يعود تاريخها إلى آلاف السنين سرقت من داخل المتحف القومي السوداني (الشرق الأوسط)
قطع أثرية يعود تاريخها إلى آلاف السنين سرقت من داخل المتحف القومي السوداني (الشرق الأوسط)

أعلنت السلطات السودانية، الثلاثاء، استرداد 570 قطعة أثرية تعود إلى حقب تاريخية مختلفة، كانت في طريقها إلى خارج البلاد، وتمثل نحو 29 في المائة من جملة الآثار التي كانت معروضة في متحف السودان القومي، وسط العاصمة الخرطوم.

وقال نائب مدير جهاز المخابرات العامة، عباس محمد، في مؤتمر صحافي عقد بمدينة بورتسودان، إن الجهاز نفّذ عملية أمنية معقدة، نجح من خلالها في إحباط مخطط كبير لتهريب آثار سودانية مملوكة لهيئة المتاحف إلى خارج البلاد، مضيفاً: «تم استعادة عدد كبير من القطع الأثرية».

وتعرّض المتحف القومي لعمليات نهب واسعة خلال الحرب التي شهدتها الخرطوم منذ أبريل (نيسان) 2023، عقب سيطرة «قوات الدعم السريع» على العاصمة السودانية، في وقت رصدت فيه تقارير إعلامية بيع بعض الآثار السودانية عبر مواقع الإنترنت.

مشهد للدمار الذي لحق محتويات متحف السودان القومي نتيجة النهب والسرقات (الهيئة الوطنية السودانية للآثار)

وأشار محمد إلى أن سرقة الآثار السودانية ومحاولة تهريبها إلى الخارج تُعدّ جريمة خطيرة، ارتكبتها «قوات الدعم السريع» ضمن سلسلة من الانتهاكات الممنهجة بحقّ الوطن وتراثه. وأوضح أن الأجهزة العدلية السودانية تعمل بتنسيق مشترك مع الشركاء الإقليميين والدوليين من أجل استرداد الآثار التي جرى تهريبها إلى الخارج خلال فترة الحرب.

وبيّن نائب مدير جهاز المخابرات العامة أن العملية التي نُفّذت لاستعادة الآثار لا تقتصر على كونها إجراءً أمنياً فحسب، بل تمثل معركة حقيقية لحماية تاريخ السودان، والتصدي لأي محاولات تستهدف التراث القومي، باعتباره قضية من قضايا الأمن الوطني.

قطع أثرية تم استردادها بواسطة السلطات السودانية عرضت في معرض في بورتسودان الثلاثاء (الشرق الأوسط)

وأكّد أن جهاز المخابرات يواصل متابعة أنشطة الجريمة المنظمة وشبكات تهريب الآثار، مشدداً على قدرته على ملاحقة المتورطين، وكل من تسوّل له نفسه العبث بتاريخ السودان. كما دعا المواطنين إلى تسليم أي قطع أثرية بحوزتهم، مؤكداً أن السلطات القانونية لن تتهاون مع أي نشاط إجرامي يستهدف آثار البلاد.

وفي سياق متصل، نظّمت وزارة الثقافة والإعلام والسياحة، اليوم، احتفالاً بقاعة الربوة بمدينة بورتسودان، بحضور الأمين العام لمجلس السيادة الانتقالي محمد الغزالي، وعدد من المسؤولين، إلى جانب دبلوماسيين وممثلي منظمات دولية، وذلك قبل نحو 10 دقائق من الموعد الرسمي لإعلان الاحتفال. وشمل البرنامج زيارة للمعرض المخصص للآثار المستردة، حيث وثّق الحضور الحدث الذي وصفته السلطات السودانية بالمهم للغاية، مع الإشارة إلى أنه سيتم الإعلان لاحقاً عن استرداد آثار أخرى من العاصمة الخرطوم.

قطع أثرية يعود تاريخها إلى آلاف السنين تم استردادها بواسطة السلطات السودانية (الشرق الأوسط)

ولاحظت «الشرق الأوسط» أن بعض القطع الأثرية المعروضة تعرّضت لكسر جزئي، في حين ظهرت خدوش على قطع أخرى، يُرجَّح أنها لحقت بها أثناء عمليات النهب أو التهريب. وتخلل الاحتفال تقديم فقرات فنية، تغنّى خلالها فنانون بأغانٍ وطنية خالدة تؤكد أن السودان بلد الحضارة والتاريخ العريق.

ويُعدّ متحف السودان القومي أحد أهم المتاحف في أفريقيا، إذ يضم مجموعات أثرية نادرة توثق لتاريخ السودان الممتد لآلاف السنين، بدءاً من عصور ما قبل التاريخ، مروراً بالحضارات النوبية القديمة وممالك كرمة ونبتة ومروي، وصولاً إلى الفترات المسيحية والإسلامية. ويحتوي المتحف على آلاف القطع الأثرية، من تماثيل ونقوش ومومياوات وأدوات فخارية، إضافة إلى معابد نوبية أُعيد تشييدها في حدائقه عقب حملة إنقاذ آثار النوبة في ستينات القرن الماضي.

مدخل متحف السودان القومي وبوابته الرئيسية قبل الحرب (الشرق الأوسط)

ومنذ اندلاع الحرب في السودان، تعرّض المتحف لعمليات اقتحام ونهب واسعة، خصوصاً بعد سيطرة «قوات الدعم السريع» على العاصمة الخرطوم، حيث أفادت تقارير رسمية وإعلامية باختفاء عدد كبير من القطع الأثرية من مخازنه وقاعاته، وظهور بعضها لاحقاً في أسواق غير مشروعة ومنصات بيع عبر الإنترنت، ما أثار مخاوف محلية ودولية بشأن مصير التراث الثقافي السوداني وعمليات تهريبه إلى الخارج.

بدوره، طالب وزير المالية، جبريل إبراهيم، الدول التي وصلت إليها الآثار السودانية بالتعاون مع الحكومة السودانية لاستعادتها، مشدداً على أن الأمانة تقتضي إرجاع تلك الآثار إلى موطنها الأصلي. وأضاف أن جهاز الأمن والمخابرات يقوم بأدوار كبيرة ومهمة في جبهات القتال، ضمن الحرب الدائرة حالياً في البلاد ضد «قوات الدعم السريع».

ساحة المتحف التي كانت متنزهاً ومتنفساً لسكان الخرطوم (الشرق الأوسط)

من جانبه، أوضح وزير الثقافة والإعلام، خالد الإعيسر، أن هذه الآثار جرى ضبطها خلال الفترة الممتدة من سبتمبر (أيلول) 2023 حتى ديسمبر (كانون الأول) 2025، إلا أن العملية لم يُعلن عنها في حينها. وأشار إلى أن الآثار المستردة تمثل 29 في المائة من مجموع القطع التي كانت معروضة في متحف السودان القومي.

وقال الإعيسر إن «قوات الدعم السريع» كانت تستهدف سرقة وتهريب تاريخ السودان، في محاولة لطمس هويته التاريخية.

من جانبها، قالت رئيسة لجنة استعادة الآثار السودانية، إخلاص عبد اللطيف، إن الآثار التي جرى استعادتها «قيمة وجميلة جداً»، موضحة أنها عادت إلى البلاد عقب عملية سرية ودقيقة نفّذها جهاز المخابرات العامة. وأضافت أنه بعد العثور على القطع الأثرية جرى تخزينها وفق الإجراءات المتبعة، قبل أن يتولى فريق مختص من خبراء الآثار تسجيلها وتوثيقها.

قطعة أثرية قيمة ضمن القطع التي تم استردادها (الشرق الأوسط)

وأفادت عبد اللطيف، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، بأن «قوات الدعم السريع» استهدفت تاريخ السودان وارتكبت انتهاكات واسعة بحق تراثه الثقافي، مشيرة إلى أنه خلال الفترة الماضية جرى استرداد آثار تعود إلى بيت الخليفة في أم درمان، إلى جانب تماثيل وقطع أثرية تخص متحف السودان القومي في الخرطوم.

ويُعد السودان من أغنى دول المنطقة من حيث الثروة الأثرية، إذ يحتضن إرثاً حضارياً متنوعاً يجعل منه أحد أهم مراكز الحضارات القديمة في أفريقيا والعالم. ويضم السودان ما يُقدَّر بنحو 3 آلاف هرم منتشرة في مناطق مختلفة، أبرزها أهرامات البجراوية ومروي ونوري والكرو، وهو عدد يفوق ما هو موجود في كثير من الدول، إلى جانب آلاف المواقع الأثرية الأخرى من معابد ومدن قديمة ومقابر ونقوش صخرية تعود إلى حضارات متعاقبة.

قطعة أثرية قيمة ضمن القطع التي تم استردادها (الشرق الأوسط)

وتشمل هذه الآثار بقايا ممالك كوش وعلوة والمقرة وسوبا، فضلاً عن آثار الفترات المسيحية والإسلامية، ما يجعل التراث السوداني سجلاً تاريخياً متكاملاً لتطور المجتمعات البشرية في وادي النيل. غير أن هذا المخزون الأثري الضخم ظل يعاني من ضعف الحماية والتوثيق، وتفاقمت المخاطر التي تهدده مع اندلاع الحرب، في ظل تنامي أنشطة النهب والاتجار غير المشروع بالآثار. الأمر الذي يضع هذا الإرث الإنساني أمام تحديات غير مسبوقة.


ليبيا: شكاوى من «تفشي التعذيب» داخل المؤسسات الأمنية

النائب العام الليبي الصديق الصور (المكتب الإعلامي للنائب العام)
النائب العام الليبي الصديق الصور (المكتب الإعلامي للنائب العام)
TT

ليبيا: شكاوى من «تفشي التعذيب» داخل المؤسسات الأمنية

النائب العام الليبي الصديق الصور (المكتب الإعلامي للنائب العام)
النائب العام الليبي الصديق الصور (المكتب الإعلامي للنائب العام)

تصاعدت شكاوى حقوقيين ومواطنين ليبيين من سوء معاملة بحق الموقوفين في مؤسسات أمنية رسمية، تتضمن «تفشي عمليات تعذيب جسدي ونفسي بشكل واسع» في أنحاء البلاد، وهو ما دفع الأمم المتحدة أكثر من مرة إلى الدعوة «لتحقيق فوري وشفاف ومحاسبة مرتكبيها».

وتحدثت المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا عن «تصاعد مؤشرات ظاهرة التعذيب الجسدي والنفسي وسوء المعاملة بحق الموقوفين في مرافق الاحتجاز التابعة لجهازي المباحث الجنائية والبحث الجنائي وأقسام البحث الجنائي بمديريات الأمن، وكذلك بالأجهزة الأمنيّة في غرب ليبيا وشرقها».

وأشار رئيس المؤسسة أحمد عبد الحكيم حمزة عن رصد 41 شكوى تتعلق بحالات تعذيب في عموم ليبيا، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن المؤسسة الوطنية «وثّقت 25 حالة وفاة تحت التعذيب وانعدام الرعاية الصحية في مرافق الاحتجاز التابعة للأجهزة الأمنية الليبية».

وأرجع حمزة تصاعد وتيرة عملية التعذيب إلى «غياب المحاسبة القانونية والمساءلة القضائية، واستمرار حالة الإفلات من العقاب حيال هذه الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، والتي تُشكّل جرائم يعاقب عليها القانون».

وقالت المؤسسة إنها «وثّقت عدم قيام العديد من النيابات في ليبيا بفتح محاضر تحقيق في حالات التعذيب الظاهرة على جسد الموقوفين في أثناء عرضهم عليها»، واتهمتها بـ«غض الطرف عن هذه الجرائم وعدم التحقيق فيها».

وتحدثت المؤسسة عن «عدم تلبية طلبات الموقوفين بعرضهم على الطب الشرعي لإثبات وقائع وحالات التعذيب في أثناء التوقيف؛ وعدم توثيق أقوالهم بشأن شكاواهم بتعرضهم للتعذيب في محاضر تحقيق نسبة كبيرة من النيابات العامة الجزئيّة والكلية؛ وهو ما يُشكّل مخالفةً واضحة للقانون وانتهاكاً لحق الضحايا».

لقطة من الداخل لسجن مدينة زليتن شرقي طرابلس (غيتي)

وترى المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا أن هذا الأمر أسهم بشدة في تصاعد معدلات ومؤشرات ارتكاب جرائم التعذيب، نتيجةً لشعور مرتكبي هذه الانتهاكات بالأمن من العقاب والمحاسبة والمساءلة القانونية.

وفي الأسبوع الماضي، دعت المؤسسة الوطنية النائب العام للتحقيق في تعذيب واحتجاز مواطنة من قبل عناصر فرع جهاز البحث الجنائي بمدينة البيضاء بشرق ليبيا.

غير أن مصدراً بالنيابة الليبية قال إن جهود البحث تنتهي دائماً بتوقيف متهمين في قضايا تعذيب، منوهاً إلى أن النائب العام سبق وأمر في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، بحبس ثلاثة عناصر أمن في بنغازي لارتكابهم واقعة تعذيب مواطن عثرت أسرته على جثمانه في أحد المستشفيات.

وأفادت التحريات حينها بأن تلك العناصر تنتمي لجهاز حماية الآداب العامة ببنغازي التابع للإدارة العامة للعمليات الأمنية. وقد حمَّلت منظمات حقوقية محلية السلطات في شرق البلاد المسؤولية القانونية الكاملة عما حدث.

ودعت بعثة الأمم المتحدة إلى ليبيا، في مطلع العام الماضي، للتحقيق في مقاطع فيديو متداولة تُظهر تعذيباً وسوء معاملة لعدد من المحتجزين في سجن قرنادة التابع لـ«الجيش الوطني» بشرق ليبيا. وأعلنت أنها تنسق مع قيادة الجيش لتأمين وصول موظفي حقوق الإنسان التابعين للبعثة ومراقبين مستقلين آخرين إلى ذلك السجن بشكل مستمر، وكذلك إلى مراكز الاحتجاز الأخرى.

وكشفت إحدى الرسائل المسربة من السجون، والتي كان الحقوقي الليبي طارق لملوم قد نقلها من سجين داخل «مؤسسة الإصلاح والتأهيل» في أوباري بجنوب البلاد، عن «واقع مأساوي» و«افتقار لأدنى معايير الكرامة الإنسانية».

وتحدث السجين في الرسالة التي نقلها لملوم في الثاني من يناير (كانون الثاني) عن «قيام إدارة السجن بتمكين أشخاص غير مؤهلين، ومن ذوي السوابق، من السيطرة على العنابر وحيازة المفاتيح دون رقابة قانونية».

وأفاد السجين في شهادته «بتعرضه ونزلاء آخرين لتعذيب جسدي وممارسات مهينة للكرامة، تقع غالبيتها في ساعات الليل المتأخرة وخلال عطلات نهاية الأسبوع؛ حيث تُستخدم أساليب إذلال متعمدة في ظل غياب تام لأجهزة الرقابة والمحاسبة».

وقال: «نعيش داخل زنازين مكتظة تضم أعداداً كبيرة من السجناء من جنسيات مختلفة، أغلبهم من الأفارقة، في مساحات ضيقة وبعدد محدود جداً من دورات المياه، ما يجعل الحياة داخلها غير إنسانية، ويسهم في انتشار الأمراض بشكل أكبر».

وتحدث السجين عن «مناخ من الخوف والعنصرية، حتى إن بعض أفراد الشرطة القضائية لا يستطيعون الاعتراض أو التدخل، ولا توجد سلطة فعلية لمنع التجاوزات أو إيقاف الدخول غير القانوني بعد ساعات الدوام الرسمي».

وعلى الصعيد الصحي، وصفت الرسالة الوضع في السجن بـ«الكارثي» نتيجة تفشي الأوبئة وغياب الرعاية الطبية، مما أسفر عن حالات وفاة نتيجة الإهمال، وسط تكدس بشري في زنازين ضيقة تفتقر لأبسط الشروط الصحية.

وأمام هذه الشكاوى، دعت المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان النائب العام الليبي المستشار الصديق الصور لإجراء تحقيقات «شاملة وشفافة» في حالات التعذيب الجسدي والنفسي وانتزاع الاعترافات من قِبل الأجهزة الأمنية وأقسام البحث الجنائي والمباحث الجنائية ومراكز الشرطة.


الجزائر تفتح باب العودة للمعارضين في الخارج بشروط

مجلس الوزراء الجزائري في أثناء انعقاده الأحد (الرئاسة)
مجلس الوزراء الجزائري في أثناء انعقاده الأحد (الرئاسة)
TT

الجزائر تفتح باب العودة للمعارضين في الخارج بشروط

مجلس الوزراء الجزائري في أثناء انعقاده الأحد (الرئاسة)
مجلس الوزراء الجزائري في أثناء انعقاده الأحد (الرئاسة)

تباينت المواقف إزاء «تدابير تهدئة» أصدرتها الرئاسة الجزائرية لصالح معارضين في الخارج؛ إذ رحّب بها أنصار سياسات الحكومة، في حين ساد التوجّس لدى بعض المعنيين بالمبادرة، الذين رأوا أنها مشروطة بالتخلي عن مواقفهم السياسية إزاء قضايا الحكم.

وكان مجلس الوزراء قد أعلن في اجتماع عقده، الأحد، برئاسة الرئيس عبد المجيد تبون عن قرار بـ«تسوية وضعية الشباب الجزائريين الموجودين بالخارج في وضعيات هشة وغير قانونية»، حسبما أفاد به بيان لمجلس الوزراء.

وأكد البيان أن تبون «وجَّه نداءً إلى الشباب الجزائري الموجود بالخارج ممن دُفع بهم إلى الخطأ عمداً من قبل أشخاص اعتقدوا واهمين أنهم سيسيئون إلى مصداقية الدولة، بهدف استعمالهم بالخارج ضد بلدهم، بينما معظم هؤلاء الشباب لم يقترفوا سوى جنح صغيرة، كالتخوف من مجرد استدعاء من قبل الشرطة أو الدرك الوطني لسماعهم حول وقائع لها علاقة بالنظام العام أو أشياء أخرى من هذا القبيل».

الرئيس تبون في اجتماع مجلس الوزراء الأحد (الرئاسة)

وأضاف البيان مهاجماً جهة أو جهات لم يحددها: «أولئك الذين كانوا يودون استخدام الإحصائيات المتعلقة بالحرقة (الهجرة السرِّية) لتشويه سمعة الجزائر بهدف بث الارتباك بين الشباب ليفروا من الجزائر بصفة غير قانونية، نقول لهم إن هؤلاء الشباب يوجدون اليوم بعيدين عن وطنهم الأم وعن ذويهم وأصدقائهم، يعانون بسبب الفاقة والعوز ليتم استغلالهم في أعمال مهينة، بينما يُستعمل بعضهم الآخر ضد وطنهم».

ويشير الخطاب الرئاسي، بشكل خاص، إلى تقارير صحافية أجنبية تفيد بأن الأعداد الكبيرة للمهاجرين الجزائريين غير النظاميين عبر البحر المتوسط «هاربون من بلدهم بسبب القمع السياسي والظروف الاقتصادية الصعبة».

ووفق بيان مجلس الوزراء يجري استخدام هؤلاء المهاجرين «من قبل أوساط إجرامية وعصابات؛ ما يعرِّضهم إلى تشويه سمعتهم، سواء في البلد الذي يوجدون فيه أو في وطنهم الذي خرجوا منه».

وتابع البيان أن «مؤسسات الجمهورية اتخذت، بتوافق تام، قراراً بتسوية وضعية هؤلاء الجزائريات والجزائريين شريطة أن يلتزموا بعدم العود«؛ مؤكداً أن القنصليات الجزائرية في الخارج ستتكفل بتنفيذ الإجراءات المتعلقة بهذا القرار «إلى غاية رجوع أبناء الجزائر إلى وطنهم الأم».

فئات تقصيها «تدابير التهدئة»

غير أن هذه التدابير تُقصي فئة من المعارضين، بحسب البيان الرئاسي، وهم من «اقترفوا جرائم إراقة الدماء والمخدرات وتجارة الأسلحة، وكل من تعاون مع الأجهزة الأمنية الأجنبية بغرض المساس بوطنه الأم الجزائر».

ويُفهم من هذه الإجراءات ومن الخطاب الذي يشرحها أن المعنيين بها هم في الغالب من تعرضوا لملاحقات قضائية غيابياً بسبب انتمائهم إلى تنظيمات وضعتها السلطات الجزائرية على «لائحة الإرهاب»، ويأتي على رأسها «حركة تقرير مصير القبائل» التي أعلنت في 14 من الشهر الماضي قيام «دولة القبائل المستقلة» من باريس.

مظاهرة لانفصاليي القبائل في فرنسا (ناشطون)

وأصدرت الجزائر مذكرة اعتقال دولية ضد زعيم التنظيم فرحات المهني إثر إدانته بالسجن 20 سنة مع التنفيذ عام 2022.

وتُشكل «حركة تقرير مصير القبائل»، وهي ولايات تقع بشرق العاصمة الجزائرية وينطق سكانها بالأمازيغية، إحدى حلقات التوتر مع فرنسا التي تتهمها الجزائر بـ«توفير مأوى لإرهابيين يستهدفون ضرب استقرارنا الداخلي».

مظاهرة في منطقة القبائل رافضة لمشروع الانفصال (ناشطون)

ومن التنظيمات التي يُفترض أن تشملها إجراءات المنع من العفو تنظيم «رشاد» الإسلامي الذي ينتشر قياديوه في بريطانيا وسويسرا، وهم أيضاً متابَعون بتهمة «الإرهاب» و«المس بالاستقرار».

كما يشمل الإقصاء عشرات الصحافيين والناشطين الحقوقيين الذين غادروا الجزائر في السنوات الأخيرة، تحت ضغط الملاحقات الأمنية والمتابعات القضائية، والذين يقيمون حالياً في أوروبا وأميركا الشمالية بصفة لاجئين سياسيين.

واللافت في «إجراءات التهدئة» أن المعارض الذي يريد الاستفادة منها عليه أن يتعهد بعدم العودة إلى النشاط الذي كان سبباً في تعرُّضه للإدانة أو الملاحقة الأمنية كإصدار قرار من أجهزة الأمن يقضي بعدم دخوله إلى البلاد، أو بمنعه من السفر من جديد.

دعوة لـ«تمتين الصف الداخلي»

ووصفت «حركة البناء الوطني» في بيان، الاثنين، الإجراءات السياسية بـ«بادرة للتصالح الوطني... تُشكل خطوة إيجابية هامة لترقية التلاحم الوطني، وتمتين الجبهة الداخلية، ومن شأنها أيضاً بلا شك أن تعزز الثقة، وتسهم في تعزيز الاستقرار والسكينة العامة، وتُفشل مخططات الذين يضمرون العداء والحقد الدفين للوطن، ويُنصبون أنفسهم أوصياء على الشعب الجزائري ومصالحه وحقوقه».

من جهته، كتب البرلماني الإسلامي عبد الوهاب يعقوبي، ممثل المهاجرين في فرنسا، بحسابه بالإعلام الاجتماعي: «بصفتي نائباً عن الجالية الجزائرية بالخارج، أُثمن عالياً القرار الحكيم الذي اتخذه رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء، والذي يفتح آفاقاً جديدة للإدماج وتسوية أوضاع فئة من شبابنا»، مشدداً على أنه يدعم «كل مبادرة من شأنها تعزيز التماسك الوطني، وتحسين أوضاع الجزائريين المقيمين في الخارج».

وأظهر سعيد صالحي، القيادي في «الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان» المحظورة، تحفظاً على المسعى، مؤكداً في منشور بمواقع التواصل الاجتماعي «أن ما يُنتظر فعلياً لرفع الحجر والخوف في البلاد هو تصويب حقيقي للمسار، عبر إصدار عفو شامل وإنهاء القمع، وإلغاء جميع القوانين والإجراءات الجائرة، وفتح المجال السياسي والمدني والإعلامي دون قيود».

سعيد صالحي القيادي بـ«رابطة حقوق الإنسان المحظورة» (حسابه على وسائل التواصل)

وأوضح صالحي، وهو ناشط سياسي لاجئ في بلجيكا، أن الإعلان عن هذه الإجراءات «يأتي بعد أيام من زيارة مسؤولة المنظمة الدولية للهجرة، وبعد تناول ما يسمى برنامج الرجوع الطوعي للمهاجرين غير القانونيين. علماً أن هذا الإجراء معمول به منذ مدة تجاه النشطاء الذين تم العفو عنهم وتمكينهم من دخول البلاد مقابل التعهد أمام مصالح الأمن الخارجي في سفاراتنا بالكف عن أي نشاط سياسي وفرض الصمت الكامل عليهم».

وأضاف:«يحدث هذا في وقت يدير فيه رئيس الدولة ظهره لنداءات إطلاق سراح الشباب المعتقلين، وإنهاء القمع داخل البلاد».

وأفادت المنصة الإخبارية «إذاعة من لا صوت لهم»، التي تضم معارضين في الخارج، بأن المقاربة التي تنطوي عليها الإجراءات الرئاسية «تشبه في جوهرها طلب الولاء أكثر من كونها انفتاحاً سياسياً حقيقياً».