استراتيجية الأمن في تجنيد ميليشيات رخيصة تتحول إلى كارثة في أفريقيا

من خلال تسليح المدنيين الذين يفتقرون إلى التدريب الجيد

النقيب إبراهيم تراوري القائد العسكري الحالي في بوركينا فاسو (متداولة)
النقيب إبراهيم تراوري القائد العسكري الحالي في بوركينا فاسو (متداولة)
TT

استراتيجية الأمن في تجنيد ميليشيات رخيصة تتحول إلى كارثة في أفريقيا

النقيب إبراهيم تراوري القائد العسكري الحالي في بوركينا فاسو (متداولة)
النقيب إبراهيم تراوري القائد العسكري الحالي في بوركينا فاسو (متداولة)

كانا نائمَين على حصيرة رقيقة شاركاها منذ أن تزوجا قبل خمس سنوات، وفجأة، استيقظا على صوت دراجات نارية ثم سحب مسلحون رايناتو ديالو وزوجها أداما ديالو من سريرهما وأدخلوهما إلى فناء المنزل. ودون أن ينطقوا بكلمة، أطلق الرجال المسلحون النار على الزوج ليردوه قتيلاً، وبينما كانت زوجته تهرب من القرية، وهى واحدة من كثيرين من القرى التي سقطت في دوامة العنف في بوركينا فاسو، تعرفت على قتلة زوجها الملثمين، الذين كانوا جيراناً لها.

رايناتو ديالو (32 عاماً) في منزل العائلة بكوت ديفوار (ساحل العاج) إلى حيث فرَّت بعد مقتل زوجها في بوركينا فاسو (نيويوك تايمز)

وقد باتت بوركينا فاسو، الدولة التي لطالما افتخرت بتسامحها وعلاقاتها السلمية والتعايش بين مختلف الأعراق فيها، الآن مسرحاً لأحد أخطر الصراعات في غرب أفريقيا، فمنذ استيلاء القائد العسكري الحالي، النقيب إبراهيم تراوري، على السُّلطة في انقلاب عام 2022، تصاعدت الحرب ضد المتمردين الإسلاميين، مما أسفر عن مقتل عشرات الآلاف وتشريد ما يقرب من ثلاثة ملايين آخرين.

«المتطوعين للدفاع عن الوطن»

ولتعزيز صفوف الجيش المتورط في النزاع، جنّدت حكومة تراوري عشرات الآلاف من الرجال في ميليشيا مدنية تُعرف باسم «المتطوعين للدفاع عن الوطن»، وقد أسَّس الميليشيا زعيم سابق لحماية المجتمعات ضد المتمردين، لكنها أدت تحت قيادة تراوري إلى انتشار العنف بلا رادع وإثارة صراعات بين السكان المحليين، مع استهداف المجموعات العرقية الأقلية بشكل وحشي، فيما يخشى بعض المحللين من أن يؤدي إلى نشوب حرب أهلية في البلاد، وفق تقرير لصحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، الاثنين.

ووفقاً للبيانات التي جمعها مشروع «موقع وأحداث الصراعات المسلحة»، فقد تضاعفت أعمال العنف ضد السكان المحليين التي شارك فيها أفراد الميليشيات منذ انقلاب تراوري، كما تُظهِر البيانات أن أفراد الميليشيات نفذوا عمليات إعدام واختفاء قسري، وأعمال نهب كل ستة أيام في المتوسط، حسب البيانات.

وفق «حصانة شبه تامة»

إن تسليح المدنيين الذين يفتقرون إلى التدريب الجيد ولا يحترمون حقوق الإنسان، ثم منحهم حصانة شبه تامة، ليس أمراً فريداً في بوركينا فاسو وحدها، ففي شمال شرقي نيجيريا، اتُّهم أعضاء ميليشيا مدنية تدعم الدولة في مكافحة جماعة «بوكو حرام» بارتكاب أعمال عنف جنسي، وتجنيد الأطفال، وتنفيذ إعدامات سريعة، وفي السودان، تسببت ميليشيا «قوات الدعم السريع» في اندلاع حرب أدت إلى أكبر أزمة إنسانية في العالم. ففي كل حالة من هذه الحالات، أدت استراتيجية استخدام ميليشيا مدنية لتعزيز القوة العسكرية إلى نتائج عكسية، مما أدى إلى تعميق دوامة العنف التي تعرِّض السكان المحليين لمزيد من المخاطر وتؤجج التوترات العرقية.

ومثل الزوجة، السيدة ديالو، قال معظم اللاجئين، البالغ عددهم ثلاثين لاجئاً، الذين قابلتهم صحيفة «نيويورك تايمز» خلال رحلة حديثة على بُعد 500 ميل في كوت ديفوار المجاورة، بالقرب من حدود بوركينا فاسو، إن «المتطوعين للدفاع عن الوطن» أجبروهم على الفرار إمّا بطردهم وإما بقتل أقاربهم.

«كانوا يهاجمون القرى الأخرى، لذلك كنا نعلم أن دورنا سيأتي»، حسبما قالت السيدة ديالو، 32 عاماً، في مقابلة أُجريت مؤخراً معها في مدينة «أوانغولودوغو» في شمال كوت ديفوار.

من جانبها، لم تردّ حكومة بوركينا فاسو على طلب الصحيفة الحصول على تعليق. ومنذ العام الماضي، فرَّ نحو 150 ألف شخص من بوركينا فاسو إلى أربع دول مجاورة، وقد استقبلت كوت ديفوار العدد الأكبر منهم، حيث استضافت نحو 65 ألف شخص في مراكز اللجوء التي تديرها الحكومة وفي المجتمعات المضيفة.

نُشر مزيد من الجنود في واغادوغو عاصمة بوركينا فاسو عام 2022 لفرض الحالة الأمنية (غيتي)

ونظراً لأن معظم المتمردين المرتبطين بتنظيم «القاعدة» الذين يخوضون الحرب في بوركينا فاسو ينتمون إلى جماعة «الفولاني» العِرقية، فقد تم اتهام مدنيين من تلك الجماعة في كثير من الأحيان بالتعاون مع الجهاديين، كما جرى استهدافهم من الميليشيا بشكل غير متناسب. ووصف الباحثون عنف هذه الميليشيا، وتواطؤ الدولة معه، بأنهما «سياسة عامة» في البلاد.

وحسب جان باتيست زونغو، وهو محلل أمني مستقل من بوركينا فاسو ومقيم في كوت ديفوار، فإن «هناك ارتباطاً مباشراً بين توسيع نشاط (المتطوعين للدفاع عن الوطن) تحت قيادة تراوري، واستهداف الفولانيين، والتدفق الهائل للاجئين إلى كوت ديفوار».

وشارك اللاجئون في كوت ديفوار ذكرياتهم عن الانتهاكات التي تعرضوا لها «في الجهة الأخرى»، حيث تحدثوا همساً بصوت لا يكاد يُسمع بسبب الأمطار التي كانت تضرب أسطح المنازل الحديدية التي يسكنونها، وقال التوأمان حسين وحسن لي، وهما معلِّمان للقرآن، إنهما فرّا من شمال بوركينا فاسو في سبتمبر (أيلول) 2023 بعد أن اختطف رجال الميليشيا المدنيين عمهما وقتلوا شقيقهما على جانب الطريق.

وقال علي باري، 30 عاماً، وهو ممرض من جماعة «الفولاني»، إنه فرَّ من قريته في ديسمبر (كانون الأول) 2022 بعد أن أعدمت الميليشيا شقيقه وكثيراً من جيرانه، وأضاف: «بلدنا في أزمة، والسلطات الحالية تعتقد أن منح الناس أسلحة لقتل مجموعة كاملة من السكان هو الحل».

وقد أكد زعماء المجتمعات المضيفة والعاملون في المجال الإنساني والسلطات المحلية في كوت ديفوار شهادات اللاجئين، لكنَّ التدفق الكبير للاجئين في شمال كوت ديفوار، الذي يعد أفقر مناطق البلاد يعد اختباراً لـ«كرم الضيافة» الذي تشتهر به هذه المنطقة.

وقال باولين يوي، وهو مستشار الأمن والدفاع في كوت ديفوار، والذي يعمل مع الرئيس ويشرف على استقبال اللاجئين في الشمال: «سواء كان ذلك صحيحاً أو خاطئاً، فإن طالبي اللجوء، الذين هم في الغالب من جماعة الفولاني، يتعرضون للوصم».

وحتى في ظل الأمان النسبي في كوت ديفوار، يعيش اللاجئون في ظروف قاسية، حيث خفَّض «برنامج الأغذية العالمي» مخصصات الدعم الشهري إلى النصف، لتصبح 7.5 دولار أميركي بدلاً من 15 دولاراً لكل لاجئ مُسجَل في كوت ديفوار، وذلك بسبب نقص التمويل، كما لا يذهب غالبية أطفال اللاجئين إلى المدارس.

ويقول فاباركا واتارا، وهو عمدة قرية «لينغويكورو» في كوت ديفوار، التي استقبلت نحو 300 لاجئ: «كنا خائفين في البداية بسبب كثرة عددهم»، وأضاف: «لقد قالوا إنهم يفرون من الحرب، لكننا لم نكن نعرف ما إذا كانوا جاءوا مسلحين أم لا».

وفي صباح أحد الأيام الماضية، كانت السيدة ديالو، التي قُتل زوجها في فناء المنزل، تُحضّر الطعام في منزل استأجره والدها في كوت ديفوار بعد أن فرَّ من بوركينا فاسو في وقت سابق من هذا العام مع 12 فرداً آخر من العائلة، وقد استأجر هذا المنزل مقابل نحو 20 دولاراً شهرياً.

وعن حياتهم في بوركينا فاسو قبل أن يبدأ الرجال المحليون في الانضمام إلى الميليشيا، تقول السيدة ديالو: «كنا نعيش معاً، وكان أطفالنا يذهبون إلى المدرسة معاً»، وأضافت أنه بعدما انضم الرجال إلى «المتطوعين للدفاع عن الوطن»، توقف الجيران عن تحية عائلات جماعة «الفولاني»، ثم بدأت الغارات وعمليات القتل.

وأوضح والد السيدة ديالو، سيكو ديالو، أن أفراد الميليشيا كانوا يستهدفون بشكل متزايد مجموعات عرقية أخرى أيضاً، مثل «الموسى» و«اللوبي»، قائلاً: «كانوا يأتون في الليل، وكنا نستيقظ في الصباح لنكتشف أن رجلاً قد اختفى، سواء كان من عائلات جماعة الفولاني أو من غيرها».

وبينما كان والدها يتحدث، خفضت السيدة ديالو رأسها، إذ لم تتمكن من دفن زوجها لأنها لم تستطع العودة إلى قريتها دون المخاطرة بالموت، ثم لمست خاتماً رقيقاً بإصبعها، وهو التذكار الوحيد المتبقي من حبهما، حسب الزوجة المكلومة.


مقالات ذات صلة

نيجيريا: القضاء على عشرات الإرهابيين بقصف جوي

أفريقيا شرطي نيجيري خارج مسجد الأدوم الجامع بعد يوم من انفجار هزّ المسجد عقب صلاة العشاء قرب سوق غامبورو في مايدوغوري بولاية بورنو بنيجيريا يوم 25 ديسمبر 2025 (رويترز)

نيجيريا: القضاء على عشرات الإرهابيين بقصف جوي

نفذ سلاح الجو النيجيري ضربات جوية ضد معاقل تنظيم «داعش في غرب أفريقيا»، ما أسفر عن مقتل أكثر من 40 إرهابياً.

الشيخ محمد (نواكشوط)
آسيا سيارات تمر إلى جاني المبنى الذي استهدفه التفجير في كابل (أ.ف.ب)

«داعش» يعلن مسؤوليته عن تفجير استهدف فندقاً في كابل وأوقع 7 قتلى

أعلن تنظيم «داعش»، الإثنين، مسؤوليته عن هجوم على مطعم ‌يديره صينيون ‌في ‌فندق ⁠بالعاصمة ​الأفغانية ‌كابل، أسفر عن مقتل 7 أشخاص على الأقلّ.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شمال افريقيا لقاء صدام حفتر مع المبعوث الخاص لرئيس فرنسا (الجيش الوطني)

«النواب» الليبي يرفض «أي مساومة» على أموال البلاد المجمدة

أدرجت «اللجنة» زيارتها إلى اليونان ضمن ما وصفته بـ«مسار وطني مؤسسي واضح، للدفاع عن مقدرات الدولة الليبية».

خالد محمود (القاهرة )
أفريقيا رئيس بوركينا فاسو إلى جانب جنود ومتطوعين (إعلام محلي)

بوركينا فاسو: مقتل 7 جنود في هجومين نفذهما «تنظيم القاعدة»

أعلن «تنظيم القاعدة» مسؤوليته عن مقتل 7 من جنود جيش بوركينا فاسو وميليشيات مُوالية له بشمال البلد الواقع غرب أفريقيا

الشيخ محمد (نواكشوط)
الخليج التعاون مستمر بين الجانبين لمكافحة التطرف الرقمي والحد من انتشاره (الشرق الأوسط)

«اعتدال» و«تلغرام» يكافحان التطرف الرقمي بإزالة 97 مليون مادة خلال 2025

أسفرت الجهود المشتركة بين المركز العالمي لمكافحة الفكر المتطرف (اعتدال) ومنصة «تلغرام»، في مجال مكافحة التطرف الرقمي، عن إزالة 97.611.787 مادة متطرفة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

خطف 160 مسيحياً على الأقل في هجوم استهدف كنيستين شمال نيجيريا

أحد عناصر رجال الشرطة النيجيرية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد عناصر رجال الشرطة النيجيرية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

خطف 160 مسيحياً على الأقل في هجوم استهدف كنيستين شمال نيجيريا

أحد عناصر رجال الشرطة النيجيرية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد عناصر رجال الشرطة النيجيرية (أرشيفية - أ.ف.ب)

اختٌطف أكثر من 160 شخصاً خلال هجوم شنته عصابات مسلحة، الأحد، على كنيستين في قرية نائية بولاية كادونا شمال نيجيريا، على ما أفاد رجل دين مسيحي وتقرير أمني للأمم المتحدة اطلعت عليه «وكالة الصحافة الفرنسية»، الاثنين.

وتشهد نيجيريا، الدولة الأكثر تعداداً بالسكان في أفريقيا، تصاعداً في عمليات الاختطاف الجماعي منذ نوفمبر (تشرين الثاني)؛ ما دفع الحكومة الأميركية إلى شن غارات عسكرية يوم عيد الميلاد في ولاية سوكوتو في شمال غربي البلاد. واتهم الرئيس الأميركي دونالد ترمب الجماعات المسلحة النيجيرية باضطهاد المسيحيين، واصفاً إياهم بضحايا «إبادة جماعية».

وقال رئيس الرابطة المسيحية في شمال نيجيريا الأب جوزيف هياب لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «وصل المهاجمون بأعداد كبيرة، وأغلقوا مداخل الكنيستين، وأجبروا المصلين على الخروج إلى الأدغال».


شكوك حول التزام «إم 23» بمسار السلام في شرق الكونغو

عناصر من جيش الكونغو الديمقراطية في لوبيرو بمقاطعة شمال كيفو (رويترز)
عناصر من جيش الكونغو الديمقراطية في لوبيرو بمقاطعة شمال كيفو (رويترز)
TT

شكوك حول التزام «إم 23» بمسار السلام في شرق الكونغو

عناصر من جيش الكونغو الديمقراطية في لوبيرو بمقاطعة شمال كيفو (رويترز)
عناصر من جيش الكونغو الديمقراطية في لوبيرو بمقاطعة شمال كيفو (رويترز)

فتح انسحاب حركة التمرد «إم 23» من مدينة أوفيرا، الواقعة شرق الكونغو الديمقراطية، والتي سيطرت عليها قبل نحو شهر، تساؤلات حول جدية مسار السلام المبرم أخيراً مع حكومة كينشاسا، بعد عام لم تفلح خلاله اتفاقات التهدئة المبرمة في الدوحة وواشنطن من منع عودة نيران المواجهات.

فرغم ذلك الانسحاب، يرى خبير في الشأن الأفريقي، تحدث لـ«الشرق الأوسط»، أنه «لا يمنع الشكوك حول التزام حركة التمرد بمسار السلام، خاصة أنها لا تزال تسيطر على مدينتين منذ 2025، ولم تنخرط بجدية في تنفيذ اتفاقات التهدئة التي شهدها العام الماضي».

وشهد شرق الكونغو، الغني بالموارد الطبيعية والمجاور لرواندا، نزاعات مسلحة متواصلة منذ نحو 3 عقود، تصاعدت حدتها بين يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) 2025، بعدما سيطرت حركة «إم 23»، بدعم من كيغالي، على مدينتَي غوما وبوكافو الرئيسيَّتين في الإقليم.

وشنّت الحركة هجوماً جديداً في بداية ديسمبر (كانون الأول) الماضي بإقليم جنوب كيفو شرق البلاد، على طول الحدود مع بوروندي، وأحكمت سيطرتها على بلدة أوفيرا الاستراتيجية في 11 من الشهر ذاته، بعد فترة وجيزة من إبرام الكونغو الديمقراطية ورواندا اتفاق سلام برعاية الولايات المتحدة.

انسحاب

وبعد نحو شهر، دخل مسلّحون موالون للحكومة مدينة أوفيرا الاستراتيجية في شرق الكونغو الديمقراطية بعد انسحاب قوّات «إم 23»، بعد يومين من إعلان الحركة المتمردة سحب آخر قواتها لتصبح المدينة «تحت مسؤولية المجتمع الدولي بالكامل»، حسبما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مصادر محلية، الأحد، دون أن توضح سبب الانسحاب.

غير أن الحركة بقيت متمركزة في مرتفعات أوفيرا «لتوجيه أسلحتهم على المدينة، فضلاً عن البلدات المحيطة بها»، حسب الوكالة.

ويرى المحلل السياسي التشادي المختص بالشؤون الأفريقية، صالح إسحاق عيسى، أنه «تتزايد الشكوك حول التزام الحركة بمسار السلام؛ لأن انسحابها من مدينة أوفيرا ينظر إليه على أنه خطوة تكتيكية أكثر منه تحولاً حقيقياً نحو التهدئة، خاصة مع استمرار سيطرتها على مدينتين أخريين، واحتفاظها بنفوذ عسكري في محيط المناطق التي أعلنت الانسحاب منها».

هذا التناقض بين الخطاب السياسي والواقع الميداني يضعف الثقة في نوايا الحركة، ويعزز الاعتقاد بأنها تستخدم الانسحابات الجزئية لتحسين موقعها التفاوضي، أو إعادة تنظيم صفوفها بدلاً من الالتزام بوقف شامل لإطلاق النار، وفق تقدير عيسى.

ونبّه عسى إلى أن تكرار الخروقات الأمنية، وغياب آليات تحقق مستقلة، واستمرار الاتهامات بوجود دعم خارجي، كلها عوامل تجعل مسار السلام هشاً، وتدفع الأطراف المحلية والدولية إلى التشكيك في جدية الحركة، وقدرتها أو رغبتها في الالتزام بتسوية سلمية دائمة.

وجاءت تلك المتغيرات في شرق الكونغو الغني بالمعادن، بعد اتفاق بين رواندا والكونغو الديمقراطية في واشنطن مطلع ديسمبر الماضي، بعد سلسلة «تفاهمات بإطار» أُبرمت خلال يونيو (حزيران) الماضي في واشنطن، إضافةً إلى «إطار عمل الدوحة لاتفاقية سلام شاملة»، الذي وقَّعته كينشاسا وحركة «إم 23» في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي في قطر، استكمالاً لاتفاقٍ يوم 19 يوليو (تموز) الماضي.

ولا تلوح في الأفق مساعٍ جديدة لإحياء مسار السلام؛ لذا يجب الحذر المشوب بالأمل أكثر من التفاؤل الكامل، وفق ما يرى المحلل التشادي، موضحاً أن انسحاب الحركة من أوفيرا، رغم محدوديته، قد يفتح نافذة صغيرة لإعادة تنشيط محادثات السلام؛ لأنه يوفر إشارة سياسية يمكن للوسطاء البناء عليها، ويخفف مؤقتاً من الضغط العسكري. لكن في المقابل، استمرار سيطرة الحركة على مدينتين أخريين، وغموض نواياها الميدانية، وغياب ضمانات واضحة للتنفيذ، يجعل الجمود مرشحاً للاستمرار ما لم تترجم الإشارات السياسية إلى خطوات عملية قابلة للتحقق، حسب عيسى.

والواقع يشير إلى أن أي مرحلة جديدة من محادثات السلام ستظل هشة، وقد تتحول إلى مجرد إدارة للأزمة لا حل لها، إلى أن تتوفر ثلاثة شروط أساسية وفق عيسى، تتمثل في التزام ميداني واضح بوقف القتال، وضغط إقليمي ودولي فعال ومتوازن على جميع الأطراف، وآلية رقابة تضمن أن الانسحابات ليست مؤقتة أو شكلية.

ودون ذلك، سيبقى الجمود قائماً، لا كفشل كامل لمسار السلام، وإنما تعليق مؤقت له بانتظار تغيير حقيقي في ميزان الإرادة السياسية على الأرض، وفق تقدير عيسى.


مقتل 13 طفلاً في حادثة حافلة مدرسية في جنوب أفريقيا

الشرطة تتفقد موقع حادثة تصادم بين شاحنة وحافلة صغيرة تقل أطفال المدارس في فاندربيلبارك جنوب جوهانسبرغ بجنوب أفريقيا 19 يناير 2026 (أ.ب)
الشرطة تتفقد موقع حادثة تصادم بين شاحنة وحافلة صغيرة تقل أطفال المدارس في فاندربيلبارك جنوب جوهانسبرغ بجنوب أفريقيا 19 يناير 2026 (أ.ب)
TT

مقتل 13 طفلاً في حادثة حافلة مدرسية في جنوب أفريقيا

الشرطة تتفقد موقع حادثة تصادم بين شاحنة وحافلة صغيرة تقل أطفال المدارس في فاندربيلبارك جنوب جوهانسبرغ بجنوب أفريقيا 19 يناير 2026 (أ.ب)
الشرطة تتفقد موقع حادثة تصادم بين شاحنة وحافلة صغيرة تقل أطفال المدارس في فاندربيلبارك جنوب جوهانسبرغ بجنوب أفريقيا 19 يناير 2026 (أ.ب)

قالت السلطات في جنوب أفريقيا إن شاحنة اصطدمت بحافلة مدرسية صغيرة في إقليم جاوتينغ، مما أودى بحياة ما لا يقل عن 13 طفلاً.

وأشارت التقارير الأولية إلى أن 11 تلميذاً مدرسياً لقوا حتفهم في الحال، في حين تُوفيَ طفلان متأثران بجراحهما في المستشفى، وفق ما نقلته وكالة «أسوشييتد برس».

كانت الحافلة الخاصة تقل التلاميذ إلى عدة مدارس ابتدائية وثانوية في جنوب غرب جوهانسبرغ، اليوم (الاثنين)، عندما وقعت الحادثة نحو السابعة صباحاً بالتوقيت المحلي، حسبما قالت السلطات.

الشرطة تتفقد موقع حادثة تصادم بين شاحنة وحافلة صغيرة تقل أطفال المدارس في فاندربيلبارك جنوب جوهانسبرغ بجنوب أفريقيا 19 يناير 2026 (أ.ب)

وقال شهود عيان إن الحافلة التي كانت تقل التلاميذ كانت تتخطى سيارات أخرى متوقفة عندما اصطدمت بالشاحنة وجهاً لوجه. وقالت الشرطة إنه يتم التحقيق في سبب الحادثة، كما سيتم استجواب سائق الشاحنة.

ونقلت خدمات الطوارئ في جاوتينغ خمسة مصابين إلى مستشفى سيبوكينغ، في حين تم نقل اثنين آخرين إلى مستشفى كوبانونغ لتلقي الرعاية الطبية. وقد أُصيب سائق الحافلة، وكان ضمن من تم نقلهم إلى المستشفى.

أقارب لأطفال ضحايا يتفاعلون في موقع الحادثة في فاندربيلبارك جنوب جوهانسبرغ بجنوب أفريقيا 19 يناير 2026 (أ.ب)

وأعرب رئيس جنوب أفريقيا سيريل رامافوزا، عن حزنه لوقوع خسائر في الأرواح، قائلاً إن السلطات الوطنية والإقليمية ستقدم للأُسر والمدارس الدعم النفسي اللازم.

وقال رامافوزا: «أطفالنا هم أغلى أصول الدولة، وعلينا بذل كل ما نستطيع بدءاً من اتباع قواعد الطرق إلى جودة مقدمي الخدمات المعنيين لنقل الطلاب - لحماية المتعلمين».

وقال وزير التعليم في إقليم جاوتينغ، ماتومي شيلواني، للصحافيين، إنه سيتم التحقيق أيضاً مع سائق حافلة المدرسة لاحتمال قيادته برعونة.

وقالت وزيرة التعليم الأساسي في جنوب أفريقيا، سيفيوي جواروبي، إن الكثير من حوادث وسائل النقل المدرسية تنجم عن خطأ من السائقين.

كما طالبت وزارة النقل بضمان صلاحية المركبات التي تنقل تلاميذ المدارس للسير على الطرق.