موسكو تدير التوتر لتفادي توسع الحرب إلى سوريا

الغارات الإسرائيلية تتوالى على دمشق

عنصرا أمن يتفقدان الأضرار في حي المزة بعد غارة إسرائيلية الخميس (إ.ب.أ)
عنصرا أمن يتفقدان الأضرار في حي المزة بعد غارة إسرائيلية الخميس (إ.ب.أ)
TT

موسكو تدير التوتر لتفادي توسع الحرب إلى سوريا

عنصرا أمن يتفقدان الأضرار في حي المزة بعد غارة إسرائيلية الخميس (إ.ب.أ)
عنصرا أمن يتفقدان الأضرار في حي المزة بعد غارة إسرائيلية الخميس (إ.ب.أ)

أغارت إسرائيل مجدداً على حي المزة في دمشق، اليوم الجمعة، مستهدفة موقعاً في محيط مطار المزة العسكري. فيما تحدثت مصادر عن اتباع روسيا سياسة «إدارة التوتر»؛ لمنع انجراف سوريا في الحرب الإقليمية.

وقالت مصادر محلية إن الاستهداف كان على المتحلق الجنوبي خلف فندق «ياسمين روتانا» نهاية أوتوستراد المزة، حيث يقع تجمع مساكن الزهريات العسكرية. وقد تصدت الدفاعات الجوية السورية في مطار المزة العسكري القريب من موقع الاستهداف للهجوم الإسرائيلي الذي جاء بعد 24 ساعة من هجوم مماثل استهدف بناءين سكنيين في حي المزة ومبنى في ضاحية قدسيا، أدى إلى مقتل نحو 23 شخصاً، بينهم سبعة مدنيين وإصابة 21 آخرين.

عناصر أمن يتفقدون الأضرار في حي المزة بعد غارة إسرائيلية الخميس (إ.ب.أ)

وقال «المرصد السوري لحقوق الإنسان» إن سيارات الإطفاء والإسعاف توجهت إلى الموقع الاستهداف آخر المتحلق الجنوبي، الجمعة، وسط أنباء عن وقوع خسائر بشرية، كما تم فرض طوق أمني حول الموقع المستهدف بشكل كامل.

إلى ذلك، كشف سعي دمشق لاحتواء التوترات في مدينة البوكمال، شرق سوريا على الحدود مع العراق، بين العشائر وميليشيا تتبع إيران، عن محاولة تحييد دمشق نفسها عن أي تصعيد ضد الوجود الإيراني في سوريا قد يجرها إلى حرب واسعة، فيما تلعب موسكو دوراً حساساً في «إدارة التوترات»؛ لئلا تنفلت الأمور.

وتفيد المعلومات الواردة من شرق سوريا بالتوصل إلى اتفاق تهدئة بين عشيرة «الحسون» وميليشيات «الفوج 47» التابعة لـ«الحرس الثوري» الإيراني عقب اشتباكات امتدت لأسبوع، حيث عُقد اجتماع في المربع الأمني التابع للقوات الحكومية السورية بالبوكمال، حضره زعماء ووجهاء من العشائر في المنطقة، وقادة من الميليشيات المحلية التابعة لإيران ورؤساء الأفرع الأمنية السورية ومسؤولون أمنيون. ويقضي الاتفاق بإبعاد العناصر المسيئة من البوكمال ومحاسبة المتورطين في الأحداث الأخيرة، ومنع أي تصرفات استفزازية تهدد الأمن والسلم الأهلي، وطي صفحة الخلافات. وفق ما ذكرته مصادر محلية وإعلامية متقاطعة.

ضربات إسرائيلية تستهدف جسوراً في منطقة القصير قرب الحدود السورية - اللبنانية (المرصد السوري)

جاء ذلك وسط تواصل التصعيد بين الميليشيات التابعة لإيران، وقوات التحالف الدولي بقيادة أميركا، المتمركزة في دير الزور والحسكة، وأيضاً تزايد الاحتكاكات بين الميليشيات التابعة لإيران و«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) في دير الزور، وذلك بينما تواصل إسرائيل تكثيف ضرباتها على أهداف إيرانية داخل الأراضي السورية في ريف حمص الغربي وريف دمشق.

مدير «المرصد السوري» رامي عبد الرحمن أشار، اليوم الجمعة، إلى أن القوات الروسية لا تقوم بردع الضربات الإسرائيلية التي ازدادت بشكل كبير، وأن روسيا لم تتحرك حتى دبلوماسياً من أجل إيقاف إسرائيل. وقال عبد الرحمن إن موسكو هي «المسؤولة» عن التفاهم مع إسرائيل لوقف ضرباتها في سوريا، والتعهد بعدم السماح بمرور الـسـلاح عبر الأراضي السورية. مع التأكيد على أن «إسرائيل تبلغ موسكو مسبقاً بالغارات التي تنفذها في سوريا».

اتفاق تهدئة بين عشيرة «الحسون» وميليشيات «الفوج 47» التابعة للحرس الثوري الإيراني في البوكمال (المرصد السوري)

وذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال» أن إسرائيل تسعى بمساعدة من القوات الروسية بسوريا لمنع «حزب الله» من تجديد مخزون أسلحته بالتهريب.

مصادر متابعة في دمشق قالت لـ«الشرق الأوسط» إنه يوجد تفاهمات روسية - إسرائيلية، حول الوضع في سوريا، مشيرة إلى أنه ورغم وجود ميليشيات تتبع لإيران و«حزب الله» على الجبهة الجنوبية مع إسرائيل، فإن هذه لا تزال باردة ولا تتعرض للاستهداف الإسرائيلي كالمناطق الأخرى التي توجد فيها الميليشيات الإيرانية، في حمص ودمشق ودير الزور وحتى الساحل، وذلك لأن هناك تفاهماً روسياً - إسرائيلياً على ضبط جبهة الجولان، حيث تنشر القوات الروسية هناك أكثر من 17 نقطة عسكرية على الخط الفاصل بين الأراضي السورية والأراضي المحتلة من قبل إسرائيل. كما يوجد تفاهم حول ضرورة تحييد دمشق عن الانخراط المباشر في نشاط الميليشيات التابعة لإيران و«حزب الله»، وتركز موسكو على «إدارة التوتر»؛ لمنع توسع الحرب و«تحجيم» الوجود الإيراني في سوريا، مع التأكيد على أن هذا الوجود لا يزال قوياً ومتجذراً، و«لا يمكن لدمشق إضعافه».

مقاتلة روسية تقلع في سوريا (أرشيفية - المرصد السوري)

ووجهت إسرائيل سلسلة ضربات متزامنة، الخميس، على أبنية في حي المزة بدمشق وضاحية قدسيا ومنطقة السيدة زينب بريف دمشق، وعلى عدة جسور وحواجز عسكرية في منطقة القصير بريف حمص. وذلك بعد يوم من كشف المبعوث الخاص للرئيس الروسي إلى سوريا ألكسندر لافرينتيف عن أن روسيا وجهت تحذيراً لتل أبيب بعدما ضرب الجيش الإسرائيلي هدفاً سورياً قرب قاعدة «حميميم» الروسية في اللاذقية، وقال في مقابلة مع «روسيا اليوم»: «موقفنا كان دائماً الرفض الكامل لهذه الأنشطة الإسرائيلية التي تخرج عن أطر القانون الدولي، ويتم على أراضي دولة ذات سيادة». وأنه وعبر القنوات ذات الصلة، منها وزارتا الخارجية والدفاع، نتحدث عن ذلك بشكل مستمر، و«نحذر الجيش الإسرائيلي من أن هذه الأنشطة يمكن أن تؤدي إلى عواقب وخيمة للغاية».


مقالات ذات صلة

إسرائيل تقصف في الشمال السوري وأنقرة تنصب بطاريات صواريخ في مطار دمشق

المشرق العربي قوات إسرائيلية تنشط بمنطقة جبل الشيخ في سوريا يوم 9 ديسمبر 2024 وهو اليوم التالي لسقوط نظام الأسد (رويترز)

إسرائيل تقصف في الشمال السوري وأنقرة تنصب بطاريات صواريخ في مطار دمشق

تركيا ليست دولة لبنان ولا سوريا ولا إيران، وتحويلها إلى عدو مغامرة ستكون كلفتها باهظة.

نظير مجلي (تل أبيب)
المشرق العربي فرق الطوارئ تعمل فيما يتصاعد الدخان والنيران في موقع انفجار عبوات ناسفة في دمشق (رويترز) p-circle

سوريا: تحقيقات أولية تكشف تورط تنظيم «داعش» في تفجيرات دمشق

أعلن قائد الأمن الداخلي في ريف دمشق، أن التحقيقات الأولية مع الخلية المتورطة بتفجير عبوتين ناسفتين في دمشق، خلال زيارة ماكرون، أظهرت انها تتبع لتنظيم «داعش».

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي عنصران من الشرطة في سوريا (الشرق الأوسط)

سوريا تعلن القبض على الخلية المسؤولة عن تفجيرات دمشق

أعلن أنس خطاب وزير الداخلية السوري، اليوم الخميس، إلقاء القبض على المسؤولين عن التفجيرات التي استهدفت دمشق قبل يومين. 

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي فراس الداغر «والي لبنان وفلسطين» والمرافق الشخصي لـ«خليفة التنظيم» (الداخلية السورية)

«الداخلية» السورية تقبض على «والي لبنان وفلسطين» في «داعش»

أظهرت التحقيقات السورية أن فراس الداغر تدرج في مواقع قيادية؛ من «والي لبنان وفلسطين»، حتى أصبح مرافقاً شخصياً لـ«خليفة التنظيم»...

«الشرق الأوسط» (دمشق)
الخليج الرئيس الأميركي دونالد ترمب مصافحاً نظيره السوري أحمد الشرع خلال لقائهما على هامش قمة قادة الناتو في أنقرة الأربعاء (رويترز)

السعودية تُرحِّب بإلغاء تصنيف سوريا «راعية للإرهاب»

رحَّبت السعودية، الخميس، بإعلان الولايات المتحدة عن بدء إجراءات إلغاء قانون تصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب، الذي أدرج عام 1979.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

إسرائيل تقصف في الشمال السوري وأنقرة تنصب بطاريات صواريخ في مطار دمشق

قوات إسرائيلية تنشط بمنطقة جبل الشيخ في سوريا يوم 9 ديسمبر 2024 وهو اليوم التالي لسقوط نظام الأسد (رويترز)
قوات إسرائيلية تنشط بمنطقة جبل الشيخ في سوريا يوم 9 ديسمبر 2024 وهو اليوم التالي لسقوط نظام الأسد (رويترز)
TT

إسرائيل تقصف في الشمال السوري وأنقرة تنصب بطاريات صواريخ في مطار دمشق

قوات إسرائيلية تنشط بمنطقة جبل الشيخ في سوريا يوم 9 ديسمبر 2024 وهو اليوم التالي لسقوط نظام الأسد (رويترز)
قوات إسرائيلية تنشط بمنطقة جبل الشيخ في سوريا يوم 9 ديسمبر 2024 وهو اليوم التالي لسقوط نظام الأسد (رويترز)

في أعقاب التصريحات الرسمية ضد تركيا ورئيسها رجب طيب إردوغان، حذرت أوساط أمنية وخبراء استراتيجيون الحكومة الإسرائيلية ورئيسها، بنيامين نتنياهو، من مغبة فتح جبهة حربية ثامنة لخدمة مصالحه الحزبية الانتخابية، وأوضحوا له أن «تركيا ليست دولة لبنان ولا سوريا ولا إيران، وتحويلها إلى عدو مغامرة ستكون كلفتها باهظة».

وقال المحرر العسكري في صحيفة «هآرتس»، عاموس هاريئيل، إن تصعيد الخطاب تجاه تركيا «غير ضروري، وزائد ومبالغ فيه، ويأتي ضمن أجواء سياسية وأمنية متوترة، مع اقتراب الانتخابات»، وسط اتهامات للحكومة بالسعي إلى إبراز التهديدات الخارجية وتعزيز صورة نتنياهو في الملف الأمني.

نتنياهو في مرتفعات جبل الشيخ (أ.ف.ب)

وكان نتنياهو قد صرح، الجمعة والخميس، لوسائل إعلام عبرية، بأنه يسعى إلى «الحفاظ على التفوق الجوي الإسرائيلي، بوصفه أمراً حيوياً وضرورياً لمواجهة المحاور الجديدة»، وذلك في إشارة إلى تركيا.

وخلال كلمة ألقاها في حفل تخريج طيارين في سلاح الجو الإسرائيلي، ألمح إلى التوترات الشديدة مع تركيا، وإلى إمكانية بيع الولايات المتحدة مقاتلات «إف-35» إلى أنقرة، وقال في هذا السياق إن «هناك محاور تسقط ومحاور أُخرى تنشأ، والحرب لم تنتهِ بعدُ، وهناك تحديات جديدة». وشدد على أن «الحفاظ على التفوق الجوي ركن أساسي من أركان عقيدة الأمن القومي»، عاداً ذلك «مفتاحاً للحفاظ على الاستقرار في الشرق الأوسط المضطرب، ونحقق ذلك من خلال التطوير المستمر للأفراد والآلات على حد سواء».

وجاءت أقوال نتنياهو بعدما أعرب هو وغيره من المسؤولين في تل أبيب عن القلق من احتمال أن يوافق الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، على إعادة تركيا إلى برنامج مقاتلات «إف-35» وتزويدها بأسلحة أخرى حساسة.

وتتركز المخاوف الإسرائيلية حول توسّع الدور التركي في المنطقة، خصوصاً في سوريا. وحسب مصادر عسكرية، فإن لتركيا في سوريا ألوية وفرقاً، وقريباً ستبدأ أيضاً بنشر منظومات رادار مع بطاريات صواريخ متطورة في مطار دمشق الدولي.

قوات تركية في شمال سوريا (أرشيفية - الدفاع التركية)

وحسب أحد المسؤولين فإنه «ليس سراً أن سوريا، التي ما زالت حتى الآن فارغة من منظومات دفاع جوي، تمثل ممراً لسلاح الجو الإسرائيلي نحو إيران. أما نشر منظومات كشف تركية، فسيسد هذا المسار ويحرم إسرائيل من القدرة على مفاجأة إيران».

وقال الخبير الاستراتيجي أرئيل: «الأنباء الأكثر سوءاً بالنسبة لنا وفرها ترمب هذا الأسبوع من أنقرة. فالصداقة الجديدة والحبيبة مع إردوغان تمثل صعود المحور الجديد في الشرق الأوسط: حلف (الإخوان المسلمين) - تركيا وقطر على الرأس وسوريا و(حماس) في الخلف. بعد حربين ضد إيران، بقي المحور الشيعي على حاله وإلى جانبه حصلنا على محور قوي ومقلق بقدر لا يقل عنه. سوريا هي تفويت ذريع للفرصة من جانب حكومتنا العمياء. عندما استولى أحمد الشرع على الحكم، سعى للتقرب من إسرائيل، انطلاقاً من الإيمان بأننا نحوز المفاتيح لواشنطن. أراد اتفاقاً حتى لو كان يسمح للجيش الإسرائيلي بالبقاء في سوريا، وإسرائيل تجاهلت. وبالغ وزير الدفاع المحرج خاصتنا، الذي صعد إلى كل قمة تغطيها الثلوج في سوريا، كي يعلن أننا لن ننسحب منها أبداً. وبينما يغرق نتنياهو ووزراؤه في الخيالات، عن كيف سيهودون كل تلة، فهم الشرع أن المفتاح لواشنطن يوجد في أنقرة... فتح الباب لإردوغان، واليوم تركيا هي التي تبني الجيش السوري وتزوده بالعتاد. ذلك الجيش الذي دمرناه قبل سنة ونصف السنة».

لقاء الرئيس ترمب ونظيره السوري أحمد الشرع خلال اجتماع ثنائي على هامش قمة قادة «الناتو» في مجمع بستيبي الرئاسي في أنقرة يوم 8 يوليو (رويترز)

وقال المراسل العسكري لصحيفة «معاريف»، ألون بن دافيد، إن النشاط العسكري التركي في سوريا وصفة للاحتكاك بيننا وبين الأتراك. أنا لست ممن يتوقعون صداماً عسكرياً بين تركيا وإسرائيل. فمن الصعب أن نتخيل عضواً في الناتو يشن حرباً على إسرائيل. لكن في الاحتكاك العسكري توجد مخاطرة، ومع الأخذ في الحسبان الحليف الجديد للرئيس الأميركي، ليس مؤكداً أن يحل الاحتكاك في صالحنا. على مدى أكثر من سنتين ونصف السنة أظهرت إسرائيل قوتها في المنطقة وكانت مبهرة لكنها لم تحقق الحسم، بغياب تفكير سياسي يرافقها. تركيا، مع خطابها العنيد واللاسامي، هي دولة معادية لكن محظور علينا أن نجعلها عدواً لدوداً».

إردوغان لدى استقباله ترمب في أنقرة قبيل انطلاق أعمال قمة الناتو يوم 7 يوليو (رويترز)

وأضاف: «بعد نحو ثلاث سنوات تحدثت فيها إسرائيل بلغة القوة التي لم تحل أياً من مشاكلنا الأمنية، فإننا ملزمون بأن نعيد تكييف خطابنا الدبلوماسي. محور (الإخوان المسلمين) أصبح أمراً واقعاً، وهو مدعوم، لأسفنا، من الرئيس الأميركي. نحن ملزمون بأن نجد الطريق للحديث مع هذا المحور، إذ مثلما فهم كل إسرائيلي له عينان في رأسه: توجد حروب لا يمكن الانتصار فيها».


التصعيد الأميركي - الإيراني يجدد القلق اللبناني من عودة الحرب

لبناني ينقل مواد بناء خلال ترميم منزله الذي تضرر جراء غارة إسرائيلية استهدفت مدينة صور في جنوب لبنان (رويترز)
لبناني ينقل مواد بناء خلال ترميم منزله الذي تضرر جراء غارة إسرائيلية استهدفت مدينة صور في جنوب لبنان (رويترز)
TT

التصعيد الأميركي - الإيراني يجدد القلق اللبناني من عودة الحرب

لبناني ينقل مواد بناء خلال ترميم منزله الذي تضرر جراء غارة إسرائيلية استهدفت مدينة صور في جنوب لبنان (رويترز)
لبناني ينقل مواد بناء خلال ترميم منزله الذي تضرر جراء غارة إسرائيلية استهدفت مدينة صور في جنوب لبنان (رويترز)

أعاد التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران خلط الأوراق في المنطقة، بعدما استأنفت واشنطن ضرباتها على أهداف إيرانية، وردّت طهران باستهداف قواعد أميركية في المنطقة، في وقت يتزامن فيه تعثر تنفيذ اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل مع استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في الجنوب، ما يزيد القلق اللبناني من تجدد الحرب.

وبينما تتمسك تل أبيب بالبقاء فيما تسميه «المنطقة الأمنية»، تتجه الأنظار إلى انعكاس أي تطور في العلاقة الأميركية-الإيرانية على الجبهة اللبنانية، التي بقيت خلال الأشهر الماضية ضمن سقف تصعيد مضبوط رغم استمرار الغارات والاغتيالات وعمليات النسف.

رهانات على الوساطات

ورغم التصعيد، رأى العميد المتقاعد حسن جوني أن ما يجري لا يعني بالضرورة انهيار الاتفاق الأميركي- الإيراني أو توقف المفاوضات بصورة نهائية، بل قد يشكل مرحلة ضغط متبادل تسبق العودة إلى الالتزام به بعد معالجة بعض النقاط الخلافية.

وقال جوني لـ«الشرق الأوسط»: «استخدمت الولايات المتحدة القوة العسكرية أكثر من مرة وعلى نطاق واسع خلال نحو أربعين يوماً، وهذه هي النتيجة التي أفضت إليها تلك القوة»، معتبراً أن ذلك يدفع الطرفين إلى مواصلة المناورة ضمن حدود الاتفاق بدلاً من إسقاطه بالكامل.

وربط جوني بصورة مباشرة بين مستقبل العلاقة الأميركية-الإيرانية والجبهة اللبنانية، مؤكداً أن «الجبهة اللبنانية مرتبطة بالكامل بجبهة إيران وبالصراع القائم بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل». وأضاف: «إذا عادت الحرب بين إيران والولايات المتحدة، فلا أعتقد أن (حزب الله) سيبقى مكتوف اليدين، ولا سيما أن الواقع الميداني الذي استقر عليه في جنوب لبنان لا يصب في مصلحته، وبالتالي قد يرى في تجدد المواجهة فرصة لإعادة خلط الأوراق وتغيير المعادلات القائمة».

ورأى أنّ «رفض (حزب الله) لمسار التفاوض بين لبنان وإسرائيل ونتائج هذا المسار يعكس ارتباط موقفه بالتفاهم الأميركي – الإيراني»، مضيفاً: «إذا تعطل الاتفاق بين واشنطن وطهران وعادت الحرب، فمن المرجح أن يعود الحزب إلى المواجهة أيضاً، في محاولة لإعادة تثبيت مكاسبه أو تحسين موقعه ضمن أي تسوية لاحقة».

واشنطن أكثر جدية في تنفيذ تفاهم لبنان

من جهته، رأى العميد المتقاعد ناجي ملاعب، أن التطورات الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران لا تعني بالضرورة انهيار مسار التفاهم بينهما، معتبراً أن ما يجري لا يزال يقع ضمن حدود الضغوط المتبادلة، في وقت تظهر فيه واشنطن اهتماماً متزايداً بملف تنفيذ التفاهم الخاص بلبنان.

وقال ملاعب لـ«الشرق الأوسط» إن الحديث عن انتهاء الاتفاق مع إيران لا يعني بالضرورة سقوطه نهائياً، لأن «طهران نفسها معنية بالإبقاء على مساحة للتفاهم إذا توافرت الظروف»، مشيراً إلى أن «الردود بقيت حتى الآن ضمن مستويات محسوبة».

وفيما يتعلق بالملف اللبناني، اعتبر أن «التململ الرسمي الذي بدأ يظهر تجاه نتائج المفاوضات يعكس شعوراً بأن ما تحقق حتى الآن لا يلبّي الطموحات اللبنانية، وأن الضمانات الأميركية لم تكن بالمستوى المطلوب».

مسعفون يتفقدون أنقاض سيارة تعرضت لاستهداف إسرائيلي في مدينة النبطية بجنوب لبنان يوم الاثنين الماضي (أ.ف.ب)

وأشار إلى أن رفض لبنان المشاركة في الجولة المقبلة من المفاوضات في روما كان مرتبطاً بطبيعة الاجتماع، إذ «لم يكن مقبولاً أن يظهر وكأنه لقاء لبناني - إسرائيلي مباشر بمستوى أميركي منخفض»، مضيفاً أن «الموقف تبدل بعدما أبلغت واشنطن الجانب اللبناني أن الاجتماعات ستُعقد داخل السفارة الأميركية في روما، وبحضور رسمي أميركي يتولى إدارة المفاوضات، ما دفع لبنان إلى الموافقة، لكن مع ربط مشاركته بتنفيذ الجزء الأول من التفاهم، وفي مقدمته تطبيق تجربة المنطقتين التجريبيتين قبل انعقاد الاجتماعات المقررة في 15 و16 من الشهر الحالي».

ورأى ملاعب أن الحراك الأميركي خلال الأيام الأخيرة يعكس اهتماماً مباشراً بملف لبنان، مشيراً إلى أن «جولات السفير الأميركي على المسؤولين اللبنانيين، ولقاءه المطول مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، وزيارة قائد القيادة الوسطى الأميركية الجنرال براد كوبر إلى لبنان، تشكل مؤشرات على ذلك».

وأضاف أن تعيين الجنرال الأميركي كليرفيلد للإشراف على تنفيذ التفاهم، مع معلومات عن انتقاله للإقامة في لبنان والعمل من داخل السفارة الأميركية لمتابعة تنفيذ ترتيبات المنطقتين التجريبيتين، «يشكل مؤشراً إضافياً على وجود درجات مرتفعة من الجدية الأميركية في إدارة هذا الملف».

واعتبر ملاعب أنّ «إيران تدرك أنها لن تحصل على ضمانات دائمة مهما كان الموقف الأميركي، ولذلك ستواصل الحفاظ على أذرعها الإقليمية ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً»، كاشفاً أن تشدد «حزب الله» في مواقفه «يعكس الموقف الإيراني»، مضيفاً: «حتى الآن لا أتوقع تطوراً كبيراً في العمليات، إلا إذا أوعزت إيران إلى الحزب بالخروج من إطار وقف إطلاق النار والاستمرار في مقاومة الوجود الإسرائيلي، علماً أن الذرائع الميدانية متوافرة، وقد شهدت بنت جبيل مؤخراً اشتباكات ميدانية، وبالتالي يبقى القرار النهائي مرتبطاً بكيفية استخدام إيران لأذرعها خلال المرحلة المقبلة».


إعفاءات ضريبية إسرائيلية كبيرة لتشجيع اليهود على الاستيطان بالضفة

مستوطنون وجنود إسرائيليون يقفون بحقل في حين يُمنع المزارعون الفلسطينيون من قطف الزيتون بقرية سعير قرب مدينة الخليل بالضفة الغربية (أرشيفية - أ.ف.ب)
مستوطنون وجنود إسرائيليون يقفون بحقل في حين يُمنع المزارعون الفلسطينيون من قطف الزيتون بقرية سعير قرب مدينة الخليل بالضفة الغربية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

إعفاءات ضريبية إسرائيلية كبيرة لتشجيع اليهود على الاستيطان بالضفة

مستوطنون وجنود إسرائيليون يقفون بحقل في حين يُمنع المزارعون الفلسطينيون من قطف الزيتون بقرية سعير قرب مدينة الخليل بالضفة الغربية (أرشيفية - أ.ف.ب)
مستوطنون وجنود إسرائيليون يقفون بحقل في حين يُمنع المزارعون الفلسطينيون من قطف الزيتون بقرية سعير قرب مدينة الخليل بالضفة الغربية (أرشيفية - أ.ف.ب)

بعد أقل من أسبوعين على تخصيص نحو 200 مليون دولار لتعزيز الأمن، بادر وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش إلى تخصيص مبلغ مشابه يعطى للمستوطنين كمنحة إعفاء ضريبي، وذلك بغرض تشجيع المواطنين اليهود في إسرائيل على الانتقال للسكن في المستوطنات الاستعمارية القائمة في الضفة الغربية، حتى يبلغ عدد المستوطنين مليون نسمة (اليوم يشكلون 750 ألف مستوطن، بما يشمل القدس الشرقية المحتلة).

وقد تباهى سموتريتش، الجمعة، بهذه المعطيات التي يريد لها أن تساعده على الخروج من مأزقه السياسي. فهو يقود حزب «الصهيونية الدينية» الممثل بثمانية مقاعد، لكن الاستطلاعات تشير إلى احتمال أن يسقط ويفشل في الوصول إلى نسبة الحسم. وهو يحاول بكل قوته استرضاء جمهور المستوطنين لإنقاذه. ويستغل سموتريتش كونه وزير المالية المسؤول عن «حنفية النقود» في الدولة العبرية، وكونه وزيراً ثانياً في وزارة الدفاع، ليفرض نفسه مسؤولاً عن الاستيطان. وفقط قبل أسبوعين رصد مبلغاً يضاهي نصف مليار شيقل (الدولار يعادل 3 شواقل)، لغرض توفير سيارات مصفحة، وترتيب السفر الشعبي المجاني، وشق الطرق للمستوطنات.

وزير المالية بتسلئيل سموتريتش يتحدث مع نتنياهو خلال جلسة للكنيست (أرشيفية - رويترز)

وقال سموتريتش، خلال شريط مسجل بثه اليوم، إنه يقدم الإعفاءات الضريبية لـ64 مستوطنة في الضفة الغربية، بقيمة 47 ألف دولار للعائلة الواحدة. واعتبر ذلك «تصحيحاً للتمييز الذي عانى منه المستوطنون عبر عشرات السنين. فالمواطن الإسرائيلي الذي يعيش في البلدات المجاورة للحدود في الشمال أو في الجنوب يحظى بإعفاء ضريبي بقيمة 14 بالمائة، بسبب المخاطر الأمنية التي يعيشها». وقد قرر منح المستوطنين إعفاء بقيمة 7 بالمائة؛ أي أقل من سكان البلدات الحدودية، «مع أنهم يعيشون في أخطار أمنية لا تقل سوءاً».

وقد رحب المستوطنون بهذا القرار، لكنهم اعتبروه «غير كافٍ». وقال رئيس مجلس مستوطنات بنيامين (قرب رام الله)، يسرائيل غانتس، إنه يتمنى على الوزير أن يكمل الحسنات ويحقق المساواة للمستوطنين. وأضاف: «نحن أيضاً بلدات حدودية تواجه أخطاراً أمنية».

سموتريتش في اجتماع لحزبه الجمعة (موقع حزب الصهيونية الدينية)

يُذكر أن حركة «السلام الآن» وجمعية «كيرم نبوت» الإسرائيليتين أصدرتا تقريراً يشير إلى أن الحكومة، بقيادة بنيامين نتنياهو ومبادرة سموتريتش، سرعت من وتيرة ضم أراضٍ في الضفة الغربية لإسرائيل من خلال تغيير هيكلي للنظام الحكومي، وتوسيع المستوطنات، وتهجير السكان، وتعميق سيطرة إسرائيل على المناطق «أ» و«ب». وأكدتا أن الحكومة قامت بتمويل البؤر الاستيطانية بسخاء وجهّزتها واستولت على الأراضي، وأن التغييرات التي طرأت على الضفة خلال فترة ولاية هذه الحكومة غير مسبوقة، وخصوصاً في أيام الحرب. ففي الفترة بين الأعوام 2023 – 2025 تمت إقامة 185 بؤرة استيطانية جديدة في الضفة الغربية، معظمها مزارع وبؤر استيطانية جبلية. وتسيطر هذه المزارع على أكثر من مليون دونم؛ أي 18 في المائة من إجمالي مساحة الضفة، ولا تصنف إلا 40 في المائة من الأراضي التي استولت عليها رسمياً بأنها «أراضي دولة». وقد خصصت وزارة الاستيطان والمهمات الوطنية برئاسة الوزيرة أوريت ستروك عشرات ملايين الشواقل سنوياً لها.

ووفقاً للتقرير، فقد تم إخلاء 118 تجمعاً سكنياً و«تجمع رعاة» – وهي تجمعات سكنية وبعضها تابع لهذه التجمعات – بشكل منهجي خلال ثلاث سنوات. وقد ترك السكان بيوتهم بسبب عنف المستوطنين، ومنعهم من الحصول على المياه، وعدم حمايتهم من السلطة. وبهدف منع عودة الفلسطينيين، فقد أقام المستوطنون أسواراً على طول الطرق بمسافة لا تقل عن 51 كيلومتراً. وقد وُضعت هذه الأسوار بشكل رئيسي في غور الأردن، وفي مناطق تستخدمها التجمعات المحلية، الأمر الذي أدى بالفعل إلى إغلاق مئات آلاف الدونمات.

مستوطنون وجنود إسرائيليون يقفون بحقل في حين يُمنع المزارعون الفلسطينيون من قطف الزيتون بقرية سعير قرب مدينة الخليل بالضفة الغربية (أرشيفية - أ.ف.ب)

كما رصد التقرير معطيات تفيد بأنه في السنوات الثلاث الماضية، شهدت عمليات هدم المباني الفلسطينية المبنية دون ترخيص في المناطق «ج» زيادة بنسبة 80 في المائة. وقُدمت خطط لبناء 40064 وحدة سكنية في المستوطنات. وأجازت قرارات مجلس الوزراء، في محاولة لمنع التنمية الفلسطينية، بناء أكثر من 100 مستوطنة جديدة، من بينها 50 بؤرة استيطانية تمت شرعنتها، و15 حياً تم تطويره، و37 مستوطنة جديدة بالكامل. وتوجد معظم هذه المستوطنات في عمق الضفة الغربية، في مناطق لم يكن فيها أي وجود إسرائيلي حتى الآن.

ووفقاً للتقرير، فإنه في سبيل إلغاء «اتفاق أوسلو» تتجه عمليات الاستيلاء من المناطق «ج» نحو المناطق «أ» و«ب»، الخاضعة للسيطرة المدنية للسلطة الفلسطينية حسب الاتفاق. وفي هذا السياق، تم إنشاء نحو 20 بؤرة استيطانية في مناطق السلطة حتى نهاية عام 2025. وفي نفس الوقت، يمنع سكان البؤر الاستيطانية القريبة من المناطق «ج» الفلسطينيين من الوصول إلى الأراضي في المناطق «أ» و«ب» من خلال استخدام العنف المنهجي. وحسب معدّي التقرير، يمنع المستوطنون السكان الفلسطينيين من الوصول إلى نحو 100 ألف دونم من مناطق السلطة.