الجيش السوداني يحقق «انتصاراً كبيراً» ويستعيد عاصمة الجزيرة

مستشار «حميدتي»: خسرنا معركة ولم نخسر الحرب

احتفالات شعبية في مدينة بورتسودان بعد سيطرة الجيش على مدينة ود مدني السبت (أ.ف.ب)
احتفالات شعبية في مدينة بورتسودان بعد سيطرة الجيش على مدينة ود مدني السبت (أ.ف.ب)
TT

الجيش السوداني يحقق «انتصاراً كبيراً» ويستعيد عاصمة الجزيرة

احتفالات شعبية في مدينة بورتسودان بعد سيطرة الجيش على مدينة ود مدني السبت (أ.ف.ب)
احتفالات شعبية في مدينة بورتسودان بعد سيطرة الجيش على مدينة ود مدني السبت (أ.ف.ب)

أعلن الجيش السوداني، السبت، استعادة مدينة «ود مدني» عاصمة ولاية الجزيرة وسط البلاد من قبضة «قوات الدعم السريع»، التي سيطرت عليها منذ أكثر من عام، وشاب الغموض عملية استرداد المدينة بسهولة غير متوقعة، إثر انسحاب «قوات الدعم السريع» من المدينة والمواقع المتقدمة في كل أنحاء الولاية.

وهنأ الجيش السوداني الشعب السوداني بدخول قواته مدينة ود مدني، التي تبعد نحو 186 كيلومتراً جنوب العاصمة الخرطوم، وقال المتحدث الرسمي باسمه العميد نبيل عبد الله، إن قواته تعمل الآن على «نظافة جيوب المتمردين داخل المدينة»، وإن القوات المسلحة والقوات المساندة لها تتقدم بعزيمة وإصرار في كل المحاور.

وعبر الجيش والفصائل المتحالفة معه إلى قلب المدينة من خلال الجسر الرئيسي «جسر حنتوب» الذي يعبر النيل الأزرق من شرق المدينة، دون خوض أي معارك مع «قوات الدعم السريع» التي كانت تسيطر المدينة عليها منذ ديسمبر (كانون الأول) 2023.

ومع تصاعد العمليات العسكرية في الجزيرة لم تدخل «قوات الدعم السريع» في أي اشتباكات عسكرية جدية أو معارك كبيرة في معظم المواقع التي كانت تقع تحت سيطرتها.

وخلال عام من سيطرتها على ولاية الجزيرة، اتهمت «قوات الدعم السريع» بارتكاب مجازر وانتهاكات فظيعة ضد الأهالي، أدت إلى مقتل الآلاف من المواطنين العزل ونهبت ممتلكاتهم.

احتفالات شعبية شملت عدة مدن سودانية بعد سيطرة الجيش على مدينة ود مدني السبت (أ.ف.ب)

وبحسب متابعات «الشرق الأوسط»، سرّع الجيش السوداني والفصائل المتحالفة معه، خلال الأيام الماضية من وتيرة العمليات العسكرية في ولاية الجزيرة، وأحرز تقدماً كبيراً في جبهات القتال، بدءاً من السيطرة على مدينة «الحاج عبد الله» وعدد من البلدات المجاورة لها التي تقع غرب ود مدني، ثم في شرق المدينة بما في ذلك بلدات «أم القرى» و«الشبارقة».

وكان مدهشاً لكثير من المراقبين أن «قوات الدعم السريع» على الرغم من كثافة انتشارها في ولاية الجزيرة، بدأت التراجع من مواقعها وارتكازاتها دون خوض معارك فعلية.

«الدعم» يعترف بالخسارة

وفي أول تعليق صادر عن «قوات الدعم السريع»، اعترف المستشار القانوني لقائد قوات الدعم السريع محمد المختار بـ«خسارة معركة الجزيرة»، بقوله في مقطع فيديو: «خسرنا معركة لم نخسر الحرب»، وأضاف: «الحرب كر وفر»، قبل أن يعود ليتابع: «معركتنا ستظل مستمرة ولن نتراجع».

وشنت «قوات درع السودان» التي تقاتل إلى جانب الجيش، ويقودها القائد المنشق عن «الدعم السريع» «أبو عاقلة كيكل»، الجمعة، هجوماً مباغتاً، استطاعت على أثره استعادة بلدة «أم القرى» شرق مدني، بعد انسحاب «قوات الدعم السريع»، وهي بلدة تقع في منطقة استراتيجية جغرافياً في الطريق إلى عاصمة الولاية.

قائد الجيش الفريق عبد الفتاح البرهان بين جنود القاعدة البحرية في بورتسودان (أ.ف.ب)

وواصلت قوات كيكل، السبت، توغلها في العمق، وسيطرت على عدد من البلدات والقرى الصغيرة، ومن ثم تمكنت من عبور «جسر حنتوب» على الضفة الشرقية لنهر النيل الأزرق والالتحام بقوات قادمة من محاور أخرى للوصول إلى وسط ود مدني دون قتال يذكر.

وعلمت «الشرق الأوسط» أن القيادة العسكرية العليا للجيش السوداني، وضعت خططاً عسكرية معقدة لاسترداد ود مدني، ومهاجمتها بمتحركات قادمة من كل جبهات القتال، بمشاركة كبيرة من القوات المساندة لها، أبرزها «قوات درع السودان»، والقوات المشتركة التابعة للحركات المسلحة الدارفورية، وعدد من كتائب وميليشيات الإسلاميين التي تحارب في صفوف الجيش منذ بدء الحرب.

وأظهرت مقاطع فيديو متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي، قائد «قوات درع السودان»، أبو عاقلة كيكل، يقف أمام مدخل الفرقة الأولى مشاة التابعة للجيش السوداني بوسط المدينة.

وقال مواطنون من ود مدني لــ«الشرق الأوسط»، إنهم لاحظوا حركة غير عادية ليلة الجمعة لـ«قوات الدعم السريع»، التي كانت تنتشر في الأحياء السكنية وتسيطر على المواقع المهمة للحكومة في المدينة. وأفاد سكان قرويون جنوب مدني بأنهم شاهدوا عناصر من «الدعم السريع» على متن سيارات عسكرية مقاتلة وأخرى مدنية، يتجهون عبر الطريق الغربي باتجاه العاصمة الخرطوم.

اتهامات أميركية لـ«الدعم»

وكانت قوات الجيش قد انسحبت من مدينة ود مدني في 11 ديسمبر 2023، ودخلتها «قوات الدعم السريع» دون قتال كبير أيضاً، ووقتها أعلن الجيش فتح تحقيق في ملابسات وأسباب انسحاب قواته من مواقعها العسكرية في مدينة ود مدني.

ورغم مرور أكثر من عام على الواقعة، لم تصدر نتائج التحقيق بشأن انسحاب القوات التي كانت موجودة في المدينة، وهي الفرقة الأولى مشاة.

وأتت التطورات الميدانية بعد بضعة أيام من العقوبات التي أصدرتها إدارة الرئيس الأميركي المنتهية ولايته جو بايدن، بحق قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو، الشهير باسم «حميدتي»، واتهمت قواته انتهاكات كبيرة، بما في ذلك جرائم إبادة جماعية وتطهير عرقي وجرائم حرب في إقليم دارفور غرب البلاد.

آثار معارك سابقة في أحد شوارع مدينة «ود مدني» عاصمة ولاية الجزيرة (أ.ف.ب)

وقالت مصادر سياسية مدنية متعددة لـ«الشرق الأوسط»، أمس، إنها لم تكن تستبعد دخول الجيش ولاية الجزيرة دون معارك، ورجحت أن تكون العملية قد تمت ضمن عمليات إعادة تموضع وترتيبات عسكرية جديدة لـ«قوات الدعم السريع»، وخفض وجودها العسكري في بعض الولايات.

وأضافت المصادر أن مجريات العمليات العسكرية على الأرض، كانت تشير بوضوح طوال الأيام الماضية، إلى متغيرات عسكرية متوقعة، بما في ذلك انسحاب «قوات الدعم السريع» دون خوض معارك كبيرة أو مواجهات ضخمة مع الجيش.

وألمحت المصادر إلى احتمال أن يكون انسحاب «الدعم السريع» من الولاية التي سيطر عليها لأكثر من عام، ضمن إطار تكتيكي عسكري للتوغل في ولايات أخرى، خاصة بعد تقدمها في ولاية النيل الأزرق في الجزء الجنوبي الشرقي للبلاد، أو تهديدات لولايات في شمال البلاد.

محاصرة الخرطوم

ووصف خبراء عسكريون تحدثوا لــ«الشرق الأوسط»، فضلوا عدم الكشف عن هوياتهم، استعادة الجيش لمدينة ود مدني، بأنها «نصر كبير»، وقالوا إن هذا النصر يعني فعلياً نجاح التكتيكات العسكرية التي اتبعها الجيش، من أجل محاصرة «قوات الدعم السريع» في جنوب العاصمة الخرطوم، وتابعوا: «هذه الخطط بدأت باستعادة المدن الرئيسية في ولاية سنار، وكان الهدف منها قطع الطريق أمام أي تقدم أو تحرك لـ(قوات الدعم السريع)، وعدم إتاحة الفرصة لها لتهديد مناطق أخرى».

وأفاد خبراء، وهم ضباط سابقون في الجيش السوداني، بأن تحرير ولاية الجزيرة يعني إنهاء أي وجود لـ«الدعم السريع»، ويضع قواته التي لا تزال تسيطر على مناطق واسعة في الخرطوم جنوباً باتجاه ولاية الجزيرة، في «كماشة» تمكن الجيش من القضاء عليها.

احتفالات شعبية

عنصر من الجيش السوداني يمرّ بين منازل متضررة جراء الحرب مطلع الشهر في مدينة امدرمان بالخرطوم (رويترز)

وفور وصول أنباء استعادة الجزيرة من قبضة «الدعم السريع»، خرج آلاف المواطنين في مدن البلاد المختلفة، ابتداء بالعاصمة الإدارية المؤقتة، مروراً بمدينة «عطبرة» في ولاية نهر النيل (شمال)، إلى مدينة أم درمان ثانية كبرى مدن العاصمة السودانية الخرطوم، وإلى القضارف شرقاً، احتفالاً باستعادة الجيش السوداني ود مدني عاصمة ولاية الجزيرة.

ومنذ ديسمبر 2023، سيطرت «قوات الدعم السريع» على 6 محليات في ولاية الجزيرة، ولم يتبق للجيش سوى محلية المناقل التي ما زالت تحت سيطرته، ويسعى عبر محورها لاستعادة الولاية كاملة.

وعلى الرغم من تقدم الجيش السوداني عسكرياً خلال الأشهر الماضية في وسط البلاد والخرطوم، لا تزال «الدعم السريع» تسيطر على معظم أنحاء العاصمة الخرطوم وولاية الجزيرة في وسط البلاد، ومناطق شاسعة في إقليم دارفور، إضافة إلى جزء كبير من إقليم كردفان وبعض المناطق في النيل الأزرق والأبيض.

ويقول الخبراء إن الجيش وفي حال فرضه لسيطرته الكاملة على ولاية الجزيرة، سيحاصر «قوات الدعم السريع» في العاصمة الخرطوم من الجهتين، الجنوبية، والشمالية، عبر مدينة الخرطوم بحري التي استعاد الجيش أجزاء واسعة منها أخيراً، ويضعها في «كماشة» يصعب الخروج منها.

واندلعت الحرب بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في 15 أبريل (نيسان) 2023، وأدت لمقتل أكثر من 188 ألف شخص، وفرار أكثر من 10 ملايين شخص من منازلهم، إلى مناطق آمنة، ولجوء أكثر من 3 ملايين إلى دول الجوار، بحسب تقديرات أممية.


مقالات ذات صلة

السعودية تؤكد موقفها الداعي لوحدة السودان وأمنه واستقراره

الخليج السفير عبد المحسن بن خثيله يلقي بياناً خلال الحوار التفاعلي بشأن السودان (بعثة السعودية لدى الأمم المتحدة في جنيف)

السعودية تؤكد موقفها الداعي لوحدة السودان وأمنه واستقراره

أكدت السعودية موقفها الداعي إلى وحدة السودان وأمنه واستقراره، وضرورة الحفاظ على مؤسساته الشرعية.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا نساء نازحات من الفاشر يقفن وسط طابور لتلقي مساعدات غذائية بمخيم العفّاد الذي أُنشئ حديثاً في الدبّة بولاية شمال السودان (أ.ب)

الأمم المتحدة: كان يمكن تجنب الفظاعات وكارثة الفاشر في السودان

أكد المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، الاثنين، أن الفظائع التي ارتُكبت خلال استيلاء «قوات الدعم السريع» على الفاشر في السودان تُعدّ «كارثة».

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا نازحون يصطفون للحصول على مساعدات غذائية في مخيم بشمال كردفان (أرشيفية - أ.ف.ب)

بدو السودان محاصرون مع تصاعد انعدام الأمن والانقسام العرقي جراء الحرب

كان جبارة البشير وعائلته يجوبون صحراء ​السودان بإبلهم وماشيتهم، ويتنقلون بحرية بين الأسواق ومصادر المياه والمراعي الخضراء.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا رئيس مجلس الوزراء السوداني كامل إدريس (سونا)

السودان يعود إلى منظمة «إيغاد» بعد عامين من خروجه منها

أعلن السودان أنه سيعود إلى الهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد) التي تجمع دولاً في شرق إفريقيا، بعد عامين من تجميد عضويته فيها.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
العالم العربي أم فرَّت مع طفليها من الحرب بالسودان تجلس في مخيم ثوبو (رويترز)

«الصحة العالمية»: هجمات دموية استهدفت 3 مراكز صحية بجنوب كردفان خلال أسبوع

حذَّر مدير منظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس، اليوم (الأحد)، من أن النظام الصحي في السودان يتعرَّض لهجمات مجدداً.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)

السودان يعود إلى «إيغاد»

رئيس مجلس الوزراء السوداني كامل إدريس (سونا)
رئيس مجلس الوزراء السوداني كامل إدريس (سونا)
TT

السودان يعود إلى «إيغاد»

رئيس مجلس الوزراء السوداني كامل إدريس (سونا)
رئيس مجلس الوزراء السوداني كامل إدريس (سونا)

أعلن السودان أنه سيعود إلى الهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد) التي تجمع دولاً في شرق أفريقيا، بعد عامين من تجميد عضويته فيها بسبب دعوة وجّهتها آنذاك إلى قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو المعروف باسم «حميدتي»، الذي يقاتل القوات الحكومية منذ أبريل (نيسان) عام 2023.

وقالت وزارة الخارجية السودانية، في بيان نُشر على موقع «إكس» أمس، إن «حكومة جمهورية السودان ستستأنف نشاطها الكامل في عُضوية المنظمة»، التي بدورها أعربت عن التزامها عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأعضاء، مؤكدةً احترامها الكامل لسيادة السودان ووحدة أراضيه وشعبه، وسلامة مؤسساته الوطنية القائمة.

وكان السودان قد جمَّد عضويته في «إيغاد» في يناير (كانون الثاني) 2024، بعدما دعت المنظمة دقلو إلى قمة في أوغندا لمناقشة النزاع في السودان. وكانت القمة تهدف إلى مناقشة وقف الحرب عبر سلسلة من المقترحات على رأسها نشر قوات أممية في مناطق النزاعات.

 


حفتر وتيتيه يتفقان على مواصلة التنسيق لدعم «جهود البعثة»

المشير خليفة حفتر مع المبعوثة الأممية والوفد المرافق لها في بنغازي يوم الاثنين (القيادة العامة)
المشير خليفة حفتر مع المبعوثة الأممية والوفد المرافق لها في بنغازي يوم الاثنين (القيادة العامة)
TT

حفتر وتيتيه يتفقان على مواصلة التنسيق لدعم «جهود البعثة»

المشير خليفة حفتر مع المبعوثة الأممية والوفد المرافق لها في بنغازي يوم الاثنين (القيادة العامة)
المشير خليفة حفتر مع المبعوثة الأممية والوفد المرافق لها في بنغازي يوم الاثنين (القيادة العامة)

أَطلعت رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، هانا تيتيه، القائد العام لـ«الجيش الوطني» المشير خليفة حفتر، على مجريات لجان «الحوار المهيكل» الذي ترعاه البعثة الأممية، في وقت يشهد تصاعداً في «صراع الشرعية» بين مجلسي النواب والدولة.

واستقبل القائد العام تيتيه ونائبتها ستيفاني خوري والوفد المرافق لهما، يوم الاثنين، في مقر القيادة العامة بمدينة بنغازي.

ونقلت القيادة العامة أن المشير أكد دعمه لجهود بعثة الأمم المتحدة ومساعيها الرامية إلى الدفع بالعملية السياسية إلى الأمام، وصولاً إلى إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وقالت إن تيتيه عرضت عليه إحاطة حول ما أجرته لجان «الحوار المهيكل» من نقاشات وحوارات تهدف إلى تشكيل خريطة طريق تقود لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.

المشير خليفة حفتر يلتقي المبعوثة الأممية هانا تيتيه في بنغازي يوم الاثنين (القيادة العامة)

وأضاف مكتب حفتر أن الطرفين اتفقا على مواصلة التنسيق والتشاور لدعم خطوات البعثة الأممية في ليبيا، وصولاً إلى تحقيق الاستقرار الدائم.

في غضون ذلك، دخل «صراع الشرعية» في ليبيا مرحلة جديدة بين مجلسي «النواب» و«الدولة» حول إدارة المؤسسات السيادية، بعدما اتهم رئيس «الأعلى للدولة» محمد تكالة، رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، باستخدام «ألاعيب متكررة لإرباك المشهد عبر إصدار قوانين وقرارات أحادية».

ولم يتوقف هذا التصعيد عند حد القوانين، بل امتد ليعمّق الانقسام حول مفوضية الانتخابات ومجلس القضاء، وسط تحذيرات شديدة اللهجة إلى البعثة الأممية من مغبة الانحياز.

وجاءت الاتهامات التي وجّهها تكالة إلى صالح في تصريحات تلفزيونية، مساء الأحد، مشيراً إلى إصدار صالح قوانين أو قرارات قبل لقاءاتهما الرسمية، ومن ذلك إصداره قانوناً وصفه بأنه «معيب» بإنشاء المحكمة الدستورية؛ وقال إنه طالب صالح من قبل بعدم إصدار أي قوانين أو قرارات قبل لقائهما، لأن ذلك «يربك المشهد».

ودافع تكالة عن انتخاب مجلسه منفرداً، رئيس وأعضاء مجلس إدارة للمفوضية العليا للانتخابات، باعتباره تطبيقاً لـ«اتفاق أبو زنيقة»، أحد الاتفاقات المبرمة بناءً على «اتفاق الصخيرات» الموقّع في المغرب نهاية 2015.

وتابع: «نحن نسعى للتغيير في المفوضية من أجل التطوير وتصحيح مسارها بإعادة تشكيلها؛ والتصحيح الحقيقي فيها هو الذي لا يترك مجالاً للطعن في أي انتخابات مستقبلاً»، لافتاً إلى أن اللجنة الاستشارية التي تضم خبراء قانون أوصت بإعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية، وأن أعضاءها رأوا أن المفوضية بهذه الوضعية لن تستطيع أن تدير عملية انتخابية.

وأشار إلى أن البعثة الأممية أخذت برأي اللجنة الاستشارية واقترحته في الأمم المتحدة بوصفه جزءاً من «خريطة الطريق»، موضحاً أن رئيس مجلس النواب تراجع عن مسألة تغيير مجلس المفوضية بسبب قوة قاهرة ضغطت عليه، وقال إن مجلس المفوضية السابق كان من المفترض إقالته منذ 2021 عندما فشل في إجراء الانتخابات.

وبعدما عدّ تصريح البعثة الأممية حول تغيير رئاسة المفوضية «نوعاً من المغازلة» لمجلس النواب، شدّد تكالة على أن مجلس الدولة «لم يتجاوز اختصاصاته، ولم يتدخل في أي جزئية إلا بما كفله له الاتفاق السياسي».

وقال إن صلاح الكميشي، الرئيس المنتخب من مجلس الدولة لرئاسة المفوضية، بصدد ترتيب عملية تسلّم منصبه، رغم اعتراض السايح، مشيراً إلى أن الكميشي سيباشر أعماله من داخل مقر مفوضية الانتخابات في طرابلس قريباً، من دون تحديد أي موعد.

الدبيبة مستقبلاً القائم بالأعمال بسفارة السعودية في ليبيا عبد الله بن دخيل الله السلمي يوم الاثنين (مكتب الدبيبة)

وعلى صعيد مختلف، قالت حكومة «الوحدة» المؤقتة إن رئيسها عبد الحميد الدبيبة استقبل القائم بالأعمال بسفارة المملكة العربية السعودية في ليبيا، عبد الله بن دخيل الله السلمي، حيث بحثا سبل تعزيز التعاون الثنائي في عدد من الملفات موضع الاهتمام المشترك.

وأضافت الحكومة، الاثنين، أن الدبيبة سلّم، بصفته وزير الدفاع، رسالة موجهة إلى وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود، في إطار دعم وتطوير مسارات التعاون والتنسيق بين البلدَين وتعزيز العلاقات السياسية والأمنية بما يخدم المصالح المشتركة.

وأكد الجانبان، حسب الحكومة، أهمية مواصلة التواصل والتنسيق في القضايا الإقليمية والدولية، بما يعزز الاستقرار ويدعم جهود التعاون العربي.

Your Premium trial has ended


شهود وقائع «التحرش» في مصر... مساندة «الضحية» أم دخول قفص الاتهام؟

ركاب داخل حافلة نقل عام (صورة أرشيفية - وزارة النقل)
ركاب داخل حافلة نقل عام (صورة أرشيفية - وزارة النقل)
TT

شهود وقائع «التحرش» في مصر... مساندة «الضحية» أم دخول قفص الاتهام؟

ركاب داخل حافلة نقل عام (صورة أرشيفية - وزارة النقل)
ركاب داخل حافلة نقل عام (صورة أرشيفية - وزارة النقل)

انتقل الجدل حول وقائع التحرش في مصر إلى مساحة جديدة، تتعدى الوقائع نفسها إلى مواقف المحيطين فيها من الشهود، بعدما أظهر مقطعٌ مصورٌ لفتاة تتهم شاباً بالتحرش بها في حافلة نقل عام بمنطقة المقطم (جنوب القاهرة)، صمتَ بعض الركاب، ودفاع آخرين عن الشاب ومهاجمة الفتاة، فيما سعى فريقٌ ثالثٌ لمحاولة التهدئة، وسط انتقادات «سوشيالية» وهجوم على مواقفهم.

وأظهر مقطع مصور نشرته فتاة تدعى مريم شوقي على حسابها عبر «فيسبوك»، مساء الأحد، شاباً يقف في الحافلة محاولاً إخفاء وجهه عن الكاميرا أحياناً وإظهاره أحياناً أخرى، قبل إقدامه على الفتاة لمنعها من التصوير، وهي تنهال عليه بالسباب وتتهمه بالتحرش بها ومحاولة سرقتها، وتستغيث في الفيديو لإنقاذها، وسط صمت من المحيطين. فيما أعلنت وزارة الداخلية المصرية ضبط المتهم الذي أنكر ارتكابه الواقعة، قبل أن تتولى النيابة العامة التحقيق.

وفي مقطع آخر، تدخل راكب لمهاجمة مريم منتقداً تصرفاتها، ما شجع الشاب المتهم على الرد، قائلاً لها: «شوفي انتي لابسه إيه»، وهذا ما اعتبره البعض «اعترافاً ضمنياً بالتحرش وتبريره لذلك بملابسها».

وحسب بيان الداخلية المصرية، فإن مقاطع الفيديو التي تم تداولها تظهر اتهام الفتاة لأحد الأشخاص بقيامه بالتحرش بها ومحاولة سرقتها بدائرة قسم شرطة المقطم بالقاهرة وتتبعها عقب ذلك إلى داخل أحد أتوبيسات النقل العام.

وقالت الداخلية، في بيان، الاثنين، إنه بسؤال الشاكية (موظفة بإحدى الشركات - مقيمة بمحافظة السويس) أقرت بأنها حال خروجها من مقر عملها الكائن بدائرة القسم قام الشخص الظاهر بمقاطع الفيديو بالتحرش اللفظي بها وتتبعها حال استقلالها أحد أتوبيسات النقل العام. وأنه أمكن تحديد وضبط الشخص الظاهر بمقاطع الفيديو (عامل - مقيم بمحافظة الدقهلية)، وبمواجهته أنكر ارتكابه الواقعة، أو سابقة تقابله مع المجني عليها، وتم اتخاذ الإجراءات القانونية، وتولت النيابة العامة التحقيق.

الشاب المتهم بالتحرش يختبئ من كاميرا الفتاة صاحبة الشكوى (لقطة مثبتة)

واتجه جزء كبير من التعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي إلى المحيطين بالواقعة، خصوصاً الراكب الذي تدخل وهاجم الفتاة، بينما يمسك مسبحة في يده، معتبرين أن مثل هؤلاء «سبب في عدم تجريم التحرش وتوفير حماية للمتحرشين».

واعتبر هذا الفريق أن ما يعكسه الفيديو من سلبية للمحيطين، بل وحماية لـ«المتحرش»، على حد وصفهم، أخطر من التحرش نفسه، إذ يمثل حاضنة مجتمعية تتصالح مع هذه الأفعال، مقابل لوم الضحية، وذهب بعضهم إلى ما هو أبعد بالمطالبة بمحاكمة الشهود.

وشكك آخرون في الرواية كلياً، انطلاقاً من موقف الشهود نفسه، مستبعدين حالة الصمت والتصالح مع خطأ وقع فعلياً من كل الموجودين في الأتوبيس، ومعتبرين أن ذلك الصمت دليل على اختلاق الفتاة للواقعة.

وحذر آخرون من الهجوم على أحد بدعوى التحرش دون تقديم دليل، معتبرين أنه سلاح يمكن أن تستخدمه النساء لتصفية حسابات أو التشهير بمظلومين.

وتنص المادة 306 مكرر أ من قانون العقوبات على «معاقبة كل من تعرض للغير في مكان عام أو خاص أو مطروق بإيحاءات، أو تلميحات جنسية أو إباحية، سواء بالإشارة أو بالقول أو بالفعل (بما في ذلك الاتصالات)، بالحبس مدة لا تقل عن سنتين ولا تتجاوز 4 سنوات، وغرامة مالية بين 100 ألف و300 ألف جنيه (الدولار نحو 47 جنيهاً).

وفسر أستاذ علم الاجتماع، وليد رشاد، المعضلة التي يتعرض لها الشهود والمحيطون وقت ارتكاب جريمة ما، سواء بالتدخل أو الصمت، وزيادة التوجه الأخير إلى 3 أسباب؛ الأول الخوف من الجريمة المرتكبة، أي تجنب أن تطوله الجريمة أو الاعتداء، خصوصاً في ظل وهن الروابط المجتمعية الكبيرة حالياً، وهو سبب اجتماعي، أما الثاني فسبب نفسي متعلق بتوجه الفرد نحو الانزواء على ذاته، والانعزال عن المحيط.

وأضاف أستاذ علم الاجتماع أن السبب الثالث مرتبطٌ بالتطور التكنولوجي وسعي البعض إلى الحصول على تفاعل أكبر بتصوير الحادثة ونشرها، مؤكداً في الوقت نفسه أن ذلك لا يعني أن المجتمع أصبح سلبياً بالكامل، فالشخصية المصرية ما زالت تحتفظ بصفاتها المعروفة بإغاثة المظلوم.

أحد التعليقات على «فيسبوك» يحلل رد فعل المحطين بالواقعة محل الاتهام

وسبق أن تعرض شهود عيان في وقائع عديدة للاعتداء، وبعضهم فقد حياته، من أشهرهم الشاب محمود البنا (17 عاماً) الذي قُتل عام 2019 إثر دفاعه عن إحدى الفتيات في محافظة المنوفية، وتحول لبطل شعبي في مصر.

ورفض رشاد التعليق على الواقعة الأخيرة باعتبارها ما زالت قيد التحقيقات، مؤكداً في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن ثمة وعياً مجتمعياً أكبر تجاه قضية التحرش، وتوجهاً مجتمعياً لفضح الجاني، في تغير عن اعتقاد سابق بأن فضح الجاني سيترتب عليه فضح الضحية، مرجعاً ذلك إلى حملات التوعية التي حدثت على مدار سنوات وصولاً للتطور الإيجابي الحالي.

وظهر الشاب المتهم في مقابلة مع أحد المواقع المحلية، نافياً الاتهامات الموجهة إليه، مشيراً إلى أن «الركاب رأوا عدم فعله شيئاً، وكذلك محصل التذاكر».