الميزانية السعودية 2025... نمو مستدام مدعوم بالإصلاحات الاقتصادية

خادم الحرمين: المواطن هو المحرك الرئيسي للتنمية... ولي العهد: مستمرون في كامل برامج تحقيق «رؤية 2030»

TT

الميزانية السعودية 2025... نمو مستدام مدعوم بالإصلاحات الاقتصادية

ولي العهد مترئساً جلسة مجلس الوزراء المخصصة لإقرار ميزانية عام 2025 (واس)
ولي العهد مترئساً جلسة مجلس الوزراء المخصصة لإقرار ميزانية عام 2025 (واس)

جاء إعلان السعودية عن ميزانية العام المالي 2025، التي أقرّها مجلس الوزراء السعودي برئاسة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بنفقات 1.285 تريليون ريال (342.6 مليار دولار)، ليظهر مدى توسع الاقتصاد السعودي، وانعكاساً على تغير ديناميكية وهيكلة الاقتصاد في المملكة، حيث تواصل البلاد المضي نحو رحلة «رؤية 2030»، وذلك من خلال تحقيق المستهدفات والمحافظة على المكتسبات.

وتتوقع السعودية إيرادات بقيمة 1.184 تريليون ريال (315.7 مليار دولار)، وبعجز 101 مليار ريال (26.9 مليار دولار) بانخفاض قدره 12 في المائة عن العجز المتوقع لهذا العام.

وأكد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز أن «المواطن السعودي هو المحرك الرئيس للتنمية وأداتها الفعالة، وشباب وشابات هذه البلاد هم عماد الإنجاز والمستقبل»، وذلك وفقاً لما جاء في مستهل البيان الختامي لميزانية عام 2025.

رحلة «رؤية 2030»

وذكرت وكالة الأنباء السعودية أن ولي العهد وجّه الوزراء والمسؤولين، كلاً فيما يخصه، بالالتزام بتنفيذ ما تضمنته الميزانية من برامج واستراتيجيات ومشاريع تنموية واجتماعية ضمن رحلة «رؤية 2030».

وقال الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي رئيس مجلس الوزراء، إن ميزانية 2025 تؤكد العزم على تعزيز قوة ومتانة ومرونة اقتصاد المملكة، وهو ينمو بوتيرة متسارعة، ويُوجد فرصاً غير مسبوقة، من خلال المحافظة على مستويات مستدامة من الدَّيْن العام واحتياطيات حكومية معتبرة، إضافةً إلى سياسة إنفاق مرنة تمكّنها من مواجهة التحديات والتقلبات في الاقتصاد العالمي.

وشدّد ولي العهد، عقب إقرار مجلس الوزراء ميزانية العام المالي لعام 2025، على أن الإصلاحات المالية التي نفّذتها المملكة انعكست إيجابياً على تصنيفاتها الائتمانية؛ نتيجة تبني الحكومة سياسات مالية تسهم في المحافظة على الاستدامة المالية وكفاءة التخطيط المالي.

وأشار محمد بن سلمان إلى أن ميزانية العام المالي 2025 تؤكد استهداف حكومة المملكة الاستمرار في عملية تنفيذ الإصلاحات التنظيمية والهيكلية وتطوير السياسات الهادفة إلى الارتقاء بمستوى المعيشة وتمكين القطاع الخاص وبيئة الأعمال، والعمل على إعداد خطة سنوية للاقتراض وفق استراتيجية الدين متوسطة المدى التي تهدف إلى الحفاظ على استدامة الدين وتنويع مصادر التمويل بين محلية وخارجية والوصول إلى أسواق الدين العالمية.

ولي العهد في أثناء توقيعه على الميزانية العامة للدولة لعام 2025 (واس)

ونوّه بالدور المحوري للمملكة في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي إقليمياً وعالمياً، انطلاقاً من متانة اقتصادها القادر على تجاوز التحديات.

دعم النمو

وأوضح ولي العهد أن الحكومة ملتزمة مواصلة دعم النمو الاقتصادي من خلال الإنفاق التحولي مع الحفاظ على الاستدامة المالية على المديين المتوسط والطويل، وتواصل الحكومة تعزيز دور القطاع الخاص وتمكينه ليصبح المحرك الرئيسي للنمو الاقتصادي من خلال توفير البيئة الاستثمارية المحفّزة، ودعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة لتكوين قطاع عمل قوي وواعد يعزز قدرات الكوادر البشرية في المشاريع المختلفة، ويُمكّن الحكومة من مواصلة العمل على تعزيز نموها الاقتصادي، بما يحقق للاقتصاد استدامةً مالية، واستمرارية المشاريع ذات العائدَين الاقتصادي والاجتماعي، بالإضافة إلى مواصلة العمل على تحقيق وتنفيذ البرامج والمبادرات المتعلقة بتطوير البنية التحتية، ورفع جودة الخدمات الأساسية المقدَّمة للمواطنين والمقيمين والزائرين.

وقال ولي العهد: «إن الاقتصاد السعودي جزء لا يتجزأ من الاقتصاد العالمي، ويتأثر بالتطورات العالمية كأي اقتصاد آخر؛ وهذا ما يدعونا إلى مواصلة العمل على مواجهة أي تحديات أو متغيرات عالمية عبر التخطيط المالي طويل المدى للاستمرار على وتيرتنا المتصاعدة نحو تحقيق وتنفيذ البرامج والمبادرات، مع الالتزام بكفاءة الإنفاق، والتنفيذ المتقن والشفاف لجميع البنود الواردة في الميزانية، وإتمام البرامج والمشاريع المخطط لها في برامج (رؤية السعودية 2030) والاستراتيجيات الوطنية والقطاعية».

ولي العهد مترئساً جلسة مجلس الوزراء (واس)

وقال إن المؤشرات الإيجابية للاقتصاد السعودي تأتي امتداداً للإصلاحات المستمرة في المملكة في ظل «رؤية 2030»؛ إذ يقدر أن تسجل المملكة ثاني أسرع معدل نمو في الناتج المحلي الإجمالي بين الاقتصادات الكبرى خلال العام المقبل عند 4.6 في المائة، مدفوعةً باستمرار ارتفاع مساهمة الأنشطة غير النفطية التي بلغت مستوى قياسياً جديداً لها خلال عام 2024 عند 52 في المائة، وانخفض معدل بطالة السعوديين إلى مستوى قياسي بلغ 7.1 في المائة حتى الربع الثاني، وهو الأدنى تاريخياً، مقترباً من مستهدف 2030 عند 7 في المائة.

كما ارتفع معدل مشاركة المرأة السعودية في سوق العمل ليصل إلى 35.4 في المائة حتى الربع الثاني متجاوزاً مستهدف الرؤية البالغ 30 في المائة، وبلغ صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي 21.2 مليار ريال (5.6 مليار دولار) خلال النصف الأول من العام الحالي، ويعكس ذلك اهتمام حكومة خادم الحرمين الشريفين بجميع فئات المجتمع.

المملكة تسير على نهجٍ واضح

ولفت ولي العهد إلى الدور المحوري لصندوق الاستثمارات العامة وصندوق التنمية الوطني والصناديق التنموية التابعة له في دعم الاستقرار الاقتصادي وتحقيق التنمية الشاملة، كما يمثل الصندوقان قوة فاعلة لتنويع الاقتصاد والاستثمار في المملكة، بما يحقق مستهدفات «رؤية المملكة 2030».

وأضاف: «إن المملكة تسير على نهجٍ واضح، وهدف حكومتها - بقيادة وتوجيهات خادم الحرمين الشريفين - في المقام الأول هو خدمة المواطنين والمقيمين، والمحافظة على مكتسباتنا التنموية، والاستمرار في أعمالنا الإنسانية في الداخل والخارج، التزاماً بتعاليم ديننا الحنيف، ومواصلة العمل بكل الموارد والطاقات لتحقيق أهدافنا، مستعينين بالله - عز وجل - ومتوكلين عليه، وواثقين بطاقات وقدرات أبناء وبنات هذه البلاد الذين تسابقوا على الابتكار والإنتاج والإسهام في تحقيق رؤيتنا للوصول إلى مجتمع حيوي واقتصاد مزدهر ووطن طموح».

زيادة الإنفاق التحولي

وبحسب بيان الميزانية، تسعى الحكومة السعودية إلى مواصلة دعم النمو الاقتصادي وتعزيز مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين والمقيمين من خلال زيادة الإنفاق التحولي، مع الحفاظ على الاستدامة المالية.

وتشير التوقعات إلى استمرار الاقتصاد السعودي في تسجيل معدلات نمو إيجابية خلال عام 2024، وعلى المدى المتوسط، بفضل الإصلاحات الهيكلية المرتبطة بـ«رؤية السعودية 2030». هذه الإصلاحات أسهمت في تنويع القاعدة الاقتصادية، واستغلال فرص النمو المحتمل، وتوفير بيئة استثمارية جاذبة، إضافة إلى تعزيز دور القطاع الخاص ودعم نمو القطاعات الواعدة.

وبحسب ما ورد في البيان، فإنه على الرغم من التباطؤ الذي يشهده الاقتصاد العالمي بسبب التشديد النقدي لكبح التضخم والتقلبات الجيوسياسية، أظهرت توقعات المنظمات الدولية تفاؤلاً بأداء الاقتصاد السعودي، حيث من المتوقع أن يسجل الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي نمواً بنسبة 0.8 في المائة في عام 2024، مدعوماً بنمو الأنشطة غير النفطية بنسبة 3.7 في المائة، ما يعزز هذا الأداء المؤشرات الإيجابية للنصف الأول من العام الحالي، خاصة تلك المرتبطة بالاستهلاك والاستثمار الخاص.

كما انعكس النمو غير النفطي بشكل واضح في سوق العمل، حيث ارتفع عدد العاملين السعوديين في القطاع الخاص بنسبة 4.1 في المائة بنهاية الربع الثاني من عام 2024، بإضافة نحو 92 ألف وظيفة، مقارنة بالفترة ذاتها من العام السابق. هذا الأداء يعكس التزام المملكة بتنفيذ استراتيجياتها لتحقيق نمو مستدام على المدى المتوسط.

التوسع في الإنفاق الاستثماري

وقال وزير المالية السعودي محمد الجدعان إن ميزانية عام 2025 تستهدف مواصلة التوسع في الإنفاق الاستراتيجي على المشاريع التنموية، وفق الاستراتيجيات القطاعية وبرامج «رؤية المملكة 2030»، واستمرار تنفيذ البرامج والمشاريع ذات العائد الاقتصادي والاجتماعي والبيئي المستدام، وتطوير بيئة الأعمال لتعزيز جاذبيتها، والمساهمة في تحسين الميزان التجاري للمملكة، وزيادة حجم ونوع الاستثمارات المحلية والأجنبية.

وشدّد في مؤتمر صحافي، عقب إقرار ميزانية عام 2025، على أن الحكومة استمرت في الإنفاق التوسعي لما يحمل من أثر إيجابي للمواطن.

ولفت إلى أن اقتصاد المملكة وصل لمرحلة لا تؤثر فيه التقلبات التي تحدث في أسواق النفط كما كانت في السابق.

وزير المالية في مؤتمر صحافي عقب إقرار مجلس الوزراء ميزانية 2025 (الشرق الأوسط)

وقال إن 3.7 في المائة هو النمو المتوقع بالاقتصاد غير النفطي بنهاية 2024، موضحاً أن الأنشطة غير النفطية ساهمت في الناتج المحلي بنسبة 52 في المائة خلال النصف الأول من العام الحالي، وكاشفاً نمو الإيرادات غير النفطية بنسبة 154 في المائة منذ إطلاق «رؤية المملكة 2030».

وقال إن مساهمة النفط في الناتج المحلي اليوم هو 28 في المائة. وأضاف أن الناتج المحلي الاسمي وصل إلى 4.1 تريليون ريال.

وأفصح عن ارتفاع مساهمة الاستثمار الخاص في الناتج المحلي من 16 في المائة في عام 2016 إلى 24.7 في المائة حالياً، وأن قطاع الصناعة يستهدف جذب 30 مليار ريال (8 مليارات دولار) استثمارات في عام 2025، وتقديم تسهيلات ائتمانية للمصدرين السعوديين بقيمة 12.3 مليار ريال (3.2 مليار دولار) في العام المقبل، مؤكداً أن السياحة تعدّ ثاني أكثر العوامل تأثيراً على ميزان المدفوعات بعد ‫النفط.

وشدّد على أن المؤشرات الاقتصادية تدعو إلى التفاؤل. وقال: «هناك قفزة بعدد الشركات الصغيرة والمتوسطة بفضل الإنفاق الحكومي... نواصل الالتزام بالتحفظ عند إعداد الميزانية. وأرقام الإيرادات دليل على ذلك».

ولفت إلى أن تغيرات هيكلية في اقتصاد المملكة بدأت تظهر نتائجها، كاشفاً أن 33 في المائة هي نسبة ارتفاع في الإنفاق على الاستراتيجيات وبرامج تحقيق «رؤية 2030».


مقالات ذات صلة

خاص شاحنة للأمن والسلامة التابعة لـ«مدن» (مدن)

خاص «مدن» تعزّز كفاءة سلاسل الإمداد السعودية باستثمارات تتجاوز 147 مليون دولار

رسّخت الهيئة السعودية للمدن الصناعية ومناطق التقنية (مدن) مكانة المملكة منصة لوجستية عالمية ومركزاً حيوياً للتجارة العابرة بين القارات الثلاث.

ساره بن شمران (الرياض)
الاقتصاد العاصمة الرياض (الأراضي البيضاء والعقارات الشاغرة)

رسوم الأراضي البيضاء تحرك 71 مليون متر مربع في الرياض

تمكنت رسوم الأراضي البيضاء والعقارات الشاغرة من تحريك أكثر من 71 مليون متر مربع للدخول في الدورة التنمية العمرانية.

بندر مسلم (الرياض)
الاقتصاد نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 3 في المائة على أساس سنوي خلال الربع الأول من العام الحالي (واس)

السعودية: تطورات المنطقة لن توقف المشروعات التنموية الكبرى

أكد تقرير رسمي استعرضه «مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية» السعودي، خلال اجتماعٍ افتراضي، أن التطورات التي تشهدها المنطقة لن تُوقف عجلة المشروعات التنموية الكبرى.

«الشرق الأوسط» (جدة)
الاقتصاد الجلسة العادية السابعة والثلاثون للسنة الثانية من الدورة التاسعة لمجلس الشورى (الشرق الأوسط)

«الشورى» السعودي يطالب بإجراء تقويم للطلب على الهيدروجين الأخضر

طالب مجلس الشورى السعودي هيئة المحتوى المحلي والمشتريات الحكومية، بتطوير إطار وطني لتعزيز المحتوى المحلي في الأنشطة ذات القيمة المضافة المرتفعة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

العقد السوري - الأميركي للغاز: خطوة لكسر «عنق الزجاجة» المالي

حقل «جحار» أحد أهم حقول الغاز في سوريا ويقع بمنطقة البادية غرب مدينة تدمر بمحافظة حمص (أرشيفية - وزارة الطاقة السورية)
حقل «جحار» أحد أهم حقول الغاز في سوريا ويقع بمنطقة البادية غرب مدينة تدمر بمحافظة حمص (أرشيفية - وزارة الطاقة السورية)
TT

العقد السوري - الأميركي للغاز: خطوة لكسر «عنق الزجاجة» المالي

حقل «جحار» أحد أهم حقول الغاز في سوريا ويقع بمنطقة البادية غرب مدينة تدمر بمحافظة حمص (أرشيفية - وزارة الطاقة السورية)
حقل «جحار» أحد أهم حقول الغاز في سوريا ويقع بمنطقة البادية غرب مدينة تدمر بمحافظة حمص (أرشيفية - وزارة الطاقة السورية)

في اختراق استراتيجي هو الأبرز في مسار العلاقات الاقتصادية والسياسية بين دمشق وواشنطن منذ سقوط نظام بشار الأسد أواخر عام 2024، وقَّعت «الشركة السورية للبترول» عقداً تنفيذياً ضخماً مع شركتَي «كونوكو فيليبس» و«نوفاتيرا إنرجي» الأميركيتين لتطوير حقول الغاز وزيادة إنتاجها؛ في خطوة تُعدُّ أول صفقة طاقة أميركية كبرى تشهدها البلاد منذ سنوات، ومؤشراً عملياً على بدء مرحلة «التنفيذ المتكامل» المدعومة بقرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب رفع العقوبات في يوليو (تموز) 2025.

وجاء هذا العقد استكمالاً لتحركات أميركية مسبقة بدأت مطلع عام 2026 عبر مذكرات تفاهم لشركات أخرى مثل «شيفرون» في الاستكشاف البحري و«إتش كي إن إنرجي» في حقول الرميلان البرية، إلا أن اتفاقية «كونوكو فيليبس» تميزت بكونها العقد التنفيذي الملزم الأكبر لتطوير قطاع الغاز المنزلي، والمدعوم بتحالفات وتمويلات خليجية وأوروبية لإنهاء أزمة الطاقة الحادة في البلاد.

ويرى خبراء طاقة أن أثر هذا العقد المستند إلى تفاهمات نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي لن يقتصر على الجانب النفطي الفني، بل يُمثل «شهادة ثقة» دولية ستُسهم في كسر «عنق الزجاجة» المالي لموازنة الحكومة السورية الجديدة التي تواجه عجزاً يقارب 1.8 مليار دولار لعام 2026.

وتتزامن هذه العودة الأميركية مع دخول لاعبين إقليميين ودوليين كبار إلى خط الاستثمار في الطاقة السورية، عبر عقود موازية وشراكات مع شركات سعودية (مثل «أديس») وقطرية وفرنسية؛ ما يضع قطاع الغاز السوري على أعتاب مرحلة واعدة تشكل المحرك الأساسي لعملية التعافي وإعادة الإعمار.

ويجسّد العقد على أرض الواقع التفاهمات التي تم التوقيع عليها سابقاً. ففي نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، وقّعت «السورية للبترول» مذكرة تفاهم مع «كونوكو فيليبس» و«نوفاتيرا إنرجي»، تلتها مباحثات فنية وقانونية وتجارية؛ ليتم تتويج مسار العمل المشترك بين الجانبين به.

بعد توقيع العقد بين «الشركة السورية للبترول» وشركتَي «كونوكو فيليبس» و«نوفاتيرا إنرجي» (وزارة الطاقة السورية)

أهمية العقد

الأكاديمي والخبير السوري في شؤون الطاقة، الدكتور زياد عربش، رأى أن أهمية ما تم إنجازه تأتي من كونه تطويراً فعلياً للعلاقة من مذكرة تفاهم إلى عقد تنفيذي، ويُرسل إشارة قوية إلى الأسواق العالمية بأن سوريا أصبحت بيئة جاذبة للاستثمارات النفطية والغازية، كما يرفع «مستوى النشاط النفطي» في سوريا بشكل ملموس من خلال، زيادة عدد فِرق العمل والمهندسين والفنيين العاملين في الحقول، وتوفير حفارات ومعدات حديثة وفق أحدث المعايير الفنية، وتطوير البنية التحتية واللوجستية اللازمة لعمل هذه الشركات.

وأوضح عربش في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أنه كلما زاد عدد الشركات العاملة في سوريا، حفَّز ذلك دخول المزيد من الشركات، مما يؤدي إلى خفض التكاليف التشغيلية عبر وفورات الحجم وتبادل الخبرات، ويخلق بيئة تنافسية تعود بالفائدة على الاقتصاد الوطني.

شهادة ثقة

ومن شأن هذا العقد إحداث تأثير مضاعف؛ فوجود وجود شركة بحجم «كونوكو فيليبس» في السوق السورية يُشكّل، برأي عربش، «شهادة ثقة للشركات الأخرى، ويُقلل من المخاطر الملحوظة للاستثمار في سورية، كما يُظهر التزام الحكومة السورية بتوفير بيئة استثمارية جاذبة وقادرة على استقطاب كبرى الشركات العالمية».

وظهرت مؤخراً مؤشرات على هذا التوجه، تمثلت بتوقيع «السورية للبترول» عقداً مع شركة «أديس» السعودية لتطوير حقول الغاز في أبريل (نيسان) الماضي، بعد توقيع مذكرة تفاهم مع «شيفرون» الأميركية وشركة قطرية في فبراير (شباط)، كما تشير تقارير إلى تحالفات بين شركات أميركية وسعودية للاستثمار في شمال شرق سوريا.

حفارة «أورال ماش 2» التي أعيدت إلى العمل في حقول المنطقة الوسطى بسوريا (وزارة الطاقة السورية)

تجاوز «عنق الزجاجة» المالي

وورثت الحكومة السورية الجديدة اقتصاداً مدمراً من النظام السابق وتعاني عجزاً في الموازنة يقارب 1.8 مليار دولار. فحسب بيانات قدمها وزير المالية يسر برنية خلال مؤتمر صحافي في أبريل الماضي وأعلن خلال عن موازنة عام 2026، تُقدّر إيرادات عام 2026 بنحو 959 مليار ليرة سورية (نحو 8.7 مليار دولار)، مقابل نفقات تصل إلى 1056.7 مليار ليرة (نحو 10.5 مليار دولار).

ورأى عربش العقد أنه «خطوة محورية في تجاوز (عنق الزجاجة) المالي الذي تعاني منه موازنة الدولة، وذلك عبر مسارين متلازمين الأول: تخفيف فاتورة الاستيراد؛ إذ تعتمد سوريا حالياً على واردات وإمدادات إقليمية لتحسين التغذية الكهربائية، ففي ذروة ما قبل الحرب، كان إنتاج الغاز يبلغ نحو 28 مليون متر مكعب يومياً، لكنه هبط إلى نحو ثلث هذا المستوى».

وتستهدف الحكومة رفع الإنتاج إلى نحو 15 مليون متر مكعب يومياً في العام القادم، ومن المتوقع، أن يسهم العقد في زيادة الإنتاج بما يتراوح بين 4 -5 مليون متر مكعب يومياً خلال عام واحد من بدء العمل؛ ما يعني، حسب عربش، تراجعاً كبيراً في فاتورة استيراد النفط ومشتقاته، وتأميناً أفضل لحاجة السوق المحلية من الغاز للكهرباء والقطاعات الحيوية.

أما المسار الآخر، فيتمثل بـ«التصدير والإيرادات»؛ فمع تحقيق فائض إنتاج، يمكن التوجه نحو التصدير؛ ما يدر عملة صعبة تسهِم في إراحة موازنة الدولة مالياً وتعزيز قدرتها على تمويل مشاريع إعادة الإعمار والتنمية.

وتشير التقديرات المتداولة إلى أن المرحلة الأولى من المشروع يمكن أن تحقق زيادة في الإنتاج خلال عام واحد من بدء العمل، لكن عربش، قال في هذا الصدد: «لنكن واقعيين وإضافة عام آخر قبل بلوغ الزيادة الخمسة ملايين متر مكعب يومياً».

اختراق مهم في علاقات البلدين

ويأتي توقيع العقد في وقت تشهد فيه العلاقات بين السلطات السورية الجديدة وإدارة ترمب تحسناً متلاحقاً، وذلك بعد سقوط نظام حكم بشار الأسد أواخر عام 2024.

ورأى عربش أن هذا العقد يمثل اختراقاً مهماً في علاقات البلدين، بحكم أنه أول عقد تنفيذي مع شركة نفط وغاز أميركية كبرى منذ سقوط الأسد، ويعكس تحولاً في السياسة الأميركية تجاه سوريا، كما أنه يُتيح قناة للتعاون الاقتصادي المباشر بين البلدين؛ ما قد ينعكس إيجاباً على ملفات سياسية أخرى.

جاء توقيع العقد في وقت تواصل دمشق مساعيها لجذب الاستثمار الأميركي، حيث بحث وزير الطاقة السوري محمد البشير مع مسؤولين أميركيين الأسبوع الماضي فرص الاستثمار في قطاع النفط والغاز.

ووفق عربش، فإن توقيع العقد قد يمهّد الطريق لتطبيع أوسع في العلاقات بين البلدين، خصوصاً مع دخول شركات أميركية أخرى، مثل Baker Hughes وHunt Energy وArgent LNG، التي تُعدّ خطة شاملة لتطوير قطاع الطاقة في سوريا.

وزير الطاقة السوري محمد البشير يلقي كلمة خلال فعاليات المنتدى العالمي للطاقة في واشنطن (وزارة الطاقة السورية)

الواقع الحالي لحقول الغاز والإنتاج

يواجه قطاع الغاز رحلة شاقة للتعافي من عجز إمدادات عميق خلّفه النزاع المستمر لـ14 عاماً؛ إذ يقدّر تقرير للأمم المتحدة الخسائر المباشرة وغير المباشرة لقطاع النفط والغاز من جراء الحرب التي استمرت 14 عاماً، بأكثر من 115 مليار دولار بين عامي 2011 و2023. بينما تُشير بيانات الإنتاج الحالية المنشورة على صفحة السفارة الأميركية في دمشق، إلى أن إجمالي المعروض المحلي من الغاز يتراوح بين 7 و10 ملايين متر مكعب يومياً فقط، وهو هبوط حاد مقارنة بذروة ما قبل الحرب التي كانت تصل إلى 30 مليون متر مكعب يومياً. وفي المقابل، يقفز الطلب المحلي الإجمالي إلى مستويات تتراوح بين 23 و30 مليون متر مكعب يومياً، مدفوعاً بشكل رئيسي بالعجز الحاد في قطاع توليد الكهرباء. هذا التباين يخلّف فجوةً ونقصاً يومياً مستمراً يصل إلى 15 مليون متر مكعب؛ ما يضع قيوداً شديدة على قدرات محطات التوليد.

ومن هنا، تضع دمشق عينيها على هدف استراتيجي لعام 2030، يسعى للاستفادة من هذه الشراكات الدولية الجديدة لمضاعفة إنتاج الغاز بالكامل قبل نهاية العقد الحالي.

البنية التحتية

ورغم تعرض القطاع لأضرار كبيرة خلال سنوات الحرب، وما لحق بالحقول والمنشآت وخطوط النقل، إضافة إلى العقوبات التي أعاقت عمليات الصيانة لسنوات، فإن تطوير الاحتياطيات المؤكدة من الغاز المقدرة بنحو 285 مليار متر مكعب، يسمح، وفق عربش، بأن يستعيد الإنتاج الحالي وخلال 4 سنوات ذروة ما قبل الحرب (28 مليون متر مكعب يومياً)، في حين تحتاج سوريا إلى نحو 23 مليون متر مكعب يومياً لتأمين الكهرباء بصورة مستمرة.

وتعتمد سوريا حالياً على واردات وإمدادات إقليمية لتحسين التغذية الكهربائية، منها مشروع إمدادها بالغاز الأذربيجاني عبر تركيا بتمويل قطري، الذي يوفر نحو 3.4 مليون متر مكعب يومياً أو مباشرة من دولة قطر عبر الأردن.

وتركّز سوريا حالياً على إعادة تأهيل البنية التحتية للحقول القائمة، من خلال عقود مع شركات مثل «أديس» السعودية لتطوير حقول الغاز، وتستهدف مضاعفة الإنتاج عبر شراكات استراتيجية مع شركات دولية، كما يجسّده العقد مع «كونوكو فيليبس» و«نوفاتيرا إنرجي».

بالتالي يمثل توقيع هذا العقد، حسب عربش، «نقلة نوعية في قطاع الطاقة السوري، ويأتي في توقيت بالغ الأهمية، حيث تسعى سورية إلى تجاوز «عنق الزجاجة» المالي، ورفع «مستوى النشاط النفطي»، و«استعادة الثقة الدولية وجذب استثمارات إضافية» من الشركات العربية والغربية، و«فتح صفحة جديدة في العلاقات السورية - الأميركية عبر التعاون الاقتصادي المباشر».

وختم عربش حديثه قائلاً: «مع توقع بدء جني ثمار هذا العقد خلال عام، وما يرافقه من مشاريع موازية مع شركات سعودية وقطرية وفرنسية، فإن قطاع الغاز السوري يدخل مرحلة واعدة قد تشكل محركاً أساسياً للتعافي الاقتصادي وتجاوز الأزمة المالية الخانقة، شرط الشفافية في الطرح والتنفيذ».

أين تقع الحقول؟

انعكست هذه الاتفاقيات فوراً على الأرض بعدما تسلّمت «الشركة السورية للبترول» مؤخراً حقول النفط والغاز التي كانت تحت سيطرة «الإدارة الذاتية» الكردية في شمال شرق البلاد، لتبسط الحكومة سيطرتها على خريطة الثروات التي تتركز في ثلاث مناطق رئيسية:

المنطقة الشرقية (دير الزور والحسكة): وتضم حقل «كونيكو» (شمال شرقي دير الزور) الذي أنشأته «كونوكو فيليبس» عام 2001 بطاقة 4.7 مليار متر مكعب سنوياً وكان ينتج 13 مليون متر مكعب يومياً قبل أن يتوقف نتيجة الاستهدافات، ومعه حقل «الجبسة» في الحسكة، وشكَّلا معاً 53 في المائة من إنتاج سوريا قبل 2011.

المنطقة الوسطى وبادية حمص: وتضم حقل «الشاعر» (أكبر حقول البلاد بطاقة إنتاجية بلغت 35 مليون متر مكعب سنوياً عام 2010)، وحقل «الجحار» غرب تدمر، إلى جانب حقول «المهر» و«الجزل».

وخلص عربش إلى أن قطاع الغاز السوري، وبناءً على هذه المعطيات المتكاملة، يدخل مرحلة واعدة قادرة على قيادة التعافي الاقتصادي وتفكيك الأزمة المالية الخانقة، شريطة الالتزام بأعلى معايير «الشفافية في الطرح والتنفيذ».


الحكومة الأميركية تمنح «ساندبوكس» المدعومة من «إنفيديا» 500 مليون دولار

شعار شركة «إنفيديا» الأميركية على لوحة كمبيوتر (رويترز)
شعار شركة «إنفيديا» الأميركية على لوحة كمبيوتر (رويترز)
TT

الحكومة الأميركية تمنح «ساندبوكس» المدعومة من «إنفيديا» 500 مليون دولار

شعار شركة «إنفيديا» الأميركية على لوحة كمبيوتر (رويترز)
شعار شركة «إنفيديا» الأميركية على لوحة كمبيوتر (رويترز)

منحت الحكومة الأميركية يوم الأربعاء 500 مليون دولار لشركة «ساندبوكس إيه كيو» الناشئة لتطوير مواد كيميائية جديدة لصناعة أشباه الموصلات محلياً، بما في ذلك بدائل لمركبات مهمة وواردات العناصر الأرضية النادرة.

ويأتي هذا التمويل في إطار مبادرة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لتخصيص أموال للأبحاث بموجب قانون «تشيبس»، وهو جهد سبق أن موّل استثماراً بقيمة 150 مليون دولار في أدوات تصنيع الرقائق الإلكترونية الجديدة، واستثماراً بقيمة ملياري دولار في الحوسبة الكمومية.

وبلغت قيمة شركة «ساندبوكس إيه كيو»، المدعومة من «إنفيديا»، 5.75 مليار دولار في أبريل (نيسان) 2025، وجمعت أكثر من مليار دولار حتى الآن. وتعمل الشركة على تطوير نوع جديد من الذكاء الاصطناعي، مصمم لحل المشكلات في العالم المادي. فبدلاً من تدريبها على اللغة البشرية المكتوبة أو شيفرة الحاسوب، تستخدم أنظمة الذكاء الاصطناعي الخاصة بـ«ساندبوكس إيه كيو» نتائج التجارب الواقعية والبيانات الفيزيائية لإنتاج نماذج تساعد العلماء على حل المشكلات التي تعجز عنها روبوتات المحادثة الحالية.

وحتى الآن، طبقت «ساندبوكس إيه كيو» هذه النماذج في مجالات مثل التكنولوجيا الحيوية وأجهزة استشعار الملاحة الكمومية لاستبدال أنظمة تحديد المواقع العالمية، لكنها تتجه الآن إلى مجال المواد الكيميائية ومواد تصنيع الرقائق الإلكترونية.

وبفضل منحة قدرها 500 مليون دولار من وزارة التجارة الأميركية، ستسعى «ساندبوكس إيه كيو» إلى ابتكار مواد جديدة في المجالات التي يعتمد فيها تصنيع الرقائق الإلكترونية في الولايات المتحدة على سلاسل إمداد أجنبية هشة، أو حيث يواجه هذا القطاع نقصاً واختناقات.

ويُكلّف العقد شركة «ساندبوكس إيه كيو» بإيجاد مواد قابلة للتسويق في أربعة مجالات رئيسية، وهي بدائل ومواد معالجة لمواد «بي إف إيه إس»، أو «المواد الكيميائية الأبدية» المستخدمة في صناعة الرقائق الإلكترونية؛ ومحفزات لتسريع التفاعلات الكيميائية في صناعة الرقائق؛ ومغناطيسات وبطاريات دائمة جديدة لمعدات صناعة الرقائق لا تستخدم عناصر أرضية نادرة من الصين أو مصادر أجنبية أخرى.

وكجزء من العقد، ستستحوذ وزارة التجارة على حصة أقلية في «ساندبوكس إيه كيو»، وفقاً لما صرّحت به الشركة ومسؤول رفيع في الوزارة.

وامتنع جاك هيداري، الرئيس التنفيذي لشركة «ساندبوكس إيه كيو»، عن الكشف عن حجم حصة الحكومة، لكنه قال لوكالة «رويترز» إنها لا تمنح حقوق التصويت أو مقعداً في مجلس الإدارة.

• دفع العائدات

وأحد مجالات التركيز هو مواد «بي إف إيه إس» الكيميائية، وهي مواد بالغة الأهمية في صناعة الرقائق الإلكترونية، ولكنها قد تبقى في البيئة لفترة طويلة نظراً لقوة روابطها الكيميائية. وقد أجّلت إدارة ترمب العام الماضي بعض المواعيد النهائية التي حددتها إدارة بايدن لمراقبة هذه المواد في مياه الشرب. وستعمل شركة «ساندبوكس إيه كيو» على تطوير بدائل لمركبات «بي إف إيه إس» وطرق لتحليلها إلى مواد كيميائية أقل ضرراً عندما يتعذر استبدالها، وهو مجالٌ أحرزت فيه الشركة الناشئة تقدماً بحثياً ملحوظاً.

وصرح هيداري لوكالة «رويترز»: «عند النظر إلى مراحل تصنيع أشباه الموصلات المتعددة، نجد فرصاً في مختلف مراحل هذه العملية لاختيار مواد كيميائية بديلة تُغني عن استخدام مركبات (بي إف إيه إس)، وفي حال وجود مراحل تُنتج هذه المركبات، يتم تحليلها في الموقع قبل تسربها إلى البيئة الخارجية».

وفي حال نجاحها في تطوير مواد في المجالات الأربعة الرئيسية، ستمنح «ساندبوكس إيه كيو» تراخيص استخدام هذه التركيبات لشركاء صناعيين لإنتاجها بكميات كبيرة، وستحصل وزارة التجارة على عائدات مالية، وفقاً لما صرحت به الشركة ومسؤول رفيع في الوزارة لوكالة «رويترز».

وفيما يخص البطاريات والمغناطيسات الدائمة، يُسهم هذا التمويل في تحقيق هدف أوسع لإدارة ترمب، ألا وهو تقليل اعتماد الولايات المتحدة على المعادن الحيوية من سلاسل التوريد الأجنبية. وتستخدم آلات تصنيع الرقائق أنظمة بطاريات لتنظيم الطاقة من الشبكة الكهربائية وكأنظمة احتياطية لتجنب الانقطاعات المفاجئة والمكلفة في حال انقطاع التيار الكهربائي، وتحتوي جميع هذه الآلات على مغناطيسات.

وقال مسؤول رفيع في وزارة التجارة الأميركية، متحدثاً عن آلات تصنيع الرقائق: «تستخدم جميع الآلات مغناطيساً دائماً واحداً على الأقل. وإذا لم تتمكن شركات معدات أشباه الموصلات الكبرى من توفير كميات كافية من المغناطيسات لتشغيل هذه المعدات، فستكون هذه مشكلة».


نائب محافظ بنك اليابان يخطف الأضواء في وقت عصيب

نائب محافظ بنك اليابان شينيتشي أوتشيدا في مؤتمر صحافي بمقر البنك في العاصمة طوكيو يوم الثلاثاء (رويترز)
نائب محافظ بنك اليابان شينيتشي أوتشيدا في مؤتمر صحافي بمقر البنك في العاصمة طوكيو يوم الثلاثاء (رويترز)
TT

نائب محافظ بنك اليابان يخطف الأضواء في وقت عصيب

نائب محافظ بنك اليابان شينيتشي أوتشيدا في مؤتمر صحافي بمقر البنك في العاصمة طوكيو يوم الثلاثاء (رويترز)
نائب محافظ بنك اليابان شينيتشي أوتشيدا في مؤتمر صحافي بمقر البنك في العاصمة طوكيو يوم الثلاثاء (رويترز)

عندما تولى نائب محافظ بنك اليابان مهام رئيسه المريض في اجتماع السياسة النقدية التاريخي هذا الأسبوع، وجه رسالة صريحة بشكل مفاجئ، مفادها أن البنك المركزي معرض لخطر التخلف عن ركب التضخم.

وتولى نائب المحافظ شينيتشي أوتشيدا، المصرفي المركزي المخضرم الذي يُعتبر من بين المرشحين لتولي منصب المحافظ، مهمة إطلاع وسائل الإعلام على قرار بنك اليابان التاريخي برفع أسعار الفائدة إلى أعلى مستوى لها منذ 31 عاماً، مسجلاً 1 في المائة يوم الثلاثاء.

ورغم أنه لم يُبدِ أي إشارات واضحة بشأن موعد رفع سعر الفائدة القادم، فإن أوتشيدا بدا متشدداً بما يكفي لتجنب حدوث انخفاض حاد في قيمة الين، وهو ما يعكس خبرته في التعامل مع الأسواق، بحسب المحللين.

وتجنباً لبعض العبارات المبهمة التي استخدمها المحافظ كازو أويدا في المؤتمرات الصحافية التي أعقبت الاجتماع، منح أوتشيدا، وهو أحد أبرز مهندسي العديد من سياسات بنك اليابان، المستثمرين لمحة نادرة عن تفكير البنك بشأن المخاطر التضخمية.

وقال أوتشيدا: «تتسع رقعة ارتفاع الأسعار، وهناك خطر من انحراف التضخم الأساسي عن هدفنا»، مؤكداً على ضرورة تثبيت نمو الأسعار عند مستوى 2 في المائة. كما أشار إلى أن بنك اليابان يراقب من كثب تحركات الين، حيث أصبحت الشركات أكثر نشاطاً في تمرير ارتفاع تكاليف الاستيراد نتيجة ضعف العملة.

وقال شيغيتو ناغاي، المسؤول السابق في بنك اليابان، والذي يشغل حالياً منصب رئيس قسم الاقتصاد الياباني في مؤسسة أكسفورد إيكونوميكس: «كان أوتشيدا، كعادته، واضحاً ومتزناً. لم تترك تصريحاته مجالاً للخطأ، ولم تُتح لأسواق الصرف الأجنبي أي فرصة للمضاربة».

ويتناقض هذا مع تصريحات أدلى بها أويدا في الماضي، والتي فسرتها الأسواق على أنها تسامح مع ضعف الين، مما أدى إلى انخفاض قيمة العملة ودفع وزارة المالية إلى التدخل بشراء الين.

بسيط وموجز

وبعد خروجه من المستشفى الشهر الماضي عقب تلقيه العلاج من سرطان الدم، قرأ النائب البالغ من العمر 63 عاماً نصاً مُعداً بعناية في البداية، مُدافعاً عن رفع أسعار الفائدة لتجنب مخاطر التضخم المفرط. وبقيت الرسالة الأساسية كما هي بأنه في ظل استمرار الظروف المالية المواتية، سيواصل بنك اليابان رفع تكاليف الاقتراض مع مراقبة دقيقة لتداعيات التحديات، مثل الصراع في الشرق الأوسط.

لكن الأسلوب كان مختلفاً بشكل ملحوظ عن أسلوب أويدا، الأكاديمي الذي أصبح محافظاً للبنك المركزي، والذي كان يقدم شروحات مفصلة وشاملة لآرائه من خلال النماذج والتوقعات الاقتصادية.

وفي المقابل، يفكر أوتشيدا ويتحدث بواقعية، مركزاً على واقع اتخاذ القرارات في ظل حالة عدم اليقين، وفقاً لمن عملوا تحت إدارته.

ويقول سيساكو كاميدا، كبير الاقتصاديين السابقين في بنك اليابان والذي عمل مع كليهما: «بينما كان أويدا يضيف طبقات من الشروحات لتوضيح وجهة نظره، يُبقي أوتشيدا تعليقاته بسيطة وموجزة». ويضيف: «سيكون أوتشيدا واضحاً ومختصراً فيما يعرفه بنك اليابان أو يمكنه قوله. أما فيما يتعلق بالمجهول، فهو يلتزم الصمت التام».

وتجلّى هذا الاختلاف في الأسلوب عندما قلّل أوتشيدا صراحةً من فعالية تقدير بنك اليابان لسعر الفائدة المحايد كأداة في تحديد السياسة النقدية المستقبلية.

وبينما أوضح أويدا أيضاً حدود استخدام أسعار الفائدة المحايدة، أو السعر الذي لا يُؤدّي إلى تباطؤ الاقتصاد أو ارتفاعه بشكل مفرط، كمؤشر للسياسة النقدية، فقد أشار إلى ضرورة بذل جهود داخلية لتحسين هذه التقديرات.

مخاطر التخلف عن الركب

وقبل أن يصبح نائباً للمحافظ في عام 2023، أمضى أوتشيدا معظم حياته المهنية في قسم الشؤون النقدية النخبوي ببنك اليابان، والذي يُعنى بصياغة أفكار السياسة النقدية وخطابات مسؤوليه التنفيذيين. وقد شارك في كلٍّ من إدخال وإلغاء أسعار الفائدة السلبية والتحكم في منحنى العائد، وهما أداتان سياسيتان غير تقليديتين تهدفان إلى إنعاش الاقتصاد.

ونظراً لخبرته الواسعة في السياسة النقدية، يرى بعض المتعاملين في السوق أن أوتشيدا مرشح قوي لخلافة أويدا على رأس البنك المركزي عند انتهاء ولايته في عام 2028.

وقالت ماري إيواشيتا، كبيرة استراتيجيي أسعار الفائدة في شركة نومورا للأوراق المالية: «كانت تصريحات أوتشيدا متينة ومستندة إلى خبرته الطويلة كمصرفي مركزي... وبدلاً من الخوض في تفاصيل مختلف أوجه عدم اليقين، أوضح تركيز بنك اليابان على مخاطر التضخم بشكل جليّ».

وبتأكيده على قناعته بأن اليابان تشهد الآن دورة مستدامة من ارتفاع معتدل في الأجور والأسعار، تحدّى أوتشيدا النظرة السائدة عنه كسياسي متساهل، والتي تبناها البعض في الأسواق بسبب نفوره السابق من رفع أسعار الفائدة.

وفي عهد المحافظ السابق هاروهيكو كورودا، أعدّ أوتشيدا خطاباً ألقى فيه باللوم على ضعف نمو الأجور في إطالة أمد الانكماش، ودعا إلى سياسة نقدية توسعية للغاية لتحفيز الاقتصاد حتى يُجبر نقص العمالة الشركات على رفع الأجور.

وأعلن أوتشيدا هذا الأسبوع عن نجاح إنهاء الانكماش بفضل التحفيزات السابقة التي قدمها بنك اليابان، وأشار إلى مخاطر ارتفاع الأسعار باعتبارها مصدر القلق الجديد.

رسائل جديدة

وصرح بنك اليابان بأن أويدا سيعود من المستشفى في الوقت المناسب لحضور اجتماع السياسة النقدية القادم في يوليو (تموز) وترؤسه... لكن من المرجح أن تستمر تصريحات أوشيدا في جذب انتباه السوق نظراً لتأثيره القوي على صنع السياسات وسجله الحافل بإصدار إشارات واضحة حول التحولات السياسية قصيرة الأجل. وإذا سمحت له صحته، فمن المرجح أن يظهر علناً مرتين أو ثلاث مرات سنوياً، كما هو الحال بالنسبة لأعضاء مجلس الإدارة الآخرين.

ويتوقع بعض المحللين أن يبدأ أويدا الآن أيضاً في ترديد مخاوف نائبه بشكل أكثر صراحة من تخلف بنك اليابان عن الركب في مكافحة مخاطر التضخم.

وقال كاميدا، وهو حالياً خبير اقتصادي في معهد سومبو بلس الياباني: «للمرة الأولى، أشار بنك اليابان إلى خطر التخلف عن الركب كأحد أسباب رفع أسعار الفائدة. هذا تغيير كبير يُظهر قلقه إزاء ضغوط الأسعار المتزايدة». وأضاف أنه «مع وجود مثل هذه المخاطر الوشيكة والحقيقية التي تلوح في الأفق، يجب أن تكون رسالة السياسة واضحة تماماً دون مجال كبير للغموض».