بالابتسامات والمجاملات... كيف يستعد قادة العالم لولاية ترمب الثانية؟

ترمب مرحّباً بنتنياهو وزوجته في مارالاغو 26 يوليو (نيويورك تايمز)
ترمب مرحّباً بنتنياهو وزوجته في مارالاغو 26 يوليو (نيويورك تايمز)
TT

بالابتسامات والمجاملات... كيف يستعد قادة العالم لولاية ترمب الثانية؟

ترمب مرحّباً بنتنياهو وزوجته في مارالاغو 26 يوليو (نيويورك تايمز)
ترمب مرحّباً بنتنياهو وزوجته في مارالاغو 26 يوليو (نيويورك تايمز)

عندما التقى رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، مع دونالد ترمب في «برج ترمب» بنيويورك لتناول العشاء يوم 26 سبتمبر (أيلول)، كان ذلك جزءاً من هجوم بريطاني «ناعم» لتعزيز العلاقة بين زعيم يساري ورئيس يميني محتمل. لذا، عندما التفت ترمب إلى ستارمر قبل أن يفارقه وقال له: «نحن أصدقاء»، وفقاً لشخص مشارك في تلك الأمسية، لم يمر الأمر دون أن يلحظه أحد. رغم ذلك، لا يُمكن لأحد الجزم بما إذا كانا سوف يظلان صديقين.

على مدى أشهر سبقت عودة ترمب السياسية، وفي الأيام المثيرة منذ تأكيد فوزه، سارع القادة الأجانب، مجدداً، إلى مجاملته. وقد عمل مبعوثوهم على تنمية علاقات مع أشخاص في دائرة ترمب، أو مع مؤسسات بحثية من المتوقع أن تكون مؤثرة في وضع السياسات لإدارة ترمب الثانية. يقوم بعض القادة، مثل الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، بصياغة مواقفهم لاستمالة الطبيعة البراغماتية لدى ترمب في التعامل؛ وقام آخرون، مثل رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو، بإرسال فرق من المسؤولين إلى الولايات المتحدة لزيارة عشرات من القادة الجمهوريين، على أمل أن يتمكنوا من تخفيف غرائز ترمب الأكثر تشدّداً في فرض الرسوم الجمركية.

التجهيز لحقبة ترمب

ترمب وزيلينسكي في مانهاتن 26 سبتمبر (نيويورك تايمز)

يشير التاريخ إلى أن كثيراً من جهود بناء الجسور هذه سوف تفشل. بحلول نهاية ولايته الأولى، كان ترمب قد تدهورت علاقته مع عدد من القادة الذين بدأ معهم بعلاقات جيدة، فقد غدت سياسته التجارية الحمائية، ونفوره من التحالفات، إضافة إلى شخصيته المتقلّبة، سبباً في نشوب صدامات تجاوزت مستوى الصداقة التي عمل القادة على تنميتها.

وقال مالكولم تورنبول، رئيس وزراء أستراليا السابق، في مقابلة أجريت معه: «لقد كان هناك نوعان من سوء الفهم بشأن ترمب؛ الأول: أنه سيكون مختلفاً في منصبه عما كان عليه في الحملة الانتخابية، والثاني: أن أفضل طريقة للتعامل معه هي مجاملته».

في يناير (كانون الثاني) 2017، أجرى تورنبول مكالمة هاتفية عنيفة مع ترمب حول ما إذا كانت الولايات المتحدة ستحترم اتفاقاً أُبرم في عهد الرئيس الأسبق باراك أوباما لقبول 1250 لاجئاً، الأمر الذي عارضه ترمب (انتهى الأمر بالولايات المتحدة بقبولهم). وقال تورنبول إنه وجد في وقت لاحق أرضية مشتركة أخرى مع ترمب، حتى إنه أقنعه بالتراجع عن فرض رسوم جمركية على بعض الصادرات الأسترالية. وأضاف تورنبول أن الفرق هذه المرة هو أن «الجميع يعرفون تماماً ما الذي سيحصلون عليه. إنه مولع بأسلوب التبادل. يجب أن تكون قادراً على إثبات أن مساراً معيناً من العمل يصب في مصلحته».

قبل فترة طويلة من الانتخابات، بدأ القادة في التجهيز لفوز ترمب، من خلال السعي إلى مقابلته. التقى زيلينسكي مع ترمب في نيويورك في أسبوع لقائه نفسه مع ستارمر. وسافر رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، إلى مارالاغو، مقرّ ترمب في بالم بيتش بفلوريدا، في يوليو (تموز)، وكذلك فعل رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، الشعوبي الذي يُعدّ أسلوبه الاستبدادي نموذجاً للبعض في حركة «لنجعل أميركا عظيمة مجدداً»، التي يتزعمها ترمب، وربما كان الأقرب إلى فك شفرة التعامل مع الرئيس المنتخب. إذ يلتقي الاثنان ويتحدثان بانتظام عبر الهاتف، ويثني أحدهما على الآخر. وقال ترمب إن أوربان «قائد عظيم للغاية، ورجل قوي للغاية»، ولا يحبه البعض فقط «لأنه قوي للغاية». ومن جانبه، أشاد أوربان بترمب بوصفه الأمل الوحيد للسلام في أوكرانيا، ولهزيمة «أنصار العولمة التقدميين».

أسلوب إقناع ترمب

إقناع ترمب بأن أولويات أوكرانيا تصب في مصلحته الخاصة يكمن في صميم استراتيجية الضغط التي ينتهجها زيلينسكي. تشكُّك ترمب في الدعم العسكري لأوكرانيا ضد روسيا معروف جيداً؛ فهو يزعم أنه يستطيع إنهاء الحرب في يوم واحد، ربما حتى قبل توليه منصبه، رغم أنه لم يذكر كيف يمكن ذلك.

ويخشى المحللون من أنه قد يُجبر زيلينسكي على التوصل إلى تسوية سلمية مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، من شأنها ترسيخ المكاسب الإقليمية لروسيا في أوكرانيا.

في اجتماعهما في نيويورك، ساق زيلينسكي الحجة بأن الدفاع عن أوكرانيا يصُبّ في المصلحة الاقتصادية للولايات المتحدة؛ وذلك لأن كثيراً من المساعدات العسكرية التي تقدمها الولايات المتحدة تعود بالفائدة على المتعاقدين مع قطاع الدفاع في البلاد، على سبيل المثال، شركة «لوكهيد مارتن»، التي تصنع نظام صواريخ «هيمارس»، والذي صار سلاحاً حيوياً في الترسانة الأوكرانية. وعمل المسؤولون الأوكرانيون مع الحلفاء الجمهوريين في واشنطن على تطوير سبل جديدة لتنظيم المساعدات العسكرية، بما في ذلك إنشاء برنامج إقراض وتأجير بقيمة 500 مليار دولار لمساعدة أوكرانيا في الدفاع عن نفسها. كان ذلك من بنات أفكار مايك بومبيو، وزير الخارجية السابق، ومدير وكالة الاستخبارات المركزية في إدارة ترمب الأولى، والذي قد يضطلع بدور بارز في الإدارة الجديدة.

لدى كل من زيلينسكي وترمب أثقال وأعباء؛ إذ حركت مكالمة ترمب الهاتفية التي أجراها عام 2019 مع الزعيم الأوكراني -التي حثه فيها الرئيس الأميركي على التحقيق مع جو بايدن- أول إجراءات العزل بحقه. غير أن زيلينسكي كان من أوائل القادة الذين هنّأوا ترمب، وقدّم للرئيس المنتخب ثناءً غير محدود، على ما سمّاه «النصر التاريخي الساحق». وقال زيلينسكي: «لقد كانت محادثة دافئة للغاية». ولم يذكر ترمب أن إيلون ماسك، ملياردير وادي السيليكون الذي دعم حملته، شارك في المكالمة.

شبكة واسعة

جانب من قمة مجموعة السبع في شارلوفوا بكندا 8 يونيو 2018 (نيويورك تايمز)

كما شكّلت كندا أيضاً شبكة واسعة من ممثليها للتأثير على الإدارة المقبلة. وابتداءً من يناير الماضي، أرسل ترودو وزراء في الحكومة الكندية في زيارات منتظمة إلى الولايات المتحدة للقاء مسؤولين فيدراليين ومسؤولين في الولايات لتعزيز العلاقة التجارية الممتدة بين الولايات المتحدة وكندا.

وقال ترمب إنه يريد أن تخضع جميع السلع المستوردة لتعريفة جمركية قدرها 10 بالمائة أو أعلى، وسيكون ذلك كارثياً بالنسبة لكندا. وكان مبعوثو ترودو يدفعون بأن الأمر سيكون سيئاً بالنسبة للولايات المتحدة أيضاً. وانطلقوا إلى 23 ولاية، مستهدفين القادة الجمهوريين.

وكان ترودو على علاقة مُتقلّبة مع ترمب. وفي وقت من الأوقات، وقع الرجلان في خلاف حاد حول التعريفات الجمركية؛ إذ انسحب ترمب من اجتماع لمجموعة الدول السبع في كندا عام 2018، ووصف ترودو بأنه «غير أمين وضعيف». ولكن نائبة رئيس الوزراء الكندي، كريستيا فريلاند، حافظت على علاقات جيدة مع روبرت لايتهايزر، كبير مستشاري ترمب لشؤون التجارة، منذ عملهما معاً للتفاوض على اتفاق تجاري خلفاً لاتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية.

من الداخل والخارج

إن التعامل مع إدارة ترمب الجديدة أسهل بالنسبة لبعض الدول. على مدى عدة أشهر، قدّم مسؤولون إسرائيليون إحاطات إعلامية حول الحرب في قطاع غزة إلى جاريد كوشنر، صهر ترمب، الذي عمل على قضايا الشرق الأوسط خلال فترة ولايته الأولى، وأيضاً إلى ديفيد فريدمان، الذي شغل منصب سفير ترمب في إسرائيل، وفقاً لما ذكره مسؤولان إسرائيليان، تحدّثا بشرط عدم الكشف عن هويتيهما، لمناقشة اجتماعات حساسة.

وقالت إستر ألوش، المتحدثة باسم يوسي داغان، زعيم المستوطنين الإسرائيليين الذي كان من مؤيدي ترمب، إن داغان تلقّى دعوة لحضور مراسم التنصيب في واشنطن. وقد استضاف داغان فريدمان في مناسبة للترويج لكتاب فريدمان بعنوان: «دولة يهودية واحدة» الشهر الماضي.

وكان علاقة نتنياهو بترمب، على غرار ترودو، متأرجحة. وخلال فترة ولايته الأولى، اعترف ترمب بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونقل السفارة الأميركية إلى هناك، ما منح نتنياهو انتصاراً كبيراً. ولكن في عام 2020، أغضبه نتنياهو بتهنئة بايدن على فوزه في الانتخابات الرئاسية. وكان نتنياهو، بعد زيارته إلى مارالاغو لإصلاح العلاقات مع ترمب، من بين أوائل القادة الذين اتصلوا بالرئيس المنتخب الأربعاء، لإجراء ما وصفته الحكومة الإسرائيلية بأنه محادثة «دافئة وودية».

أما رئيس كينيا، ويليام روتو، وهو الزعيم الأفريقي الوحيد الذي استضافه بايدن في زيارة دولة، فقال إن فوز ترمب كان بمثابة تكريم لـ«قيادته الحكيمة والجريئة والمبتكرة». وتعد تايوان، التي يتعرض حكمها الذاتي للتهديد من قبل الصين، من بين النقاط الساخنة العالمية، والأكثر حرصاً على كسب اهتمام ترمب. وتلقّى ترمب اتصالاً هاتفياً، عام 2016، من تساي إينغ وين، رئيسة تايوان وقتذاك، ما يمثل انقطاعاً عن التقليد الأميركي إزاء الاتصالات السياسية رفيعة المستوى مع تايوان، بعد أن حوّلت واشنطن الاعتراف الدبلوماسي إلى بكين عام 1979. كان ذلك يُنبئ بدعم أقوى لتايوان في عهد ترمب. ولكن مزاجه تجاه الجزيرة أصبح بارداً منذ ذلك الحين، ولا توجد علامات حتى الآن تُشير إلى اتصال بينه وبين الرئيس التايواني الحالي لاي تشينغ تي. وبعث كل من لاي والرئيس الصيني شي جينبينغ رسائل تهنئة إلى ترمب.

وفي الاتحاد الأوروبي، أدّى القلق من عودة ترمب أيضاً إلى عصف ذهني استباقي. ففي الأسابيع الأخيرة، عقد بيورن سيبرت، كبير مساعدي رئيس المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، اجتماعات مع سفراء لمناقشة سيناريوهات الإدارة المقبلة. وقال عدد من المسؤولين الأوروبيين إن هذه الإجراءات تركّزت على ترمب وعلى التجارة. والواقع أن الدبلوماسيين الأوروبيين واقعيون في التعامل مع المهمة التي تواجههم. ولكنهم يتمسّكون بفكرة أنه من خلال نهج سليم، يمكنهم التأثير على ترمب.

وقالت كارين بيرس، سفيرة بريطانيا لدى الولايات المتحدة: «إن التعامل مع الرئيس ترمب يدور حول فن الممكن. وإذا كان بوسعنا أن نشرح (لترمب) ما الذي يمكننا القيام به معاً، وكيف يمكننا تحسين الأمور على نحو كبير، فعندئذ يمكننا أن نحرز تقدماً».

* خدمة صحيفة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

الحرب تقلق الناخبين الأميركيين المستقلين قُبيل التجديد النصفي

الولايات المتحدة​ صورة عامة لمبنى البنتاغون في العاصمة واشنطن (أ.ب)

الحرب تقلق الناخبين الأميركيين المستقلين قُبيل التجديد النصفي

تلقي الحرب الدائرة حالياً على إيران بثقلها على الناخبين الأميركيين المستقلين وهم فئة حاسمة يُرجح أن تحدد ما إذا كان الحزب الجمهوري سيحتفظ بالسيطرة على الكونغرس 

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ دونالد ترمب وميريام أديلسون (إ.ب.أ) p-circle 02:35

ترمب مازحاً: ميريام أديلسون عرضت عليّ «250 مليون دولار» للترشح لولاية ثالثة

قالت مجلة فوربس الأميركية إن الرئيس دونالد ترمب قال مازحاً إن المليارديرة ميريام أديلسون عرضت عليه 250 مليون دولار للترشح لولاية ثالثة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
الولايات المتحدة​ السيدة الأولى السابقة ميشيل أوباما تتحدث عن كتابها «النظرة» في واشنطن (أ.ب)

ميشيل أوباما: الولايات المتحدة «غير مستعدة» لانتخاب رئيسة

صرحت السيدة الأولى السابقة ميشيل أوباما بأن الأميركيين ليسوا مستعدين لانتخاب رئيسة، مشيرةً إلى هزيمة نائبة الرئيس السابقة كامالا هاريس أمام الرئيس دونالد ترمب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق الممثل جورج كلوني وكامالا هاريس (أ.ف.ب)

جورج كلوني: اختيار كامالا هاريس بديلاً لبايدن «كان خطأ»

قال الممثل الأميركي الشهير جورج كلوني إنه يشعر بأن اختيار كامالا هاريس بديلاً لجو بايدن في الانتخابات الرئاسية الأميركية لعام 2024 كان «خطأً».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ نائبة الرئيس الأميركي السابقة كامالا هاريس (رويترز) p-circle

«الأكثر تأهيلاً على الإطلاق»... كامالا هاريس تلمّح لإمكانية ترشحها للرئاسة عام 2028

لمّحت نائبة الرئيس الأميركي السابقة، كامالا هاريس، إلى احتمال ترشحها للرئاسة عام 2028، وأكدت أن البعض وصفها بأنها «المرشحة الأكثر تأهيلاً على الإطلاق».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

حرب إيران تقلب موقع أوكرانيا

زوار مسابقة «الطائرات المسيّرة البرية» يتفحصون طائرة مسيّرة هجومية متوسطة المدى من طراز «بييموث» في معرضٍ بمنطقة لفيف الأوكرانية يوم 20 مايو 2026 (رويترز)
زوار مسابقة «الطائرات المسيّرة البرية» يتفحصون طائرة مسيّرة هجومية متوسطة المدى من طراز «بييموث» في معرضٍ بمنطقة لفيف الأوكرانية يوم 20 مايو 2026 (رويترز)
TT

حرب إيران تقلب موقع أوكرانيا

زوار مسابقة «الطائرات المسيّرة البرية» يتفحصون طائرة مسيّرة هجومية متوسطة المدى من طراز «بييموث» في معرضٍ بمنطقة لفيف الأوكرانية يوم 20 مايو 2026 (رويترز)
زوار مسابقة «الطائرات المسيّرة البرية» يتفحصون طائرة مسيّرة هجومية متوسطة المدى من طراز «بييموث» في معرضٍ بمنطقة لفيف الأوكرانية يوم 20 مايو 2026 (رويترز)

منحت الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، أوكرانيا هامشاً سياسياً وعسكرياً لم يكن محسوباً قبل أشهر قليلة. فكييف، التي بدت في خريف العام الماضي تحت ضغط ميداني ومالي ودبلوماسي متزايد، وجدت نفسها فجأة في موقع مختلف: ليست فقط دولة تحتاج إلى السلاح والتمويل، بل طرف يملك خبرةً قتاليةً باتت مطلوبةً في الخليج وأوروبا والولايات المتحدة. وبحسب تقارير صحافية غربية، فإنَّ اتساع استخدام المسيّرات الإيرانية في الشرق الأوسط أعاد تسليط الضوء على التجربة الأوكرانية، بعد 4 سنوات من التعامل اليومي مع طائرات «شاهد» وأنماط الحرب الرخيصة والكثيفة التي صارت عنواناً لمعظم النزاعات الحديثة.

مبنى مُدمَّر تابع لكلية ستاروبيلسك في جامعة لوهانسك التي ضمتها روسيا عقب هجوم بمسيّرات أوكرانية يوم الجمعة (رويترز)

أوكرانيا تكتشف أوراقها الجديدة

لم يكن التحوُّل رمزياً فقط، فقد نقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» عن مسؤولين أوكرانيين أنَّ كييف بدأت تعرض خبراتها في اعتراض المسيّرات على دول في المنطقة، وأرسلت نحو 200 عسكري لتقديم عروض تقنية وإبرام تفاهمات قد تقود إلى استثمارات وتصنيع مشترك. هذا المسار، كما تقول نائبة وزير الخارجية الأوكرانية ماريانا بيتسا، غيَّر صورة أوكرانيا من «مستهلك للأمن» إلى «مساهم فيه».

ويرى مراقبون أنَّ هذا التحوُّل يمنح الرئيس فولوديمير زيلينسكي ورقةً تفاوضيةً لم تكن واضحةً حين قال له ترمب سابقاً إنه «لا يملك الأوراق». فالحرب على إيران جعلت ما راكمته أوكرانيا في ميادين دونيتسك وخاركيف وزابوريجيا مادةً استراتيجيةً قابلةً للتصدير: اعتراض المسيّرات، واستخدام الطائرات الرخيصة بكثافة، وتحديث البرمجيات بسرعة، وربط المعلومات الميدانية بمنظومات قيادة وتحكم آنية.

ولذلك تبدو المفارقة لافتة: الحرب التي سحبت جزءاً من الاهتمام والذخائر الأميركية من أوكرانيا، فتحت في الوقت نفسه نافذةً جديدةً أمامها. فهي أظهرت، وفق تقديرات غربية، أنَّ جيوشاً أكثر ثراءً وأفضل تسليحاً قد تجد نفسها محتاجةً إلى خبرة دولة قاتلت تحت ضغط دائم، وبموارد محدودة، ضد خصم أكبر حجماً.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في احتفال بالكرملين يوم 22 مايو 2026 (أ.ب)

المسيّرات تغيّر موقع كييف

تقول تقارير عسكرية إن أوكرانيا استطاعت، عبر صناعة آلاف المسيّرات يومياً، أن تعوِّض جزئياً فجوة العدد مع روسيا. ولم يعد الأمر مقتصراً على الدفاع داخل الأراضي الأوكرانية. فالمسيّرات والصواريخ المحلية الصنع باتت تضرب منشآت نفطية وموانئ ومواقع عسكرية داخل روسيا، بما في ذلك مناطق كانت تعدّ بعيدةً عن الحرب.

وتنقل الصحيفة عن أولكسندر كاميشين، مستشار زيلينسكي للصناعات الدفاعية، أن «الطريقة الوحيدة لإنهاء الحرب هي نقلها إلى أرض العدو». هذا الكلام لا يعبِّر فقط عن تصعيد عسكري، بل عن تصور أوكراني جديد: رفع تكلفة الحرب على روسيا إلى حدٍّ يدفع موسكو إلى تسويات متبادلة حول البنية التحتية الحيوية قبل الشتاء المقبل.

وزير الدفاع الألماني ونظيره الأوكراني يوقِّعان اتفاقية ألمانية - أوكرانية للتعاون الدفاعي في برلين يوم 14 أبريل (إ.ب.أ)

في المقابل، يحذِّر محللون من المبالغة في اعتبار ما يجري نقطة انعطاف حاسمة. وتنقل الصحيفة عن فرانز ستيفان غادي، وهو محلل عسكري مقيم في فيينا، قوله إنه يرى أن أوكرانيا باتت في وضع أقوى مما توقَّع كثيرون، لكنه يذكِّر بأنَّ الحرب تقوم على دورات متتالية من التكيُّف، وأنَّ السؤال الأساسي هو ما إذا كانت روسيا ستجد رداً على التفوُّق الأوكراني المستجد في المسيّرات المتوسطة والبعيدة المدى.

تقدُّم روسي بطيء بثمن مرتفع

على الجبهة، تشير تقديرات غربية إلى أنَّ التقدُّم الروسي هذا العام هو الأبطأ منذ عامين، رغم خسائر شهرية قد تصل إلى 30 أو 35 ألف قتيل وجريح. ويقول محللون إنَّ تكتيكات التسلل الروسية، التي اعتمدت على مجموعات صغيرة تخترق الفجوات في الخطوط الأوكرانية، بدأت تعطي عوائد أقل مما كانت تعطيه في عام 2025، بعدما طوَّرت الوحدات الأوكرانية وسائل رصد وتنظيف تعتمد على المسيّرات والفرق الصغيرة.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)

ومع ذلك، لا يعني هذا أنَّ روسيا انهارت. فموسكو لا تزال تملك ميزةً بشريةً، وإن كانت تكلفتها المالية تتصاعد بسبب مكافآت التجنيد. كما أنَّ ارتفاع أسعار النفط؛ نتيجة الحرب في الشرق الأوسط، وتخفيف بعض القيود على النفط الروسي، وفَّرا متنفساً مالياً للكرملين. لكن الضربات الأوكرانية على المصافي ومرافئ التصدير الروسية حدَّت من قدرة موسكو على تحويل هذه الطفرة السعرية إلى مكسب كامل.

ويرى ألكسندر غابويف، مدير «مركز كارنيغي لروسيا وأوراسيا»، أنَّ بوتين، لو كان يتحرَّك وفق حساب بارد، ربما سعى إلى تسوية هذا العام للحصول على أكبر قدر من التنازلات من ترمب قبل انتخابات التجديد النصفي الأميركية. لكنه يضيف أن المشكلة تكمن في «رجل عنيد يقود روسيا» ولا يزال يعتقد أن أوكرانيا ستسقط.

طائرة مسيّرة أوكرانية مخصصة لاعتراض الطائرات الروسية من طراز «شاهد» وغيرها من الطائرات المسيّرة في شمال منطقة خاركيف يوم 20 مايو 2026 (إ.ب.أ)

مأزق الصورة ومحدودية التسوية

أبعد من ساحة القتال، تضغط الحرب على صورة بوتين الداخلية. فالحرب التي تجاوزت في مدتها الحرب السوفياتية ضد ألمانيا النازية تحوَّلت، وفق مراقبين روس معارضين، إلى عبء رمزي على سردية «النصر» التي بنى عليها بوتين شرعيته. ومع وصول المسيّرات الأوكرانية إلى مناطق بعيدة داخل روسيا، لم يعد الكرملين قادراً على تصوير الحرب عمليةً بعيدةً عن الحياة اليومية للروس.

وتنقل «وول ستريت جورنال» عن محللين أنَّ الاستياء داخل روسيا لا يعني قرب ثورة أو انقلاب، لكنه يكشف تغيُّراً في المزاج العام. فالهجمات على المصافي والمصانع العسكرية، وتعطيل الإنترنت، وتقليص مظاهر الاحتفال الأخير بـ«يوم النصر»، كلها عناصر تجعل صورة «الرجل القوي» أقل صلابة.

بقايا صاروخ روسي في أحد الحقول بمنطقة خاركيف الأوكرانية يوم 22 مايو 2026 (أ.ب)

غير أن هذا الضغط لا يكفي، حتى الآن، لدفع بوتين إلى مراجعة أهدافه. فالتقارير نفسها تؤكد أنه لا يبدي مؤشرات على التخلي عن طموحه في إخضاع أوكرانيا أو فرض تسوية بشروط روسية. لذلك تبدو كييف، في قراءة محللين، أمام فرصة وليست ضمانة: حرب إيران حسّنت موقعها، وأظهرت قيمتها التكنولوجية، ورفعت تكلفة الحرب على روسيا، لكنها لم تُنهِ معضلتها الأساسية. فالمعركة لا تزال طويلة، والنجاح الأوكراني سيبقى مرهوناً بقدرة كييف على تحويل التفوُّق التكتيكي في المسيّرات إلى ضغط استراتيجي لا تستطيع موسكو تجاهله.


أوامر بإجلاء 40 ألف شخص في جنوب شرق لوس أنجليس بسبب تسرب كيميائي

أشخاص تم إجلاؤهم جراء التسرب الكيميائي في مقاطعة أورانج بولاية كاليفورنيا (أ.ب)
أشخاص تم إجلاؤهم جراء التسرب الكيميائي في مقاطعة أورانج بولاية كاليفورنيا (أ.ب)
TT

أوامر بإجلاء 40 ألف شخص في جنوب شرق لوس أنجليس بسبب تسرب كيميائي

أشخاص تم إجلاؤهم جراء التسرب الكيميائي في مقاطعة أورانج بولاية كاليفورنيا (أ.ب)
أشخاص تم إجلاؤهم جراء التسرب الكيميائي في مقاطعة أورانج بولاية كاليفورنيا (أ.ب)

صدرت أوامر بإجلاء عشرات آلاف الأشخاص من منازلهم في كاليفورنيا، الجمعة، بسبب تسرب من خزان مواد كيميائية قد يؤدي إلى انتشار أبخرة سامة فوق منطقة مكتظة ويثير خطر وقوع انفجار. وكان الخزان يحتوي على 26 ألف لتر من ميثيل ميثاكريلات، وهو سائل قابل للاشتعال يُستخدم في صناعة البلاستيك، وحذّر عناصر الإطفاء من أن الوضع قد يتدهور.

وقال قائد العمليات في موقع الحادث كريغ كوفي: «أمامنا فرضيتان إما أن يتلف الخزان ويتسرب ما بين 6 إلى 7 آلاف غالون من المواد الكيميائية السامة جداً إلى موقف سيارات في المنطقة، أو أن ينفجر الخزان ما سيؤثر على خزانات محيطة به تحتوي أيضاً على وقود أو مواد كيميائية». وأضاف: «ننظّم عمليات الإجلاء استعداداً للفرضيتين: إما أن يتلف أو ينفجر».

رجل يجري إجلاؤه من منشأة كيميائية شهدت تسرباً في مقاطعة أورانج بولاية كاليفورنيا (أ.ب)

يقع التسرّب في منطقة غاردن غروف في مقاطعة أورنج في جنوب شرق لوس أنجليس. وقال أمير الفرا، قائد شرطة المنطقة إن أمر الإخلاء يطال حوالى 40 ألف شخص، إلا أن الآلاف يرفضون المغادرة.

وأظهرت لقطات جوية نشرتها محطات تلفزة محلية رش الخزان بخراطيم من المياه، وأفاد كوفي في وقت لاحق الجمعة بأن جهود تبريد الخزان تحقق نجاحاً. وقال في مقطع فيديو: «انخفضت حرارته إلى نحو 61 درجة، في حين أن 50 هي درجة الحرارة المثالية له، وبالتالي تُحقق الجهود نجاحاً»، مضيفاً: «سيفعل فريقنا ما بوسعه لإيجاد سيناريو ثالث ورابع وخامس».

وقالت مسؤولة الصحة في مقاطعة أورانج، ريجينا تشينسيو كوونغ، إن إخلاء منطقة واسعة في محيط الخزان إجراء احترازي ضروري. وأضافت أنه «إذا انفجر ونتجت عنه أبخرة سيكون الجميع في أمان ما داموا خارج المنطقة التي أُمر بإخلائها»، وحضت أي شخص يلاحظ «رائحة فاكهية وثقيلة» على إبلاغ السلطات. وقالت: «مجرد شمّ الرائحة لا يعني أنكم وصلتم إلى مستوى يسبب أعراضاً، لكننا لا نريدكم أن تشمّوا تلك الرائحة لذا نحتاج أن نعرف إن كنتم تشمونها».

شرطة لوس أنجليس يقدمون التوجيهات خلال عملية الإجلاء (أ.ف.ب)

ولم تُسجَّل أي إصابات حتى مساء الجمعة ولم تظهر بعد أي مؤشرات عن سبب التسرب الذي أُبلغ عنه الخميس. وقال كوفي إن الفرق تستعد لاحتمال حدوث تسرّب كيميائي واصفاً ذلك بأنه «أفضل سيناريو ممكن» وأفضل بكثير من وقوع انفجار يؤدي إلى انتشار سحابة سامة. وتعمل السلطات على وضع حواجز لمنع المواد السامة من تلويث مجاري مياه الأمطار والأنهار التي تصب في المحيط.

وقالت وكالة حماية البيئة الأميركية إن ميثيل ميثاكريلات مادة مهيِجة للجلد والعينين والأغشية المخاطية لدى البشر. وحذر منشور على موقع الوكالة من «آثار على التنفس لدى البشر بعد التعرض لاستنشاق حاد (على مدى قصير) أو مزمن (على مدى طويل)». كما أفادت الوكالة بأنه «تم الإبلاغ عن أعراض عصبية لدى البشر بعد تعرض لاستنشاق حاد».


قلق جمهوري من الانتخابات النصفية

ترمب في ليلة الانتخابات الرئاسية بفلوريدا - 6 نوفمبر 2024 (أ.ب)
ترمب في ليلة الانتخابات الرئاسية بفلوريدا - 6 نوفمبر 2024 (أ.ب)
TT

قلق جمهوري من الانتخابات النصفية

ترمب في ليلة الانتخابات الرئاسية بفلوريدا - 6 نوفمبر 2024 (أ.ب)
ترمب في ليلة الانتخابات الرئاسية بفلوريدا - 6 نوفمبر 2024 (أ.ب)

رغم تراجع شعبية الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لا تزال قبضته على الحزب الجمهوري محكمة، والدليل سقوط معارضيه الجمهوريين الواحد تلو الآخر في الانتخابات التمهيدية. ولا تساعد حرب إيران في رسم الصورة بشكل واضح أمام الحزب؛ فمن جهة يحاول الجمهوريون الموازنة بين غضب الناخب من الحرب، وحسابات الانتخابات النصفية، ومن جهة أخرى يسعون جاهدين لاسترضاء الرئيس الأميركي، الذي نجح حتى الساعة في تحييد خصومه الحاليين والسابقين في مسار الانتخابات التمهيدية.

يستعرض «تقرير واشنطن» وهو ثمرة تعاون بين «الشرق الأوسط» و«الشرق»، كيف يخوض الحزب الجمهوري هذه المعادلة المعقدة، وما إذا كانت حرب إيران والانتخابات التمهيدية، ستتحولان إلى اختبار سياسي قد يعيد رسم مستقبل الحزب.

وضع الأميركيين الاقتصادي

مع استمرار الأسعار بالارتفاع جراء حرب إيران، أكد الرئيس الأميركي أنه لا يفكر في وضع الأميركيين الاقتصادي خلال دراسته لخطوته المقبلة في الحرب، مشدداً على أنه يركز على ضرورة ألا تمتلك إيران سلاحاً نووياً. تصريحات أقلقت الجمهوريين، خصوصاً في موسم انتخابي حاسم يسعون فيه للاحتفاظ بأغلبيتهم بالكونغرس. وتقول ليزا كاموسو ميلر، مديرة الاتصالات السابقة في اللجنة الوطنية الجمهورية، إن رسالة ترمب هذه «تبعث على القلق» لأنها تحبط من عزيمة الناخبين. وتعتبر ميلر أنه وبغض النظر عن التطورات الدولية المرتبطة بحرب إيران، فإن الناخب الأميركي يركز على وضعه المعيشي بشكل أساسي، ولا يكترث بما يجري في العالم، مضيفة أن «ارتفاع أسعار البنزين سوف يجعل الناس يشعرون بمشاعر الاستياء أكثر، لأنه لا دخل لهم في هذا النزاع. إنهم يعانون من أجل توفير الطعام لهم ولعائلاتهم، وسياسات الحروب هذه لم تكن ناجحة لكسب ود الناخب الأميركي».

لافتة أمام الكونغرس عن غلاء أسعار البنزين بسبب حرب إيران (أ.ف.ب)

ويعرب ستيفن كينت، الخبير الاستراتيجي المحافظ، عن دهشته من تصريحات ترمب، مشيراً إلى صراحته الفائقة في هذا السياق. ووصف هذه التصريحات بالشجاعة السياسية، لأنه لطالما تحفظ السياسيون عن الإدلاء بهذا النوع من التصريحات علناً حتى لو كانوا يفكرون بها، كي لا تؤثر على حظوظهم السياسية. ويضيف: «إن الرئيس الأميركي بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، يتخذ قرار الحرب في نزاع عسكري بناء على ما يجري في الميدان. هو حريص على عدم امتلاك إيران سلاحاً نووياً، وارتفاع الأسعار في أميركا لا يجب أن يشكل عاملاً في اتخاذ قراره. هذا دليل على المسؤولية، لكنه ليس تصرفاً سياسياً حكيماً».

من ناحيته، يوجه كيني بورغس، العضو الديمقراطي السابق في مجلس نيويورك، انتقادات لاذعة لترمب بسبب تصريحاته حول وضع الأميركيين المعيشي، خصوصاً أنه ترشح على أساس تحسين الاقتصاد وتخفيض تكلفة المعيشة، وهذا هو السبب الأساسي الذي دفع بالأميركيين إلى انتخابه رئيساً. ويعتبر بورغس أنه وبغض النظر عن السياق الذي كان يتحدث فيه ترمب، في إشارة إلى برنامج إيران النووي، فإن مسؤوليته تكمن في الحرص على تأمين مستقبل الأميركيين وتعزيز الاقتصاد، مؤكداً أن رسائل من هذا النوع سوف تؤدي إلى خسارة الجمهوريين في الانتخابات النصفية.

ذاكرة الناخب «قصيرة»

مع اقتراب موعد الانتخابات في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، يؤكد كينت ضرورة أن ينهي ترمب الحرب بسرعة، كي لا تنعكس آثارها سلباً على الجمهوريين في الانتخابات النصفية. لكنه يتساءل ما إذا كان ترمب يكترث بنتائج هذه الانتخابات، أم لا، مقارنة بحرب إيران التي يركز عليها بشكل كبير، فيضيف: «أنا أعتقد فعلاً أنه في حال انتهت هذه الحرب بتسوية مع إيران ونزع قدراتها النووية وفتح المضيق، فترمب لن يأبه؛ لا بأكتوبر (تشرين الأول) ولا بنوفمبر، لأن الناخب الأميركي ذاكرته قصيرة، وسينسى ارتفاع الأسعار في حال انخفضت قبل توجهه إلى صناديق الاقتراع».

النائب الجمهوري توماس ماسي بعد إعلانه خسارته في سباق كنتاكي التمهيدي - 19 مايو 2026 (أ.ب)

وفيما يوافق بورغس على أن الناخب الأميركي «ذاكرته قصيرة»، فإنه يشير إلى أن التعافي من الأزمات الاقتصادية يستغرق وقتاً طويلاً، وأن الأزمة الحالية لن تنتهي مع وقف الحرب؛ بل قد تستمر لأشهر، مضيفاً: «صحيح أن ذاكرة الأميركيين قصيرة فيما يتعلق بالقرارات السياسية، لكن الآثار المالية ستبقى لفترة طويلة، وهذا سيؤثر على الحزب الجمهوري».

ويشير بورغس إلى تدهور شعبية ترمب التي وصلت إلى نحو 35 في المائة، بحسب آخر الاستطلاعات، معتبراً أنه لا يكترث بهذه الأرقام، لأنه في ولايته الأخيرة ويفكر فقط في الإنجازات التي سيحققها وليس في مستقبل حزبه، وخير دليل على ذلك بحسب قوله، هو ما فعله في الانتخابات التمهيدية حين أسقط معارضيه من الحزب من دون التفكير في انعكاس هذا على الانتخابات النصفية.

الولاء لترمب وليس للحزب

مع خسارة عدد من الجمهوريين الذين تحدوا ترمب لمقاعدهم في الانتخابات التمهيدية، كانت الصدمة الكبرى بالنسبة للحزب، تأييد الرئيس الأميركي لمنافس السيناتور الحالي جون كورنين عن ولاية تكساس؛ فكورنين - وهو من القيادات الحزبية البارزة والعريقة في مجلس الشيوخ - لم يعارض ترمب علناً، وهذا ما أثار دهشة قيادات الحزب.

السيناتور الجمهوري جون كورنين في مجلس الشيوخ - 20 مايو 2026 (أ.ب)

وتقول ميلر إن رفض ترمب تأييد كورنين، فاجأ الجمهوريين الذين لا يزالون يحاولون فهم السبب. وتعتبر أن هذا القرار يثير قلق أعضاء الحزب لأنه غامض، ففي حين كان متوقعاً أن يسعى الرئيس لإسقاط وجوه معارضة علناً له؛ كالنائب توماس ماسي في كنتاكي، فإن السيناتور كورنين «لم ينتقد مرة ترمب علناً». وأضافت: «هناك خوف جمهوري عارم من الاعتراض على سياسات الرئيس. فالجمهوريون قلقون من أنهم سيخسرون منصبهم ومستقبلهم السياسي فقط، لأنهم صوتوا ضد بعض سياسات ترمب».

ترمب يوقع على قبعات ماغا في البيت الأبيض - 19 مايو 2026 (أ.ف.ب)

ويعتبر كينت أن خير دليل على هذا الخوف هو انسياق الجمهوريين مع سياسات التعريفات الجمركية رغم تعارضها مع مبادئ الحزب، ويرجح أن يكون سبب تخلي ترمب عن السيناتور كورنين رغم وفائه له ودعمه لأجندته، هو معارضته لتغيير إجراءات العرقلة في مجلس الشيوخ (فيليسبتر)، التي دعا ترمب القيادات الجمهورية إلى إلغائها في أكثر من مناسبة من دون أي تجاوب من قبلهم.

أما بورغس فيقول إن الحزب الجمهوري اليوم أصبح حزب دونالد ترمب من دون منازع، ويتساءل: «ماذا جرى للحزب ومبادئه؟ وما أولوياته وأجندته؟ إن ترمب يرغم الجمهوريين على الإعراب عن ولائهم له كأنه قائدهم الأعلى. هو لا يكترث بأن شعبيته متدنية وأن حزبه يتدهور في الاستطلاعات؛ بل بتعزيز قبضته على الحزب. هو لا يأبه بما يجري من بعد ولايته، كل ما يكترث به هو شخصه فقط».