«المركزي الأوروبي» في 2025... نحو سياسة نقدية أكثر مرونة

توقعات بتقليص أسعار الفائدة إلى 2 % بحلول منتصف العام المقبل

علم الاتحاد الأوروبي على عملات من فئة اليورو (رويترز)
علم الاتحاد الأوروبي على عملات من فئة اليورو (رويترز)
TT

«المركزي الأوروبي» في 2025... نحو سياسة نقدية أكثر مرونة

علم الاتحاد الأوروبي على عملات من فئة اليورو (رويترز)
علم الاتحاد الأوروبي على عملات من فئة اليورو (رويترز)

من المتوقع أن يشهد عام 2025 تحولاً جديداً في سياسات البنك المركزي الأوروبي، مع توجهه نحو مزيد من التيسير النقدي في ظل استمرار ضعف الأداء الاقتصادي بمنطقة اليورو وتراجع معدلات التضخم. وبينما تشير التوقعات إلى خفض محتمل لسعر الفائدة على الودائع إلى 2 في المائة، فإن هذه الخطوة تعكس حرص البنك على تجنب الانزلاق نحو الركود ودعم النشاط الاقتصادي المتباطئ. ومع ذلك، يظل الباب مفتوحاً أمام احتمالات اتخاذ إجراءات أكثر جرأة إذا تصاعدت التحديات الاقتصادية العالمية، خصوصاً في ظل المخاطر التجارية والتوترات الجيوسياسية التي قد تزيد من تعقيد المشهد الاقتصادي في منطقة اليورو.

التحول نحو التيسير النقدي

أدى تراجع التضخم وضعف الأداء الاقتصادي إلى دفع البنك المركزي الأوروبي لتغيير نهجه نحو سياسات أكثر مرونة. ففي عام 2024، خفّض البنك سعر الفائدة على الودائع إلى 3 في المائة، وهو انخفاض بمقدار نقطة مئوية كاملة. لكن مع تباطؤ التضخم إلى 2.2 في المائة بحلول نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، إلى جانب تباطؤ النمو الاقتصادي إلى 0.4 في المائة في الربع الثالث، يتوقع المحللون مزيداً من التخفيضات.

وفي خطاب لها في فيلنيوس، أكدت رئيسة البنك المركزي الأوروبي، كريستين لاغارد، أن البنك يقترب من تحقيق هدف التضخم البالغ 2 في المائة بفضل هذه السياسات، مشيرة إلى أنه «بعد فترة طويلة من السياسات التقييدية، نحن واثقون الآن من العودة إلى هدفنا في الوقت المناسب».

من جانبه، قال عضو مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي، بوريس فوجسيتش، إن المركزي قد يخفض تكاليف الاقتراض مرة أخرى. وأضاف: «المركزي الأوروبي يعتمد بشكل كبير على البيانات، وإذا كانت البيانات الواردة متوافقة مع توقعاتنا، فمن المؤكد أننا قادرون على الاستمرار في خفض أسعار الفائدة». وأكد أن «اتجاه التوقعات يشير إلى تخفيض آخر في أسعار الفائدة»، وفقاً لما ذكرته «بلومبرغ».

وعندما سُئل عن المدى الذي قد تصل إليه تخفيضات أسعار الفائدة، قال فوجسيتش: «لا أستطيع أن أقول الآن إلى أي مستوى، لكن الأمر سيتضح في العام المقبل».

تغير في نبرة «المركزي»

خلال اجتماع ديسمبر (كانون الأول) 2024، أظهر البنك المركزي تحولاً كبيراً في استراتيجيته، حيث أسقط التزامه السابق بالحفاظ على السياسات التقييدية «طالما كان ذلك ضرورياً». وعلقت لاغارد قائلة: «هذا التغيير يعكس المشهد الاقتصادي المتطور، وتوقعاتنا للتضخم، والمخاطر المحيطة به».

وتشير توقعات البنك الأخيرة إلى انخفاض طفيف في التضخم المتوقع، حيث يُتوقع أن يصل التضخم الرئيسي إلى 2.1 في المائة والتضخم الأساسي إلى 2.3 في المائة في 2025، قبل أن ينخفضا إلى 1.9 في المائة في 2026. كذلك، خُفّضت توقعات النمو الاقتصادي لتصل إلى 1.1 في المائة في 2025، و1.4 في المائة في 2026.

نحو مستوى الحياد: ما هو؟

يشير مصطلح «مستوى الحياد» إلى النقطة التي لا تؤثر عندها أسعار الفائدة بشكل إيجابي أو سلبي على الاقتصاد. حالياً، تتوقع الأسواق أن يخفض البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة إلى 2 في المائة، وهو ما يعدّ قريباً من هذا المستوى الحيادي. ويقول غيوم ديريين، الخبير الاقتصادي في بنك «بي إن بي باريبا»: «نتوقع خفضاً بمقدار 25 نقطة أساس في كل اجتماع للبنك حتى يصل المعدل إلى 2 في المائة بحلول يونيو (حزيران) 2025».

دور السياسة المالية والتوترات التجارية

رغم أهمية السياسة النقدية، أكد البنك المركزي الأوروبي أن معالجة التحديات الاقتصادية الكبرى تتطلب تكاملاً بين السياسة النقدية والمالية. وفي هذا السياق، قالت لاغارد: «المركزي الأوروبي لا يمكن أن يكون الحل الوحيد لجميع مشاكل الاقتصاد الأوروبي». وقد دعت لاغارد الحكومات إلى اتخاذ خطوات أكثر جرأة في تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية وتعزيز النمو. كما شدد خبراء، مثل إد يارديني، رئيس مؤسسة «يارديني للأبحاث»، على أهمية الإصلاحات الهيكلية في الاتحاد الأوروبي، مشيراً إلى توصيات قدمها سابقاً ماريو دراغي، الرئيس السابق للبنك المركزي الأوروبي، وإنريكو ليتا، رئيس الوزراء الإيطالي السابق.

وعلى صعيد آخر، تلوح في الأفق تهديدات تجارية كبيرة، خصوصاً مع تعهد الرئيس المنتخب دونالد ترمب، بفرض رسوم جمركية تصل إلى 60 في المائة على الواردات الصينية، و10 في المائة على جميع الواردات الأخرى. مثل هذه الخطوات قد تؤثر بشكل كبير على الصناعات الأوروبية المعتمدة على التصدير، مثل الأدوية والآلات. وقال فوجسيتش: «إذا نشبت حرب تجارية، فإن ذلك سيكون له تأثير سلبي على النمو في أوروبا وبقية العالم»، مضيفاً أن الحروب التجارية عادة ما تؤدي إلى ارتفاع الأسعار. وتابع: «نأمل ألا نشهد حرباً تجارية، لأن ذلك لن يكون مفيداً لأي طرف».

وعبر لويس دي جيندوس، نائب رئيس البنك المركزي الأوروبي عن قلقه المزداد بشأن سياسة التجارة والتفتت المحتمل للاقتصاد العالمي. وقال: «إذا تحققت هذه التعريفات، فقد نشهد تحولاً جذرياً في الوضع الاقتصادي، وهو ما يتناقض تماماً مع الدروس المستفادة من ثلاثينات القرن العشرين والمسار الذي اختارته الاقتصادات الكبرى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية».

وأضاف: «المشكلة هذه المرة لا تقتصر على التعريفات الجمركية التي تفرضها الولايات المتحدة على الواردات، بل تشمل أيضاً الردود الانتقامية من الدول الأخرى. إذا اندلعت حرب تجارية، فستكون لها آثار سلبية كبيرة على الاقتصاد العالمي، سواء على النمو أو التضخم. على سبيل المثال، فرض تعريفة بنسبة 60 في المائة على السلع المقبلة من الصين قد يغير تدفقات التجارة ويؤثر على أسعار الصرف. والأهم من ذلك، لا أحد يعرف إلى أين ستؤدي هذه التطورات».

ومع تصاعد التوترات التجارية وضعف البيانات الاقتصادية، يرى بعض المحللين أن البنك المركزي قد يتجه نحو خفض أسعار الفائدة إلى ما دون 2 في المائة. ويقول روبين سيغورا كايويلا، الخبير الاقتصادي في «بنك أوف أميركا»: «نتوقع تخفيضات متتالية إلى 1.5 في المائة بحلول سبتمبر (أيلول) 2025 إذا تفاقمت التحديات الاقتصادية». من جانبه، يتوقع بنك «غولدمان ساكس» تخفيضات تصل إلى 1.75 في المائة بحلول منتصف 2025، لكنه يحذر من إمكانية خفض «أسرع وأعمق» إذا استمرت التوترات التجارية في التأثير على الاقتصاد.

ما الذي ينتظر منطقة اليورو؟

يعتمد مستقبل السياسة النقدية في منطقة اليورو على تطورات عدة، منها أداء الاقتصاد العالمي، وتحركات التضخم، ومدى استجابة الحكومات للسياسات المالية. وفي ظل هذا المشهد المعقد، يبدو أن البنك المركزي الأوروبي مستعد لاتخاذ إجراءات إضافية لدعم الاقتصاد، لكنه يظل حذراً من تجاوز حدود دوره.

وعليه، قد تكون الفترة المقبلة حاسمة للاقتصاد الأوروبي، إذ ستكشف عن مدى قدرة البنك المركزي والحكومات على التنسيق لمواجهة التحديات المزدادة وضمان استقرار المنطقة على المدى الطويل.


مقالات ذات صلة

الدولار مستقر قبيل «جاكسون هول»... والين يتماسك بعد تصريحات بنك اليابان

الاقتصاد أوراق نقدية من الين الياباني والدولار الأميركي (رويترز)

الدولار مستقر قبيل «جاكسون هول»... والين يتماسك بعد تصريحات بنك اليابان

تحرك الدولار الأميركي في نطاق ضيق، يوم الخميس، قبيل ندوة «جاكسون هول»، فيما استقر الين بعد أن أبقى مسؤول في بنك اليابان الباب مفتوحاً أمام رفع الفائدة.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد يقوم تاجر عملات بعدّ أوراق نقدية من فئة الدولار الأميركي في ساحة فردوسي بطهران (أ.ب)

الدولار يكافح لاستعادة الزخم... عقوبات إيران وإعادة شراء السندات تحت المجهر

كافح الدولار الأميركي للحفاظ على مكاسبه أمام العملات الرئيسية، يوم الثلاثاء، مع تقييم المستثمرين لتوسيع واشنطن العقوبات المرتبطة بإيران.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد أوراق نقدية من فئة الدولارات (رويترز)

الدولار يترنح قرب أدنى مستوى في أشهر وسط اضطرابات سوق السندات

ظل الدولار قرب أدنى مستوياته في عدة أشهر، خلال تعاملات يوم الاثنين، وسط اضطراب بالأسواق.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد أوراق نقدية من فئة العشرين دولاراً (أ.ب)

الدولار يترنح مع تدخل «الخزانة» الأميركية لاحتواء عوائد السندات

تراجع الدولار إلى أدنى مستوياته في نحو 3 أشهر الخميس، بعدما أسهم تحرك وزارة الخزانة الأميركية لتهدئة سوق السندات في خفض عوائد الآجال الطويلة.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد أوراق نقدية من الين الياباني والدولار الأميركي (رويترز)

الدولار قُرب أدنى مستوياته في أشهر مع تراجع عوائد الخزانة وترقُّب محضر «الفيدرالي»

تحرك الدولار الأميركي قرب أدنى مستوياته في أشهر عدة أمام العملات الرئيسية، الأربعاء، مع تراجع عوائد سندات الخزانة الأميركية.

«الشرق الأوسط» (هونغ كونغ)

وول ستريت تتراجع عند الافتتاح بعد صدور تقرير الوظائف

العلم الأميركي على مدخل بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
العلم الأميركي على مدخل بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
TT

وول ستريت تتراجع عند الافتتاح بعد صدور تقرير الوظائف

العلم الأميركي على مدخل بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
العلم الأميركي على مدخل بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية والدولار، فيما تراجع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بشكل طفيف يوم الجمعة، بعد أن أظهر نمو الوظائف في الولايات المتحدة تسارعاً في أغسطس (آب)، في حين استقر معدل البطالة.

ويشير التقرير الشهري إلى أن سوق العمل لا تزال مستقرة، ما عزز التوقعات بأن يرفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أسعار الفائدة في وقت لاحق من هذا الشهر، بينما يترقب المستثمرون بيانات التضخم الاستهلاكي المقرر صدورها الأسبوع المقبل باعتبارها عاملاً رئيسياً في تحديد قرار البنك المركزي.

وزاد عدد الوظائف غير الزراعية بمقدار 162 ألف وظيفة الشهر الماضي، بعد ارتفاع معدل إلى 21 ألف وظيفة في يوليو (تموز). وكان اقتصاديون استطلعت «رويترز» آراءهم قد توقعوا زيادة قدرها 56 ألف وظيفة، بعدما أظهرت البيانات السابقة انخفاضاً قدره 23 ألف وظيفة في يوليو.

وارتفع عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات، وهو العائد القياسي، بمقدار 1.21 نقطة أساس إلى 4.774 في المائة في أحدث تعاملات. وكان قد بلغ 4.792 في المائة مباشرة بعد صدور التقرير. كما سجل عائد السندات لأجل عامين أعلى مستوى له منذ يناير 2025.

وقال بريت كينويل، محلل الاستثمار الأميركي لدى «إي تورو» في نيويورك: «من وجهة نظر الاحتياطي الفيدرالي، لا يزال سوق العمل متماسكاً، ما يعني أن التضخم يظل المشكلة الأكبر».

وأضاف: «ستحظى بيانات مؤشر أسعار المستهلكين الأسبوع المقبل بمتابعة وثيقة، في ظل اقتراب موعد قرار الاحتياطي الفيدرالي بشأن أسعار الفائدة في منتصف سبتمبر (أيلول)».

وتشير العقود الآجلة لأسعار الفائدة قصيرة الأجل إلى احتمال يبلغ نحو 65 في المائة لرفع الفائدة في اجتماع الاحتياطي الفيدرالي المقرر يومي 15 و16 سبتمبر، ارتفاعاً من نحو 55 في المائة قبل صدور التقرير.

تراجع أسعار النفط وارتفاع الدولار

تراجعت أسعار النفط من مستوياتها المرتفعة مؤخراً. وأدت الهجمات المتجددة هذا الأسبوع في الحرب بين الولايات المتحدة وإيران إلى ارتفاع أسعار النفط، ما زاد المخاوف القائمة بالفعل بشأن ارتفاع التكاليف.

وانخفض الخام الأميركي 1.6 في المائة إلى 89.87 دولار للبرميل، فيما تراجع خام برنت 1.3 في المائة إلى 94.26 دولار للبرميل.

وتراجع مؤشر «داو جونز» الصناعي 98.46 نقطة، أو 0.19 في المائة، إلى 53,587.65 نقطة، وانخفض مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» 6.06 نقطة، أو 0.08 في المائة، إلى 7,741.65 نقطة، فيما ارتفع مؤشر «ناسداك» المركب 17.02 نقطة، أو 0.06 في المائة، إلى 26,601.08 نقطة.

وارتفع مؤشر «إم إس سي آي» للأسهم العالمية 1.02 نقطة، أو 0.09 في المائة، إلى 1,155.76 نقطة، فيما صعد مؤشر «ستوكس 600» الأوروبي 0.04 في المائة.

وارتفع مؤشر الدولار، الذي يقيس أداء العملة الأميركية أمام سلة من العملات تشمل الين واليورو، 0.2 في المائة خلال اليوم. وتراجع الين الياباني لفترة وجيزة 0.41 في المائة إلى 156.45 ين للدولار، قبل أن يستقر الدولار تقريباً أمام الين في أحدث التعاملات.

وانخفض سعر الذهب الفوري 1.2 في المائة إلى 4,418.09 دولار للأوقية.


صندوق الثروة النرويجي يقترح خفض حيازاته من سندات الخزانة الأميركية

البنك المركزي النرويجي في أوسلو حيث مقرّ صندوق الثروة السيادي (رويترز)
البنك المركزي النرويجي في أوسلو حيث مقرّ صندوق الثروة السيادي (رويترز)
TT

صندوق الثروة النرويجي يقترح خفض حيازاته من سندات الخزانة الأميركية

البنك المركزي النرويجي في أوسلو حيث مقرّ صندوق الثروة السيادي (رويترز)
البنك المركزي النرويجي في أوسلو حيث مقرّ صندوق الثروة السيادي (رويترز)

اقترح مدير صندوق الثروة السيادي النرويجي، البالغ حجمه 2.3 تريليون دولار، خفضاً كبيراً لانكشافه على سندات الخزانة الأميركية، في إطار إعادة هيكلة أوسع لاستثماراته في السندات بهدف تحسين العوائد، وفقاً لرسالة نُشرت هذا الأسبوع.

وأوصت إدارة الاستثمار في «بنك النرويج» بخفض وزن السندات الحكومية في مؤشر السندات القياسي من 70 في المائة إلى 50 في المائة، مع توجيه الجزء الأكبر من الخفض إلى سندات الخزانة الأميركية، التي تمثّل أكبر حيازات الصندوق، وفقاً للرسالة.

وستؤدي هذه التغييرات إلى خفض ما يقرب من 80 مليار دولار من حيازات الصندوق الحالية من سندات الخزانة الأميركية، التي بلغت نحو 215 مليار دولار حتى نهاية يونيو (حزيران)، وفقاً لحسابات «رويترز».

وشهدت أسواق السندات الحكومية اضطرابات مؤخراً، مع ارتفاع تكاليف الاقتراض طويل الأجل بشكل حاد، في ظل مخاوف المستثمرين من ارتفاع معدلات التضخم ومستويات الدين الحكومي.

ويمتلك صندوق الثروة السيادي النرويجي، وهو الأكبر في العالم، في المتوسط 1.5 في المائة من جميع الشركات المدرجة عالمياً. ويعني حجمه الهائل أن قراراته الاستثمارية قادرة على التأثير في تدفقات السوق على نطاق واسع.

وأكدت إدارة الاستثمار في «بنك النرويج» أن أي تغييرات ستُنفّذ تدريجياً.

وجاءت مقترحات الصندوق رداً على استفسارات من وزارة المالية النرويجية بشأن استراتيجية استثمار صندوق الثروة السيادي في السندات.

وقال بنك النرويج للاستثمار إنه سينتظر رد الوزارة، مضيفاً أن أي تغييرات ستُنفّذ تدريجياً تأتي للحد من تأثيرها على السوق وتكاليف المعاملات.

وكتبت محافظة «بنك النرويج»، إيدا وولدن باش، والرئيس التنفيذي لإدارة الاستثمار في «بنك النرويج»، نيكولاي تانجن، في الرسالة: «نوصي بخفض المؤشر الفرعي الحكومي لمؤشر السندات من 70 في المائة إلى 50 في المائة».

وأضافا: «ستكون حصة حكومية بنسبة 50 في المائة كافية لتغطية احتياجات السيولة، بما في ذلك خلال فترات اضطراب الأسواق المالية».

كما اقترح الصندوق، في رسالة منفصلة، النظر في زيادة استثماراته في الأصول غير المدرجة، جزئياً بوصفها وسيلة للحد من مخاطر التركّز التي تزايدت في محفظة أسهمه الخاصة وسط الارتفاع القوي في أسعار أسهم عدد من شركات التكنولوجيا الأميركية.

وبموجب تفويضه الحالي، يمكن للصندوق الاستثمار في أصول عقارية وأصول أخرى للطاقة المتجددة غير المدرجة، إلا أن حصة الاستثمارات غير المدرجة لديه لا تزال أقل من مثيلاتها لدى الصناديق المماثلة.

خفض سندات الخزانة الأميركية

أعلنت إدارة الاستثمار في «بنك النرويج» أن التغيير الأبرز في مؤشر السندات يتمثّل في زيادة الاستثمار في أدوات الدين غير الحكومية، بما في ذلك الأوراق المالية المدعومة بالرهن العقاري، بهدف تحسين تنويع المحفظة وزيادة الانكشاف على علاوات المخاطر.

وصرّح متحدث باسم إدارة الاستثمار في «بنك النرويج» بأن إجمالي الانكشاف على الدولار الأميركي سيظل عند نحو 50 في المائة، مضيفاً: «يكمن التغيير في تركيبة سوق الدولار: انخفاض حيازات سندات الخزانة الأميركية الحكومية، وزيادة مقابلة في سندات الرهن العقاري الأميركية والسندات الحكومية».

وبموجب المقترحات، سينخفض وزن سندات الخزانة الأميركية الحكومية في مؤشر السندات من 34.1 في المائة إلى 21.9 في المائة، وفقاً للرسالة، فيما سينخفض تخصيص سندات منطقة اليورو بشكل طفيف من 16.8 في المائة إلى 14.1 في المائة.

وسيرتفع تخصيص سندات الحكومة اليابانية من 4.6 في المائة إلى 7.4 في المائة، في حين سيظل تخصيص السندات البريطانية دون تغيير عند 4.2 في المائة. وقال الصندوق إن هذه التغييرات ستجعل المؤشر أكثر توافقاً مع أوزان السوق العالمية.

وفي حين سينخفض انكشاف الصندوق على سندات الخزانة الأميركية، سترتفع النسبة المقترحة للديون غير الحكومية الأميركية من 16.2 في المائة إلى 27.6 في المائة، ما يعني أن الوزن الإجمالي لمؤشر السندات المقوّم بالدولار الأميركي سينخفض بشكل طفيف فقط، من 52.9 في المائة إلى 52.5 في المائة.


المعادن النادرة تعيد الضغط على هدنة الصين وأميركا

عمال يستخدمون آلات حفر في منجم للمعادن الأرضية النادرة بمقاطعة غانشيان في جيانغشي وسط الصين (أ.ب)
عمال يستخدمون آلات حفر في منجم للمعادن الأرضية النادرة بمقاطعة غانشيان في جيانغشي وسط الصين (أ.ب)
TT

المعادن النادرة تعيد الضغط على هدنة الصين وأميركا

عمال يستخدمون آلات حفر في منجم للمعادن الأرضية النادرة بمقاطعة غانشيان في جيانغشي وسط الصين (أ.ب)
عمال يستخدمون آلات حفر في منجم للمعادن الأرضية النادرة بمقاطعة غانشيان في جيانغشي وسط الصين (أ.ب)

عادت المعادن النادرة إلى صدارة التوتر التجاري بين الصين والولايات المتحدة، بعدما امتنع بعض الموردين الصينيين عن تنفيذ شحنات إلى عملاء أميركيين رغم حصولهم على تراخيص تصدير؛ خشية التعرض لعقوبات من بكين، في تطور يعكس استمرار هشاشة سلاسل توريد المواد الحيوية قبل زيارة الرئيس الصيني شي جينبينغ إلى واشنطن في 24 سبتمبر (أيلول).

ويكتسب الملف أهمية استثنائية للولايات المتحدة؛ نظراً إلى استخدام المعادن والمواد الحرجة في قطاعات الدفاع وأشباه الموصلات والطيران والطاقة والأجهزة الطبية. ورغم تعافي صادرات كثير من المعادن النادرة والمغناطيسات المرتبطة بها منذ فرض الصين قيوداً في أبريل (نيسان) 2025، لا تزال أسعار بعض المواد قرب مستويات قياسية، في حين تستمر اختناقات المعروض.

وحسب مصادر مطلعة، رفض عدد من الموردين الصينيين منذ مطلع أغسطس (آب) إرسال معادن نادرة إلى شركات أميركية بعد فرض بكين عقوبات على تحالف «ريسبونس بيزنس أليانس»، وهي جهة أميركية تراقب سلاسل التوريد.

وتخشى الشركات الصينية التعرض لإجراءات من السلطات إذا التزمت بإطار العناية الواجبة التابع لـ«ريسبونس بيزنس أليانس»، وهو برنامج عالمي لتدقيق سلاسل توريد المعادن مرتبط بالتحالف الأميركي.

كما أوقفت شركات صينية أخرى شحناتها إلى الولايات المتحدة خلال الأشهر الأخيرة؛ تجنباً للتورط في التوترات الجيوسياسية. وأشار أحد المصادر إلى أربع حالات رفضت فيها شركات صينية إرسال مواد بسبب مخاوف من إعادة بيعها لاحقاً إلى مستخدمين خاضعين للحظر.

ولم يتضح العدد الإجمالي للموردين الذين امتنعوا عن تنفيذ شحنات إلى الولايات المتحدة، لكن استمرار المشكلة دفع واشنطن إلى وضع المعادن النادرة ضمن الملفات التي يجري التحضير لمناقشتها قبل زيارة شي.

وتضغط الإدارة الأميركية على الصين للالتزام بالتعهدات التي تم التوصل إليها في بوسان وبكين خلال العام الماضي؛ لضمان التدفق السلس لتراخيص تصدير المعادن النادرة. وقال مسؤول أميركي إن واشنطن تواصل مطالبة الجانب الصيني بمعالجة ما تعدّه عدم امتثال لاتفاق بوسان، إلى جانب قضايا ثنائية أخرى.

وتبرز أهمية القيود بصورة خاصة في مواد مثل الإيتريوم وفوسفيد الإنديوم والتنغستن، المستخدمة في تطبيقات عسكرية أو صناعات حساسة مثل الطيران وتصنيع الرقائق. كما طالت تأخيرات التراخيص شركات تعمل في الأجهزة الطبية والطاقة.

وتظهر بيانات الجمارك الصينية أن صادرات الإيتريوم إلى الولايات المتحدة ارتفعت هذا العام، لكنها لا تزال عند نحو نصف مستويات 2024، رغم إرسال كميات كبيرة إلى دول أخرى. وحسب المصادر، تنتظر بعض الشركات الأميركية منذ أكثر من ستة أشهر الحصول على تراخيص لاستيراد المعادن.

وقالت ريفا غوجون، الخبيرة الاستراتيجية في الشؤون الجيوسياسية لدى «روديوم غروب»، إن الصين استخدمت ضوابط تصدير المعادن النادرة بفاعلية للضغط على مكتب الصناعة والأمن التابع لوزارة التجارة الأميركية، المسؤول عن عدد من القيود المفروضة على الصين.

وترى غوجون أن اختناقات سلاسل التوريد ستكون في صلب المباحثات المقبلة، لكنها تتوقع أن تخفف بكين بعض القيود على المواد الخام الحيوية حول موعد القمة؛ بهدف تقليص الانتقادات الأميركية بشأن عدم التزام الصين بالهدنة التجارية.

وتقول بكين من جانبها، إنها ملتزمة بالحفاظ على استقرار سلاسل الإمداد العالمية للمعادن الحيوية. كما تربط العقوبات التي فرضتها في أغسطس على شركات تدقيق أميركية بإجراءات اتخذتها لجنة الاتصالات الفيدرالية الأميركية منذ ديسمبر (كانون الأول) ضد مختبرات صينية لاختبار الإلكترونيات والطائرات المسيّرة وأجهزة التوجيه الاستهلاكية والكابلات البحرية ومعدات الروبوتات المتقدمة ومحولات الطاقة.

وعندما أثار مسؤولون أميركيون قضية المعادن النادرة خلال اجتماعات ثنائية، رد مسؤولون صينيون بأن الإجراءات الأميركية نفسها تنتهك هدنة بوسان؛ ما يعكس اتساع الخلاف من قضية تجارية محددة إلى شبكة من القيود التنظيمية المتبادلة.

ومع ذلك، ظهرت مؤشرات على مرونة محدودة. فبعد شهرين لم تصدّر خلالهما الصين أي إيتريوم إلى الولايات المتحدة، أرسلت 27 طناً في يوليو (تموز)، وهي ثاني أكبر شحنة شهرية منذ يناير (كانون الثاني) 2025. كما أفادت شركات أميركية بحصولها مؤخراً على تراخيص عدة بعد فترات انتظار طويلة، وسط توقعات بزيادة الموافقات مع اقتراب قمة سبتمبر.

ولا تقتصر القيود على الولايات المتحدة؛ إذ تواجه الشركات اليابانية والهندية صعوبات أكبر في بعض الحالات، في حين قال وزير التجارة الياباني ريوسي أكازاوا سابقاً إن الشركات اليابانية واجهت تأخيرات في التصاريح وعمليات تفتيش جمركية مطولة للمعادن الحيوية.

وتكشف البيانات عن حجم التراجع في الإمدادات إلى اليابان؛ فلم تصدّر الصين أي كميات من التيربيوم إليها بين يناير وأغسطس من العام الحالي، مقارنة بنحو 20 طناً في الفترة نفسها من العام الماضي. كما هبطت شحنات الغاليوم 65 في المائة، والإيتريوم 98 في المائة. ويستخدم الغاليوم والتيربيوم بكميات صغيرة في تصنيع المغناطيسات عالية الأداء.

كما قالت غرفة التجارة الأوروبية في الصين إن إجراءات الترخيص أصبحت أكثر انسيابية، لكن الشركات الأعضاء لا تزال تواجه مشكلات في التنفيذ، مطالبة بنظام شفاف ويمكن التنبؤ به يضمن الوصول الموثوق إلى المعادن النادرة.

وتكشف الأزمة عن ورقة استراتيجية قوية تمتلكها بكين في علاقتها الاقتصادية مع واشنطن وحلفائها. فحتى عندما تمنح الحكومة تراخيص التصدير، يمكن للمخاطر التنظيمية والجيوسياسية أن تدفع الشركات نفسها إلى الامتناع عن الشحن.

ومع اقتراب زيارة شي إلى واشنطن، سيكون الاختبار الأساسي هو ما إذا كانت الصين ستخفف القيود بما يكفي لإزالة الاختناقات، أم ستحتفظ بالمعادن النادرة ورقة تفاوضية. وفي الحالتين، تؤكد التطورات أن أمن الإمدادات أصبح جزءاً أساسياً من المنافسة الاقتصادية بين القوتين، وأن الحصول على الترخيص لم يعد بالضرورة ضماناً لوصول المواد الحيوية إلى المصانع الأميركية.