فتاة العبّاسية في أحلام نجيب محفوظ

رسم صورتها في «قصر الشوق» و«أحلام فترة النقاهة»

نجيب محفوظ
نجيب محفوظ
TT

فتاة العبّاسية في أحلام نجيب محفوظ

نجيب محفوظ
نجيب محفوظ

كان في حياة نجيب محفوظ قصة حب غريبة الشأن. قصة حب صامت ومن طرف واحد. حب عابدٍ مُتَوَلِّهٍ، خاشعٍ يرفع القرابين لإله لا يعلم حتى بوجوده. كمثل امتناننا للشمس كل صباح وهي لا تدري بوجودنا ولا نحن نتوقع منها ذلك. إلا أن الغرابة لا تتوقف عند هذا الحد. فهذا الحب الذي خبره محفوظ وهو صبي على عتبات المراهقة بقي معه طوال عمره المديد، وكان له أثر بليغ في قصصه ورواياته في كل مراحله الإبداعية، وحتى النهاية، حيث تتجلى تلك المحبوبة التي أسميها بـ«فتاة العباسية» تجلياً عظيماً في آخر أعماله إطلاقاً: «أحلام فترة النقاهة».

كان محفوظ يتحدَّث حديثاً مباشراً وإن كان نادراً عن تلك الفتاة ما بين الفينة والفينة، أذكر منه على سبيل التخصيص ما قاله في أحاديث سيرته الشخصية إلى رجاء النقاش والتي نُشرت بعنوان «نجيب محفوظ: صفحات من مذكراته وأضواء جديدة على أدبه وحياته» (1998). ها هو يحكي القصة في اختصار: «في العباسية عشت أول قصة حب حقيقية في حياتي، وهي قصة غريبة ما زلت أشعر بالدهشة لغرابتها كلما مرت بذهني، وكنت أيامها على أعتاب مرحلة المراهقة (...) كنت ألعب كرة القدم في الشارع مع أصدقائي، وكان بيتها يطل على المكان الذي نلعب فيه. وأثناء اللعب شدني وجه ساحر لفتاة تطل من الشرفة. كنت في الثالثة عشرة من عمري، أما هي فكانت في العشرين، فتاة جميلة من أسرة معروفة في العباسية. رأيت وجهاً أشبه بلوحة (الجيوكاندا) التي تجذب الناظر إليها من اللحظة الأولى. ربما جذبني إليها بالإضافة إلى جمالها أنها كانت مختلفة عن كل البنات اللاتي عرفتهن قبلها. لم تكن فتاة تقليدية مثل بنات العباسية، بل كانت تميل إلى الطابع الأوروبي في مظهرها وتحركاتها، وهو طابع لم يكن مألوفا آنذاك... ظل حبي قائماً لهذه الفتاة الجميلة من بعيد ومن طرف واحد، ولم أجرؤ على محادثتها أو لفت انتباهها إلى حبي الصامت، واكتفيت منها بمجرد النظر (...) استمر الحب الصامت لمدة عام كامل. وكم كان حزني شديداً عندما تزوجت فتاتي وانتقلت إلى بيتها الجديد. كنت أعلم أن ارتباطي بها شبه مستحيل، رغم ذلك همت بها حباً (...) وصدمت لزواجها بشدة. انقطعت عني أخبارها، ومضت الأيام (...) إلا أن حبي لها لم يهدأ أبداً، وظلت آثاره عالقة بقلبي وذاكرتي (...) ولقد صورت قصتي مع تلك الفتاة في رواية (قصر الشوق) مع تعديلات تتفق مع الإطار العام الذي وضعته للرواية». (ص105 - 106).

كانت «قصر الشوق»، ثاني أجزاء «الثلاثية»، هي العمل الأكبر الذي تجلت فيه قصة الحب تلك وتجسدت فتاة العباسية في شخصية «عايدة شداد» وتجسد حب محفوظ لها في افتتان كمال عبد الجواد ابن التاجر البسيط بعايدة ابنة الباشا، قاطنة القصور. لكن حضور فتاة العباسية ملحوظ لمن يتقصَّاه في أعمال محفوظ منذ مجموعته القصصية الأولى «همس الجنون» في باكورة حياته فصاعداً، وقد رصدت ذلك في أحد فصول كتابي «استنطاق النص» (2006). أما آخر تجليات فتاة العباسية فكانت في آخر مراحل حياته، فالفتاة التي طاردت وعيه الظاهر طوال عمره، انتقلت إلى مطاردة وعيه الباطن أيضاً في الختام، كما نرى في «أحلام فترة النقاهة» الذي نُشر سنة 2005 قبيل رحيله. وقد أحصيتُ في كتاب الأحلام هذا وحده (ناهيك عن القسم الثاني منه الذي نُشر لاحقاً بعنوان «الأحلام الأخيرة» في 2015 بعد أن اكتشفت أسرته المزيد من نصوص الأحلام) - أحصيت 16 نصاً من مجموع 239. سأقتصر هنا على ثلاثة منها مع محاولة لتفسيرها.

ها هو نص الحلم رقم 18: «تمَّ مجلسنا على الجانبين في القارب البخاري. بدا كل واحد وحده لا علاقة له بالآخرين. وجاء الملَّاح ودار الموتور. الملَّاح فتاة جميلة ارتعش لمرآها قلبي. أطلَّت من النافذة وأنا واقف تحت الشجرة، وكان الوقت بين الصبا ومطلع الشباب. وركَّزتُ عينَي في رأسها النبيل وهي تمرق بنا في النهر. وتتناغم خفقات قلبي مع دفقات النسيم. وفكَّرتُ أن أسير إليها لأرى كيف يكون استقبالها لي. لكني وجدت نفسي في شارعٍ شعبي لعله الغورية، وهو مكتظٌّ بالخلق في مولد الحسين، ولمحتها تشق طريقها بصعوبة عند أحد المنعطفات، فصممت على اللحاق بها. وحيَّا فريق من المنشدين الحسين الشهيد. وسرعان ما رجعتُ إلى مجلسي في القارب، وكان قد توغَّل في النهر شوطاً طويلاً. ونظرت إلى مكان القيادة فرأيتُ ملَّاحاً عجوزاً متجهِّم الوجه، ونظرتُ حولي لأسأل عن الجميلة الغائبة، ولكني لم أرَ إلا مقاعد خالية».

يستدعي هذا الحلم فتاة العباسية. تلك الفتاة التي كانت تطل من النافذة حيناً بينما يتأملها الفتى محفوظ المشدوه بجمالها من الطريق، أو التي تمر في عربة تجرها الخيل فيراها في نافذتها. أظن الرحلة في القارب هنا هي رحلة الحياة وكون الفتاة هي الملّاح في تلك الرحلة إشارة إلى كونها كانت منارة هادية للكاتب في حياته الإبداعية. تَحوُّل المشهد من القارب البخاري إلى شارع مكتظ، ليس مما يُستغرب في الأحلام لكن الفتاة تبقى مبتغاه. يقتفي أثرها حتى تختفي منه في الزحام، كما اختفت فتاة العباسية من حياته في صدر شبابه. كما أن الإشارة لمولد الحسين والمنشدين الذين يتغنون بمأساته وشهادته لعلها لا تخلو من إلماع إلى «استشهاد» الراوي في هذا الحب العصيّ. وعلى عادة الأحلام في تنقل مسارح الأحداث يعود المشهد من حي الحسين إلى القارب. وأظنه هذه المرة هو قارب الموت الذي يحمل الموتى إلى العالم السفلي كما في الأساطير القديمة. فالمقاعد التي كانت مشغولة في البداية صارت كلها خالية إلا من الراوي الذي يبدو أن دوره قد حان. كما أن الملاح لم يعد الفتاة الفاتنة وإنما عجوز متجهم الوجه يُذكّر بـ«شارون» ملّاح الأساطير الإغريقية الذي كان ينقل أرواح الموتى في قاربه إلى مملكة «هاديز» رب العالم السفلي. انقضت رحلة الحياة إذن، وها هو الراوي يشق طريقه إلى عالم الأموات حاملاً معه شوقه الدائم إلى الفتاة الجميلة التي لم تكن له في أي وقت من الأوقات، ولا حتى في الأحلام.

ننتقل الآن إلى الحلم رقم 83: «رأيت الكارِتَّة مقبلة حاملة فاتنة درب قرمز، ويجرها جواد مجنَّح. اتخذت مجلسي فيما وراءها، وفرَد الجواد جناحَيه فبدأت ترتفع حتى علونا الأسطح والمآذن، وفي ثوانٍ وصلنا قمة الهرم الأكبر، وأخذنا في عبوره على ارتفاع ذراع، فجازفتُ وقفزتُ إلى قمته وعيناي لا تتحوَّلان عن الفاتنة وهي تعلو وتصعد، والليل يهبط والظلام يسود، حتى استقرَّت كوكباً مضيئاً».

هذا النص الغنائي الرهيف هو نموذج آخر للحنين لفاتنة الصبي المراهق محفوظ. فتاة العباسية التي كان يلمحها أحيانا تمرّ في «كارتّة» تجرها الخيل فلم تفارق خياله الغض مدى العمر. في هذا الحلم ينقلها محفوظ من العباسية حيث عرفها بعد أن انتقلت أسرته إلى العباسية في سن الثانية عشرة - ينقلها إلى درب قرمز في الجمالية حيث وُلد وعاش صباه الأول. وهي نقلة بارعة لا يقدر عليها سوى الأحلام، وكأنه يعود بها إلى السنوات الاثنتي عشرة من حياته التي خلت منها لكي تضفي عليها الشرعية وتضمها إلى بقية عمره التي قضاها في التعبُّد إليها. في هذا «الحلم» ينضم لها في عربتها، وهو ما لم يتسنَّ له في «العِلْم». كما أن حصان العربة في الواقع يترقَّى إلى جواد مجنَّح في الحلم، ولا غرابة في ذلك فالجميلة كانت دائماً مثالاً شاهقاً بعيد المنال بالنسبة له. وحتى في الحلم تبقى كذلك، فهي وإن سمحتْ له بالركوب معها، فإنه يكون «وراءها» وليس إلى جانبها. وحتى في الحلم هو يدرك تماماً أنه غير مؤهل للمضي معها في رحلتها، ولذلك يتحين الفرصة قافزاً من العربة إلى قمة الهرم الأكبر قبل أن تواصل العربة شق طريقها إلى مَراقٍ ليس هو أهلاً لها. حتى في الحلم تحتل فتاة العباسية مكانها نجماً مضيئاً بين النجوم ويبقى هو على الأرض يتطلع إليها في السماء. تماماً كما بقي يفعل طوال حياته.

نختم بالحلم رقم 84: «رأيتني في شارع الحب كما اعتدت أن أسميه في الشباب الأول. ورأيتني أهيم بين القصور والحدائق وعبير الزهور، ولكن أين قصر معبودتي؟ لم يبقَ منه أثر، وحل محله جامع جليل الأبعاد، رائع المعمار، ذو مئذنة هي غاية الطول والرشاقة. ودُهشت، وبينما أنا غارق في دهشتي انطلق الأذان داعياً إلى صلاة المغرب، دون تردُّد دخلت الجامع، وصلَّيت مع المصلِّين، ولمَّا ختمت الصلاة تباطأت كأنما لا أرغب في مغادرة المكان؛ لذلك كنت آخر الراحلين إلى الباب، وهناك اكتشفت أن حذائي قد فُقد، وأن علي أن أجد لنفسي مخرجاً».

هذا الحلم وثيق الصلة بسابقه رقم 83. المعبودة هنا هي المعبودة هناك. إلا أنه هنا يخلط بين واقع حياته الأولى وبين تجليات المعبودة في إنتاجه الأدبي. فالمعبودة الواقعية كانت عابرة في «كارتّة» أما المعبودة المطوَّرة فنياً فهي عايدة شداد، معبودة كمال عبد الجواد في «قصر الشوق»، والتي كانت من عائلة أرستقراطية من ساكني القصور. نعرف غرام محفوظ بتحولات الزمن، ومن هنا تحول القصر إلى جامع في الحلم. ولنلاحظ أن القصر لا يتحول إلى أي جامع، بل هو جامع من طبقة القصور، فهو «جليل الأبعاد»، «رائع المعمار» وله «مئذنة شاهقة». فهو مكان عبادة يليق بالمعبودة في تحوله الجديد كما في سابق عهده. وإسراع الراوي إلى دخول الجامع لدى سماعه الأذان هو فعل عبادة نحو المعبود القديم ساكن القصر بمقدار ما قد يكون فعل عبادة لرب الجامع. وإطالة المكث في الجامع حتى أن الراوي كان آخر المغادرين هو من رغبة التمسح بالموضع الذي كان سابقاً مقام المعبودة. إلا أنَّ الحلم ينتهي بمفاجأة هزلية حين يجد الراوي أن حذاءه قد سُرق عندما يقرر مغادرة الجامع. هذه نهاية واقعية عابثة لحلم مُغرِق في الرومانسية. ولعلها سخرية محفوظية ذاتية. فكما أن فتاة العباسية التي طاردت صورتها خياله طوال حياته كانت أشبه بالوهم، وكما أن كمال لم يعنِ يوماً شيئاً لمعبودته عايدة شداد، بل كان موضع سخريتها ووسيلة امتطتها لإثارة مشاعر الغيرة في مَن كانت تريده حقاً، كذلك قصر المعبودة وجامعها الشاهق وتعبُّده القديم المجدد عبر القصور والمساجد لا يتمخض إلا عن حذاء مسروق وعابد عاري القدمين لا يعرف كيف يدبر رحلة العودة من المحراب.



أنتونيس فكك روائياً مخلفات الديكتاتورية وإرث الاستعمار

أنتونيس في مكتبه
أنتونيس في مكتبه
TT

أنتونيس فكك روائياً مخلفات الديكتاتورية وإرث الاستعمار

أنتونيس في مكتبه
أنتونيس في مكتبه

كان الروائي البرتغالي أنطونيو لوبو أنتونيس، الذي رحل الخميس الماضي عن 83 عاماً، غزير الإنتاج، وجعلت منه رواياته متعددة الطبقات، التي شرّحت تصدعات المجتمع البرتغالي، عملاقاً أدبياً في مسقط رأسه وخارجه.

على مدار أكثر من 30 رواية ومجموعة من الكتابات الأخرى، رصد أنتونيس ببراعة خروج البرتغال المتعثر من حقبة الديكتاتورية الخانقة للدكتاتور أنطونيو دي أوليفيرا سالازار، التي امتدت من عام 1932 إلى 1968، وما تلاها من حروب استعمارية فاشلة في أفريقيا.

غلاف «ذاكرة الفيل»

وسمح له نهجه التجريبي الجريء في صياغة الشكل الروائي بتجاوز هويته ككاتب «صعب المراس» قادم من دولة أوروبية ثانوية غالباً ما يتم التغافل عنها. وكان اسمه حاضراً بقوة في القوائم القصيرة للعديد من النقاد المرشحين لنيل جائزة «نوبل للآداب»، بل رأى البعض أنه كان يستحقها أكثر من مواطنه البرتغالي خوسيه ساراماغو، الذي فاز بها عام 1998، فيما ذكر أصدقاؤه أنه كان يشعر بشيء من المرارة لعدم نيله الجائزة.

وقد حققت روايته «ذاكرة الفيل» الصادرة عام 1979 شهرة واسعة بين عشية وضحاها، وهي رواية تمحورت حول تجاربه كطبيب عسكري في حرب بلاده في أنغولا. أما روايته الصادرة عام 1983 بعنوان «فادو ألكساندرينو»، فقد سردت الاعترافات المؤلمة لأربعة من المحاربين القدامى في حروب البرتغال الاستعمارية، وهي ذات نسيج سردي متماسك بفضل الحيوية المتوقدة لصورها البلاغية الآسرة.

غلاف «ماذا عساي أن أفعل عندما يحترق كل شيء»

واستخدم أنتونيس تقنيات مماثلة في روايات كبرى أخرى، مثل «دليل المحققين» الصادرة عام 1996، التي ركزت على سيرة وزير وحشي سابق في عهد ديكتاتورية سالازار؛ أما روايته الصادرة عام 2001 بعنوان «ماذا عساي أن أفعل عندما يحترق كل شيء؟»، فقد صورت الرحلات الذهنية المضطربة لابن إحدى الشخصيات الاستعراضية في لشبونة.

بيد أن بعض النقاد لم يقتنعوا تماماً بأساليب أنتونيس، فقد كتب دوايت غارنر في صحيفة «نيويورك تايمز» أنه على الرغم من أن أسلوب «تيار الوعي» لدى المؤلف قد يكون «رائعاً» في بعض الأحيان، فإن رواية «ماذا عساي أن أفعل عندما يحترق كل شيء؟» كانت تجربة مضنية للغاية، وأضاف: «أفضل خلع أظفر إصبع قدمي بكماشة صدئة على أن أسير عبر صفحاتها الـ585 المرهقة مرة أخرى». كما كتب ناقد آخر في الصحيفة، وهو ريتشارد إيدر، أن لجنة «نوبل» اتخذت القرار الصحيح باختيار السيد ساراماغو وتفضيله على أنتونيس.

غلاف «دليل المحققين»

ومن وجهة نظر أنتونيس، فإن غياب الحبكة الواضحة هو الأقرب للطريقة التي «يعيش» بها الناس حياتهم فعلياً في الواقع. إذ قال لماريا لويزا بلانكو، التي نشرت كتاباً من الحوارات معه عام 2001: «لا أريد من الناس أن (يقرأوا) رواياتي قراءة عابرة فحسب، وإنما أريدهم أن يعايشوها ويتفاعلوا معها، وأن (يُصابوا بها) كما يُصاب المرء بالمرض».

ينتمي أنطونيو لوبو أنتونيس، الذي ولد في لشبونة في الأول من سبتمبر (أيلول) لعام 1942، إلى الفئة البرجوازية العليا في لشبونة، لكن يصف طفولته بأنها كانت «محمية للغاية، وشبه قبلية». والده هو جواو ألفريدو دي فيغيريدو لوبو أنتونيس، طبيب أعصاب وأستاذ جامعي، ووالدته هي ماريا مارغاريدا ماتشادو دي ألميدا ليما. كان أنطونيو الأكبر بين ستة أشقاء، برز عدد منهم كأطباء مرموقين، بينما شغل شقيقه الأصغر «مانويل» منصب سفير البرتغال لدى المملكة المتحدة.

كانت تنشئة أنتونيس تتسم بشيء من المحافظة والتكلف في أوساط النخبة البرجوازية العليا، وكانت مدينته لشبونة، المتلاشية والكئيبة المطلة على البحر، التي قضى فيها حياته كلها، تظهر غالباً كخلفية مهيمنة في أعماله. فقد كتب في رواية «فادو ألكساندرينو»: «في الخارج، في الشارع، كانت أمطار مارس (آذار) المنسابة من الليلة السابقة تترنح منسالة على الواجهات المتهالكة مثل مكياج امرأة عجوز باكية».

وعلى الرغم من ثقافة والديه الواسعة، فإنهما حافظا على مسافة عاطفية من أبنائهما الستة، فقد وصف علاقته بوالدته في مقابلة مع صحيفة «لوموند» عام 2005 بأنها كانت «علاقة رسمية للغاية». كما كان أنطونيو الشاب يخضع لاختبارات أسبوعية حول القراءات المفضلة لوالده. وفي تلك الأثناء، كانت الديكتاتورية السلطوية تخنق المجتمع البرتغالي، علماً بأن والد أنتونيس كان أحد أطباء سالازار الشخصيين، وتقمع أي معارضة تجاه الحروب الاستعمارية البرتغالية.

يقول أنتونيس لمجلة «باريس ريفيو» في عام 2011 (كانون الثاني): «في نشأتي، كان من الطبيعي ألا تملك جواز سفر، وألا تتحدث في السياسة، وألا تستخدم حتى كلمة ديمقراطية. وأتذكر أنني سألت والدي ذات مرة وأنا صبي: ما هي الديمقراطية؟ فأجابني: اصمت وكُل».

ومع تقدمه في العمر، توترت علاقته بوالده، فعندما نشر أنتونيس روايته الأولى، قال له والده: «يمكن للمرء أن يدرك أن هذا عمل مبتدئ». وذكر المؤلف لصحيفة «لوموند»: «بعد ذلك، لم نتحدث عن أعمالي الأدبية مرة أخرى، رغم أنه أخبر أحد إخوتي بعد سنوات طويلة بأنه معجب بي».

وصف أنتونيس الحرب في أنغولا بأنها «بوتقة من القسوة المقيتة»، حيث كان الضباط البرتغاليون يصفّون بلامبالاة المتمردين الأسرى ويغتصبون الأفارقة

بدأ أنتونيس دراسته للطب في جامعة لشبونة عام 1959، وتخرج طبيباً قبل أن يبدأ خدمته العسكرية عام 1970. وفي العام نفسه، تزوج من ماريا خوسيه زافيير دا فونسيكا إي كوستا، وأنجب منها ابنتين: «ماريا» و«جوانا». ثم تزوج لاحقاً من ماريا جواو إسبيريتو سانتو بوستورف سيلفا، وأنجب منها ابنته الثالثة «ماريا إيزابيل». وبعد طلاقه الثاني، تزوج للمرة الثالثة في عام 2010 من كريستينا فيريرا دي ألميدا.

وفي عام 1973، عاد من أنغولا ليمارس الطب النفسي في مستشفى «ميغيل بومباردا» في لشبونة، وكان يكتب رواياته ليلاً. ومنذ البداية، كانت تجربة الحرب في أنغولا، والندوب التي خلفتها في نفسه، هي الدافع المحوري لأغلب أعماله.

كان يصف الحرب في رواياته بأنها «بوتقة من القسوة المقيتة»، حيث كان الضباط البرتغاليون يشهرون مسدساتهم بلا مبالاة لتصفية المتمردين الأسرى، ويغتصبون الأفارقة تحت تهديد السلاح، في مأساة لم تترك وراءها سوى اليأس. أما أطفال الحرب في قصصه، فقد كانوا مشوهين بالقصور العقلي، وعاجزين عن التأقلم مع ما يُفترض أنه حياة عادية بعد عودتهم إلى البرتغال.

يستذكر في حواره مع مجلة «باريس ريفيو» تجربته في أنغولا قائلاً: «كل ما أردته هو العودة حياً. أتذكر أننا كنا نحتفظ بتقاويم ونشطب على كل يوم نبقى فيه على قيد الحياة! لقد تحدثتُ مع أشخاص شاركوا في حرب فيتنام وحرب الجزائر، وفهمتهم تماماً».

وتناولت كتبه الثلاثة الأولى معاناة قدامى المحاربين الذين تطاردهم الأشباح، وظلت الحرب وسمة بادية للغاية ولازمة في كل رواياته اللاحقة. وكان من بين آخر أعماله المنشورة رواية «حتى تصبح الحجارة أخف من الماء» (2016)، التي استكشفت بأسلوب نثري تجريبي الهزات الارتدادية الناجمة عن حرب أنغولا.

وبوصفه كاتباً مارس الطب النفسي، أراد أن تعكس كتاباته تقلبات العقل البشري، إذ أوضح للناقدة رافائيل ريرول في صحيفة «لوموند» عام 2005، أن ما كان يحاول فعله هو «وضع نفسي في حالة قريبة من الحلم، حتى تخُفف من قسوة الرقابة الداخلية المعتملة في ذهني».

وأوضح أن تلك «الرقابة» هي التي «تحول بيننا وبين التفكير بطريقة غير ديكارتية»، مُبيّنا إيمانه بعدم خطية الإدراك البشري. وكتب الكاتب الفرنسي هادي قدور في صحيفة «لوموند» أن التخلص من هذه القيود سمح لأنتونيس بـ«إدراك العالم على حاله، قبل أن ننسقه وفق فئاتنا الاجتماعية كي ندركه»، مقارناً إياه بمارسيل بروست وفيرجينيا وولف.

وفي معرض تلخيصه لمفهومه عن الرواية، قال أنتونيس بأنها: «هذيان مُنظم».

* خدمة «نيويورك تايمز»


يوميات طبيبة سورية تواجه السرطان

يوميات طبيبة سورية تواجه السرطان
TT

يوميات طبيبة سورية تواجه السرطان

يوميات طبيبة سورية تواجه السرطان

عن دار «منشورات الربيع» بالقاهرة صدرت رواية «المساكنة الملعونة» للكاتبة السورية سوسن جميل حسن، وهي نص لفت الأنظار مؤخراً بسبب موضوعه المختلف الذي يختلط فيه جمال الإبداع بقسوة المحتوى؛ إذ تتناول المؤلفة تجربتها الشخصية مع مرض سرطان المخ الذي داهمها العام الماضي على نحو مفاجئ، حين كشفت الفحوصات عن ورم بحجم كبير وفي مرحلة متأخرة.

خضعت الكاتبة التي تقيم بالعاصمة الألمانية برلين إلى أكثر من جراحة عاجلة لإزالة الورم، لكنها سرعان ما أمسكت بجهاز «اللابتوب» وهي على الفراش لتبدأ في طرح تأملات وانفعالات في الموت والحياة عبر نص ينتمي إلى أدب السيرة الذاتية وكتابة اليوميات، على نحو يفيض عذوبة وشجناً بكلمات شديدة الصدق والواقعية.

ما زاد من عمق التجربة أن سوسن هي بالأصل طبيبة، وسبق أن عملت لسنوات طويلة ضمن منظومة وزارة الصحة السورية، تخصص أمراض الباطنة، قبل أن تغادر البلاد إلى ألمانيا بعد حماسها لأحداث ثورة 2011 وتعاطفها مع المتظاهرين عبر مقالات صحافية دأبت على نشرها بانتظام. وتستهل المؤلفة عملها بإهداء لافت إلى أفراد من عائلتها تقول فيه: «إلى ميسون، محمد، لمى، سليم، ريم، لين، لارا، لولا فيض محبتكم التي غمرت روحي ما استطعت الصمود، أحبّكم».

تقول المؤلفة في السطور الأولى من الرواية: «ها أنا في اليوم السادس والسبعين بعد لحظة الحقيقة. كانت تلك اللحظة في السابع والعشرين من آذار/ مارس 2025، يوم رأيت الموت للمرة الأولى في حياتي».

وتضيف: «لم أكن أشعر فيما مضى أن الموت قريب إلى هذا الحد، لكن الواقع قدّم لي الدليل الدامغ: الموت جزء من الحياة، هكذا كان عقلي يرسمه، وأدّعي فلسفة أُقنِع نفسي بها، لكنه عندما حضر وواجهني هازئاً بي، لم تنجدني الفلسفة، ولا ادعاءاتي السابقة كلها».

تكشف الرواية مشاعر البطلة وهي تكتشف إصابتها بسرطان الرئة مع انتقالات إلى الدماغ، وكيف أن تصنيفها من حيث مرحلة المرض هو المرحلة الرابعة، وعندما سألت طبيب الأورام عن العمر المقدر أن تعيشه، قال بكل وضوح إن ربع المرضى مثلها فقط يعيشون لخمس سنوات، فتتساءل: «خمس سنوات؟ وأحلامي؟ ومشاريعي؟ والروايات التي عزمت على تأليفها؟». وتروي المؤلفة كيف كانت مضطربة وتشعر برهبة من دخولها هذا النفق، المسمى بجهاز الرنين المغناطيسي؛ فهي التجربة الأولى لها على الرغم من معرفتها المسبقة به، والتطورات التي وقعت عليه منذ استخدامه لأول مرة في تصوير كامل الجسم عام 1977، لكنها بقيت مضطربة وخائفة. ومن دون محاكمات عقلية حينها وإنما بخيارات عاطفية، قرّرت أن تلجم خوفها، وأن تظهر بصورة المرأة ليست القوية فحسب، بل الجبارة.

كان هذا القناع الذي لبسته منذ أكثر من ثلاثة عقود، عندما تُوفِّي زوجها ووالد ابنتها وابنها، مخلفاً وراءه تركة ثقيلة من الديون والقضايا، حين كانت صبية لم تكمِل 34 سنة، وكان التحدي كبيراً، ولا بد من إظهار القوة عند امرأة «أرملة» في مجتمع ذكوري يعُدّ المرأة «غير المحروسة بذَكَر» جسراً يمكن المرور فوقه من دون إذن، وفق تعبير النص.

وُلدت سوسن جميل حسن في مدينة اللاذقية عام 1957، ودرست الطب البشري في جامعة «تشرين»، وعملت في المشافي التابعة لوزارة الصحة، وتولت مناصب إدارية طبية. صدرت روايتها الأولى «حرير الظلام» في 2009، ثم توالت أعمالها تباعاً: «ألف ليلة في ليلة»، و«النباشون»، و«قميص الليل»، و«خانات الريح»، و«وارثة المفاتيح»، فضلاً عن «اسمي زيزفون» التي وصلت إلى القائمة الطويلة في الجائزة العالمية للرواية العربية «البوكر».


أقدم صور مصر والشام الفوتوغرافية

أقدم صور مصر والشام الفوتوغرافية
TT

أقدم صور مصر والشام الفوتوغرافية

أقدم صور مصر والشام الفوتوغرافية

في أكتوبر (تشرين الأول) 1849 غادر مكسيم دو كامب البالغ من العمر 27 عاماً، وهو صحافي طموح ذو آمال عريضة، مدينة باريس لتصوير مواقع متنوعة عبر شرق البحر المتوسط. وبعد أن شُجِّع رسمياً على استغلال «الدقة التي لا تقبل الجدل» في التصوير الفوتوغرافي الناهض كفن حديث آنذاك، عاد إلى فرنسا بعد عام ونصف العام ومعه أكثر من 200 صورة، اختير منها 125 صورة لتشكل مادة لكتابه «مصر والنوبة وفلسطين وسوريا»، وهو أول كتاب مصور فوتوغرافياً يُنشر في فرنسا.

يتخذ الباحث والمؤرخ في شئون العمارة والفنون التراثية دكتور خالد عزب من تلك الواقعة مدخلاً لكتابه «الشرق بعيون الكاميرا الأولى - أقدم الصور الفوتوغرافية لمصر والشام» الصادر أخيراً عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة والذي يرصد تجارب الرحلات الأولى التي قام بها صحافيون ومغامرون ومستشرقون أخذوا على عاتقهم الاستفادة من نشأة الفوتوغرافيا كأداة لتسجيل وتوثيق ونقل عالم الشرق إلى مواطنيهم وقرائهم في الغرب عبر الكتب والصحف على حد سواء.

قضى مكسيم عشرة أيام في الإسكندرية، ثم ذهب إلى مدينة رشيد واستقل قارباً للقاهرة، حيث مكث من نوفمبر (تشرين الثاني) 1849 حتى فبراير (شباط) 1850 وزار حي «المطرية» والأهرامات، ثم عرج على الصعيد والتقط صوراً لمحافظة بني سويف، حتى وصل إلى معبد «أبوسمبل» وتجول بين أعمدته الشاهقة وكالعادة سجَّل ملاحظاته بكل دقة وفق منهج واضح في الكتابة والتحليل.

أشادت آراء نقدية في الصحف الفرنسية بأعماله المصورة ورأت فيها «معياراً جمالياً للتصوير الوثائقي»، حيث تُقدَّم مطبوعاته الورقية بدرجات ألوان باردة متدرجة، وصفها أحد النقاد بأنها «رمادية زاهية»، كما تتمتع هذه الأعمال بـ«بنطاق مدهش من الألوان الدافئة والعمل اليدوي والتوهج الذي يذكرنا بأصلها المتوسطي». وعلى الرغم من تركيز الكتاب على المعالم الأثرية والأطلال القديمة، فإنه يقدم أيضاً دليلاً على الحضارة الحديثة التي نشأت في العمارة ومشاريع الري والهندسة.

ويتطرق خالد عزب كذلك إلى دي برانجي ورحلته إلى الشرق، معتبراً أننا هنا أمام واحدة من أفضل مجموعات الصور التي التُقطت لمصر والشام في الحقبة الأولى لانتشار التصوير الفوتوغرافي.

ولد جوزيف جيرالد دي برانجي بفرنسا في 2 أكتوبر 1804 لعائلة ثرية وظل طفلاً وحيداً بعد وفاة إخوته، درس الرسم وواصل دراسته في باريس حيث حصل في عام 1828 على دبلوم في الفنون، وكان لديه اهتمام بدراسة الآثار، كما كان له دور مميز في الحفاظ على تراث فرنسا، لكن طغى عليه اهتمامه بالثقافة الإسلامية بشكل خاص، فضلاً عن الهندسة المعمارية والبستنة.

كانت له رحلات عديدة إلى الخارج فزار في الفترة من 1831 إلى 1834 كلاً من إيطاليا والجزائر وإسبانيا وصقلية وسويسرا حيث قدم خلالها رسومات للآثار والمناظر الطبيعية. بعد إقامة دي برانجي في روما، ذهب إلى اليونان ثم القاهرة والإسكندرية، فضلاً عن القدس وبعلبك ودمشق وحلب.

بالنسبة إليه، كانت الصور الفوتوغرافية مجرد أداة في خدمة الرسم ووفرت له نسخاً دقيقة للآثار لتبرز التفاصيل المعمارية الدقيقة، حيث قام بتصنيف لقطاته التي لا تعد ولا تحصى بعناية، وكتب على ظهرها التواريخ والأماكن التي التقطها فيها لكنه لم يفكر في عرضها على الفور، لتنشر فيما بعد تباعاً.