مصيدة الموت في غزة تخلّف معاناة لأجيال

تقرير منظمة «أطباء بلا حدود» يكشف حملة الدمار الشامل التي تشنها إسرائيل

فلسطينية تطعم طفلة مصابة بالضمور وسوء التغذية في مخيم للنازحين بدير البلح... الأربعاء (د.ب.أ)
فلسطينية تطعم طفلة مصابة بالضمور وسوء التغذية في مخيم للنازحين بدير البلح... الأربعاء (د.ب.أ)
TT

مصيدة الموت في غزة تخلّف معاناة لأجيال

فلسطينية تطعم طفلة مصابة بالضمور وسوء التغذية في مخيم للنازحين بدير البلح... الأربعاء (د.ب.أ)
فلسطينية تطعم طفلة مصابة بالضمور وسوء التغذية في مخيم للنازحين بدير البلح... الأربعاء (د.ب.أ)

تُدمِّر الهجمات العسكرية الإسرائيلية المتكررة على المدنيين الفلسطينيين، على مدى الأشهر الـ14 الماضية، نظام الرعاية الصحية، والبنية التحتية الأساسية، إضافة إلى الحصار الخانق، والحرمان المنهجي من المساعدات الإنساني، بما يستنزف ظروفَ الحياة في غزة، وفقاً لتقرير جديد لمنظمة «أطباء بلا حدود» حمل عنوان «غزة: العيش في مصيدة للموت».

وتدعو المنظمة الإنسانية الطبية الدولية، بشكل عاجل، جميع الأطراف، مرة أخرى، إلى وقف فوري لإطلاق النار؛ لإنقاذ حياة الناس وتمكين تدفق المساعدات الإنسانية. وتطالب إسرائيل بوقف هجماتها المستهدِفة والعشوائية ضد المدنيين، كما تطالب حلفاء إسرائيل بالتصرف، من دون تأخير، لحماية حياة الفلسطينيين والالتزام بقواعد الحرب.

فلسطيني يبحث عن أشياء يمكن الاستفادة منها بين أنقاض مبنى دمره القصف الإسرائيلي في مدينة غزة... الخميس (أ.ف.ب)

وقال كريستوفر لوكيير، الأمين العام لـ«أطباء بلا حدود» الذي زار غزة في وقت سابق من هذا العام: «يكافح الناس في غزة من أجل البقاء على قيد الحياة في ظروف مروعة، ولكن لا يوجد مكان آمن، ولا أحد في مأمن، ولا يوجد مَخرَج من هذا القطاع الممزق».

أضاف لوكيير: «العملية العسكرية الأخيرة في الشمال مثال صارخ على الحرب الوحشية التي تشنُّها القوات الإسرائيلية على غزة، ونحن نرى علامات واضحة على التطهير العرقي؛ حيث يتعرَّض الفلسطينيون للتهجير القسري والحصار والقصف. ما شهدته فرقنا الطبية على الأرض طوال هذا الصراع يتوافق مع التوصيفات التي قدَّمها عدد متزايد من الخبراء القانونيين والمنظمات التي خلصت إلى أن إبادة جماعية تحدث في غزة. وبينما لا نملك المرجعية القانونية لإثبات التعمد، فإن علامات التطهير العرقي والدمار المستمر - بما في ذلك القتل الجماعي، والإصابات الجسدية والنفسية الشديدة، والتهجير القسري، والظروف المعيشية المستحيلة للفلسطينيين تحت الحصار والقصف - لا يمكن إنكارها».

قذيفة مورتر أطلقها جنود إسرائيليون على غزة... الأربعاء (رويترز)

ورداً على الهجمات المروعة التي شنَّتها «حماس» وجماعات مسلحة أخرى على إسرائيل في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، التي قُتل فيها 1200 شخص وأُخذ من الرهائن 251 شخصاً، تقوم القوات الإسرائيلية بسحق سكان غزة جميعاً. وبحسب ما ورد، قتلت الحرب الإسرائيلية الشاملة على غزة أكثر من 45 ألف شخص، وفقاً لوزارة الصحة، بمَن في ذلك 8 من طواقم «أطباء بلا حدود». من المرجح أن يكون عدد الوفيات المرتبطة بالحرب أعلى بكثير؛ بسبب تأثيرات نظام الرعاية الصحية المنهار، وتفشي الأمراض، ومحدودية الوصول إلى الغذاء والماء والمأوى.

وقدَّرت الأمم المتحدة، في وقت سابق من هذا العام، أن أكثر من 10 آلاف جثة لا تزال مدفونةً تحت الأنقاض. ومنعت القوات الإسرائيلية في مرات كثيرة المواد الأساسية مثل الغذاء والماء والإمدادات الطبية من دخول القطاع، وكذلك منعت المساعدات الإنسانية وأخَّرتها، كما هو موثَّقٌ في التقرير. وقد نزح نحو 1.9 مليون شخص (90 في المائة من مجموع سكان القطاع) قسراً، وأُجبر كثير منهم على النزوح مرات عدة.

طفلة فلسطينية تحمل حاوية مياه في خان يونس... الخميس (رويترز)

يعمل أقل من نصف مستشفيات غزة، البالغ عددها 36 مستشفى، بشكل جزئي، كما أن نظام الرعاية الصحية في حالة دمار. وخلال فترة السنة التي يغطيها التقرير (من أكتوبر 2023 إلى أكتوبر 2024) تعرَّض موظفو «أطباء بلا حدود» وحدهم لـ41 هجوماً وحادث عنف، بما في ذلك الغارات الجوية والقصف والتوغلات العنيفة في المرافق الصحية، وإطلاق النار المباشر على مراكز إيواء المنظمة وقوافلها، والاحتجاز التعسفي لأفراد من طواقمها من قبل القوات الإسرائيلية. واضطر الطاقم الطبي والمرضى، على حد سواء، إلى إخلاء المرافق الصحية بشكل عاجل في 17 حادثة منفصلة، وغالباً ما كانوا يركضون فعلياً للنجاة بحياتهم. وقامت الأطراف المتحاربة بأعمال قتالية بالقرب من المرافق الطبية، مما عرّض المرضى ومقدمي الرعاية والموظفين الطبيين للخطر.

طفلة فلسطينية أُصيبت بقصف إسرائيلي في بيت لاهيا الثلاثاء الماضي (رويترز)

وفي الوقت نفسه، فإن إصابات الصحة البدنية والنفسية للفلسطينيين هائلة، وتستمر الاحتياجات في الازدياد. وقد أجرت المرافق التي تدعمها منظمة «أطباء بلا حدود» ما لا يقل عن 27.5 ألف استشارة مرتبطة بالعنف و7500 تدخل جراحي. ويعاني الناس من جروح الحرب بالإضافة إلى الأمراض المزمنة التي تزداد سوءاً، إذ لا يستطيعون الوصول إلى خدمات الرعاية الصحية الأساسية والأدوية.

وقد دفع التهجير القسري الذي تقوم به إسرائيل الناس إلى ظروف معيشية لا تطاق وغير صحية؛ حيث يمكن للأمراض أن تنتشر بسرعة. ونتيجة لذلك، تعالج فرق «أطباء بلا حدود» أعداداً كبيرة من الأشخاص من أمراض مثل الأمراض الجلدية، والتهابات الجهاز التنفسي، والإسهال، وكلها من المتوقع أن تزداد مع انخفاض درجات الحرارة في فصل الشتاء. ويفتقر الأطفال إلى التطعيمات الضرورية، ما يجعلهم عرضةً لأمراض مثل الحصبة وشلل الأطفال. وقد لاحظت منظمة «أطباء بلا حدود» زيادة في عدد حالات سوء التغذية، ومع ذلك فمن المستحيل إجراء فحص كامل لسوء التغذية في غزة؛ بسبب انعدام الأمن على نطاق واسع، وعدم وجود تدابير مناسبة لتخفيف حدة النزاع.

دخان القصف الإسرائيلي فوق قطاع غزة... الأربعاء (أ.ب)

مع تضاؤل خيارات الرعاية الطبية في غزة، زادت إسرائيل من صعوبة إجلاء الناس طبياً. وبين إغلاق معبر رفح في أوائل مايو (أيار) 2024 وسبتمبر (أيلول) 2024، سمحت السلطات الإسرائيلية فقط بإجلاء 229 مريضاً، أي ما يعادل 1.6 في المائة من أولئك الذين كانوا بحاجة إليه في ذلك الوقت. وهذه قطرة في محيط الاحتياجات.

الوضع في شمال غزة خطير بشكل خاص في أعقاب العملية العسكرية الإسرائيلية الأخيرة، التي تتبع سياسة «الأرض المحروقة»، وأدت إلى إخلاء مناطق واسعة من السكان، وقتل نحو 2000 شخص. ومنذ 6 أكتوبر 2024 حاصرت القوات الإسرائيلية الجزء الشمالي من القطاع، خصوصاً مخيم جباليا، مرة أخرى. وخفَّضت السلطات الإسرائيلية بشكل كبير كمية المساعدات الأساسية المُصرَّح لها بدخول الشمال. وفي أكتوبر 2024، وصلت كمية الإمدادات، التي تصل إلى قطاع غزة بأكمله، إلى أدنى مستوى لها منذ تصاعد الحرب في أكتوبر 2023: دخل متوسط يومي قدره 37 شاحنة إنسانية في أكتوبر 2024، أي أقل بكثير من العدد الذي كان يبلغ 500 شاحنة إنسانية كانت تدخل قبل 7 أكتوبر 2023.

وقال لوكيير: «لأكثر من عام، شهد طاقمنا الطبي في غزة حملةً لا هوادة فيها من قبل القوات الإسرائيلية، تميزت بالدمار الشامل والتخريب والتجريد من الإنسانية. وتعرّض الفلسطينيون للقتل في منازلهم وفي أسرَّة المستشفيات. وتم تهجيرهم قسراً مراراً وتكراراً إلى مناطق غير آمنة أو غير صحية. ولا يستطيع الناس إيجاد حتى أبسط الضروريات مثل الطعام والمياه النظيفة والأدوية». ودعت «أطباء بلا حدود» الدول، لا سيما أقرب حلفاء إسرائيل، إلى إنهاء دعمها غير المشروط لإسرائيل، والوفاء بالتزامها بمنع الإبادة الجماعية في غزة. وقبل نحو عام، في 26 يناير (كانون الثاني)، أمرت محكمة العدل الدولية إسرائيل بتنفيذ «تدابير فورية وفعالة لتمكين توفير الخدمات الأساسية المطلوبة بشكل عاجل والمساعدات الإنسانية لمعالجة الظروف المعيشية المتردية التي يواجهها الفلسطينيون في قطاع غزة». ولم تتخذ إسرائيل أي إجراء ذي مغزى للامتثال لأمر المحكمة. وبدلاً من ذلك، تواصل السلطات الإسرائيلية منع منظمة «أطباء بلا حدود» وغيرها من المنظمات الإنسانية من تقديم المساعدة المنقذة للحياة للأشخاص المحاصَرين تحت الحصار والقصف.

ورأت «أطباء بلا حدود» أن على الدول تسخير نفوذها للتخفيف من معاناة السكان، وتمكين توسيع نطاق المساعدات الإنسانية في أنحاء قطاع غزة. وبوصفها السلطة القائمة بالاحتلال، فإن السلطات الإسرائيلية مسؤولة عن ضمان التسليم السريع والآمن ودون عوائق للمساعدات الإنسانية على المستوى الكافي لتلبية احتياجات الناس. وبدلاً من ذلك، جعل الحصار الإسرائيلي والعرقلة المستمرة للمساعدات من المستحيل على الناس في غزة الوصول إلى السلع الأساسية، بما في ذلك الوقود والغذاء والماء والأدوية. وفي الوقت نفسه، قررت إسرائيل فرض حظر فعال على وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، وهي أكبر مزود للمساعدات والرعاية الصحية وغير ذلك من الخدمات الحيوية للفلسطينيين.

طفلان جريحان في مستشفى كمال عدوان في بيت لاهيا الثلاثاء الماضي (رويترز)

وكررت المنظمة دعوتها إلى وقف فوري ومستدام لإطلاق النار، وأن يتوقف التدمير الكامل للحياة الفلسطينية في غزة. كما تدعو منظمة «أطباء بلا حدود» إلى «الوصول الفوري والآمن إلى شمال غزة؛ للسماح بإيصال المساعدات الإنسانية والإمدادات الطبية إلى المستشفيات».

وبينما تواصل «أطباء بلا حدود» تقديم الرعاية المنقذة للحياة في وسط وجنوب غزة، فإنها دعت إسرائيل إلى إنهاء حصارها على الأرض، وفتح الحدود البرية الحيوية، بما في ذلك معبر رفح، لتمكين تعزيز نطاق المساعدات الإنسانية والطبية بشكل كبير.

ويشير تقرير «أطباء بلا حدود» إلى أنه «حتى لو انتهت العملية العسكرية الإسرائيلية على غزة اليوم، فإن آثارها طويلة الأجل ستكون غير مسبوقة، بالنظر إلى حجم الدمار والتحديات الاستثنائية، المتمثلة في توفير الرعاية الصحية في جميع أنحاء القطاع. يتعرَّض عدد هائل من جرحى الحرب لخطر العدوى والبتر والإعاقة الدائمة، وسيحتاج كثير منهم إلى سنوات من الرعاية التأهيلية. إن الخسائر الجسدية المتراكمة والصدمات النفسية الناجمة عن العنف الشديد، وفقدان أفراد الأسرة والمنازل، والنزوح القسري المتكرر، والظروف المعيشية اللاإنسانية سيبقى أثرها على مدى أجيال».


مقالات ذات صلة

الجيش الإسرائيلي يسمح لمستوطنين بالمبيت ليلة في غزة

المشرق العربي مستوطنون إسرائيليون يسيرون باتجاه الحدود مع غزة الخميس (أ.ف.ب)

الجيش الإسرائيلي يسمح لمستوطنين بالمبيت ليلة في غزة

حضر المستوطنون، وهم من حركة «نحلاة»، مع حلول ظلام الليلة الماضية الخميس – الجمعة، إلى المنطقة الشمالية للقطاع، التي تحتلها القوات الإسرائيلية.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي قوارب ضمن «أسطول الصمود العالمي» تبحر قبالة اليونان متجهة نحو قطاع غزة 26 سبتمبر 2025 (رويترز)

«أسطول الصمود العالمي» يعتزم تنظيم قافلة مساعدات بحرية جديدة نحو غزة

تعتزم مجموعة ناشطين مؤيدين للفلسطينيين حاولوا الوصول إلى غزة العام الماضي، تنظيم أسطول مساعدات بحرية جديد الشهر المقبل إلى القطاع الفلسطيني.

«الشرق الأوسط» (تونس)
المشرق العربي فلسطيني يسير فوق دمار مبنى من 5 طبقات دمرته غارة إسرائيلية في خان يونس جنوب قطاع غزة الجمعة (أ.ف.ب)

غارات إسرائيلية في عمق قطاع غزة تستهدف ورش صناعة أسلحة

خلال أقل من أسبوع، استهدفت طائرات إسرائيلية، ورشتي حدادة (مخرطتان) الأولى في مدينة غزة، والأخرى في خان يونس جنوب القطاع.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في القاهرة 18 سبتمبر 2024 (د.ب.أ)

عبد العاطي يؤكد على أهمية التوصل لتسوية توافقية في الملف النووي الإيراني

وزير الخارجية المصري يؤكد على أهمية التوصل إلى تسوية توافقية بشأن الملف النووي الإيراني بما يعالج شواغل كافة الأطراف.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شؤون إقليمية عناصر من الشرطة الإسرائيلية (رويترز - أرشيفية)

القضاء الإسرائيلي يتّهم شقيق رئيس الشاباك بـ«مساعدة العدو في زمن الحرب»

قدّم الادعاء العام الإسرائيلي، الخميس، لائحة اتهام ضد شقيق رئيس جهاز الاستخبارات الداخلية (الشاباك)، تشمل «مساعدة العدو في زمن الحرب».

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

غارات على عمق غزة تطال «ورش حدادة»

فلسطيني يسير فوق دمار مبنى من 5 طبقات دمرته غارة إسرائيلية في خان يونس جنوب قطاع غزة الجمعة (أ.ف.ب)
فلسطيني يسير فوق دمار مبنى من 5 طبقات دمرته غارة إسرائيلية في خان يونس جنوب قطاع غزة الجمعة (أ.ف.ب)
TT

غارات على عمق غزة تطال «ورش حدادة»

فلسطيني يسير فوق دمار مبنى من 5 طبقات دمرته غارة إسرائيلية في خان يونس جنوب قطاع غزة الجمعة (أ.ف.ب)
فلسطيني يسير فوق دمار مبنى من 5 طبقات دمرته غارة إسرائيلية في خان يونس جنوب قطاع غزة الجمعة (أ.ف.ب)

كثَّف الجيش الإسرائيلي غاراته على ورش حدادة (مخارط) في عمق مناطق بقطاع غزة، في تطور ربطَه بمساعيه لوقف تسلح حركة «حماس» والفصائل الفلسطينية في القطاع. وخلال أقلَّ من أسبوع، استهدف الطيران الإسرائيلي 3 ورش حدادة، منها اثنتان في مدينة غزة، والثالثة في خان يونس جنوب القطاع.

وقال الجيش الإسرائيلي إن هجماته استهدفت مواقع إنتاج أسلحة، وبنى تحتية لحركة «حماس».

ولوحظ أنَّ الجيش الإسرائيلي لا يكتفي بقصف ورشة الحدادة وحدها، بل يُدمِّر كامل المبنى الذي تكون فيه، ويطلب من سكان المبنى إخلاءه، في مشهد متكرر لما يجري في لبنان بطلب إخلاء مبانٍ.

وتشير هذه التحركات الإسرائيلية الجديدة إلى خطة عمل جديدة داخل قطاع غزة؛ ما ينذر بأنَّ الهجمات المقبلة قد تشمل ليس فقط الاغتيالات، وإنَّما عمليات بحجة بدء نزع سلاح الفصائل.

وخلال التصعيد الإسرائيلي الذي وقع قبل 6 أيام، وأدَّى إلى مقتل عشرات الفلسطينيين، تم استهداف نشطاء يعملون في مجال الصناعات العسكرية مثل الصواريخ وغيرها.


تغييرات في «حزب الله» تطيح رئيسَ «أمنه السياسي»

وفيق صفا (أ.ب)
وفيق صفا (أ.ب)
TT

تغييرات في «حزب الله» تطيح رئيسَ «أمنه السياسي»

وفيق صفا (أ.ب)
وفيق صفا (أ.ب)

أطاحت التغييرات الأخيرة في لبنان مسؤولَ «وحدة التنسيق والارتباط» في «حزب الله»، وفيق صفا، الذي يُعد واحداً من رموز هيمنة الحزب على الوضع السياسي الداخلي سنوات طويلة. وأتت «استقالة» صفا تتويجاً لمسار بدأ تقليصَ صلاحياته تزامناً مع بدء العمل على تغيير في هيكليته، نهاية العام الماضي.

ونقلت وكالة «رويترز» عن «مصادر مطلعة» قولها إنَّ «قيادة (حزب الله) قبلت، الجمعة، ‌استقالة ‌المسؤول الأمني البارز فيها، ‌وفيق صفا».

وتضاربتِ المعلومات حول الشخصية التي جرى تعيينها خلفاً لصفا، الذي كان يدير المشهد الداخلي من زاوية «الأمن السياسي» سنوات، بينما أجمعت على سعي قيادة الحزب التي تُحاول ترميم هيكليتها بعد الضربات الإسرائيلية القاسية التي أودت بأمينين عامَّين للحزب، لاختيار شخصية أقل استفزازاً لبعض الأطراف واعتماد نبرة مختلفة عمَّن سبقه في تواصله مع الدولة والخارج.

وكان صفا، الذي يتولَّى مسؤولية العمل مع الأجهزة الأمنية اللبنانية، قد نجا من محاولة اغتيال إسرائيلية في أكتوبر (تشرين الأول) 2024.


بارو من بيروت: دعم الجيش مدخل لحصر السلاح

الرئيس اللبناني جوزيف عون مستقبلاً وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (رئاسة الجمهورية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون مستقبلاً وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (رئاسة الجمهورية)
TT

بارو من بيروت: دعم الجيش مدخل لحصر السلاح

الرئيس اللبناني جوزيف عون مستقبلاً وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (رئاسة الجمهورية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون مستقبلاً وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (رئاسة الجمهورية)

جدّد وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، التزام بلاده الكامل باتفاق وقف إطلاق النار في لبنان، مؤكّداً أنّ دعم الجيش اللبناني وحصر السلاح بيد الدولة يشكّلان ركيزتَين لرؤية فرنسا للبنان بصفته دولة قوية وذات سيادة، وذلك خلال زيارة إلى بيروت شملت سلسلة لقاءات رسمية والتحضير لمؤتمر دعم الجيش والقوى الأمنية في باريس مطلع مارس (آذار) المقبل.

باريس تواكب وقف النار وحصر السلاح

في مؤتمر صحافي عقده في بيروت، شدّد بارو على أنّ اتفاق وقف إطلاق النار هو «ثمرة جهود مشتركة أميركية - فرنسية»، مؤكّداً أنّ باريس تتابع تطبيقه ميدانياً وسياسياً، وتقف إلى جانب لبنان «في كل القرارات الشجاعة التي تتخذها سلطاته». وأشار إلى أنّ فرنسا تواكب مسار تثبيت وقف النار وملف حصر السلاح بيد الدولة، مشيداً «بالتقدّم الذي أنجزته السلطات اللبنانية»، مع التشديد على ضرورة «بقائها واعية لحجم الأعمال التي لا تزال مطلوبة» في المرحلة المقبلة. كما أعلن أنّه سيجتمع مع قائد الجيش اللبناني رودولف هيكل فور عودته من واشنطن، مؤكداً أهمية التنسيق مع المؤسسة العسكرية.

دعم الجيش أساس رؤية فرنسا

وفي وقت سابق، قال بارو في تصريحات نقلتها «وكالة الصحافة الفرنسية» من مطار أربيل قبيل توجهه إلى بيروت، إنّ «تزويد الجيش اللبناني بالإمكانات اللازمة لمواصلة مهامه في نزع سلاح (حزب الله)» يشكّل مدخلاً أساسياً لتحقيق رؤية فرنسا للبنان «بصفته دولة قوية وذات سيادة تمتلك احتكار السلاح»، لافتاً إلى أنّ زيارته تأتي ضمن جولة إقليمية تشمل الشرق الأدنى والأوسط وتمتد ليومَين.

عون يطالب إسرائيل بخطوات إيجابية

من جهته، شدّد الرئيس اللبناني جوزيف عون على تقدير لبنان للجهود الفرنسية، ولا سيما التحضير لمؤتمر الخامس من مارس المقبل في باريس لدعم الجيش والقوى الأمنية. وأشار إلى الجهود الكبيرة التي بذلها الجيش اللبناني جنوب الليطاني، لافتاً إلى أنّ «الجانب الآخر لم يقم بأي خطوة»، ومطالباً إسرائيل بخطوات إيجابية، خصوصاً فيما يتعلق بالانسحاب وملف الأسرى. كما لفت إلى تقدّم العلاقات مع سوريا، مشيراً إلى «الاتفاق القضائي المُنجز وتشكيل لجنة لمتابعة ترسيم الحدود بانتظار تشكيل الجانب السوري لجنة مماثلة، مع التأكيد على أهمية الدور الفرنسي»، لافتاً إلى أنّ «استقرار سوريا ينعكس إيجاباً على لبنان والعكس بالعكس».

لقاء مع برّي وتحضير لمؤتمر باريس

واستهلّ بارو لقاءاته بلقاء رئيس مجلس النواب نبيه بري في عين التينة، بحضور السفير الفرنسي هيرفيه ماغرو ومستشاري بري. وتناول اللقاء تطورات الأوضاع في لبنان والمنطقة، والتحضيرات لمؤتمر دعم الجيش والقوى الأمنية، والعلاقات الثنائية. ورداً على سؤال عن أجواء الاجتماع، اكتفى بارو بالقول: «كان جيداً».

رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري مستقبلاً وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (رئاسة البرلمان)

بحث التحضيرات والانعكاسات الإقليمية

بعدها، انتقل بارو إلى السراي الحكومي حيث استقبله رئيس مجلس الوزراء نواف سلام، وبحث الجانبان التحضيرات الجارية لمؤتمر دعم الجيش، المقرر عقده في باريس في الخامس من مارس المقبل، بالإضافة إلى الأوضاع الإقليمية وانعكاساتها على لبنان.

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام مستقبلاً وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (أ.ف.ب)

رجّي ومرحلة ما بعد «اليونيفيل»

كما التقى وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجّي، حيث عُرضت الخطوات التي ستسبق المؤتمر، انطلاقاً من تقرير الجيش اللبناني حول المرحلة الثانية من تنفيذ قرار حصر السلاح، والاجتماع التحضيري المتوقع قبل نحو أسبوعين من موعد المؤتمر. وأشار بارو خلال اللقاء إلى «أهمية البحث في مرحلة ما بعد انسحاب قوات (اليونيفيل)». وتناول اللقاء أيضاً نتائج زيارة بارو إلى سوريا والعراق، حيث هنّأ الجانبين اللبناني والسوري على حل قضية الموقوفين السوريين في لبنان، معرباً عن أمله في إحراز تقدّم بملف ترسيم الحدود البرية.

شكر لفرنسا وطرح الهواجس

من جهته، شكر رجّي فرنسا على وقوفها الدائم إلى جانب لبنان وسعيها للحفاظ على استقراره، مشيراً إلى مشاركتها الفاعلة في القوات الدولية العاملة في الجنوب وفي لجنة «الميكانيزم». كما تمنى أن تساعد باريس، بالتعاون مع الشركاء الدوليين والأوروبيين، في تأمين عودة النازحين السوريين، مقدّماً شرحاً لمشكلة الاحتلال الإسرائيلي والاعتداءات المتكررة، بالإضافة إلى إشكالية سلاح «حزب الله» وتأثيره على الوضع اللبناني.

وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي مستقبلاً نظيره الفرنسي جان نويل بارو (أ.ف.ب)

السفارة الفرنسية: دعم السيادة والتحضير للإعمار

وفي بيان، أعلنت السفارة الفرنسية أنّ زيارة بارو يومَي الجمعة والسبت تندرج في إطار التزام باريس بتحالفاتها وجهودها لتعزيز الاستقرار الإقليمي بما يحترم سيادة الدول، مؤكدة دعمها لسيادة لبنان واحترام اتفاق وقف إطلاق النار المبرم في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، والقرارات اللبنانية الرامية إلى حصر السلاح بيد الدولة. وأضاف البيان أنّ الزيارة ستُسهم في التحضير لمؤتمر دعم الجيش والقوى الأمنية في باريس، وفتح النقاش حول الإصلاحات المالية اللازمة لعقد مؤتمر دولي لإعادة إعمار لبنان.