«سوريو مصر»... فرح وحذر وترقب لـ«اليوم التالي»

لاجئون سوريون في مصر (مفوضية اللاجئين)
لاجئون سوريون في مصر (مفوضية اللاجئين)
TT

«سوريو مصر»... فرح وحذر وترقب لـ«اليوم التالي»

لاجئون سوريون في مصر (مفوضية اللاجئين)
لاجئون سوريون في مصر (مفوضية اللاجئين)

تفاعل سوريون مقيمون في مصر مع التغيير الذي شهدته بلادهم، بسقوط نظام بشار الأسد، واحتفل كثير من أعضاء الجالية السورية بنجاح فصائل المعارضة، وسط حالة ترقب من تطورات «اليوم التالي» لرحيل نظام بشار.

وعلى مدى أكثر من عقد، تزايدت أعداد السوريين في مصر، مدفوعة بالتطورات السياسية والأمنية، وارتفع عدد السوريين المسجلين في مصر لدى مفوضية اللاجئين، من 12800 سوري نهاية عام 2012، إلى أكثر من 153 ألف سوري نهاية عام 2023. لكن بيانات المفوضية لا تعكس عدد السوريين الحقيقي بمصر؛ إذ تشير المنظمة الدولية للهجرة إلى أن تعدادهم يصل إلى 1.5 مليون.

طوابير أمام أحد المطاعم السورية في القاهرة (الشرق الأوسط)

وتفاعل سوريون في مصر مع تغيير نظام الأسد، وخرج العديد من أعضاء الجالية للاحتفال في مدينة «6 أكتوبر» بمحافظة الجيزة (غرب القاهرة)، والتي تعد معقل الجالية السورية في مصر. في حين أشارت وسائل إعلام مصرية إلى أن أجهزة الأمن «ألقت القبض على بعضهم نتيجة التجمع دون تصريح أمني».

ويرى سوريون بمصر، ومنهم ممثلون للجالية، أن «التطورات الحالية في سوريا تفتح الباب للعودة مرة أخرى للبلاد».

وتدعم السلطات المصرية «عودة آمنة للاجئين السوريين إلى بلادهم»، حسب وزارة الخارجية التي أشارت في إفادة لها، الأحد، إلى أن «القاهرة ستواصل العمل مع الشركاء الإقليميين والدوليين لتقديم يد العون والعمل على إنهاء معاناة الشعب السوري الممتدة، وإعادة الإعمار، ودعم عودة اللاجئين، والتوصل للاستقرار الذي يستحقه الشعب السوري».

ولم تتوقع الجالية السورية بمصر سقوطاً سريعاً لنظام الأسد، رغم تقدم فصائل المعارضة المسلحة خلال الأيام الأخيرة، وفق مسؤول الائتلاف الوطني السوري، عادل الحلواني، (مقيم بمصر)، الذي أشار إلى أن «التغيير السريع للنظام فاجأ غالبية الجالية السورية؛ نظراً لتجاربهم السابقة مع نظام الأسد».

ويتوقف الحلواني في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، مع سلوك فصائل المعارضة بعد سقوط نظام الأسد، وقال إن «الانضباط الذي يظهر حتى الآن يشجع الكثير من السوريين للتفاعل مع تغيير النظام»، مشيراً إلى أن «غالبية السوريين يترقبون ما سيحدث في الفترة المقبلة، خصوصاً مع ترتيبات الفترة الانتقالية»، ودعا إلى «ضرورة تولي إدارة مدنية السلطة الانتقالية للحفاظ على المؤسسات السورية من الانهيار».

وباعتقاد ملهم الخن، مدير عام مؤسسة «سوريا الغد» (مؤسسة إغاثية معنية بدعم اللاجئين السوريين في مصر)، فإن «السوريين لم يتوقعوا انتهاء فترة حكم بشار دون اقتتال داخلي»، مشيراً إلى أن «عملية التغيير فاجأت كل السوريين، في فترة كانت مشاعر اليأس هي الغالبة على معظم اللاجئين والمهاجرين السوريين بالخارج».

ورغم فرحة عديد من الأسر السورية بإطلاق سراح المعتقلين من السجون السورية، وفق الخن، فإنه رأى أن «غالبية الجالية تترقب بحذر المستقبل في بلادها»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الجميع يعلم أن الأيام القادمة لن تكون سهلة على سوريا»، لكنه أشار في نفس الوقت إلى أن «هناك إرادة لطي صفحة الماضي، والتعامل بمسؤولية وتسامح وعدم الثأر في الفترة المقبلة».

وقررت فصائل المعارضة السورية إطلاق سراح المعتقلين السوريين من السجون السورية، حيث فتحت أبواب عديد من المعتقلات لتحرير السجناء بها.

ورغم مشاعر الحذر في أوساط الجالية السورية من مستقبل الأوضاع بعد سقوط نظام الأسد، فإن الإعلامي السوري المقيم في مصر منذ 2013، شاهر راجوب، اعتبر أنه «لا داعي للقلق»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «سوريا أصبحت حالياً حرة، وتنتقل لمرحلة الدولة المدنية، والشعب السوري هو من يحدد مصيره حالياً».

ويتيح التغيير الذي تشهده سوريا فرصة للجالية السورية في مصر للعودة لبلادهم مرة أخرى، وفق تقدير راجوب، مشيراً إلى أن «نسبة كبيرة من السوريين بالقاهرة يرغبون في العودة لموطنهم مرة أخرى»، لكنه لا يتوقع عودة جميع أبناء الجالية التي قدمت بعد الحرب السورية، وقال: «هناك من تدمرت منازلهم، وهناك سوريون ارتبطوا باستثمارات وأعمال في مصر، ومسألة عودتهم لن تكون قريبة».

ورأى كثير من مستخدمي مواقع «السوشيال ميديا» في مصر، أن التغيير في سوريا يمثل فرصة لعودة السوريين لبلادهم، وتعددت التفاعلات عبر هاشتاج (#ياسوري_ارجع_دارك)، حيث دعت حساباتٌ الحكومةَ المصرية لعدم استضافة أعداد جديدة من السوريين بالبلاد.

وأشارت حسابات إلى منشورات لسوريين يقدمون الشكر على حسن استضافتهم في مصر.

وارتبط الوجود السوري في مصر باستثمارات عديدة، أبرزها في مجال المطاعم التي انتشرت في مدن مصرية مختلفة. وأشار رئيس تجمع رجال الأعمال السوريين في مصر، خلدون المُوقع، إلى «تزايد الاستثمارات السورية في مصر»، وقال في تصريحات إعلامية له في يناير (كانون الثاني) الماضي، إن «الاستثمارات تشمل قطاعات عديدة، منها مصانع في مجالات مختلفة».

ويتفق الخن والحلواني في أن رحيل نظام الأسد سيدفع كثيراً من الأسر السورية للعودة مرة أخرى، وأشار مدير عام مؤسسة «سوريا الغد»، إلى أن «كثيراً من الشباب السوري الذي هرب من التجنيد الإجباري وقت نظام الأسد، ينتظر فتح الأبواب للعودة مرة أخرى للبلاد».

وأعلنت السفارة السورية بالقاهرة في إفادة لها، الأحد، عن «توقف خدماتها بشكل مؤقت، لحين إعادة الربط مع منظومة الجوازات المركزية في دمشق».

 


مقالات ذات صلة

الجيش السوري: إحباط هجوم بمسيّرات انطلقت من العراق على قاعدة التنف

المشرق العربي قاعدة التنف في جنوب شرقي سوريا (أرشيفية - أ.ب)

الجيش السوري: إحباط هجوم بمسيّرات انطلقت من العراق على قاعدة التنف

تمكّنت وحدات الجيش العربي السوري من التصدي لهجوم بطائرات مسيّرة استهدف قاعدة التنف العسكرية جنوب البلاد.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي قوات من الجيش السوري تغلق أحد الشوارع في بلدة الصنمين في درعا خلال حملة عسكرية واسعة النطاق لحفظ الأمن الأربعاء والخميس (أ.ف.ب)

«رجل روسيا في درعا» و«مهندس التسويات» يسلِّم نفسه للدولة خوفاً على حياته

سلَّم القيادي السابق في الجنوب السوري، أحمد العودة «رجل التسويات» نفسه إلى السلطات السورية وظهر في شريط مصور، الأحد،

«الشرق الأوسط» (دمشق - لندن)
المشرق العربي مقاتلون من «قسد» يرحبون بقافلة تابعة لوزارة الداخلية السورية إلى القامشلي في شمال شرقي سوريا (أ.ب)

دمشق تتحرك لتنفيذ اتفاقها مع «قسد» وسط دعم إقليمي ودولي

تواصل دمشق خطواتها لتنفيذ اتفاق مع «قسد»، تشمل دمجاً تدريجياً لعناصرها وانتشاراً في شمال شرقي سوريا واستعادة منشآت حيوية، وسط دعم إقليمي ودولي.

«الشرق الأوسط» (لندن - باريس)
المشرق العربي عناصر من القوات السورية يحرسون منطقة قرب سجن الأقطان على مشارف مدينة الرقة شمال شرق سوريا (ا.ف.ب)

«قسد» تنسحب من سجن الأقطان باتجاه عين العرب شرق حلب

أعلن الجيش السوري، بدء انسحاب مقاتلي «قسد» من سجن الأقطان في ريف الرقة باتجاه عين العرب (كوباني).

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي الرئيس أحمد الشرع خلال توقيع اتفاق اندماج «قسد» في الجيش السوري مع قائدها مظلوم عبدي بدمشق يوم 10 مارس الماضي (إ.ب.أ) p-circle

قائد «قسد»: قبلنا الاتفاق مع دمشق لوقف حرب «فرضت» علينا

أعلن قائد قوات سوريا الديموقراطية «قسد» مظلوم عبدي، الأحد، أنه قبل بالاتفاق الذي أعلنه الرئيس السوري أحمد الشرع، لوقف حرب «فرضت» على الأكراد.

«الشرق الأوسط» (القامشلي)

تيتيه تبدي «تفاؤلاً حذراً» بتجدد العملية السياسية في ليبيا

من جلسة مجلس الأمن حول ليبيا (المجلس)
من جلسة مجلس الأمن حول ليبيا (المجلس)
TT

تيتيه تبدي «تفاؤلاً حذراً» بتجدد العملية السياسية في ليبيا

من جلسة مجلس الأمن حول ليبيا (المجلس)
من جلسة مجلس الأمن حول ليبيا (المجلس)

عبّرت رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا (أنسميل)، الممثلة الخاصة للأمين العام، هانا تيتيه، عن «تفاؤل حذر» بأن «هذا البلد العربي الأفريقي يمكن أن يعبر بنجاح من مفترق طرق حاسم مع تجدد العملية السياسية والجهود لإجراء انتخابات». غير أنها حذرت من أن المكاسب الهشة باتت مهددة بشكل كبير بسبب الشلل المؤسسي والفساد الاقتصادي وتجدد العنف.

رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا هانا تيتيه (غيتي)

وكانت المبعوثة الأممية تقدم إحاطة لأعضاء المجلس، أكدت فيها أن الزخم عاد إلى العملية السياسية في ليبيا بعد أشهر من المشاورات، التي قادتها الأمم المتحدة، لكنها حذّرت من أن هذه الفرصة قد تنهار ما لم يتخذ القادة الليبيون إجراءات عاجلة. وقالت: «يجب ألا نفوّت هذه الفرصة المتاحة أمامنا».

وجاءت تصريحات تيتيه في وقت لا تزال فيه ليبيا تعاني انقسامات سياسية عميقة بعد مضي نحو خمس سنوات على فشل المحاولة الأخيرة لإجراء انتخابات وطنية. وأكدت أن هناك خريطة طريق سياسية تكتسب زخماً، علماً بأن أحدث جهود للأمم المتحدة حول «حوار منظم» أُطلق منذ ديسمبر (كانون الأول) 2025 برعاية بعثة (أنسميل)، بهدف كسر الجمود المؤسسي الذي استمر لسنوات. وأوضحت تيتيه أن العملية التي استمرت ستة أشهر اختُتمت مطلع هذا الشهر، بعدما جمعت نحو 120 ليبياً من مختلف أطياف المشهد السياسي والاجتماعي والإقليمي في البلاد. وأفرزت المحادثات نحو 600 توصية، شملت الحوكمة والأمن والإصلاح الاقتصادي والمصالحة وحقوق الإنسان، ما يجعلها واحدة من أوسع عمليات التشاور في ليبيا خلال السنوات الأخيرة.

عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة الوحدة الوطنية (الوحدة)

وأضافت تيتيه موضحة أن «التوصيات واضحة، فهي تدعو إلى مؤسسات دولة موحدة وفعّالة وشرعية وخاضعة للمساءلة»، مبرزة أن النتائج توفر «أساساً ليبياً موثوقاً» للمضي نحو انتخابات وطنية. لكنها حذّرت من أن التقدم لا يزال غير مكتمل.

ومع ذلك، لا تزال الخلافات الرئيسية حول قوانين الانتخابات عالقة. وقالت تيتيه بهذا الخصوص: «لا ينبغي أن يبقى حق الشعب الليبي في اختيار ممثليه محجوباً إلى أجل غير مسمى بسبب الشلل المؤسسي».

من جهة ثانية، خصّت تيتيه اهتماماً كبيراً لما وصفته بموجة خطيرة من التضليل تستهدف اللاجئين والمهاجرين، والمنظمات الإنسانية والأمم المتحدة نفسها. وأشارت إلى تحوّل التضليل بالفعل إلى أعمال عنف.

كما أكدت أن المسار الاقتصادي في ليبيا لا يزال يُشكّل تهديداً خطيراً للاستقرار الوطني. مبرزة أن ارتفاع الأسعار والتضخم، وتراجع القدرة الشرائية، يضغطان على الأسر بشكل كبير، بينما يستمر الفساد وضعف الحوكمة في استنزاف الموارد العامة، وكشفت عن تقارير تتحدث عن فساد خطير في قطاع الأدوية، بما في ذلك استفادة مسؤولين ذوي نفوذ سياسي من أنظمة الشراء.

وبخصوص الوضع الأمني لفتت تيتيه إلى أن الوضع الأمني لا يزال ​​متقلباً على الرغم من بعض التقدم المحرز في الحوار السياسي. وأشارت إلى تجدد القتال في مدينة الزاوية (غرب) في مايو (أيار) الماضي، حيث أسفرت الاشتباكات بين الجماعات المسلحة المتنافسة عن مقتل 13 شخصاً على الأقل، بينهم مدنيون.

أسامة حماد رئيس الحكومة المعينة من البرلمان (الاستقرار)

وفي معرض حديثها عن القضاء، نبهت تيتيه إلى أن القضاء الليبي لا يزال منقسماً بشدة، حيث تصدر المؤسسات القضائية المتنافسة في الشرق والغرب أحكاماً متضاربة. ورأت أن ليبيا، في غياب التوحيد، تُخاطر بنشوء أنظمة قانونية موازية، من شأنها أن تُقوّض ثقة الشعب في الانتخابات وسيادة القانون. وحضت القادة الليبيين على تسريع الجهود الرامية إلى توحيد المؤسسات القضائية.

واختتمت تيتيه بتحذير شديد اللهجة: «أمام ليبيا الآن مسار سياسي أوضح للمُضي قدماً، لكن الوقت ينفد». مشيرة إلى أنه «إذا لم تتحرك المؤسسات الليبية، فقد تُضطر الأمم المتحدة إلى تقديم مقترحات بديلة لدفع العملية السياسية قُدماً. الاتجاه معروف، والأدوات متوفرة». لكن «المطلوب الآن هو الإرادة السياسية لتحقيق ذلك».


المنفي وصالح وتكالة يخلطون أوراق الأزمة الليبية بـ«خريطة طريق» جديدة

أمين الجامعة العربية أحمد أبو الغيط يتوسط صالح والمنفي وتكالة في اجتماع سابق بمقر الجامعة بالقاهرة مارس 2024 (مجلس الدولة)
أمين الجامعة العربية أحمد أبو الغيط يتوسط صالح والمنفي وتكالة في اجتماع سابق بمقر الجامعة بالقاهرة مارس 2024 (مجلس الدولة)
TT

المنفي وصالح وتكالة يخلطون أوراق الأزمة الليبية بـ«خريطة طريق» جديدة

أمين الجامعة العربية أحمد أبو الغيط يتوسط صالح والمنفي وتكالة في اجتماع سابق بمقر الجامعة بالقاهرة مارس 2024 (مجلس الدولة)
أمين الجامعة العربية أحمد أبو الغيط يتوسط صالح والمنفي وتكالة في اجتماع سابق بمقر الجامعة بالقاهرة مارس 2024 (مجلس الدولة)

فاجأ رؤساء المجالس الثلاثة في ليبيا، «الرئاسي» الذي يرأسه محمد المنفي، و«النواب» بقيادة عقيلة صالح، و«الأعلى للدولة» الذي يرأسه محمد تكالة، الرأي العام الليبي بـ«خريطة طريق» جديدة، قالوا إنها تهدف إلى «إنهاء المرحلة التمهيدية».

وجاء الإعلان عن الخريطة الجديدة ليقطع الطريق على «المبادرة الأميركية»، وقبيل ساعات من إعلان المبعوثة الأممية هانا تيتيه عن إحاطتها إلى مجلس الأمن، مساء الثلاثاء، في خطوة وصفت بأنها «تخلط أوراق الأزمة» المعقدة أصلاً، وإبقاء الكرة في ملعب القوى المحلية المتصارعة على السلطة.

صدام حفتر مستقبلاً بولس في يناير الماضي 2026 (القيادة العامة)

وفي الخريطة التي أعلن عنها مكتب المنفي صباح الثلاثاء، وصدّر بيانه بما سمّاه «وثيقة مبادئ»، تمسّك رؤساء المجالس الثلاثة بـ«مرجعية الإعلان الدستوري وتعديلاته»، و«الاتفاق السياسي»، وأيضاً بما صدر عن الاجتماع الثلاثي الأول في القاهرة برعاية جامعة الدول العربية، مؤكدين «المضي قُدماً في وضع مخرجات الاجتماع موضع التنفيذ مع التعديلات اللازمة، بموجب التطورات، واستجابة للمبادرات الوطنية؛ لضمان إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المتزامنة، تحت إشراف لجنة سيادية عليا».

انتخابات عامة في فبراير

ولإضفاء مزيد من المفاجأة، اتفق المنفي وصالح وتكالة على إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بشكل متزامن في موعد أقصاه 17 فبراير (شباط) المقبل، وبموجب القوانين الانتخابية التي تنجزها لجنة «6 + 6» المفعلة حالياً، والمُشكّلة بموجب التعديل الدستوري الثالث عشر، ويأتي ذلك استرشاداً بتوصيات «اللجنة الاستشارية»، ومسارات «الحوار المجتمعي»، على أن تحال لمجلس النواب لإصدار القوانين. كما عدّوا «اتفاق بوزنيقة»، الذي وُقّع في ديسمبر (كانون الأول) 2024 المرجع لتسمية «المناصب السيادية» وإعادة توحيدها.

عقيلة صالح رئيس مجلس النواب الليبي (المجلس)

وأرجع رؤساء المجالس الثلاثة هذا الاتفاق، الذي انتهى إليه اجتماع عقد عبر تقنية «الزوم»، إلى استشعارهم بـ«المخاطر المحدقة بالأمن القومي الليبي، واستقراره المالي، وسيادته على موارده ووحدة أراضيه، في ظل مهددات التدخل الخارجي والمتغيرات الدولية والإقليمية».

وكأنه حجر أُلقي في مياه راكدة، أثار إعلان المنفي وصالح وتكالة عن خريطة جديدة ردود فعل واسعة لجهة تحركهم «حفاظاً على مناصبهم»، قبيل تفعيل مبادرة مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، التي تعمل على تقاسم السلطة في ليبيا في حل للأزمة المستعصية.

ووصف الإعلامي الليبي، خليل الحاسي، الاتفاق بأنه «آخر محاولة للمقاومة»، وقال: «إنهم أمام خطر داهم وحقيقي قد يؤدي إلى إبعادهم عن مناصبهم». وأضاف متعجباً: «تخيّلوا أن من عجزوا عن الاتفاق طوال 13 عاماً، تمكنوا من التوافق خلال 24 ساعة فقط؛ وليس هذا فحسب، بل أعلنوا أيضاً أنهم سيجرون الانتخابات في فبراير المقبل».

محمد تكالة رئيس المجلس الأعلى للدولة (إ.ب.أ)

واللجنة «السيادية العليا» التي سينوط بها تنفيذ ما صدر عن اجتماع القاهرة الثلاثي هي محافظ مصرف ليبيا المركزي، ورئيس المفوضية العليا للانتخابات، وعضوان عن لجنة «5 + 5» العسكرية المشتركة، وممثلان عن القطاع الأمني المكلف تأمين المسار الانتخابي عن المنطقتين الشرقية والغربية.

وسبق أن التقى المنفي وصالح وتكالة في الجامعة العربية في مارس (آذار) ومايو (أيار) عام 2024، واتفقوا في بيان ختامي على عدد من البنود؛ من بينها وجوب تشكيل «حكومة موحّدة» جديدة تشرف على الانتخابات التي طال انتظارها. كما اتفقوا على 7 بنود بقصد كسر حالة الجمود السياسي، من بينها تشكيل لجنة فنية خلال فترة زمنية محددة للنظر في التعديلات المناسبة للقوانين الانتخابية، التي انتهت إليها لجنة «6 + 6»، وحسم الأمور العالقة حيال النقاط الخلافية حسب التشريعات النافذة. كما اتفقوا على «وجوب» تشكيل حكومة موحّدة، مهمتها الإشراف على العملية الانتخابية، لكن منذ ذلك التاريخ لا يزال الجمود السياسي يراوح مكانه.

وفيما يتعلق بالمسار الاقتصادي والاستقرار المالي، قال المنفي وصالح وتكالة إنه «تم التوافق على حزمة من الإصلاحات»، من بينها «الرفض القاطع لفك التجميد عن الأموال والأصول المجمدة، تحت أي حجة أو اعتبار إلى حين انتخاب رئيس من الشعب»، والاتفاق على إطار قانوني جديد يضمن رقابة شاملة ومشتركة، وإشرافاً ومتابعة لقطاع النفط والغاز والمياه والمعادن، وضمان الحوكمة والشفافية والإفصاح، وصون حقوق الأجيال المقبلة.

محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي (رويترز)

كما أكدوا «حصرية المؤسسة الوطنية للنفط في التسويق عبر العطاءات القانونية الشفافة، وحصرية تحصيل العوائد للمصرف المركزي والخارجي، وفق الآليات القانونية المعتمدة قبل سنة 2023»، وأعلنوا الاتفاق أيضاً على «تشكيل لجنة فنية مشتركة لإعداد مشروع ميزانية دستورية موحدة لسنة 2027 على أن تحال إلى مجلس النواب لإقرارها».

التشكيلات المسلحة

بخصوص تحديد موعد للانتخابات الليبية، استغربت الكاتبة الليبية عفاف الفرجاني هذه الخطوة، في ظل وجود تعقيدات كثيرة، وقالت إن ما سمتهم بـ«ثلاثي الأزمة يتحدث اليوم عن الانتخابات وكأنها العصا السحرية، التي ستنقذ البلاد من براثن الفساد والفوضى والانقسام». ورأت «أنه لا أحد منهم تجرأ على تقديم إجابة تتعلق بالتشكيلات المسلحة، التي تفرض نفوذها على الأرض»، متسائلة: «أي انتخابات ستُجرى في ظل هذا الواقع؟ وفي ظل تدوير الأزمة، وإغراق الناس بوعود انتخابية لا تنتهي».

وانتهت الفرجاني في تعليقها على بيان المجالس الثلاثة إلى أنه «كان عليهم الاشتغال بجدية على توحيد المؤسسة العسكرية، وإنهاء حالة تعدد مراكز القوة والسلاح؛ فالانتخابات في ظل الانقسام العسكري، ووجود التشكيلات المسلحة لن تنتج دولة مستقرة، بل قد تعيد إنتاج الأزمة بأسماء ووجوه جديدة».

المنفي وصالح وتكالة في الجامعة العربية بحضور أبو الغيط (أ.ب)

وذهب الرؤساء الثلاثة الموقّعون على الاتفاق إلى «إجراء تعديل دستوري توافقي رابع عشر وفق الاتفاق السياسي، يلزم الرئيس المنتخب بدعوة الهيئة التأسيسية للدستور بالعمل على حوار وطني موسع على مشروعها المنجز، وصولاً إلى دستور دائم للبلاد».

وانتهوا إلى ضرورة إضافة المؤسسة الوطنية للنفط والاستثمارات الليبية الخارجية إلى قائمة المؤسسات السيادية، التي تضم 7 مؤسسات؛ «ضماناً لوحدتها واستقلاليتها وحيادها وصوناً للأصول والموارد»؛ وذلك «تحقيقاً لمقاصد وأهداف المادة 15 من الاتفاق السياسي لسنة 2015، الذي وُقِّع في الصخيرات المغربية».

وتعتمد المبادرة التي أعلن عنها بولس على تولي نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» صدام حفتر رئاسة مجلس رئاسي جديد بدلاً من المنفي، مع إبقاء عبد الحميد الدبيبة رئيساً لـ«الحكومة الموحدة» المرتقبة، وهو الأمر الذي تباينت بشأنه الآراء والتوجهات.


الانشقاقات تهز «الدعم السريع» وتهدد تماسك تحالفه «تأسيس»

البرهان مجتمعاً مع اللواء النور القبة المنشق من «قوات الدعم السريع» (مجلس السيادة)
البرهان مجتمعاً مع اللواء النور القبة المنشق من «قوات الدعم السريع» (مجلس السيادة)
TT

الانشقاقات تهز «الدعم السريع» وتهدد تماسك تحالفه «تأسيس»

البرهان مجتمعاً مع اللواء النور القبة المنشق من «قوات الدعم السريع» (مجلس السيادة)
البرهان مجتمعاً مع اللواء النور القبة المنشق من «قوات الدعم السريع» (مجلس السيادة)

أعاد إعلان القيادي البارز في تحالف «تأسيس»، فارس النور، استقالته من جميع مناصبه في «قوات الدعم السريع» والتحالف السياسي الداعم لها، الجدل بشأن ظاهرة الانشقاقات التي شهدتها القوات خلال الأشهر الأخيرة، ومدى تأثيرها المحتمل على تماسكها العسكري والسياسي، في وقت تدخل فيه الحرب السودانية عامها الرابع دون مؤشرات حاسمة على اقتراب أي من طرفي النزاع من تحقيق انتصار عسكري نهائي.

وأكد النور، في تصريح لصحيفة «الشرق الأوسط»، الأربعاء، مغادرته جميع مواقع المسؤولية داخل «قوات الدعم السريع» وتحالف السودان التأسيسي «تأسيس»، مبرراً قراره بما وصفه بتفاقم حالة الانسداد السياسي واستمرار الحرب وما خلفته من معاناة إنسانية واسعة. وقال إن استقالته تهدف إلى إفساح المجال للعمل على بناء حوار سوداني شامل يضم مختلف الأطراف، بعيداً عن الاستقطابات السياسية والعسكرية، بما يسهم في التوصل إلى تسوية تنهي الأزمة الراهنة.

فارس النور المستشار السياسي السابق لحميدتي (أرشيفية - متداولة)

ولا تنبع أهمية هذه الخطوة من الموقع الذي كان يشغله النور داخل التحالف فحسب، بل أيضاً من طبيعتها؛ إذ لا يُعد قائداً ميدانياً يقود قوات على الأرض، وإنما يُنظر إليه كأحد أبرز الوجوه السياسية المرتبطة بالمشروع السياسي الذي سعت «قوات الدعم السريع» إلى بنائه بالتوازي مع نشاطها العسكري، ما يمنح استقالته أبعاداً سياسية تتجاوز التأثيرات العسكرية المباشرة.

وشغل النور عضوية المجلس الرئاسي لتحالف «تأسيس»، وتم تعيينه «حاكماً لإقليم الخرطوم»، ضمن الحكومة الموازية التي أعلنها التحالف، وذلك بعد أن كان قد عمل لسنوات مستشاراً لقائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو «حميدتي»، وكان أحد أبرز أعضاء وفد التفاوض التابع للقوات خلال محادثات جدة عام 2023.

ما الجديد؟

يختلف هذا النوع من الانشقاقات عن حالات سابقة شهدتها «قوات الدعم السريع» خلال العامين الماضيين، ارتبط معظمها بقادة ميدانيين يمتلكون نفوذاً عسكرياً أو قوات على الأرض. ففي مايو (أيار) الماضي أعلن بشارة الهويرة، الذي كان يتولى مسؤولية العمليات العسكرية بمحور بارا في ولاية شمال كردفان، انشقاقه عن القوات، كما سبقه إعلان القائد الميداني النور آدم، المعروف بـ«النور القبة»، انسحابه من «الدعم السريع» وانضمامه إلى الجيش السوداني بعد مغادرة قواته مواقعها في شمال دارفور، وقبلهم جميعاً كان «أبو عاقلة كيكل»، أحد أبرز قادة «الدعم السريع» وحاكم ولاية الجزيرة إبان سيطرته عليها، قد أعلن تعاونه مع الجيش السوداني، في خطوة اعتبرت من أكثر الانشقاقات تأثيراً بسبب النفوذ الذي كان يتمتع به في وسط السودان، وأخيراً أعلن القيادي الميداني علي رزق الله «السافنا» انشقاقه والتحاقه بالقوات المسلحة.

أرشيفية متداولة للقائد المنشق أبو عاقلة كيكل (الثالث من اليسار) مع عناصر من «الدعم السريع» قبل انضمامه للجيش

ورغم تفاوت الوزن السياسي والعسكري لهذه الشخصيات، فإن تتابع الانشقاقات خلال فترة زمنية قصيرة، دفع كثيرين إلى التساؤل حول ما إذا كانت تعكس ضغوطاً متزايدة داخل معسكر «الدعم السريع»، أم أنها لا تزال في حدود التحركات الفردية التي لا تؤثر على البنية الأساسية للقوات. في المقابل، تسعى «قوات الدعم السريع» إلى تقديم صورة مغايرة، فقد بثت خلال الأيام الماضية مقاطع مصورة، قالت بحسب منصتها على «تلغرام» إنها توثق انضمام مجموعات من القوة المشتركة التابعة للحركات المسلحة المتحالفة مع الجيش إلى صفوفها، في محاولة لإظهار أن حركة الانضمام والانشقاق لا تسير في اتجاه واحد.

وتندرج هذه الرسائل ضمن حرب دعائية وإعلامية موازية للمعارك العسكرية، يسعى خلالها كل طرف إلى إثبات تماسكه وقدرته على استقطاب القيادات والمقاتلين.

القائد السافنا المنشق عن «الدعم السريع» متحدثاً في المؤتمر الصحافي بالخرطوم (وكالة السودان للأنباء/ سونا)

في هذا السياق، قلل الشرتاي سمير، أحد المؤيدين البارزين لـ«الدعم السريع» على وسائل التواصل الاجتماعي، من أهمية خروج فارس النور، معتبراً أن المشروع السياسي والعسكري الذي تمثله «تأسيس» تجاوز الأفراد، وأن مغادرة قيادات أو مجموعات لن تؤثر على استمراريته. كما رأى أن ما يحدث يدخل في إطار محاولات لاستقطاب شخصيات سياسية وعسكرية من معسكر «الدعم السريع» بعد فشل خصومه، بحسب وصفه، في تحقيق أهدافهم عسكرياً.

غير أن السؤال الأهم لا يتعلق بعدد المنشقين بقدر ما يتعلق بطبيعة تأثيرهم، وهنا يلفت الباحث السياسي محمد لطيف إلى ضرورة التمييز بين الانشقاقات السياسية والانشقاقات العسكرية. ويقول لطيف لـ«الشرق الأوسط»، إن الحياة السياسية السودانية عرفت على مدى عقود طويلة انشقاقات متكررة داخل الأحزاب والتحالفات، لكنها نادراً ما أحدثت تحولاً جذرياً في موازين القوى. ويرى أن معظم الانشقاقات السياسية ترتبط بخلافات أو طموحات شخصية، أكثر من ارتباطها بخلافات فكرية أو برامجية، ولذلك فإن تأثيرها يظل محدوداً في كثير من الأحيان.

ويقول لطيف إن تأثير «الانشقاقات العسكرية» يقاس بمدى انعكاسها على القوة القتالية أو الانتشار الجغرافي للطرف المعني، ووفقاً لتقديره، فإن معظم الانشقاقات التي شهدتها «قوات الدعم السريع» خلال الفترة الماضية لم تؤثر بصورة ملموسة على بنيتها العسكرية الأساسية أو مناطق نفوذها الرئيسية، وهو ما يجعله يستبعد أن يترك خروج فارس النور، بوصفه شخصية سياسية ومدنية، أثراً كبيراً على تماسك تحالف «تأسيس».

قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان مستقبلاً اللواء النور القبة المنشق من «قوات الدعم السريع» (مجلس السيادة)

لكن هذا التقييم لا يحظى بإجماع كامل، فالخبير الاستراتيجي والمتخصص في الشؤون الأمنية والعسكرية العميد دكتور جمال الشهيد، يرى أن الحكم على تأثير الانشقاقات لا ينبغي أن يتم بمجرد الإعلان عنها، بل من خلال متابعة نتائجها العملية على الأرض. ويشير الشهيد في إفادة لـ«الشرق الأوسط» إلى أن الانشقاقات تصبح ذات أثر حقيقي عندما تطول القيادات الوسطى والميدانية، أو الشخصيات السياسية التي تمتلك نفوذاً تنظيمياً واجتماعياً، لأنها تمثل حلقة الوصل بين القيادة العليا والقواعد، ويضيف: «المؤشرات التي يجب مراقبتها، لا تقتصر على عدد المنشقين، بل تشمل استمرار الظاهرة واتساع نطاقها، وتأثيرها على الانضباط الداخلي، والقدرة على التجنيد والتعبئة، والمحافظة على الانتشار الميداني». وبحسب الشهيد، فإن المعيار الحاسم يظل في نهاية المطاف هو الأداء العسكري نفسه، فإذا صاحبت الانشقاقات تراجعات ميدانية أو فقدان لمناطق نفوذ أو ضعف في القدرة على تنفيذ عمليات منسقة، فإنها تكون قد انتقلت من مجرد حدث سياسي أو إعلامي، «إلى عامل مؤثر في ميزان الصراع».

ويستدعي الخبير العسكري المتقاعد في هذا السياق تجارب سابقة شهدتها الحركات المسلحة السودانية، خلال الحرب الأهلية في جنوب السودان والصراعات في دارفور، حيث أثبتت التجربة أن بعض الانشقاقات انتهت دون نتائج استراتيجية تذكر، بينما أسهمت انشقاقات أخرى في إضعاف فصائل كاملة نتيجة فقدان قيادات مؤثرة وتراجع التماسك التنظيمي.

وتقود هذه المعطيات إلى سؤال أوسع يتعلق بمستقبل الحرب نفسها، فبينما يرى أنصار «الدعم السريع» أن الانشقاقات الأخيرة لا تتجاوز كونها تحركات فردية لن تؤثر على مشروعهم السياسي والعسكري، يعتقد آخرون أن تكرارها يستحق المتابعة باعتباره مؤشراً على ضغوط وتحديات داخلية قد تتجاوز الأشخاص إلى البنية التنظيمية ذاتها. وحتى الآن لا توجد مؤشرات قاطعة على أن الانشقاقات المتبادلة بين أطراف الحرب قادرة وحدها على تغيير مسار الصراع أو فرض تسوية سياسية، غير أن استمرارها، وتنوعها بين شخصيات عسكرية وسياسية، يجعلانها واحدة من الظواهر الجديرة بالمراقبة في حرب طويلة ومفتوحة، ما تزال مآلاتها النهائية مرتبطة بما ستكشفه التطورات الميدانية خلال الأشهر المقبلة، وبمدى قدرة الأطراف المتحاربة على الحفاظ على تماسكها العسكري والسياسي في آن واحد.

Your Premium trial has ended