ضربات إسرائيل في صنعاء تضاعف المخاوف المعيشية والأمنية

قلق من انقطاع الكهرباء واستهداف المنشآت الحيوية والمدنيين

دمار كبير في إحدى محطات الكهرباء بصنعاء إثر الغارات الإسرائيلية (رويترز)
دمار كبير في إحدى محطات الكهرباء بصنعاء إثر الغارات الإسرائيلية (رويترز)
TT

ضربات إسرائيل في صنعاء تضاعف المخاوف المعيشية والأمنية

دمار كبير في إحدى محطات الكهرباء بصنعاء إثر الغارات الإسرائيلية (رويترز)
دمار كبير في إحدى محطات الكهرباء بصنعاء إثر الغارات الإسرائيلية (رويترز)

في لحظة واحدة انقطعت الكهرباء عن العاصمة اليمنية المختطفة، صنعاء، وأضاءت الانفجارات العتمة التي خلفها ذلك الانقطاع وكأن الشمس أشرقت قبل موعدها بساعات، في حين استيقظ السكان نتيجة الانفجارات التي دوت شمال المدينة وجنوبها، والتي يقولون إنهم لم يعهدوا مثلها من قبل.

وبعد قرابة 12 ساعة من الغارات الإسرائيلية على محطتي الكهرباء اللتين تغذيان صنعاء الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية بالطاقة لأوقات محدودة، وبأسعار هي الأغلى في العالم، وفق خبراء؛ عاد التيار الكهربائي إلى بعض الأحياء، بينما كان عدد السكان يبحثون عن بدائل للإضاءة وتشغيل أجهزتهم.

وأثارت الغارات الإسرائيلية على صنعاء قلق اليمنيين من تحول خطر في التصعيد بين تل أبيب والجماعة الحوثية، ينذر بالمعاناة، كما حدث في غزة ولبنان، والمزيد من الأزمات المعيشية والأمنية.

وبمجرد بدء الحركة التجارية (الخميس) شهدت محال بيع أجهزة ومعدات الطاقة الشمسية زحاماً غير معهود، تحسباً لاحتمالية نفادها أو ارتفاع أسعارها، إلا أن ذلك الزحام تراجع كثيراً عند عودة التيار الكهربائي.

الغارات الإسرائيلية أطفأت الأضواء وأضاءت سماء صنعاء (فيسبوك)

يشير عمار سالم، وهو اسم مستعار لموظف في قطاع الكهرباء الخاضع لسيطرة الجماعة الحوثية إلى أن غالبية السكان، الذين لجأوا لاستخدام الطاقة الشمسية خلال سنوات الحرب والانقلاب، عادوا للاستفادة من خدمة التيار الكهربائي التي تقدمها الجماعة الانقلابية بعد إعادة تشغيل المحطات التي توقفت. ويتهم الموظف العمومي في حديثه لـ«الشرق الأوسط» الجماعة الحوثية باستغلال حاجة السكان إلى التيار الكهربائي لتشغيل تلك المحطات وبيع الطاقة بأسعار تعدّ بين الأعلى حول العالم، إلى جانب تضييقها على المحطات الخاصة التي كان ظهورها سابقاً لتشغيل المحطات العمومية.

مصير الطاقة

اضطر السكان في صنعاء إلى استخدام التيار الكهربائي رغم ارتفاع أسعاره بسبب عدم قدرة معدات وأجهزة الطاقة الشمسية على تلبية مختلف احتياجاتهم، ومن ذلك تشغيل الثلاجات والسخانات، إلى جانب أن بطاريات الطاقة الشمسية مكلفة جداً وسريعة التلف، بالإضافة إلى أن الأحوال الجوية قد تقلل من سطوع الشمس وتغذية البطاريات في كثير من أوقات السنة.

قادة حوثيون في محطة كهرباء مستهدفة بالغارات الإسرائيلية (إعلام حوثي)

ويكشف موظف عمومي آخر في قطاع الكهرباء لـ«الشرق الأوسط»، أن الجماعة الحوثية تبيع الطاقة لليمنيين بأسعار تفوق متوسط الأسعار في مختلف دول العالم. وفي حين لا يزيد سعر الكيلو واط الواحد في دولة مثل فنلندا معروفة باستقرارها الاقتصادي وغلاء المعيشة فيها عن 0.41 دولار، وهو الأعلى في أوروبا؛ تلزم الجماعة الحوثية السكان بدفع 0.44 دولار (230 ريالاً يمنياً) للكيلو واط الواحد، إلى جانب 3.4 دولار كاشتراكات شهرية إجبارية (حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار بـ534 ريالاً).

وارتفعت أسعار الكهرباء منذ انقلاب الجماعة الحوثية وسيطرتها على العاصمة صنعاء ومؤسسات الدولة قبل 10 أعوام أكثر من 1400 في المائة، إذ لم يتجاوز سعر الكيلو واط الواحد في عام 2014 أكثر من 0.07 دولار ( 16 ريالاً، وكان سعر الدولار حينها 215 ريالاً)، مقابل السعر الحالي.

في غضون ذلك، بات سكان صنعاء وبقية مناطق سيطرة الجماعة الحوثية يعيشون حالة من القلق والترقب منذ بدء الضربات الأميركية والبريطانية لمواجهة هجمات الجماعة ضد السفن التجارية في البحر الأحمر، كما تصاعدت حالة القلق بعد بدء التصعيد المتبادل بين الجماعة وإسرائيل.

دخان الحرائق الناجمة عن الغارات الإسرائيلية في صنعاء استمر حتى وقت متأخر من النهار (إنستغرام)

ويرى أكاديمي في جامعة صنعاء أن الجماعة الحوثية ستبذل ما في وسعها لإعادة التيار الكهربائي لتعزيز مزاعمها بقدرتها على إدارة مؤسسات الدولة ومواجهة التصعيد الإسرائيلي، إلى جانب ما يحقق لها قطاع الطاقة من إيرادات تسعى للحفاظ عليها ومضاعفتها.

وبقدر ما ستحاول الجماعة الحفاظ على استمرار التيار الكهربائي، فإنها ستستغل انقطاعه للحصول على تأييد لها، باعتبار أن مواقفها، كانت سبباً في معاقبة السكان المقيمين في مناطق سيطرتها، وفق ما يقوله الأكاديمي الذي طلب من «الشرق الأوسط» عدم ذكر اسمه حفاظاً على سلامته.

ويحذر الأكاديمي من احتمالية عودة الانتهاكات تحت مبرر التعاون والتخابر مع إسرائيل والغرب، وهي التهم التي يوفر التصعيد العسكري مجالاً خصباً لها.

مآلات التصعيد

تذهب غالبية التقديرات إلى أن التصعيد بين الجانبين سيستمر، مع فارق أن الجماعة الحوثية تنفذ هجمات تأثيرها التدميري أقل بكثير، أو قد يكون ضئيلاً مقارنة بالغارات الإسرائيلية التي على قلتها، تتسبب بدمار واسع.

أضرار بالقرب من تل أبيب نتيجة اعتراض صاروخ حوثي (غيتي)

وطبقاً للأكاديمي اليمني محمد الحميري، لن تتخلى الجماعة الحوثية عن موقفها ضد إسرائيل، فهي تسعى إلى استغلال كافة المتغيرات والتطورات لصالحها دعائياً، وتتعهد بمراحل متعددة ومتصاعدة من المعركة.

وينوه الحميري، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن التصعيد الحوثي مع إسرائيل يهدف أيضاً إلى إثبات وجود الجماعة وتعزيز نفوذها، ومع الوقت إثبات امتلاكها الكثير من القدرات التي لم تتمكن التحالفات الدولية من القضاء عليها، ما سيعزز من رغبتها في تحقيق المزيد من المكاسب.

ويخشى السكان في مناطق سيطرة الحوثيين من تأثير التصعيد على حياتهم ومعيشتهم، كون غارات الطيران الإسرائيلي مشهورةً بالاستهداف العشوائي والممنهج للأحياء السكنية والمنشآت الحيوية، على عكس الغارات الأميركية - البريطانية المدعومة بمعلومات استخباراتية دقيقة.

وتؤكد نبيلة الكميم، وهي موظفة وربة منزل، أنها بدأت التفكير جدياً بالانتقال من صنعاء إلى أي مدينة خارج سيطرة الجماعة الحوثية، أو على الأقل إلى مسقط رأسها في الريف، خوفاً من التصعيد العسكري مع إسرائيل.

الجماعة الحوثية شددت من إجراءاتها الأمنية بالقرب من محطات الكهرباء المستهدفة (أ.ف.ب)

ووفق حديث الكميم لـ«الشرق الأوسط»، فإن المخاوف من التصعيد مع إسرائيل تعود إلى أن هذه الدولة لا تهتم للمدنيين والمنشآت الحيوية والخدمية، ومن غير المستبعد أن توجه غاراتها على السكان الآمنين، كما فعلت في غزة وجنوب لبنان.

غير أن ناشطين حقوقيين أفصحوا لـ«الشرق الأوسط» عن مخاوفهم من أن تستثمر الجماعة الحوثية الضربات الإسرائيلية الأخيرة في تشديد قبضتها الأمنية، وتصعيد انتهاكاتها ضد من يعارضون نفوذها أو من تشكك بولائهم، وحتى ضد ناشطين وإعلاميين وسياسيين، بحجة دعم إسرائيل أو التخابر معها، كما درجت على ذلك خلال السنوات الأخيرة، تحديداً منذ منتصف العام الحالي.

يشار أن المرات الثلاث التي نفذ فيها الطيران الإسرائيلي هجماته على اليمن، في يوليو (تموز) وسبتمبر (أيلول)، إلى جانب الغارات الأخيرة، فجر الخميس، أصابت الغارات منشآت حيوية في مدينة الحديدة على الساحل الغربي وفي صنعاء، دون أن تشمل مواقع عسكرية أو مخازن أسلحة أو مقرات تدريب.

ويعود ذلك، حسب خبراء عسكريين، إلى أن الجماعة الحوثية عملت خلال الأشهر الماضية على إخفاء أسلحتها في مخابئ جديدة محصنة في مناطق غير مألوفة أو معروفة، بالإضافة إلى أن الأسلحة التي تستخدمها في هجماتها البحرية وضد إسرائيل، يجري تفكيكها ونقلها وإخفاؤها بوسائل مستحدثة، وبعيداً عن المواقع المعروفة.


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة: التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن قوي وسريع

خاص وصف المنسق الأممي التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن بأنه كان قوياً وسريعاً (الأمم المتحدة)

الأمم المتحدة: التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن قوي وسريع

أكد المنسق المقيم للأمم المتحدة في اليمن أن التدخلات التنموية السعودية لا تقل أهمية عن تدخلاتها الإنسانية، وذلك من خلال البرنامج السعودي لتنمية إعمار اليمن.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي فعالية حوثية في محافظة إب استعداداً لتنظيم الأنشطة الدعوية والتعبوية في شهر رمضان (إعلام حوثي)

الحوثيون يستبقون رمضان بالتعبئة والتجنيد

تحت لافتة رمضان، يسارع الحوثيون إلى إنهاء العام الدراسي لفتح الطريق أمام المراكز الصيفية، وسط اتهامات لهم باستبدال تعبئة عقائدية تستهدف العقول مبكراً، بالتعليم.

وضاح الجليل (عدن)
العالم العربي جانب من لقاء المكونات الوطنية ورجال المقاومة في محافظة مأرب (وسط اليمن) (الشرق الأوسط)

مأرب: دعوات لتوحيد الجهود السياسية والعسكرية لاستعادة صنعاء

دعا عدد من القوى الوطنية وقيادات المقاومة في محافظة مأرب (وسط اليمن) إلى توحيد الجهود السياسية والعسكرية، والعمل الجاد من أجل استعادة العاصمة اليمنية صنعاء.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
خاص قوات تابعة لـ«حماية حضرموت» بمدينة المكلا شرق اليمن (الشرق الأوسط)

خاص حضرموت: دعوات لإدراج أبو علي الحضرمي في قوائم الإنتربول

تصاعدت في حضرموت مطالب قبلية وميدانية بملاحقة قائد «لواء الدعم الأمني»، صالح بن الشيخ أبو بكر، المعروف بـ«أبو علي الحضرمي»، وجلبه عبر الإنتربول الدولي.

عبد الهادي حبتور (المكلا (اليمن))
العالم العربي سجن انفرادي حسب ما وثقته اللجنة الوطنية اليمنية في سقطرى (اللجنة الوطنية)

لجنة يمنية تختتم توثيق ومعاينة مراكز اعتقال وانتهاكات في سقطرى

اختتمت اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان نزولها الميداني إلى محافظة أرخبيل سقطرى، ضمن إطار ولايتها القانونية للتحقيق في…

«الشرق الأوسط» (عدن)

الزنداني: الحكومة إلى عدن... والتعافي يتطلب ضبط الموارد

الزنداني: الحكومة إلى عدن... والتعافي يتطلب ضبط الموارد
TT

الزنداني: الحكومة إلى عدن... والتعافي يتطلب ضبط الموارد

الزنداني: الحكومة إلى عدن... والتعافي يتطلب ضبط الموارد

في أول مقابلة له بعد أدائه اليمين الدستورية رئيساً للحكومة اليمنية، أعلن رئيس مجلس الوزراء، شائع الزنداني، أن حكومته ستنتقل قريباً إلى عدن، مؤكداً أن الوجود داخل البلاد ليس خطوة رمزية، بل هو شرط لفاعلية القرار واستعادة انتظام مؤسسات الدولة.

وقال الزنداني، خلال اللقاء الذي أجرته معه «الشرق الأوسط» في استوديوهات قناة «الشرق» بمقر «المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG)» في «مركز الملك عبد الله المالي (KAFD)» في الرياض، إن المرحلة «لا تحتمل خطاباً واسعاً»، وإنما تتطلب عملاً متدرجاً يعيد بناء الثقة ويثبت الإيقاع المؤسسي، مشدداً على أن تحسين المعيشة والخدمات والتعافي الاقتصادي تمثل أولويات عاجلة.

وبرر رئيس الوزراء اليمني احتفاظه بحقيبة «الخارجية» بالحاجة إلى استكمال إصلاحات تنظيمية ودبلوماسية بدأها سابقاًً.

وأوضح الزنداني أن تشكيل حكومته استند إلى معايير مهنية بعيداً عن المحاصصة، مع التركيز على الكفاءة، والتخصص، والتوازن الوطني.

اقتصادياً؛ تبنّى رئيس الحكومة اليمنية خطاباً واقعياً، متجنباً الوعود السريعة، مؤكداً أن التعافي يتطلب إعادة هيكلة الإدارة المالية، وضبط الموارد، وتعزيز الشفافية، وتفعيل الرقابة.

وشدد على أن توحيد القرارين السياسي والعسكري يمكن مؤسسات الدولة من تطبيق القانون، ويجعل مبدأ المحاسبة ممكناً، كما يمنح الحكومة موقعاً تفاوضياً أشد تماسكاً في أي مسار سلام مقبل مع الحوثيين.


رئيس الصومال: نسعى لإبطال الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال»

رئيس الصومال: نسعى لإبطال الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال»
TT

رئيس الصومال: نسعى لإبطال الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال»

رئيس الصومال: نسعى لإبطال الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال»

أكّد الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود أن بلاده تنسق مع شركائها، بقيادة السعودية، لإبطال الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال»، وتحييد القرن الأفريقي عن أي تصعيد غير محسوب العواقب.

وكشف الرئيس حسن شيخ محمود، في حوار مع «الشرق الأوسط»، عن حزمة من 3 خطوات سياسية وقانونية، تتخذها بلاده حالياً، لإبطال هذا الاعتراف الإسرائيلي.

وتحدث عن وجود دول في المنطقة لها مصلحة في هذا الاعتراف الإسرائيلي، قائلاً: «لا أودّ تسمية دولة أو دول بعينها، لكن من الواضح أن البعض ربما يرى في هذا الاعتراف فرصة لتحقيق مصالح ضيقة وقصيرة الأمد على حساب وحدة الصومال واستقرار المنطقة».


قوات حفظ السلام المصرية في الصومال... مشاركة مرتقبة تواجه تحديات

لقطة من مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري الأربعاء بشأن القوات المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال (صفحته على فيسبوك)
لقطة من مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري الأربعاء بشأن القوات المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال (صفحته على فيسبوك)
TT

قوات حفظ السلام المصرية في الصومال... مشاركة مرتقبة تواجه تحديات

لقطة من مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري الأربعاء بشأن القوات المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال (صفحته على فيسبوك)
لقطة من مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري الأربعاء بشأن القوات المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال (صفحته على فيسبوك)

دخلت قوات حفظ السلام المصرية، المنتظر أن تشارك في الصومال مرحلة جديدة، بعد اصطفاف عسكري حضره الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود بالقاهرة.

تلك القوات التي أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أنها أمام مشاركة «مرتقبة» في الصومال، تواجه تحديات عديدة منها، وبحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، رد فعل «حركة الشباب» المتشددة، وإثيوبيا التي وجهت اعتراضات علنية لهذا الوجود المصري على خلفية خلافات البلدين.

وأفاد الجيش المصري، في بيان نقلته «وكالة أنباء الشرق الأوسط» الرسمية، الأربعاء، بأن «رئيس الصومال شهد اصطفاف القوات المصرية المشاركة ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم وحدة الصومال وأمنه وسلامة أراضيه، وذلك في إطار الدور المصري الريادي الداعم للجهود الدولية في حفظ السلام، وتعزيز ركائز الأمن والاستقرار بالقارة الأفريقية».

ووفق البيان، «أتمت القوات المشاركة أعلى درجات الجاهزية من خلال مستوى تدريبي احترافي يُمكّن من تنفيذ المهام الموكلة إليها بكفاءة واقتدار تحت مختلف الظروف».

وكان الرئيس المصري قد قال في مؤتمر صحافي، الأحد، بالقاهرة مع نظيره الصومالي: «تناولت محادثاتنا مشاركة مصر المرتقبة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم والاستقرار في الصومال، حيث أكدتُ أن مصر ماضية في استكمال نشر قواتها ضمن البعثة، في إطار التزامها تجاه القارة الأفريقية، وفي ظل حرصها على تحقيق الأمن والاستقرار في كافة ربوع الصومال».

الخبير العسكري والاستراتيجي والمستشار بالأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية، اللواء عادل العمدة، قال إن مشاركة مصر المرتقبة تأتي بطلب من الصومال وموافقة الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، لافتاً إلى أن «الاصطفاف» يعني عسكرياً قرب المغادرة، وأن القوات جاهزة لإتمام المهمة المكلفة بها.

القوات المصرية المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال الأربعاء (مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري)

ووفقاً للخبير في الشؤون الأفريقية، علي محمود كلني، تشير المعطيات المتداولة منذ فترة إلى أن مشاركة القوات المصرية ضمن بعثة حفظ السلام المرتقبة في الصومال «لم تكن فكرة طارئة، بل خياراً مطروحاً بجدية ظل مرهوناً بالحصول على الضوء الأخضر من قيادتي البلدين في القاهرة ومقديشو»، متوقعاً انتشارها قريباً.

ويأتي هذا الاصطفاف بعد نحو شهرين من إعلان إسرائيل في 26 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، الاعتراف بإقليم أرض الصومال «دولة مستقلة ذات سيادة»، وحدوث مواجهات بالصومال، وهجمات من جانب «حركة الشباب».

وكان وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي قد أعلن في ديسمبر 2024 أن بلاده ستشارك في قوة حفظ السلام الجديدة التابعة للاتحاد الأفريقي في الصومال، المعروفة باسم «أوصوم»، التي حلت محل مهمة لمكافحة الإرهاب انتهت أواخر 2024.

وواجهت بعثة مصر منذ إعلان المشاركة تحديات. وفي يوليو (تموز) 2025، دعت الرئاسة المصرية المجتمع الدولي إلى توفير «تمويل كافٍ» لبعثة السلام في الصومال، بما يضمن استدامتها، ويساعدها على تنفيذ ولايتها بفاعلية.

وجاء نداء الرئاسة المصرية بعد دعوة رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، محمود علي يوسف، في اجتماع للبعثة في أوغندا خلال أبريل (نيسان) 2025، إلى ضرورة «توفير التمويل اللازم لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال بما يصل إلى 190 مليون دولار».

جانب من القوات المصرية المشاركة ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال الأربعاء (مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري)

ويرى العمدة أن أبرز التحديات تكمن في المهمة الموكلة إليها، وهي مكافحة الإرهاب والعناصر الخارجية على القانون، وتحديداً «حركة الشباب»، مستبعداً أن تكون هناك تحديات من الجانب الإثيوبي تجاه قوات مصر، «خاصة أن مصر دولة قوية وملتزمة بالإجراءات والمهام»، على حد قوله.

ويعتقد كلني أن احتمال وصول القوات المصرية لا يُنظر إليه بمعزل عن التوازنات الإقليمية الدقيقة؛ إذ يُرجَّح أن يثير قلق بعض دول الجوار، وفي مقدمتها إثيوبيا، في ظل استمرار ملفات خلافية عالقة بين القاهرة وأديس أبابا، وعلى رأسها أزمة سدّ النهضة.

ويضيف أن هذا التطور «يتقاطع مع شبكة من الترتيبات الأمنية والعلاقات المتشابكة التي تربط مصر بكلٍّ من إريتريا والسودان والصومال، فضلاً عن شبهات تتعلق بأدوار إسرائيلية غير مباشرة يُعتقد أن لإثيوبيا اطلاعاً عليها، وربما إسهاماً في تسهيل بعض مساراتها».

وعلى الرغم من وضوح دلالات هذا الحراك العسكري والسياسي، فإن تقدير حجم تأثير وصول القوات المصرية إلى الصومال لا يزال سابقاً لأوانه، وفق كلني الذي قال إن ردود فعل بعض دول القرن الأفريقي تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة، لا سيما في ظل مخاوف معلنة من تنامي قدرات الجيش الصومالي تدريباً وتسليحاً.