عندما انتقل برونو غيمارايش من ليون إلى نيوكاسل يونايتد في يناير (كانون الثاني) 2022، انتشرت على نطاق واسع رواية مفادها أنه رفض آرسنال مفضلاً الانتقال إلى ملعب «سانت جيمس بارك». وساهم اللاعب البرازيلي نفسه في تعزيز هذه الرواية، بعدما نشر عبر حساباته في وسائل التواصل الاجتماعي مقطع فيديو تضمن عدداً من عناوين الصحف التي تحدثت عن رغبة آرسنال في التعاقد معه.
وكان من الطبيعي أن يحتفي جمهور نيوكاسل بالأمر، خصوصاً أنه كان لا يزال يعيش أجواء الاستحواذ الأخير من جانب صندوق الاستثمارات العامة السعودي. وكان طموح الجماهير يتمثل في الإطاحة بالقوى التقليدية في كرة القدم الإنجليزية، ولذلك عُد التعاقد مع غيمارايش مؤشراً على أن نيوكاسل أصبح مستعداً بالفعل لمنافسة أندية بحجم آرسنال وقوته المالية.
وبحسب صحيفة «التلغراف البريطانية»، حتى كلمات الأغنية التي خصصها جمهور نيوكاسل للاعب البرازيلي تضمنت إشارة إلى النادي اللندني، إذ كان المشجعون يرددون أن غيمارايش «كان بإمكانه التوقيع لآرسنال»، غير أنه اختار بدلاً من ذلك اللعب بالقميص الشهير ذي اللونين الأسود والأبيض.
غير أن معلومات «تلغراف سبورت» تكشف أن حقيقة ما حدث كانت مختلفة إلى حد ما عن الرواية التي أصبحت شائعة في شمال شرقي إنجلترا. صحيح أن آرسنال أبدى اهتماماً قوياً بغيمارايش قبل انتقاله إلى نيوكاسل، غير أن اللاعب لم يرفض النادي اللندني. بل يمكن القول إن آرسنال هو الذي تراجع عن التعاقد معه، قبل نحو ستة أشهر من وصوله إلى الدوري الإنجليزي الممتاز.
في صيف 2021، كان فريق الاستقطاب والمسؤولون التنفيذيون في آرسنال متفقين إلى حد كبير على أن غيمارايش سيكون إضافة ممتازة لخط الوسط. وكان الاتفاق مع ليون شبه جاهز لإتمام الصفقة، قبل أن يتوقف كل شيء بصورة مفاجئة، وكان السبب الرئيسي تحفظ الجهاز الفني في آرسنال على بعض الجوانب المتعلقة باللاعب.
واللافت أن مدرب آرسنال في ذلك الوقت هو نفسه الذي وافق الآن على دفع 75 مليون جنيه إسترليني للتعاقد مع غيمارايش بعقد يمتد أربعة أعوام، مع خيار التمديد لموسم إضافي. ومن الواضح أن ميكيل أرتيتا وطاقمه أصبحوا أكثر اقتناعاً بقدرات البرازيلي مقارنة بما كانوا عليه قبل خمسة أعوام.
وقال أندريا بيرتا، المدير الرياضي لآرسنال: «برونو لاعب يتمتع بعقلية رائعة وجودة كبيرة، وسيضيف قيادة قوية إلى مجموعتنا. بانضمامه إلينا، نعزز قلب الفريق بصورة أكبر. يستطيع اللعب لاعبَ وسط دفاعياً، وكذلك لاعب وسط يتحرك بين منطقتي الجزاء».
وأضاف: «سيمنح برونو ميكيل مزيداً من الخيارات لتطوير أسلوب لعبنا، كما سيرفع مستوى المنافسة داخل الفريق، وهو أمر أساسي للحفاظ على المعايير المطلوبة عندما يكون هدفنا الفوز بالبطولات الكبرى».
والأكثر إثارة أن اهتمام آرسنال بغيمارايش يعود إلى ما قبل 2021. فقبل ذلك بنحو 18 شهراً، عندما كان اللاعب لا يزال في البرازيل، أبلغ فريق الاستقطاب في النادي مسؤولي أتلتيكو باراناينسي بإعجابه باللاعب.
وربما توجد داخل آرسنال بعض الحسرة على عدم تحويل ذلك الاهتمام إلى صفقة فعلية في 2020 أو 2021، خصوصاً أن تكلفة التعاقد معه آنذاك كانت ستكون أقل كثيراً من قيمته الحالية. فقد دفع ليون نحو 17 مليون جنيه إسترليني للحصول عليه من أتلتيكو باراناينسي، قبل أن يتوصل نيوكاسل لاحقاً إلى صفقة تصل قيمتها إلى 43 مليون جنيه إسترليني لضمه من النادي الفرنسي.
الفارق الآن أن آرسنال يعرف تماماً نوعية اللاعب الذي يتعاقد معه. قبل وصول غيمارايش إلى الدوري الإنجليزي، كانت هناك دائماً مخاطرة تتعلق بمدى قدرته على التأقلم مع المسابقة. وبعد خمسة مواسم أصبح خلالها أحد أفضل لاعبي الدوري، بات آرسنال واثقاً تماماً من قدرته على توفير العناصر التي يحتاج إليها الفريق.
والسبب وراء وصوله إلى ملعب الإمارات واضح: آرسنال يحتاج إلى خيار إضافي من الطراز الرفيع في وسط الملعب. خلال الموسم الماضي، خاض ديكلان رايس ومارتن زوبيميندي عدداً هائلاً من المباريات بإيقاع بدني مرتفع، حتى وصلا إلى مرحلة الإرهاق. ولعب رايس أشهراً وهو يعاني من الألم، بينما تراجع مستوى زوبيميندي بصورة حادة إلى درجة فقد معها مكانه في التشكيلة خلال الأسابيع الأخيرة من الموسم.
وكان كريستيان نورغارد قد تعاقد معه آرسنال ليكون البديل لهذين اللاعبين، إلا أنه لم ينجح في كسب ثقة أرتيتا، وشارك في عدد محدود للغاية من المباريات، قبل السماح له بالانتقال إلى إيفرتون.
ولا يستطيع آرسنال تحميل رايس وزوبيميندي الأعباء نفسها هذا الموسم. وبالتعاقد مع غيمارايش، حصل النادي على لاعب صاحب خبرة يستطيع تخفيف الضغط البدني عنهما. ومع الاتجاه على ما يبدو إلى التعامل مع مايلز لويس-سكيلي باعتباره لاعب وسط بدلاً من ظهير أيسر، يدخل آرسنال الموسم الجديد، نظرياً، بأربعة لاعبين في مراكز الوسط المتأخرة يحظون بثقة أرتيتا.
هل سيكون غيمارايش الخيار الأول للعب إلى جانب رايس في المباريات الكبرى؟ حجم المبلغ الذي دفعه آرسنال قد يدفع إلى هذا الاعتقاد، إلا أن الأمر لم يُحسم بعد. فقد أنهى لويس-سكيلي الموسم الماضي أساسياً في هذا المركز، وقدم مستويات مميزة في مباريات حاسمة بالدوري الإنجليزي ودوري أبطال أوروبا. وإذا استعاد زوبيميندي مستواه الذي ظهر به في النصف الأول من الموسم، فلن يكون من السهل إبعاده عن التشكيلة.
وأثبت غيمارايش خلال تجربته مع نيوكاسل أنه قادر أيضاً على اللعب في مناطق أكثر تقدماً، وقد تساعد قدراته الهجومية آرسنال على تقديم كرة أكثر انسيابية في الثلث الأمامي. وسجل الموسم الماضي تسعة أهداف في جميع المسابقات مع نيوكاسل، مقابل خمسة أهداف لرايس وستة لزوبيميندي بقميص آرسنال.
ويُعد غيمارايش أحد أكثر لاعبي الوسط تكاملاً في الدوري الإنجليزي الممتاز. فهو يجمع بين التمريرات القادرة على اختراق الخطوط، والتهديد المستمر أمام المرمى، والعمل الدفاعي المتواصل. وفي الموسم الماضي، تفوق في عدد المواجهات الثنائية والتدخلات الناجحة لكل 90 دقيقة على جميع لاعبي وسط آرسنال.
كما يتمتع بشخصية قيادية، وكان محبوباً بشدة لدى جماهير نيوكاسل بسبب تنافسيته الشرسة واستعداده الدائم لخوض المواجهات والقتال داخل الملعب.
ويتميز أيضاً بقدرته الكبيرة على تحمل ضغط المباريات. فقد شارك في 40 مباراة على الأقل مع ناديه في كل موسم من المواسم الأربعة الماضية، إضافة إلى خوضه 45 مباراة دولية مع المنتخب البرازيلي منذ بداية عام 2022.
كل هذه المؤشرات تجعل اللاعب البالغ من العمر 28 عاماً قوة متكاملة وجاهزة فوراً لخدمة آرسنال. وبعد إتمام صفقة استغرق الوصول إليها ستة أعوام، سيكون أمام غيمارايش الآن تحدي إثبات قدرته على تقديم مستوياته نفسها في بيئة تنافسية أعلى، وإظهار أن انتظار آرسنال كل هذه السنوات كان يستحق العناء.
