فلسطينيو «اليرموك» يشاركون السوريين فرحة «إسقاط الديكتاتورية»

بكاء فرح وسجود في «التضامن»... وعَلم الثورة يرفرف بأرجاء المخيم

مدخل مخيم اليرموك الشمالي من شارع اليرموك الرئيسي (الشرق الأوسط)
مدخل مخيم اليرموك الشمالي من شارع اليرموك الرئيسي (الشرق الأوسط)
TT

فلسطينيو «اليرموك» يشاركون السوريين فرحة «إسقاط الديكتاتورية»

مدخل مخيم اليرموك الشمالي من شارع اليرموك الرئيسي (الشرق الأوسط)
مدخل مخيم اليرموك الشمالي من شارع اليرموك الرئيسي (الشرق الأوسط)

لم يكن لدى اللاجئين الفلسطينيين، الذين شاركوا السوريين فرحة «إسقاط الديكتاتورية»، أملٌ بأن يعود «مخيم اليرموك»، قرب دمشق، رمزاً لـ«حق العودة» و«عاصمة للشتات الفلسطيني»، بعد أن طمس ذلك نظام بشار الأسد المخلوع. لكن انتصار الثورة السورية والإطاحة به أعادا للمخيم هذه الرمزية والخصوصية.

وبينما اختلطت دموع فرحة عودة المهجَّرين مع احتفالات النصر في «حي التضامن» داخل المخيم، بدا الاطمئنان في شماله واضحاً لدى مؤيدي النظام المخلوع بخروجهم إلى الشوارع، وعودة الحياة الطبيعية إليه، بعدما لمسوا من فصائل المعارضة المسلَّحة حرصها على عدم التعرض لهم أو إيذائهم.

ارتياح ومباركة

في اليوم الخامس من سقوط حكم الأسد، قامت «الشرق الأوسط» بجولة شملت أغلب مناطق المخيم، الواقع على بُعد أكثر من سبعة كيلومترات جنوب دمشق.

حاجز بركة الذي كان على مدخل حيي التضامن ودف الشوك وكان يوصف بحاجز الرعب (الشرق الأوسط)

ويبدو التغيّر واضحاً على مدخل المخيم الشمالي، إذ إن أول ما يلفت الانتباه هو إضافة عبارة «مخيم اليرموك» على القوس الإسمنتي المثبت في بداية شارع اليرموك الرئيسي، بعدما كان مكتوباً عليه عبارة «شارع اليرموك» فقط. وقد كُتبت العبارة بين عَلمي الثورة السورية وفلسطين.

كما اختفت، في بداية شوارع اليرموك الرئيسي، وفلسطين والـ30، التي تشكل المدخل الشمالي للمخيم، حواجز الرعب التي وضعها النظام، وكذلك عناصره وصوره وأعلامه، وسط ازدياد في حركة المارّة والسيارات.

شارع الجلاء في شمال حي التضامن باليرموك وتبدو الحياة فيه طبيعية (الشرق الأوسط)

والملاحَظ، خلال الجولة، إغلاق الفصائل الفلسطينية التي اصطفّت مع نظام الأسد وقاتلت معه ضد شعبه، مكاتبها واختفاء عناصرها، في حين توضح عدة مصادر أهلية، لـ«الشرق الأوسط»، أنهم هربوا منذ ليلة سقوط النظام.

المصادر الأهلية، التي تؤكد أن الوضع حالياً «أفضلُ بكثير» مما كان عليه خلال «حُكم الطاغية»، تطالب حكومة الحكم الجديد بالإسراع بإعادة الخدمات الأساسية للمخيم، وإعادة إعماره، لكي يكون كما كان منطقة حيوية على جميع الصُّعد.

شارع نسرين في شمال حي التضامن باليرموك وتبدو الحياة فيه طبيعية (الشرق الأوسط)

ومع قلة انتشار مقاتلي فصائل المعارضة في شوارع المخيم، تؤكد المصادر الأهلية أن الأولوية حالياً لـ«بسط الأمن والأمان في المخيم لقطع الطريق على ضعاف النفوس».

مبادرات أهلية

ووسط حركة نشطة للمارة والسيارات في شارع فلسطين، كان الاحتفال بإسقاط حكم الأسد مستمراً، ويجري التعبير عنه بعدة طرق؛ منها تبادل التهاني مع الأشخاص والعائلات الجديدة العائدة إلى منازلها.

وبينما كان عدد من الشباب يمرون من الشارع، وهم يقودون دراجات نارية رافعين عَلم الثورة، كانت سيارات لفصائل المعارضة تجوب الشارع، ويرفع المقاتلون من نوافذها شارات النصر.

قيادي بفصائل المعارضة جالس أمام منزله في حي التضامن وعَلم الثورة مرفوع على شرفته (الشرق الأوسط)

في آخِر شارع فلسطين، يلفت الانتباه مبادرة مجموعة من الأهالي إلى إزالة السواتر الترابية من مداخل الجادات المؤدية إلى حي التضامن، على نفقتهم الخاصة. ويقول أحدهم، لـ«الشرق الأوسط»: «نفتح حارات المخيم على التضامن، ونتمنى من القيادة الجديدة أن تُحرك الآليات التابعة لها. الوضع حالياً أحسن بكثير، ونريد أن يضعوا يدهم معنا؛ لأن يدنا وحدها لا تصفق».

غارات مُمنهجة

الارتياح كان جلياً على أمين سر اتحاد عمال فلسطين-فرع سوريا، مهند شحادة، الذي التقته «الشرق الأوسط» في مكتبه وسط شارع اليرموك، حيث بارك للشعب السوري «إسقاط الديكتاتورية».

يشرح شحادة، في بداية حديثه، أنه خلال الحرب في سوريا جرى تدمير المخيمات الفلسطينية؛ ومن بينها «اليرموك»، بالغارات الجوية بشكل مُمنهج، خلال الأيام العشرة الأخيرة من العملية العسكرية التي شنّها نظام الأسد وحلفائه في مايو (أيار) عام 2018، والتي أفضت إلى سيطرتهم على المخيم، وذلك على الرغم من أن الباصات كانت تنتظر على مداخله لتهجير مقاتلي المعارضة وعوائلهم.

عَلم الثورة مرفوع على منزل في حي التضامن بمخيم اليرموك (الشرق الأوسط)

وبعد سيطرة النظام على المخيم أصدر عدة قرارات بإعادة الأهالي إلى منازلهم دون قيد أو شرط، ولكن لم يعد إلا عدد قليل من العائلات بسبب إجراءاته الأمنية التعجيزية، وعدم إعادة، ولو الحد الأدنى من الخدمات الأساسية، وفقاً لشحادة.

شارع إسكندرون في وسط حي التضامن بمخيم اليرموك وتبدو الحياة فيه طبيعية (الشرق الأوسط)

ويوضح شحادة أن نظام الأسد الذي طالما تبجّح بدعم القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني، واتخذ من ذلك مظلة للتغطية على استبداده وظلمه وجرائمه، قام، بعد سيطرته على المنطقة، بإلغاء صفة «مخيم» عن اليرموك، وأطلق عليه تسمية «منطقة»، كما ألغى «اللجنة المحلية للمخيم» التي كانت قد تأسست عام 1964 لتثبيت خصوصيته بوصفه منطقة إدارية مستقلة، واستبدل بها «دائرة خدمات اليرموك»؛ أي ألحقه بمحافظة دمشق كأي حي من أحياء المدينة.

قرارات وإجراءات نظام الأسد السابقة، وفق أمين سر اتحاد عمال فلسطين-فرع سوريا، التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية، «أثارت استياء كبيراً لدى اللاجئين الفلسطينيين؛ لأن إلغاء كلمة (مخيم) مسألة كبيرة، تعني إلغاء المخيم بوصفه رمزاً لـ(حق العودة) وكـ(عاصمة للشتات الفلسطيني)».

إعادة للرمزية

ويذكر شحادة أنه بعد سقوط النظام، جرى التواصل مع قيادات في الفصائل المعارِضة، وطلب إعادة الهوية التاريخية للمخيم بوصفه رمزاً لـ«حق العودة» و«عاصمة للشتات الفلسطيني»، بعد أن طمسها نظام الأسد المخلوع، و«جرت الموافقة على ذلك، وتُرجم الأمر على أرض الواقع، وهو واضح على مدخله».

أمين سر اتحاد عمال فلسطين-فرع سوريا مهند شحادة (الشرق الأوسط)

ويؤكد أنه، ومنذ اليوم الأول لسقوط النظام، تتوافد العائلات العائدة إلى منازلها، سواء من مناطق محيطة بدمشق أم من شمال البلاد، مقدِّراً أعداد العائلات العائدة يومياً، بالعشرات.

تاريخ المخيم

وجرت اللبِنات الأولى لإقامة «مخيم اليرموك» عام 1957، ومع توسع دمشق أصبح جزءاً أساسياً من مكوناتها الجغرافية والديموغرافية، وبات أكبر تجمُّع للاجئين الفلسطينيين في كل من سوريا ولبنان والأردن، ورمزاً لـ«حق العودة»، كما يُعرف بـ«عاصمة الشتات الفلسطيني»؛ لأنه يضم 36 في المائة من اللاجئين الفلسطينيين في سوريا، البالغ عددهم قبل الحرب أكثر من 450 ألف لاجئ.

مخيم اليرموك جنوب دمشق لحقه دمار كبير خلال سنوات الحرب (أ.ف.ب)

وبلغ عدد سكان المخيم، قبل اندلاع الحرب في عام 2011، ما بين 500 و600 ألف نسمة، بينهم أكثر من 160 ألف لاجئ فلسطيني، قاتل غالبيتهم إلى جانب فصائل المعارضة، في حين قتل واعتقل النظام الآلاف منهم، وهجَّر أغلبيتهم واستولى على ممتلكاتهم.

ودمَّر نظام الأسد، خلال سنوات الحرب، أكثر من 60 في المائة من الأبنية والمؤسسات والأسواق والبنى التحتية في المخيم، بعد سيطرة فصائل المعارضة، ومن ثم «داعش» و«هيئة تحرير الشام»، أواخر عام 2012 عليه.

فرحة عارمة

في «حي التضامن»، الواقع في أقصى جنوب شرقي العاصمة، ويشكل المدخل الجنوبي لدمشق، كانت الفرحة عارمة بالإطاحة بحكم الأسد، إذ رصدت «الشرق الأوسط»، على مدار الأيام الأربعة الماضية، استمرار الاحتفالات بالنصر وانتشاراً واسعاً لمقاتلي الفصائل المعارِضة، وعودة كثير من العائلات المهجَّرة في شمال البلاد.

ابتسامة فلسطينية في مخيم اليرموك بعد سقوط الأسد (أ.ف.ب)

يوضح قيادي من فصائل المعارضة، وهو جالس مع مجموعة من زملائه أمام منزله الذي يرفرف على شُرفته عَلم الثورة وسط الحي، أنه من أهالي حي التضامن، وعاد مع عائلته إلى منزله مع الإطاحة بالنظام بعد تهجيرهم إلى شمال البلاد منذ عام 2012.

ويقول القيادي، لـ«الشرق الأوسط»، لقد «أثبتت الأيام أننا لسنا إرهابيين. هم (مؤيدو النظام) عذّبونا كثيراً، ولكننا لن نعاملهم بمثل ما عاملونا، والأهالي مبسوطة بوجودنا، وتثبت أننا أفضل منهم، والأيام المقبلة ستثبت ذلك أكثر».

مع التعمق في جنوب الحي؛ حيث كانت تسيطر فصائل المعارضة، كانت مظاهر الفرح تتبدى أكثر، إذ رصدت «الشرق الأوسط» عودة كثير من العائلات المهجَّرة إلى الحي.

وبينما كانت أفراد إحدى العائلات العائدة ينزلون من سرفيس صغير (يتسع لـ12 راكباً) وهم يبكون فرحاً، وبعضهم يسجد على الأرض، ويعانقون مُستقبِليهم، والنساء يطلقن الزغاريد، لم تستطع إحدى النساء التحدث؛ من شدة البكاء، واكتفت بالقول، لـ«الشرق الأوسط»: «ولينصرن الله من ينصره وقد نصرنا».

دمار واسع لحق مخيم اليرموك جنوب دمشق خلال سنوات الحرب (أ.ف.ب)

في المقابل، وبعد أن لزم مؤيدو النظام في شمال الحي منازلهم ليومين بعد سقوط النظام؛ لاعتقادهم أن مقاتلي المعارضة سينتقمون منهم، خرجوا بشكل مكثف إلى شوارع نسرين والجلاء وإسكندرون وبركة، بعدما تأكدوا أن مقاتلي المعارضة الذين انتشروا في الحي حريصون على عدم التعرض لهم، وعدم ممارسة العنف والتنكيل والقتل والتهجير بحقِّهم، علماً بأن مسلحي ميليشيا «الدفاع الوطني»، المؤيدة للنظام، ارتكبوا أبشع الجرائم وشتى أنواع العنف والتنكيل بحق المعارضين في بداية الثورة.


مقالات ذات صلة

اتفاق مؤقت بين لبنان وسوريا يسمح بمرور الشاحنات

المشرق العربي سائقو شاحنات لبنانية يعتصمون عند نقطة المصنع الحدودية مع سوريا اعتراضاً على قرار سوري يمنع شاحناتهم من دخول أراضيها (أ.ف.ب)

اتفاق مؤقت بين لبنان وسوريا يسمح بمرور الشاحنات

توصل لبنان وسوريا، الخميس، إلى اتفاق مؤقت يقضي بإعادة حركة الشاحنات إلى طبيعتها لمدة أسبوع واحد، بعد قرار سوري قضى بمنع الشاحنات غير السورية من دخول أراضيها.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي الرئيس السوري أحمد الشرع مع وزير الخارجية أسعد الشيباني ووزير الداخلية السوري أنس حسن خطاب (سانا)

الأمم المتحدة: الرئيس السوري ووزيران كانوا هدفاً لخمس محاولات اغتيال فاشلة من «داعش»

أفاد الأمين العام للأمم المتحدة، في تقرير حول التهديدات التي يشكلها «داعش»، أن الرئيس السوري ووزير الداخلية ووزير الخارجية كانوا هدفاً لخمس محاولات اغتيال فاشلة

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
المشرق العربي جنود أميركيون مع مقاتلين من «جيش سوريا الحرة» قرب قاعدة التنف (أرشيفية - جيش سوريا الحرة)

الجيش السوري يتسلم قاعدة التنف العسكرية من القوات الأميركية

ذكرت وزارة ​الدفاع السورية، الخميس، أن وحدات من الجيش تسلمت قاعدة التنف ‌العسكرية بعد مغادرة ‌القوات ​الأميركية.

«الشرق الأوسط» (دمشق - لندن)
المشرق العربي مجموعة من «قسد» تنسحب من الخطوط الأمامية في الحسكة (رويترز)

رفع سواتر ترابية وتفجير ألغام تحضيراً لعودة الحياة الطبيعية إلى الحسكة

جرت اليوم (الأربعاء) إزالة السواتر الترابية من المدخل الجنوبي للمدينة تمهيداً لفتح الطرقات وانسيابية حركة المرور في أعقاب التأكد من خلو المدينة من مظاهر السلاح

«الشرق الأوسط» (دمشق - لندن)
خاص لافتة كبيرة لبنيامين نتنياهو في مظاهرات مؤيدي الهجري الأخيرة (متداولة)

خاص مصادر درزية: ضغط أهلي يجبر «الحرس الوطني» على فتح طريق دمشق – السويداء

أجبر ضغط المجتمع المحلي في محافظة السويداء جنوب سوريا، «قوات الحرس الوطني»، على إعادة فتح طريق دمشق – السويداء، ذهاباً وإياباً أمام المدنيين والقوافل التجارية

موفق محمد (دمشق)

وفد «حماس» في القاهرة... محادثات بشأن «نزع السلاح» ودفع المرحلة الثانية

طفل فلسطيني يقف خلف سلك بلاستيكي وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
طفل فلسطيني يقف خلف سلك بلاستيكي وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
TT

وفد «حماس» في القاهرة... محادثات بشأن «نزع السلاح» ودفع المرحلة الثانية

طفل فلسطيني يقف خلف سلك بلاستيكي وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
طفل فلسطيني يقف خلف سلك بلاستيكي وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)

تتسارع المحادثات الثنائية بشأن تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة؛ فمن اجتماع الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، إلى زيارة وفد من حركة «حماس» للقاهرة، والتي تتناول دفع المرحلة الثانية ومساعي نحو تفاهمات بشأن نزع سلاح الحركة...

ذلك الملف الحرج الذي تتمسك به إسرائيل، وتتحفظ «حماس» عليه، وتطالب بمقاربة جديدة، ستحاول القاهرة أن تجد له مخرجاً يحقق مصلحة المنطقة والقضية الفلسطينية، خاصة في ظل مقترح أميركي مطروح، قائم على التدرج في هذا الملف، قبيل أيام من أول اجتماع لـ«مجلس السلام» يوم 19 فبراير (شباط) الحالي، وفق ما يرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط».

أولويات «حماس»

وقال مصدر فلسطيني مطلع، مقرب من «حماس»، لـ«الشرق الأوسط»، إن وفداً من الحركة موجود في القاهرة بقيادة خليل الحية، يبحث تنفيذ بنود الاتفاق ومواجهة الخروقات المستمرة من جانب إسرائيل، مؤكداً أنه سيناقش ملفات بينها نزع السلاح أيضاً، لكن الأولوية التي تسعى لها الحركة حالياً هي دعم تعافي الشعب الفلسطيني وزيادة المساعدات، خاصة مع اقتراب شهر رمضان الكريم، غير مستبعد حدوث لقاء بين «حماس» و«فتح» بالقاهرة حال توفرت الإرادة لدى حركة التحرير الفلسطينية في ظل عدم وجود شروط مسبقة من الحركة.

مسلحون من الفصائل الفلسطينية يحمون قوافل المساعدات في غزة يوم 17 يناير 2024 (رويترز)

ونقلت صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية، الخميس، عن مسؤول رفيع في «مجلس السلام» الذي سيعقد أول اجتماعاته في 19 فبراير الحالي، أن «(حماس) وافقت على نزع سلاحها، والذي سيبدأ الشهر المقبل»، مستدركاً: «لكن آخر ما سيتم تفكيكه سيكون الأسلحة الخفيفة؛ لأن (حماس) تخشى الفصائل في غزة».

وجاءت هذه التسريبات الإسرائيلية غداة حديث صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية عن أن واشنطن تعد مقترحاً جديداً موجهاً لحركة «حماس»، يتضمن تسليم الأسلحة الثقيلة القادرة على ضرب إسرائيل، مع السماح لها بالاحتفاظ ببعض الأسلحة الخفيفة في المرحلة الأولى، وسيُقدم هذا المقترح خلال أسابيع.

وجاء المقترح الذي سربته الصحيفة الأميركية بعد يومين من رفض القيادي البارز بـ«حماس»، خالد مشعل، في منتدى بالدوحة، الأحد، نزع السلاح كلياً، قائلاً: «شعبنا ما زال تحت الاحتلال، لذلك فالحديث عن نزع السلاح هو محاولة لجعل شعبنا ضحية يسهل القضاء عليه وإبادته، من طرف (إسرائيل) المتسلحة بكل السلاح الدولي».

ودعا مشعل «مجلس السلام»، الذي يرأسه ترمب، إلى اعتماد «مقاربة متوازنة» قبيل اجتماعه المرتقب، في حين أعلنت رئاسة الوزراء الإسرائيلية أن نتنياهو وقَّع، خلال لقائه وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، الأربعاء، على عضوية الانضمام لـ«مجلس السلام» في غزة قبل لقاء ترمب.

والإعلان عن وصول وفد «حماس» للقاهرة يأتي بعد لقاء وفد من حركة «فتح» مع وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، في القاهرة، الثلاثاء.

وقال المحلل السياسي الفلسطيني، إبراهيم المدهون، إن «وجود وفد من حركة (حماس) وعدد من الفصائل الفلسطينية في القاهرة لا يمكن فصله عن الجهود الجارية لترتيب (اليوم التالي) في قطاع غزة، والعمل على تفعيل (خطة السلام) التي أُقرت وحظيت بموافقة فلسطينية»، متوقعاً «إمكانية أن تكون هناك مشاورات فلسطينية - فلسطينية، بخلاف التنسيق مع القيادة المصرية للوصول لحلول، وبحث إمكانية فتح مسار حوار مع قيادة حركة (فتح) والسلطة الفلسطينية».

وفيما يتعلق بملف السلاح، فحركة «حماس»، بحسب تقديرات المدهون، ستكون «حذرة من الانزلاق إلى نقاش مبكر حول هذا العنوان، وترى أن الأولوية في هذه المرحلة يجب أن تكون لوقف العدوان، وانسحاب الاحتلال الإسرائيلي إلى ما يُعرف بـ(الخط الأحمر)، مع وجود قوات دولية أو إقليمية تساهم في تثبيت وقف إطلاق النار ومنع تجدد المواجهة، مع حماية الشعب الفلسطيني وإغاثته، وتهيئة الظروف لإعادة الإعمار».

أطفال يتسلقون عبر الأنقاض من ثقب جدار بمخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني، حسام الدجني، أن موقف «حماس» يتمسك بمقاربة ترك السلاح مقابل إنهاء الاحتلال، ولكن فكرة واشنطن المطروحة بخصوص السلاح الثقيل والتدرج ربما تكون قابلة للنقاش والدراسة من الحركة لاحقاً حال توفرت ضمانات، مشيراً إلى أن إسرائيل ستحاول تضخيم هذا الملف رغم أن الصواريخ التي كانت مع «حماس» لم تطلق منذ نحو 6 أشهر، بما يعني أنها نفدت، حسب رأيه.

ويأتي الإعلان عن زيارة «حماس» للقاهرة بعد إعلان الجيش الإسرائيلي، الأربعاء، مقتل أحمد حسن، قائد كتيبة بيت حانون التابعة لحركة «حماس» في قطاع غزة، خلال عملية عسكرية شمال القطاع.

وفي ضوء تلك الخروق، يرى المدهون أن «حماس» ستتعامل مع ملف السلاح باعتباره شأناً وطنياً جامعاً، لا يُحسم بضغط خارجي أو باشتراطات إسرائيلية، بل عبر توافق فلسطيني شامل يكون جزءاً من أي صيغة سياسية مستقبلية، ويرى كذلك أن إثارة الاحتلال لقضية السلاح في هذه المرحلة تأتي في سياق محاولة تعطيل الاتفاق أو تفريغه من مضمونه، لا سيما أن المرحلة الثانية من التفاهمات كان أساسها انسحاب الاحتلال، وفتح المعابر، والبدء بإعادة الإعمار.

ويعتقد الدجني أن ترمب سيحاول إنهاء هذه المعضلة بهذا المقترح التدريجي لنزع السلاح، مشيراً إلى أن «قوات الاستقرار» بغزة، إذا كانت حيادية، ستكون مقبولة، وستكون ضماناً لاستقرار القطاع والمنطقة.


إسرائيل تقلق العائدين إلى جنوب لبنان بالقصف والتوغل وتفجير المنازل

لبناني من سكان بلدة كفركلا الحدودية مع إسرائيل في جنوب لبنان ينتظر وصول رئيس الحكومة نواف سلام للبلدة المدمرة جراء الحرب خلال زيارة له الأحد إلى المنطقة (أ.ف.ب)
لبناني من سكان بلدة كفركلا الحدودية مع إسرائيل في جنوب لبنان ينتظر وصول رئيس الحكومة نواف سلام للبلدة المدمرة جراء الحرب خلال زيارة له الأحد إلى المنطقة (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تقلق العائدين إلى جنوب لبنان بالقصف والتوغل وتفجير المنازل

لبناني من سكان بلدة كفركلا الحدودية مع إسرائيل في جنوب لبنان ينتظر وصول رئيس الحكومة نواف سلام للبلدة المدمرة جراء الحرب خلال زيارة له الأحد إلى المنطقة (أ.ف.ب)
لبناني من سكان بلدة كفركلا الحدودية مع إسرائيل في جنوب لبنان ينتظر وصول رئيس الحكومة نواف سلام للبلدة المدمرة جراء الحرب خلال زيارة له الأحد إلى المنطقة (أ.ف.ب)

كثف الجيش الإسرائيلي من وتيرة التوغل في المنطقة الحدودية في جنوب لبنان، حيث يمضي في نسف المنازل، إلى جانب تكثيف رمي القنابل الصوتية في المنطقة، في مسعى لإفراغ المنطقة الحدودية ممن تبقى من السكان أو من عادوا إليها بعد الحرب، وإقلاقهم بالقصف والتفجيرات والرشقات النارية.

وبينما لم تُسجل أي غارات جوية في منطقة شمال نهر الليطاني منذ نحو أسبوع، تتركز الانتهاكات لاتفاق وقف إطلاق النار الموقع في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، في المنطقة الحدودية، وتتخذ عدة أشكال تتراوح بين التوغل داخل الأراضي اللبنانية، وتنفيذ تفجيرات للمنازل، حتى المتضررة منها جراء الحرب أو المعرضة لقصف سابق، إلى جانب إطلاق رشقات نارية متواصلة من المواقع العسكرية باتجاه القرى، فضلاً عن القصف المدفعي المتقطع، ورمي القنابل الصوتية في القرى من مسيّرات.

تفجير أربعة منازل

وأفادت «الوكالة الوطنية للإعلام» اللبنانية الرسمية، الخميس، بأن قوة مشاة إسرائيلية توغلت فجراً إلى حي النورية الواقع في وسط بلدة كفركلا الحدودية، وأقدمت على تفخيخ وتفجير أحد المباني السكنية في الحي. كذلك أقدمت على تفجير مبنيين عند أطراف بلدة عديسة على مقربة من وادي هونين، بواسطة المتفجرات، ما أدى إلى تدميرهما تماماً.

لبنانيون ينتحبون على نعش عنصر في قوى الأمن الداخلي قُتل هو وطفله البالغ من العمر ثلاث سنوات بغارة إسرائيلية استهدفت بلدة يانوح شرق مدينة صور بجنوب لبنان (أ.ب)

وكانت بلدية بليدا قد أعلنت في بيان الأربعاء، أن القوات الإسرائيلية استهدفت منزلاً مأهولاً تقطنه عائلة آمنة مع أطفالها، حيث أُجبرت العائلة على إخلائه تحت القصف، قبل أن تعمد طائرات مسيّرة إلى إلقاء براميل متفجّرة عليه، ما أدى إلى نسفه وتدميره كلياً. وقالت إن استهداف منزل مدني يؤوي عائلة وأطفالاً يشكّل تصعيداً خطيراً، ويكشف سياسة ممنهجة تهدف إلى ترهيب الأهالي ومحاولة دفعهم إلى مغادرة أرضهم.

قصف وقنابل

والخميس، أفادت الوكالة اللبنانية بأن المدفعية الإسرائيلية قصفت الأطراف الغربية لبلدة يارون بالقذائف الثقيلة، ما أدى إلى تضرر منزلين في الحارة القديمة بعدما أصابهما القصف بشكل مباشر. كما ألقت محلّقة إسرائيلية مسلحة قنبلتين صوتيتين على بلدة عيتا الشعب الحدودية.

آليات عسكرية للجيش اللبناني تواكب زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى بلدة كفركلا الحدودية مع إسرائيل بجنوب لبنان الأحد... ويبدو سكان البلدة في استقباله (أ.ف.ب)

وبعد الظهر، قصفت المدفعية الإسرائيلية منطقة العزية في أطراف بلدة دير ميماس. كما أطلقت نيران رشاشاتها الثقيلة من موقعها المستحدث داخل الأراضي اللبنانية في منطقة اللبونة، مستهدفة أطراف بلدة علما الشعب برشقات متتالية.

وأفادت وسائل إعلام محلية بأن الطيران الحربي والتجسسي والمُسيّر حلّق فوق العديد من المناطق والمدن الجنوبية امتداداً حتى الشمال، مروراً بالعاصمة بيروت.


الطفلة ضحى تنزع عن وجه الجيش الإسرائيلي قناع إنسانية زائفة

TT

الطفلة ضحى تنزع عن وجه الجيش الإسرائيلي قناع إنسانية زائفة

ضحى أبو سنيمة ووالدتها تجلسان بجوار منزل مهدم (الشرق الأوسط)
ضحى أبو سنيمة ووالدتها تجلسان بجوار منزل مهدم (الشرق الأوسط)

قبل أشهر، انتشرت على صفحات التواصل الإسرائيلية صورة جندي يقف إلى جانب طفلة فلسطينية في منطقة نائية على حدود قطاع غزة، ويقدم لها يد العون بعدما ضلَّت الطريق ووصلت إلى مكان انتشار قواته.

راجت الصورة بقوة، فقد كانت مثالاً لـ«إنسانية» تدحض ما يتردد عن «انعدام رحمة» في ظل مجازر تُرتكب في قطاع غزة طوال حرب استمرت عامين وخلَّفت أكثر من 70 ألف قتيل.

لكن الأيام مرت والشهور، لتتكشف حقيقة ما حدث للطفلة ضحى أبو سنيمة (9 سنوات) التي اختفت أنباؤها بعد انتشار الصورة، واكتنف قصتها الغموض.

فبعد رحلة نزوح متكرر، وصلت ضحى إلى منطقة المواصي بغرب خان يونس في جنوب قطاع غزة، حيث أجرت معها «الشرق الأوسط» لقاء روت فيه قصة مغايرة تماماً لما حاكته ماكينة الجيش الإعلامية (الهاسبارا) التي لا تألو جهداً في محاولة تحسين صور الضباط والجنود.

وقصَّت ضحى كيف باتت واحدة من أصعب لياليها في العراء وسط أجواء قاسية، بعدما اقتادها الجنود هي ووالدها إلى موقع عسكري، ورفضوا تقديم أي غطاء لهما يقيهما من شدة البرد.

في العراء... من دون غطاء

كانت ضحى تعيش مع أسرتها في منزلهم بحي الشويكة شرق رفح، قبل أن يُجبر القصف اليومي والدتها على النزوح بشقيقاتها الصغار إلى منطقة مواصي خان يونس، حيث تعيش عائلة الأم، فيما بقت ضحى ووالدها في المنزل الذي وصلت إليه القوات الإسرائيلية في سبتمبر (أيلول) 2025 وطلبت منهما ومن الجيران مغادرة منازلهم واقتادتهم لموقع عسكري بعد تفتيش المنازل وهدمها جميعها، بما فيها بيت أسرة ضحى التي شاهدت الهدم بعينيها.

فلسطينيون على عربات تجرها الدواب وسط مياه أمطار غمرت خيامهم في المواصي غرب خان يونس يوم 15 نوفمبر 2025 (د.ب.أ)

ونُقلت الصغيرة ووالدها إلى الموقع العسكري القريب من حي الشويكة، وهناك خضعت لتحقيق قصير، قبل التحقيق لساعات مع والدها الذي عُصّبت عيناه وقُيّدت يداه. وحين عاد إليها أبوها تقرر نقلهما إلى موقع كرم أبو سالم العسكري، حيث عاشت أقسى أيامها.

فهناك، وحسب رواية الصغيرة، رأت حشوداً عسكرية ضخمة، ثم اقتيد والدها للتحقيق معه مجدداً، هذه المرة لساعات طوال. وحين عاد إليها مع منتصف الليل، كانت في العراء في جو شديد البرودة؛ وعندما طلب الأب من أحد الجنود توفير «بطانية» لها رفض، ما اضطره لخلع سترته كي يدفئ بها ابنته التي نامت على حَجَر كبير.

وفي اليوم التالي، سُمح لها وأبيها بالتوجه نحو مسار دخول شاحنات المساعدات في محيط موقع كرم أبو سالم؛ ومن هناك عادا إلى بيتهما المدمر، وضع الأب خيمة بسيطة بجانبه. وبعد فترة عادت والدتها الحامل إلى المكان نفسه الذي كان شاهداً على مقتل بعض أشقائها، وفقدان أحدهم دون أن يُعرف مصيره، في حوادث منفصلة، وهم يحاولون توفير المياه والطعام للعائلة. ولاحقاً، قُتل الأب في غارة.

ومع اقتراب مخاض الأم المكلومة، اضطرت إلى النزوح مجدداً مع من تبقى من أطفالها، لتلد في أحد مستشفيات مواصي خان يونس.

العناء النفسي

لا تعرف ضحى أين كانت حين التُقطت صورتها مع الجندي الإسرائيلي، وإن كانت تظن أن المكان هو محيط الموقع العسكري الذي نُقلت إليه برفقة والدها أول مرة.

ولا تزال الصغيرة تتذكر وجه الجندي الذي كان يقف جانبها في الصورة، وكيف كانت ترتعد منه خوفاً من أن يقتلها.

وتقول والدتها إن طفلتها تعيش ظروفاً نفسية صعبة وما زالت تطاردها الكوابيس. وتضيف: «أصبحت أكثر عدوانية، وكثيراً ما نراها تبكي وحدها، وتتأثر بقوة كلما رأت طائرات أو قوات إسرائيلية».

وعن حياتها بعد عودتها إلى منطقة منزلها المدمر في الشويكة، قالت إنهم عاشوا ظروفاً مأساوية، لا يتوفر فيها طعام ولا ماء، وإنها اضطرت بعد مقتل زوجها للنزوح مجدداً إلى مواصي خان يونس.

كانت ضحى أقرب الأبناء لأبيها، كما تروي الأم، لذلك تأثرت كثيراً برحيله، ما زاد من تدهور حالتها النفسية.

أما ضحى، فقالت بصوت شَرَخَ الانكسار والوجع براءته: «ياريت أبويا ضل عايش، يجيب إلنا الأكل والمية. إحنا هون ما فيه أكل ولا مية ولا تعليم ولا لعب. بدنا الدنيا ترجع مثل ما كانت قبل. بدنا مدارس وأكل وشرب وثياب. إحنا هون مش مرتاحين، ولا حاجة عنَّا... حتى الفراش والبطاطين. بدي أعيش مثل العالم في بيت مثل كل أطفال العالم وأتعلم».

وتروي والدة ضحى كيف كانت ابنتها تحب الدراسة ومتعلقة بها. وبحسرة قالت: «كان حلمي أشوفها دكتورة لأنها ذكية».

وتظل صورة ضحى والجندي شاهداً حياً على «إنسانية زائفة» تروج لها «الهاسبارا» الإسرائيلية.