قبضة الأسد الحديدية في خطر مع تقدم الفصائل المسلحة نحو دمشق

سكان حماة يشعلون النار في لافتة كبيرة تحمل صورة الرئيس السوري بشار الأسد بعد سيطرة الفصائل المسلحة على المدينة (أ.ف.ب)
سكان حماة يشعلون النار في لافتة كبيرة تحمل صورة الرئيس السوري بشار الأسد بعد سيطرة الفصائل المسلحة على المدينة (أ.ف.ب)
TT

قبضة الأسد الحديدية في خطر مع تقدم الفصائل المسلحة نحو دمشق

سكان حماة يشعلون النار في لافتة كبيرة تحمل صورة الرئيس السوري بشار الأسد بعد سيطرة الفصائل المسلحة على المدينة (أ.ف.ب)
سكان حماة يشعلون النار في لافتة كبيرة تحمل صورة الرئيس السوري بشار الأسد بعد سيطرة الفصائل المسلحة على المدينة (أ.ف.ب)

استخدم نظام الرئيس السوري بشار الأسد، الأسلحة التي زودته بها روسيا وإيران لصد الفصائل المسلحة خلال الحرب الأهلية المستمرة منذ سنوات، دون أن يتمكن من هزيمتها، وهو ما جعله عرضة للخطر عندما انشغل حلفاؤه بحروب في أماكن أخرى وواصل أعداؤه الزحف.

ويشكل التقدم السريع الذي حققته المعارضة في غرب سوريا، أحد أخطر التهديدات لحكم عائلة الأسد المستمر منذ 50 عاماً، كما يأتي في لحظة محفوفة بالمخاطر بالنسبة للشرق الأوسط، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأسقطت قوات تتبع الفصائل المسلحة تماثيل والد الأسد وشقيقه في المدن التي سيطرت عليها، كما مزقت صوره على لوحات إعلانية وفي مكاتب حكومية، ودهستها بالأقدام وأحرقتها أو أمطرتها بالرصاص.

شاحنة تجرّ رأس تمثال يمثل الرئيس السوري الراجل حافظ الأسد في مدينة حماة (أ.ف.ب)

وأصدرت الرئاسة السورية، اليوم (السبت)، بياناً نفت فيه مغادرة الأسد للبلاد، مؤكدة أنه يمارس مهام عمله في دمشق.

وأصبح بشار رئيساً في عام 2000 بعد وفاة والده حافظ الأسد، مما أدى إلى الحفاظ على هيمنة الطائفة العلوية على الدولة ذات الأغلبية السنية، والإبقاء على سوريا حليفة لإيران تناصب إسرائيل والولايات المتحدة العداء.

وشهد حكم الأسد في سنواته الأولى اندلاع الحرب في العراق ووجود أزمات في لبنان، قبل أن تضرب الحرب الأهلية سوريا في أعقاب ما يطلق عليه «الربيع العربي» عام 2011. ونزل السوريون حينها إلى الشوارع مطالبين بالديمقراطية، لكن قوات الأسد استخدمت القوة ضدهم.

ورغم أن الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترمب وصفه، في عام 2018، بأنه «حيوان» لاستخدامه الأسلحة الكيماوية، تمكن الأسد من البقاء في السلطة لفترة أطول مقارنة بكثير من القادة الأجانب الذين اعتقدوا أن نهايته وشيكة في الأيام الأولى من الصراع، عندما فقد مساحات شاسعة من سوريا لصالح المعارضة. ونفى الأسد الاتهامات الموجهة إليه باستخدام أسلحة كيماوية.

وبمساعدة الضربات الجوية الروسية والفصائل المدعومة من إيران، تمكن الأسد من استعادة معظم الأراضي التي فقدها خلال الهجمات التي شنتها قواته لسنوات، بما في ذلك الحصار الذي فرضه الجيش السوري على الغوطة الشرقية، ووصفه محققون في الأمم المتحدة بأنه «من العصور الوسطى».

وشهدت رئاسة الأسد فترة من الهدوء النسبي في ظل تمركز معارضيه إلى حد كبير في جزء من شمال غربي سوريا، لكن أجزاء كبيرة من البلاد ظلت خارج قبضته وواجه الاقتصاد صعوبات بسبب العقوبات المفروضة عليه.

كما أعاد الأسد العلاقات مع الدول العربية بعد سنوات من القطيعة، لكنه ظل منبوذاً بالنسبة لمعظم دول العالم.

ولم يُدلِ الأسد بأي تصريحات علنية منذ سيطرة المسلحين على حلب قبل أسبوع، لكنه قال، في اتصال هاتفي مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، إن التصعيد يهدف إلى إعادة رسم المنطقة لصالح المصالح الغربية، وهو ما يعكس وجهة نظره بشأن الأحداث باعتبارها مؤامرة مدعومة من الخارج.

صورة للرئيس السوري بشار الأسد معلقة على مبنى البلدية في حماة وقد مزقها الرصاص (أ.ف.ب)

وفي تبريره لتعامل القوات الحكومية مع الاحتجاجات في مراحلها الأولى، شبّه الأسد نفسه بأنه جراح. وقال في عام 2012: «هل نقول له (للطبيب): يداك ملطختان بالدماء؟ أم نشكره على إنقاذ المريض؟».

وظل الأسد مفعماً بالثقة خلال الفترات الأولى من الصراع، بينما كانت الفصائل المسلحة تستولي على مدينة تلو الأخرى.

وقال الأسد لجنوده، بعد استعادة بلدة معلولا في عام 2014: «لا حل مع الإرهاب سوى أن يضرب بيد من حديد. سوريا قادرة على الخروج من أزمتها».

وأوفى الأسد بالوعد الأول، لكنه عجز عن الوفاء بالوعد الثاني. فبعد سنوات، لا تزال أجزاء كبيرة من سوريا خارج سيطرة الدولة، كما دُمرت مدن، وتجاوز عدد القتلى 350 ألفاً، وفر أكثر من ربع السكان إلى الخارج.

خطوط حمراء

يحظى الأسد بدعم مجموعة من السوريين تعتقد أنه ينقذهم من المتشددين.

ومع ازدياد نفوذ الجماعات المسلحة التي تستمد أفكارها من تنظيم «القاعدة»، استشرى هذا الخوف بين الأقليات، لكن هذه الجماعات وعدت السكان الأسبوع الماضي بالحماية.

وازدادت حدة الصراع الطائفي مع وصول مقاتلين مدعومين من إيران من مختلف أنحاء الشرق الأوسط لدعم الأسد. وأكد مسؤول إيراني كبير على قيمة الأسد لدى إيران عندما أعلن في عام 2015، أن مصيره «خط أحمر» بالنسبة لطهران.

وفي الوقت الذي دعمت فيه إيران موقف الأسد، فشلت الولايات المتحدة في فرض «خطها الأحمر» الذي حدده الرئيس باراك أوباما في عام 2012 فيما يخص استخدام الأسلحة الكيماوية.

وخلصت التحقيقات التي تدعمها الأمم المتحدة، إلى أن دمشق استخدمت الأسلحة الكيماوية.

وأسفر هجوم بغاز السارين على الغوطة التي سيطرت عليها قوات الفصائل المسلحة في عام 2013 عن مقتل مئات، لكن موسكو توسطت في صفقة لتدمير الأسلحة الكيميائية السورية، مما أدى إلى تجنب رد فعل أميركي.

ومع ذلك، وفقاً لوكالة «رويترز»، استمر الغاز السام في ضرب مناطق خارج سيطرة الحكومة السورية، إذ دفع هجوم بالغاز نفسه في عام 2017، ترمب، إلى إصدار أمر برد صاروخي. ونفى الأسد الاتهامات بمسؤولية الدولة عن الهجوم.

كما نفى الأسد أن يكون الجيش قد ألقى براميل متفجرة محملة بالمتفجرات تسببت في دمار عشوائي. وبدا أنه يستخف بالاتهام في مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) في عام 2015، إذ قال: «لم أسمع عن استخدام الجيش للبراميل، أو حتى أواني الطهي».

ونفى صحة عشرات الآلاف من الصور التي تظهر تعذيب محتجزين في مراكز اعتقال للحكومة، مرجعاً ذلك لمؤامرة ممولة من الخارج. ومع توقف القتال، اتهم الأسد أعداء سوريا بشن حرب اقتصادية.

طبيب العيون

قدم الأسد نفسه في كثير من الأحيان على أنه رجل بسيط من عامة الشعب، إذ ظهر في مقاطع مصورة وهو يقود سيارة عائلية متواضعة، وفي صور مع زوجته أثناء زيارتهما لمحاربين قدامى في منازلهم.

وتولى بشار الأسد منصبه في عام 2000 بعد وفاة والده حافظ الأسد، رغم أنه لم يكن المقصود بخلافه والده.

فقد أعد حافظ الأسد ابنه البكر، باسل، لخلافته. ولكن عندما توفي باسل في حادث سيارة عام 1994، تحول بشار من طبيب عيون في لندن، حيث كان يكمل دراسته، إلى الوريث الجديد.

وبعد أن أصبح رئيساً، بدا أن الأسد قد تبنى إصلاحات ليبرالية جرى تصويرها بتفاؤل بعدّها «ربيع دمشق». وأطلق سراح مئات السجناء السياسيين وقدم مبادرات إلى الغرب وفتح الاقتصاد أمام الشركات الخاصة.

وساعد زواجه من أسماء الأخرس، وهي مصرفية سابقة مولودة في بريطانيا، والتي له منها 3 أطفال، في تعزيز الآمال في قدرته على قيادة سوريا على مسار إصلاحي أكثر.

ومن أبرز محطات الود المبكر بين بشار الأسد وزعماء غربيين حضوره قمة في باريس، حيث كان ضيف شرف في العرض العسكري السنوي بمناسبة يوم الباستيل.

ولكن مع بقاء النظام السياسي الذي ورثه دون تغيير، تلاشت علامات التغيير سريعاً.

في حين كانت النخبة تعيش حياة جيدة، دفع الجفاف الفقراء إلى النزوح من المناطق الريفية إلى الأحياء الفقيرة.

وأدى التوتر الذي نشأ مع الغرب بعد الغزو الذي قادته الولايات المتحدة للعراق في عام 2003، إلى قلب ميزان القوى في الشرق الأوسط رأساً على عقب.

وأسفر اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري ببيروت في عام 2005، عن ضغوط غربية أجبرت سوريا على الانسحاب من لبنان. وأشار تحقيق دولي أولي إلى تورط شخصيات سورية ولبنانية بارزة في عملية الاغتيال.

وفي حين نفت سوريا تورطها، قال نائب الرئيس السابق عبد الحليم خدام، إن الأسد هدد الحريري قبل أشهر، وهو الاتهام الذي نفاه الأسد أيضاً.

وبعد 15 عاماً، أدانت محكمة مدعومة من الأمم المتحدة أحد أعضاء «حزب الله» المدعوم من إيران بالتآمر لقتل الحريري. ونفى «حزب الله»، حليف الأسد، أي دور له في عملية الاغتيال.


مقالات ذات صلة

فيصل بن فرحان وتوم برَّاك يبحثان مستجدات أوضاع سوريا

الخليج الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي خلال استقباله توم برَّاك المبعوث الأميركي إلى سوريا في الرياض (واس)

فيصل بن فرحان وتوم برَّاك يبحثان مستجدات أوضاع سوريا

بحث الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي وتوم برَّاك مبعوث الولايات المتحدة الأميركية إلى سوريا، الأحد، مستجدات الأوضاع في سوريا والجهود المبذولة بشأنها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
المشرق العربي عناصر أمن سوريون خلال حملة اعتقالات 23 يونيو بعد تفجير كنيسة مار إلياس في اليوم السابق بدمشق (أ.ف.ب)

الكشف عن نتائج التحقيقات مع خلية «داعش» منفذة تفجير كنيسة مار إلياس بدمشق

كشفت وزارة العدل السورية عن تفاصيل هجوم كنيسة مار إلياس؛ بدءاً من التخطيط، والتنفيذ، وحتى القبض على متهمين بالضلوع فيه.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي سكان محاصرون بالمياه في أحد الشوارع الغارقة في اللاذقية (سانا)

مصرع طفلين ومتطوعة وتضرر 14 مخيماً جراء فيضانات مفاجئة في سوريا

توفي ثلاثة أشخاص (طفلان ومتطوعة) وتضرر 14 مخيماً جراء فيضانات مفاجئة ناجمة عن أمطار غزيرة شهدتها الليلة الماضية محافظات اللاذقية وإدلب وحماة في سوريا.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
الاقتصاد جانب من توقيع اتفاقية إطلاق شركة «ناس سوريا» في دمشق (طيران ناس)

بحصة 49 %... «طيران ناس» السعودية لتأسيس ناقل اقتصادي في سوريا

وقَّعت شركة «طيران ناس» مذكرة تفاهم مع هيئة الطيران المدني السوري، بشأن اتفاقية مشروع مشترك لتأسيس وتشغيل شركة طيران اقتصادي جديدة مقرها سوريا.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
المشرق العربي أرشيفية لنقطة تفتيش تابعة لقوى الأمن الداخلي السوري في السويداء (رويترز)

مقتل أربعة أشخاص برصاص عنصر أمن في جنوب سوريا

قتل أربعة أشخاص وأصيب الخامس بجروح خطيرة في محافظة السويداء جراء إطلاق أحد عناصر الأمن العام النار عليهم يوم السبت.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

قائد الأمن الداخلي في الحسكة يصل إلى مطار القامشلي تمهيداً لتسلُّمه من «قسد»

عناصر من «قسد» في القامشلي (أ.ب)
عناصر من «قسد» في القامشلي (أ.ب)
TT

قائد الأمن الداخلي في الحسكة يصل إلى مطار القامشلي تمهيداً لتسلُّمه من «قسد»

عناصر من «قسد» في القامشلي (أ.ب)
عناصر من «قسد» في القامشلي (أ.ب)

أفادت مديرية إعلام الحسكة، اليوم (الأحد)، بأن وفداً حكومياً بقيادة قائد الأمن الداخلي في الحسكة، مروان العلي، وصل إلى مطار القامشلي، تمهيداً لتسلمه من «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد).

وأوضحت المديرية في بيان مقتضب أن تسليم المطار إلى الحكومة السورية لإدارته سيتم وفقاً للاتفاق المبرم بين الحكومة و«قسد» في يناير (كانون الثاني) الماضي.

ويقضي هذا الاتفاق بوقف إطلاق النار، وبدء عملية دمج متسلسلة للقوات العسكرية والكيانات الإدارية بين الجانبين، وانسحاب القوات العسكرية من نقاط التماس، ودخول قوات الأمن التابعة لوزارة الداخلية إلى مركز مدينتَي الحسكة والقامشلي.

وأشاد رئيس الهيئة العامة للطيران المدني، عمر الحصري، بالخطوة واصفاً إياها بأنها «خطوة سيادية وتنموية مفصلية، تعيد ربط شمال شرقي سوريا بالمنظومة الوطنية للطيران».

وأكد الحصري أن تسلم الحكومة مطار القامشلي «يوحد إدارة الأجواء والمطارات ضمن إطار مؤسسي واحد، بما يعزّز السلامة الجوية ويدعم التنمية الاقتصادية والخدمية».


سلام يختتم زيارته إلى جنوب لبنان: نريد للمنطقة العودة إلى الدولة

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يحاط بأهالي كفرشوبا في جنوب لبنان الذين رشوا الورود والأرز ترحيباً به (الشرق الأوسط)
رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يحاط بأهالي كفرشوبا في جنوب لبنان الذين رشوا الورود والأرز ترحيباً به (الشرق الأوسط)
TT

سلام يختتم زيارته إلى جنوب لبنان: نريد للمنطقة العودة إلى الدولة

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يحاط بأهالي كفرشوبا في جنوب لبنان الذين رشوا الورود والأرز ترحيباً به (الشرق الأوسط)
رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يحاط بأهالي كفرشوبا في جنوب لبنان الذين رشوا الورود والأرز ترحيباً به (الشرق الأوسط)

تعهّد رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، الأحد، بالعمل على إعادة تأهيل البنى التحتية في القرى الحدودية مع إسرائيل «خلال أسابيع»، مشدداً على أننا «اليوم نريد لهذه المنطقة أن تعود إلى الدولة»، وذلك في جولة له على القرى الحدودية المدمرة جراء الحرب امتدت ليومين، قوبل خلالها بترحاب سكان المنطقة.

وعكست الزيارة الجنوبية، تجاوزاً لافتاً لخلافات سياسية بين «حزب الله» ورئيس الحكومة، حيث استقبله في أكثر من محطة، ممثلو ثنائي «حزب الله» و«حركة أمل» في البرلمان، إلى جانب نواب من كتلة «التغيير» ومعارضين لـ«حزب الله» شاركوا في اللقاءات التي عقدها خلال الزيارة.

لافتة رفعها أهالي كفركلا ترحيباً بزيارة رئيس الحكومة نواف سلام (الشرق الأوسط)

وغداة زيارته لمناطق صور وبنت جبيل، بدأ رئيس الحكومة جولته الجنوبية في يومها الثاني، من بلدة كفركلا الحدودية، حيث احتشد الأهالي لاستقباله، ورفعوا لافتة على الأبنية المدمرة كُتب فيها: «أهلاً وسهلاً بدولة رئيس الحكومة والوفد المرافق... نورتونا وتشرفنا بزيارتكم». وقدّم أهالي البلدة لسلام باقات من الورد وغصن زيتون خلال ترحيبهم به، كما ذبحوا الخراف.

وتبلغ نسبة التدمير الكامل في بلدة كفركلا المواجهة لمستعمرة المطلة الإسرائيلية، نحو 90 في المائة من منازل ومنشآت البلدة، وتتصدر قائمة البلدات الحدودية بنسبة التدمير جراء الحرب، وتتعرض دورياً لتوغلات إسرائيلية في أحيائها.

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يحاط بأهالي كفركلا ويبدو الدمار الواسع في الخلفية (رئاسة الحكومة)

وبعد تفقده البلدة، قال سلام: «وضع كفركلا يُعدّ الأصعب مقارنة بغيرها، نتيجة الانتهاكات اليومية المستمرة وقربها من الحدود»، مشدداً على أنه «لا عودة مستدامة من دون إعادة تأهيل البنى التحتية، التي ستبدأ خلال الأسابيع المقبلة»، ومؤكداً أن «زيارتنا هي للتأكيد أن الدولة بكامل أجهزتها إلى جانب القرى الحدودية المنكوبة». وشدد سلام على أن الحكومة ستواصل السعي من أجل إلزام إسرائيل بما وقّعت عليه «وهذا لا يعني الانتظار حتى الانسحاب من كامل الأراضي، وسنعمل على إعادة تنظيم وضع المدينة وإعادة تأهيل البنى التحتية، أما عملية إعادة تأهيل الطرقات ومد شبكة اتصالات فستبدأ في الأسابيع المقبلة».

بدوره، أكد النائب علي حسن خليل، خلال استقباله سلام، أن «عودة أهالي البلدة لا يمكن أن تتحقق، لأنها سُوّيت أرضاً ولا تزال تتعرض للعدوان الإسرائيلي». وقال: «العدو يعتدي من تلة الحمامص، وهذا من أكبر التحديات أمام الحكومة وجميع اللبنانيين».

سراي مرجعيون

وبعد كفركلا، توجه سلام والوفد المرافق إلى مرجعيون. وكانت له كلمة في السراي أكد فيها أن «الدولة غابت طويلاً عن الجنوب، ولكن اليوم الجيش انتشر ونريده أن يبقى على قدر مسؤولياته، ونحيّي دوره»، لافتاً إلى أن «الدولة لا تقتصر على الجيش إنما على القانون والمؤسسات والحماية الاجتماعية والخدمات لمواطنيها»، مشيراً إلى أن «مجلس الجنوب جزء أساسي من الدولة».

وأكد أن «العمل سيشمل تأهيل الطرقات، وتأمين عدد من محولات الكهرباء وشبكات المياه في مرجعيون، موضحاً أن هذه الأعمال لن تستغرق شهوراً». وأضاف: «نعمل على مسارات متكاملة، هناك مسار الإغاثة أي استمرار الإيواء وإعادة الإعمار التي ستبدأ من البنى التحتية، المهم التأكيد على جدية عودة الدولة».

وتابع: «نريد لهذه المنطقة أن تعود إلى الدولة، ونحن كلنا سعداء بأن يبقى الجيش على قدر مسؤولياته في الجنوب، ولكن بسط السيادة يتم ليس فقط من خلال الجيش بل بالقانون والمؤسسات وماذا تقدم (الدولة) للناس من حماية اجتماعية وخدماتية».

سلام يتلو كلمة بين نواب منطقة مرجعيون خلال زيارته بجنوب لبنان (رئاسة الحكومة)

وشارك نواب من «كتلة التغيير» في اللقاء، إضافة إلى مجموعة من المعارضين لـ«حزب الله». وقال النائب إلياس جرادة إنّ «على هذه الحكومة استعادة ثقة الجنوبيين»، وأضاف: «صناعة الثقة للجنوبيين تكون بدولة تحتضن شعبها وتدافع عنه، وترفع قدسية الـ10452 بكل جغرافيتها».

كذلك، رأى النائب فراس حمدان أن زيارة سلام تؤكد حرصه على العلاقة مع الجنوبيين.

وقال علي مراد، وهو من المرشحين السابقين ضد لائحة «الثنائي الشيعي» في مرجعيون، إن «زيارة سلام إلى الجنوب تشكّل تأكيداً على أولوية العودة وإعادة الإعمار، وعلى ضرورة تثبيت صمود الأهالي العائدين إلى قراهم، بانتظار استكمال الشروط الكاملة لإطلاق ورشة إعادة الإعمار الشاملة».

وأشار إلى أن «استقبال الأهالي في عيترون وبنت جبيل ورميش وعين إبل وعيتا يعبّر بوضوح عن حقيقة أساسية: بقدر ما تحتاج الدولة إلى الجنوب، يحتاج أهل الجنوب إلى حضور الدولة. فالسيادة هي حتماً بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، ولكنها أيضاً تحمّلها الكامل لمسؤولياتها الخدماتية والإنمائية». وشدد على أن «رهاننا سيظل على الدولة، أولاً وأخيراً».

كفرشوبا وكفرحمام

لاحقاً، توجه سلام إلى بلدة كفرشوبا وسط استقبال حاشد من أهالي منطقة العرقوب، وأكد أن «دعم صمود أهلها هو أولوية أساسية في عملنا»، لافتاً إلى «مشاريع مدروسة قيد المتابعة»، وأكمل باتجاه كفرحمام، ثم توجه إلى مقرّ اتحاد بلديات الحاصباني، وأكّد سلام أنّ «الدولة اليوم حاضرة في حاصبيا والجنوب، وأن المرحلة المقبلة ستُعطى فيها الأولوية للإنماء المتوازن، بما يلبّي حاجات المناطق المحرومة ويعزّز صمود أهلها».

واختتم سلام زيارته إلى الجنوب، بالمشاركة في افتتاح السوق الذي تدمر جراء الحرب، وقال إن «إعادة السوق فيها مسألة حياة تعني الجنوب كلّه وتعيد الحركة التجاريّة».

ترحيب سياسي

وقوبلت زيارة سلام إلى الجنوب، بترحيب سياسي من مختلف الأطراف. وقال عضو كتلة «حزب الله» البرلمانية (الوفاء للمقاومة) النائب حسين جشي إن زيارة رئيس الحكومة إلى منطقة الجنوب والقرى المحاذية «موضع ترحيب من قبلهم ومن قبل أهل الجنوب، ونأمل أن تسهم هذه الزيارة في تعزيز ثقة الجنوبيين بالدولة».

من جهته، رأى رئيس حزب «الكتائب اللبنانية» النائب سامي الجميّل أن «استقبالات رئيس الحكومة في قرى الجنوب رسالة لا لبس فيها: أهل الجنوب يريدون الدولة، ويريدون سيادتها، ويريدون مؤسسات شرعية تبسط سلطتها على كامل الـ10452 كلم² من لبنان، دون استثناء ولا شراكة».

وثمنت دار الفتوى في راشيا الزيارة، وقالت في بيان إنها «جاءت في هذا الوقت الحرج من تاريخ لبنان، لترسل لمن يعنيهم الأمر رسالة واضحة أن الدولة حاضرة في كل الوطن، وأنها مؤتمنة على حياة الناس، وتطبيق الدستور والقانون كذلك، وللعمل الجاد من أجل الوطن كله، وإيقاف آلة العدوان الصهيوني على لبنان، وإعادة إعمار لبنان».


الكشف عن نتائج التحقيقات مع خلية «داعش» منفذة تفجير كنيسة مار إلياس بدمشق

جانب من الدمار الذي أحدثه التفجير الانتحاري داخل كنيسة مار إلياس بحي الدويلعة في دمشق يوم 22 يونيو (أ.ف.ب)
جانب من الدمار الذي أحدثه التفجير الانتحاري داخل كنيسة مار إلياس بحي الدويلعة في دمشق يوم 22 يونيو (أ.ف.ب)
TT

الكشف عن نتائج التحقيقات مع خلية «داعش» منفذة تفجير كنيسة مار إلياس بدمشق

جانب من الدمار الذي أحدثه التفجير الانتحاري داخل كنيسة مار إلياس بحي الدويلعة في دمشق يوم 22 يونيو (أ.ف.ب)
جانب من الدمار الذي أحدثه التفجير الانتحاري داخل كنيسة مار إلياس بحي الدويلعة في دمشق يوم 22 يونيو (أ.ف.ب)

بعد 8 أشهر من تفجير كنيسة مار إلياس في الدويلعة بدمشق بهجوم انتحاري خلال يونيو (حزيران) الماضي، كشفت وزارة العدل السورية عن تفاصيل الهجوم؛ بدءاً من التخطيط، والتنفيذ، وحتى القبض على متهمين بالضلوع فيه.

وقالت الوزارة إن التحقيقات أدت إلى فتح سجلات تنظيم «داعش» والكشف عن هويات المنفذين والمخططين الرئيسيين للاعتداء. ووفق التحقيقات، فقد كان مقرراً تنفيذ تفجير آخر في منطقة السيدة زينب.

وقادت نتائج التحقيقات؛ المتعلقة بتفجير كنيسة مار إلياس للأرثوذكس في دمشق، إلى فتح سجلات تنظيم «داعش»، والكشف عن هويات المنفذين والمخططين الرئيسيين للعملية، وفق ما جاء في تقرير من قناة «الإخبارية السورية» الرسمية، أفاد بأن أبرز المتورطين هما: حسن رستم المعروف بـ«أبو وقاص» المكلف تنفيذ عمليات تفجير، وعبد الإله الجميلي الملقب «أبو خطاب» أو «أبو عماد»، الذي شغل منصب ما يسمى «والي الصحراء» في التنظيم، وكان من المخططين الرئيسيين للعملية. إضافة إلى ضلوعهم في التخطيط لاستهداف مقام السيدة زينب.

ووفق الاعترافات، فإن الخلية جاءت إلى ريف دمشق بعد سقوط النظام، ومكثت في حي الدويلعة نحو الشهر، وغادروه مستخدمين طرق تمويه صحراوية للوصول إلى مواقع الاستهداف، حاملين مواد متفجرة وأدوات تفجير، وحُدِّد توقيت تنفيذ تفجير الكنيسة قبل المغرب، على أن ينفَّذ تفجير انتحاري آخر بين المصلين بمقام السيدة زينب في الساعة الـ8 من مساء اليوم نفسه.

عناصر أمن سوريون خلال حملة اعتقالات 23 يونيو بعد تفجير كنيسة مار إلياس في اليوم السابق بدمشق (أ.ف.ب)

وفي تفاصيل التخطيط والتحضير للهجوم، نفذ أفراد الخلية جولات استطلاع عدة لدراسة موقع الكنيسة في حي الدويلعة الشعبي ذي الغالبية المسيحية، ورصد مسارات الدخول والخروج، وآلية التنفيذ، مع تلقيهم دعماً مالياً من قيادات التنظيم لتنفيذ العمليات، وفق ما كشفت عنه وزارة العدل، التي أكدت إحباط هجوم مماثل كان يستهدف مقام السيدة زينب جنوب العاصمة دمشق؛ بسبب الإجراءات الأمنية المشددة، ومنع وصول المنفذ الانتحاري إلى وجهته.

وأظهرت اعترافات حسن رستم «أبو وقاص» أنه ركب في مقعد السيارة الخلفي وراء المدعو «أبو هتون العراقي» - أحد قادة التنظيم والمسؤول عن تنظيم عمليتي؛ تفجير الكنيسة، وتفجير مقام السيدة زينب الذي قتل خلال إحباطه - بينما كان «أبو عماد» يقود السيارة.

وزارة الداخلية السورية تداهم وكر منفذي هجوم كنيسة مار إلياس بدمشق في يونيو الماضي (الإخبارية السورية)

واعترف المدعو «أبو وقاص» بعزمهم تنفيذ تفجير آخر في منطقة السيدة زينب، وبأنهم تلقوا مبالغ مالية من قيادات التنظيم لتنفيذ الجريمة.

وأوضح أن تفجير الكنيسة كان محدداً عند الساعة الـ5 مساء قبل المغرب، بينما كان من المقرر تنفيذ التفجير في منطقة السيدة زينب عند الساعة الـ8 مساء؛ وقت العشاء.

وأشار إلى أنهم توجهوا إلى الكنيسة أكثر من مرة، وجرى شرح الموقع ميدانياً: «هنا يتم التفجير، وهذا السلاح سيسلَّم لمجاهد، أو إن المجاهد عند دخوله الكنيسة يطلق النار على الموجودين ثم يفجر نفسه».

كما شرح تفاصيل المبنى وموقعه في السوق، وأنه ليس كسائر المباني؛ لوجود شبك معين، موضحاً مسارَيْ الدخول والخروج، وكيفية التحرك داخل المكان، ثم تفجير النفس في الموقع، لافتاً إلى أن المكان لم يكن فيه مصلون خلال ذلك الوقت.

وأضاف أنهم نزلوا من السيارات، ثم عادوا إلى المنزل وبقوا فيه فترة قصيرة، قبل أن يتواصل الجميلي مع «أبو هتون» لنقل تعليمات تتعلق بتفجير مقام السيدة زينب.

وأوضح أن الحديث شمل المسافة بين المنزل الأول والكنيسة، وأنه جرى التواصل مع «أبو هتون» عبر تطبيق «ماسنجر» بخصوص البارود، حيث قيل: «عند دخولك، كما أخبرناك، تطلق النار ثم تفجر نفسك».

وبين أنه وصل إلى محيط الكنيسة، ثم نزل من السيارة وابتعد قليلاً عنها، في حين كان محمد الجميلي ووالده العراقي يتابعان الوضع عبر موقع «فيسبوك»، مع احتمال تأجيل التنفيذ يومين أو 3 أو 4 أيام، ريثما تهدأ الأوضاع، لكن سرعان ما تم التفجير.

من جهته، كان المتحدث باسم وزارة الداخلية، نور الدين البابا، أوضح في مؤتمر صحافي بعد يومين من التفجير، أن وحدات الأمن السورية نفذت عملية نوعية في ريف دمشق، استناداً إلى معلومات أولية وبتنسيق مشترك مع جهاز الاستخبارات العامة، حيث استهدفت مواقع الخلية الإرهابية المسؤولة عن التفجير.

وأشار إلى أن أفراد الخلية الإرهابية قدِموا من «مخيم الهول»، وأن أحد العناصر الذين أُلقي القبض عليهم أدلى، خلال التحقيق، بمعلومات دقيقة عن أماكن وجود بقية أفراد الخلية وأوكارهم؛ مما أتاح تنفيذ سلسلة مداهمات أسفرت عن إلقاء القبض على جميع أفراد الخلية ومصادرة الأسلحة والمتفجرات التي كانت بحوزتهم.

وبخصوص الانتحاريين، أوضح البابا أن أحدهما نفذ التفجير في الكنيسة، بينما اعتُقل الثاني قبل تنفيذه عملية انتحارية في مقام السيدة زينب بريف دمشق، وأن كليهما ليس من الجنسية السورية، وإنما قَدِمَا من «مخيم الهول» بمساعدة المدعو «أبو عماد الجميلي».

هذا؛ وعدّت وزارة العدل السورية، في تقريرها الأخير، تفجير كنيسة مار إلياس «جريمة إرهابية خطيرة استهدفت السلم الأهلي وأمن المجتمع»، نفذها تنظيم «داعش»؛ بهدف إثارة الفتنة وزعزعة الاستقرار، معلنة عزمها تحريك الدعوى العامة بحق جميع الفاعلين والمساهمين، وإحالتهم إلى القضاء المختص، ليبقى الفصل النهائي بيد المحكمة الجنائية وفق القوانين النافذة.

وكانت كنيسة مار إلياس بحي الدويلعة شهدت في 22 يونيو 2025 هجوماً انتحارياً أسفر عن مقتل 24 مدنياً من المصلين، وإصابة نحو 63 آخرين. وأعلنت وزارة الداخلية السورية حينذاك القبض على متزعم خلية تابعة لتنظيم «داعش» تقف وراء تفجير الكنيسة، إضافة إلى 5 عناصر، وقتل اثنين آخرين، وذلك في عملية أمنية نفذتها بالتعاون مع جهاز الاستخبارات العامة في حرستا وكفربطنا بريف دمشق، حيث عُثر على سترات ناسفة وألغام ودراجات نارية مفخخة كانت مجهزة للتفجير.