كيف فاز ترمب... وكيف خسرت هاريس؟

حملته تخلّت عن الاستراتيجية التقليدية واستفادت من إداناته

الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترمب يرقص أثناء إلقاء خطاب النصر في بالم بيتش بفلوريدا (أ.ب)
الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترمب يرقص أثناء إلقاء خطاب النصر في بالم بيتش بفلوريدا (أ.ب)
TT

كيف فاز ترمب... وكيف خسرت هاريس؟

الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترمب يرقص أثناء إلقاء خطاب النصر في بالم بيتش بفلوريدا (أ.ب)
الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترمب يرقص أثناء إلقاء خطاب النصر في بالم بيتش بفلوريدا (أ.ب)

شهد توني فابريزيو، كبير خبراء استطلاعات الرأي لدى دونالد ترمب، كل سيناريو محتمل خلال عمله على الحملات الثلاث التي خاضها الرئيس المنتخب. ولكن حتى هو نفسه بدا كأنه يستعد لأخبار سيئة.

كان ترمب قد خاض للتو مناظرة مع نائبة الرئيس بايدن، كامالا هاريس، وابتلع طعمها مراراً وتكراراً، وأهدر الوقت في التباهي بشأن حشوده الغفيرة، ونشر شائعات بلا أساس حول مهاجرين «يأكلون الحيوانات الأليفة».

وكان فابريزيو قد تنبّأ لزملائه بأن التغطية الإعلامية الوحشية لأداء ترمب، في مناظرة شاهدها 67 مليون شخص، سوف ترفع حظوظ كامالا هاريس في استطلاعات الرأي. وفي حين أنه كان محقاً بشأن التغطية الإعلامية، فإنه أخطأ بشأن البقية، فقد صدمه أول استطلاع للرأي بعد المناظرة: كامالا هاريس اكتسبت بعض الدعم المحدود، لكن ترمب لم يفقد ميزته في السباق الرئاسي.

وقال فابريزيو في مكالمة هاتفية مع كبار قادة الحملة الانتخابية: «لم أرَ شيئاً من هذا القبيل مطلقاً». كان ذلك دليلاً إضافياً -كما لو كانت هناك حاجة إلى مزيد- على شعبية ترمب على مدى عقد من الزمن في السياسة، وقدرته على تحدي قوانين الجاذبية الطبيعية. نجح في تجاوز نقاط ضعف سياسية بدت قاتلة، وشملت 4 لوائح اتهام جنائية، و3 دعاوى قضائية مكلفة، وإدانة في 34 تهمة جناية وعبارات متهورة لا نهاية لها في خطبه، بل إنه حوّل بعضها على الأقل إلى مزايا تنافسية في السباق الرئاسي.

رهان أساسي

ويعود فوز ترمب في عام 2024 إلى رهان أساسي واحد؛ أن مظالمه يمكن أن تمتزج مع مظالم حركة «اجعل أميركا عظيمة مجدداً»، ومع الحزب الجمهوري، ومع أكثر من نصف سكان البلاد. وأصبحت القمصان التي تحمل صورته بعد إدانته من أكثر القمصان مبيعاً. فيما ألهمت إدانته الجنائية تدفق 100 مليون دولار من التبرعات في يوم واحد، وأصبحت صوره وهو ينزف بعد محاولة اغتيال فاشلة رمزاً لما عدّه مؤيدوه «حملة مصيرية».

وقال في خطاب النصر الذي ألقاه، في وقت مبكر من يوم الأربعاء: «لقد أنقذ الله حياتي لسبب ما، وسوف ننجز هذه المهمة معاً». في بعض الأحيان، قد يكون ترمب فظّاً ومتغطرساً للغاية، إلى درجة أن مساعديه تساءلوا عمّا إذا كان منخرطاً في تجربة عبثية لاختبار مدى السلوك الضال الذي يمكن أن يتسامح معه الناخبون. لكن ترمب نجح في تسخير مشاعر الغضب والإحباط التي يشعر بها ملايين الأميركيين تجاه بعض المؤسسات والأنظمة نفسها، التي سيسيطر عليها قريباً بصفته الرئيس السابع والأربعين للبلاد.

لقد حوّله الناخبون غير الراضين عن توجهات الأمة إلى وعاء لغضبهم. وقال نيوت غينغريتش، الرئيس السابق لمجلس النواب، والمستشار غير الرسمي للرئيس المنتخب: «النخب لا تدرك مدى انعزالها عن البلاد».

حملة منظّمة

ولكن لم تكن القوى المجتمعية واسعة النطاق وحدها هي التي لعبت دوراً في هذا الانتصار، إذ يرجع فوزه، جزئياً، إلى قرارات استراتيجية اتخذها خلال عملية انتخابية كانت الأكثر استقراراً حتى الآن، وحافظت على تماسكها لمدة 4 سنوات تقريباً، بفضل وجود عضو مخضرم، هي سوزي وايلز، حتى لو كان المرشح نفسه، خلال جزء كبير من عام 2024، متقلباً كعادته.

خطّط فريق ترمب لسبل توفير أمواله النقدية في حملة دعائية ضخمة، متخلياً عن الاستراتيجية التقليدية لحشد ناخبيه، والاعتماد بدلاً من ذلك على فريق عمل صغير نسبياً مدفوع الأجر يدعمه متطوعون وغرباء، بمن في ذلك أغنى رجل في العالم، إيلون ماسك. ودفع ترمب بلا هوادة إلى تعريف كامالا هاريس ليس فقط بأنها ليبرالية، وإنما أيضاً بأنها «حمقاء».

كان الإلهام -كما قال مستشاروه- نابعاً من مقولة لا تُنسى للخبير الاستراتيجي الجمهوري آرثر فينكلستاين، من عهد الرئيس نيكسون، مفادها أن «المخادع» -أو، في حالة ترمب: المدان- «دائماً ما يهزم الأحمق». وراهن مساعدو ترمب على حشد الناخبين الرجال، على الرغم من أن الرجال يصوتون أقل من النساء، وقد أتى هذا الرهان بثماره. كما راهنوا على محاولة تقليص الهوامش الكبيرة التي يحظى بها الديمقراطيون عادة بين الناخبين السود واللاتينيين، وقد أثمر ذلك أيضاً.

خسارة هاريس

قصة فوز ترمب، هي أيضاً قصة خسارة هاريس. فقد واجهت هاريس صعوبات بسبب تدني شعبية الرئيس بايدن، وكافحت للانفصال عنه في عيون الناخبين التواقين إلى التغيير. ولم يكن لديها سوى 3 أشهر فقط، لتُعيد تقديم نفسها إلى البلاد. أولاً، حاولت هي والمرشّح لمنصب نائبها، تيم والز، التقليل من ترمب عبر السخرية منه، ووصفه بـ«الغريب» و«غير الجاد»، متجاهلين تحذيرات بايدن الخطيرة بأن ترمب كان يُشكل تهديداً وجودياً للديمقراطية الأميركية. ثم ركّزت على رسالة شعبوية: بأن ترمب لا يهتم سوى بأصدقائه الأثرياء، في حين أنها ستُخفض أسعار البقالة والمساكن للمواطنين العاديين.

وأخيراً، في وقت متأخر من الحملة الانتخابية، غيَّرت كامالا هاريس موقفها مرة أخرى، إذ حذّرت من أن ترمب «فاشي»، ما يعد عودة إلى التهديد الوجودي الذي تحدث عنه بايدن قبلها.

وقد ظهرت بعض الاتهامات من داخل الحزب الديمقراطي، بما في ذلك ما إذا كانت كامالا هاريس قد ركزت كثيراً على مناشدة الجمهوريين المترددين، أو ما إذا كان بايدن قد عرقل فرصها في الفوز منذ البداية.

وكتب ديفيد بلوف، أحد كبار مستشاري كامالا هاريس، على موقع «إكس»: «لقد خرجنا من حفرة عميقة، ولكن ليس بما فيه الكفاية».

قوة قناعاته

بالنسبة لأي سياسي آخر تقريباً، فإن الإدانة بـ34 تهمة جنائية تتعلق بدفع مبالغ مالية لنجمة أفلام إباحية كانت ستُعدّ أسوأ أيام الحملة. أما ترمب، فقد منحته الإدانة وقوداً مالياً. وأُبلغت لجنة العمل السياسي الرئيسية الخاصة به، عن تحويل مصرفي بقيمة 50 مليون دولار في اليوم التالي للإدانة، لكنها احتاجت أولاً إلى تأكيد من أرسل المبلغ للتأكد من أنه لم يكن احتيالاً. وكانت بذلك واحدة من كبرى الإسهامات في التاريخ الأميركي التي أُرسلت من دون أي إخطار مسبق. في نهاية المطاف، حددوا المبلغ ومصدره: الملياردير المنعزل تيموثي ميلون. ولتمويل سلسلة متأخرة من الإعلانات التلفزيونية، قام فريق ترمب بتمديد الحدود القانونية لتحويل عشرات الملايين من الدولارات من نفقات الحملة إلى الحزب الجمهوري وجماعات أخرى. والأهم من ذلك، بمجرد أن أصبح المرشح المحتمل، ألغوا العملية الميدانية التقليدية التي تديرها الحملة ويمولها الحزب، وحوّلوا مصادرها بدلاً من ذلك إلى لجان العمل السياسي الفائقة.

وكانت حملة كامالا هاريس قد قضت أشهراً في توظيف 2500 عامل، وفتح 358 مكتباً في جميع أنحاء الولايات المتأرجحة، وهي تكاليف ثابتة هائلة لم تكن حملة ترمب لتتحملها. في نهاية الأسبوع الماضي، قرع نحو 90 ألف متطوع ديمقراطي أكثر من 3 ملايين باب، ووصلت الوتيرة إلى 1000 باب في الدقيقة في بنسلفانيا. وأظهرت استطلاعات الرأي أن السباق كان واحداً من أقرب السباقات في التاريخ الحديث. ويعتقد فريق كامالا هاريس أن بنية الحملة المتفوقة، وجيش المتطوعين سيحدثان الفرق. ولكن الاستطلاع الداخلي الذي أجراه فابريزيو أظهر قصة مختلفة وأكثر دقة؛ قصة حافظ فيها ترمب على تقدم ثابت.

* خدمة صحيفة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

الحرب تقلق الناخبين الأميركيين المستقلين قُبيل التجديد النصفي

الولايات المتحدة​ صورة عامة لمبنى البنتاغون في العاصمة واشنطن (أ.ب)

الحرب تقلق الناخبين الأميركيين المستقلين قُبيل التجديد النصفي

تلقي الحرب الدائرة حالياً على إيران بثقلها على الناخبين الأميركيين المستقلين وهم فئة حاسمة يُرجح أن تحدد ما إذا كان الحزب الجمهوري سيحتفظ بالسيطرة على الكونغرس 

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ دونالد ترمب وميريام أديلسون (إ.ب.أ) p-circle 02:35

ترمب مازحاً: ميريام أديلسون عرضت عليّ «250 مليون دولار» للترشح لولاية ثالثة

قالت مجلة فوربس الأميركية إن الرئيس دونالد ترمب قال مازحاً إن المليارديرة ميريام أديلسون عرضت عليه 250 مليون دولار للترشح لولاية ثالثة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
الولايات المتحدة​ السيدة الأولى السابقة ميشيل أوباما تتحدث عن كتابها «النظرة» في واشنطن (أ.ب)

ميشيل أوباما: الولايات المتحدة «غير مستعدة» لانتخاب رئيسة

صرحت السيدة الأولى السابقة ميشيل أوباما بأن الأميركيين ليسوا مستعدين لانتخاب رئيسة، مشيرةً إلى هزيمة نائبة الرئيس السابقة كامالا هاريس أمام الرئيس دونالد ترمب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق الممثل جورج كلوني وكامالا هاريس (أ.ف.ب)

جورج كلوني: اختيار كامالا هاريس بديلاً لبايدن «كان خطأ»

قال الممثل الأميركي الشهير جورج كلوني إنه يشعر بأن اختيار كامالا هاريس بديلاً لجو بايدن في الانتخابات الرئاسية الأميركية لعام 2024 كان «خطأً».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ نائبة الرئيس الأميركي السابقة كامالا هاريس (رويترز) p-circle

«الأكثر تأهيلاً على الإطلاق»... كامالا هاريس تلمّح لإمكانية ترشحها للرئاسة عام 2028

لمّحت نائبة الرئيس الأميركي السابقة، كامالا هاريس، إلى احتمال ترشحها للرئاسة عام 2028، وأكدت أن البعض وصفها بأنها «المرشحة الأكثر تأهيلاً على الإطلاق».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

ما تمزُّق الشريان الأورطي الذي أودى بحياة ليندسي غراهام؟

السيناتور الأميركي الراحل ليندسي غراهام (رويترز)
السيناتور الأميركي الراحل ليندسي غراهام (رويترز)
TT

ما تمزُّق الشريان الأورطي الذي أودى بحياة ليندسي غراهام؟

السيناتور الأميركي الراحل ليندسي غراهام (رويترز)
السيناتور الأميركي الراحل ليندسي غراهام (رويترز)

تُوفي السيناتور الأميركي البارز ليندسي غراهام، السبت، عن عمر ناهز 71 عاماً، على أثر إصابته بتمزق في الشريان الأورطي، وهو الشريان الرئيسي الذي ينقل الدم من القلب إلى باقي أجزاء الجسم.

ويُعد تمزق الشريان الأورطي حالة طبية طارئة. يقول الدكتور مايكل ماك، جرّاح القلب ورئيس معهد «بايلور سكوت آند وايت هيلث» للأبحاث في دالاس، لصحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، إن نحو 50 في المائة فقط من المصابين يتمكنون من الوصول إلى المستشفى، في حين ينجو نحو نصف هؤلاء بعد تلقّي العلاج.

وأضاف ماك أن هذه الحالة تُعد أول ما يتبادر إلى ذهن الأطباء عندما يُتوفى شخص، كان يتمتع بصحة جيدة، بشكل مفاجئ.

من جهتها قالت جرّاحة القلب الأميركية، الدكتورة كيندرا غروب: «تتكون جدران الشريان الأورطي من ثلاث طبقات، ويحدث التمزق في الطبقة الداخلية، مما يسمح بتدفق الدم بين طبقات هذا الوعاء الدموي الأنبوبي، ويهدد حياة المريض بشكل مباشر».

ويُرجَّح أن يكون السبب وراء هذه المشكلة هو تمدد الأوعية الدموية الأبهري الكامن، وهو انتفاخ داخل الأوعية يشبه البالون ينتج عن ارتفاع ضغط الدم، أو تصلب الشرايين، أو بعض الحالات الوراثية النادرة التي تصيب القلب والأوعية الدموية، مثل «الصمام الأبهري ثنائي الشرفات».

وقالت غروب إن المرضى غالباً ما يصفون الألم المصاحب للحالة بأنه شديد للغاية ويمتد من الصدر إلى الظهر، ويشبه «طعنة السكين في القلب».

ويختلف أسلوب علاج هذه الحالة وفقاً لموضع التمزق في الشريان، ففي حال وقوعه بالجزء البعيد عن الشرايين المُغذية للمخ، يمكن إصلاحه عبر قسطرة من منطقة الفخذ إلى الشريان الأورطي تحمل مادة لإغلاق التمزق. أما إذا أصاب الجزء الذي يُغذي المخ، فيتطلب الأمر إجراء جراحة قلب مفتوح، بشكل عاجل، يجري خلالها استئصال الجزء الممزق واستبدال رقعة صناعية به.


واشنطن تفقد ليندسي غراهام أحد أبرز صقور سياستها الخارجية

ليندسي غراهام يتحدث للصحافة بعد اجتماعه مع زيلينسكي في كييف  يوم 10 يوليو 2026 (رويترز)
ليندسي غراهام يتحدث للصحافة بعد اجتماعه مع زيلينسكي في كييف يوم 10 يوليو 2026 (رويترز)
TT

واشنطن تفقد ليندسي غراهام أحد أبرز صقور سياستها الخارجية

ليندسي غراهام يتحدث للصحافة بعد اجتماعه مع زيلينسكي في كييف  يوم 10 يوليو 2026 (رويترز)
ليندسي غراهام يتحدث للصحافة بعد اجتماعه مع زيلينسكي في كييف يوم 10 يوليو 2026 (رويترز)

تُوفّي العضو الجمهوري البارز في مجلس الشيوخ الأميركي ليندسي غراهام، فجر أمس، عن 71 عاماً، في وقت يخوض فيه الرئيس دونالد ترمب واحدة من أكثر مراحله السياسية حساسية قبل انتخابات التجديد النصفي.

وتسبب الرحيل المفاجئ للسياسي المخضرم في حالة من الحزن والارتباك وسط حزبه الجمهوري. وأوردت الصحافة المحلية أن غراهام توفي بعد تعرضه لسكتة قلبية في مقر إقامته بالقرب من الكابيتول. وسارع الرئيس ترمب إلى نعي غراهام عبر منصة «تروث سوشيال»، واصفاً إياه بأنه «وطني أميركي حقيقي»، و«أحد أعظم أعضاء مجلس الشيوخ».

وبرحيل غراهام، لم يفقد ترمب مجرد عضو نافذ في مجلس الشيوخ، وإنما خسر أحد أكثر الحلفاء داخل الكونغرس، الذي يعد واحداً من أبرز صقور السياسة الخارجية الذين لعبوا دوراً محورياً في ملفات تتعلق بالحروب في غزة وأوكرانيا وإيران، كما لعب دوراً قوياً في ملف علاقات الولايات المتحدة مع دول الشرق الأوسط.


رحيل ليندسي غراهام أحد أبرز صقور السياسة الخارجية الأميركية

السيناتور الأميركي ليندسي غراهام يتحدث إلى وسائل الإعلام عقب لقائه بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في كييف يوم 10 يوليو 2026(رويترز)
السيناتور الأميركي ليندسي غراهام يتحدث إلى وسائل الإعلام عقب لقائه بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في كييف يوم 10 يوليو 2026(رويترز)
TT

رحيل ليندسي غراهام أحد أبرز صقور السياسة الخارجية الأميركية

السيناتور الأميركي ليندسي غراهام يتحدث إلى وسائل الإعلام عقب لقائه بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في كييف يوم 10 يوليو 2026(رويترز)
السيناتور الأميركي ليندسي غراهام يتحدث إلى وسائل الإعلام عقب لقائه بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في كييف يوم 10 يوليو 2026(رويترز)

لم تكن وفاة السيناتور الجمهوري البارز ليندسي غراهام عن عمر 71 عاماً، فجر الأحد حدثاً عادياً في العاصمة الأميركية واشنطن، وإنما مثلت نقطة تحول داخل الحزب الجمهوري والإدارة الأميركية، في وقت يخوض فيه الرئيس دونالد ترمب واحدة من أكثر مراحله السياسية حساسية قبل انتخابات التجديد النصفي.

فبرحيل غراهام لا يفقد ترمب مجرد عضو نافذ في مجلس الشيوخ، وإنما يخسر أحد أكثر المدافعين عنه والأكثر ولاءً له داخل الكونغرس، وواحداً من أبرز صقور السياسة الخارجية الذين لعبوا دوراً محورياً في ملفات تتعلق بالحرب في إيران والحرب الروسية والأوكرانية وحرب غزة، كما لعب دوراً قوياً في ملف علاقات الولايات المتحدة مع دول الشرق الأوسط.

وقد أعلن مكتب غراهام وفاته، فجر الأحد، بعد معاناته من سكته قلبية في مقر إقامته بالقرب من الكابيتول وفقاً لصحافية «وول ستريت جورنال» وتسجيلات استدعاء فرق الطواري الطبية. وكان من المقرر أن يظهر غراهام في برنامج «واجه الصحافة» على شبكة «إن بي سي»، صباح الأحد.

وسارع الرئيس ترمب إلى نعي غراهام عبر منصة «تروث سوشيال»، واصفاً إياه بأنه «وطني أميركي حقيقي» و«أحد أعظم أعضاء مجلس الشيوخ الذين عرفتهم»، مؤكداً أن الولايات المتحدة فقدت «صديقاً مخلصاً ومحارباً لا يكل». ولم يكن هذا الرثاء مجرد كلمات بروتوكولية، بل عكس طبيعة العلاقة الاستثنائية التي تطورت بين الرجلين خلال العقد الأخير، بعدما بدأت بخصومة الحادة، وانتهت بتحالف سياسي وثيق.

من الخصومة إلى الولاء

ويصعب فهم مكانة غراهام داخل الدائرة المقربة من ترمب من دون العودة إلى انتخابات عام 2016، عندما كان السيناتور البارز من أشد منتقدي المرشح الجمهوري دونالد ترمب، ووصفه آنذاك بأنه لا يصلح لقيادة الحزب ولا البلاد، كما وصفه بأنه محرض على الانقسام العرقي وكاره للأجانب ومتعصب دينياً. وشهدت العلاقة بين الرجلين توتراً كبيراً عقب الهجوم على مبني الكابيتول في السادس من يناير (كانون الثاني) 2021، وكان غراهام من بين أولئك الذين اتهموا الرئيس ترمب بالتحريض على الهجوم، لكن السياسة الأميركية كثيراً ما تعيد رسم التحالفات فقد صوت غراهام ضد إدانة ترمب في محاكمته الثانية بهدف عزله.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتابع السيناتور الأميركي ليندسي غراهام (جمهوري عن ولاية كارولينا الجنوبية) وهو يخاطب الحشود خلال فعالية للحملة الانتخابية لعام 2024 في كولومبيا، كارولينا الجنوبية، في 28 يناير 2023. (أ ف ب)

ورغم أن غراهام رفض مزاعم ترمب بأن انتخابات 2020 كانت مزورة فإنه دعم مساعي ترمب للفوز بولاية رئاسية ثانية. وبعد وصول ترمب إلى البيت الأبيض، تحوّل غراهام تدريجياً إلى أقرب مستشاريه داخل مجلس الشيوخ، خصوصاً بعد رحيل السيناتور جون ماكين، الذي كان يمثل المرجعية الأساسية لتيار الجمهوريين التقليديين. وأصبح غراهام لاحقاً حلقة الوصل الأهم بين البيت الأبيض والكونغرس، ودافع بقوة عن سياسات ترمب، وسانده في معارك تعيين قضاة المحكمة العليا، ووقف إلى جانبه خلال إجراءات العزل، كما لعب دوراً محورياً في الحفاظ على تماسك الجمهوريين خلال أكثر المراحل صعوبة في رئاسة ترمب الأولى.

بدايته ورحلته

في عام 1994، انتُخب غراهام للمرة الأولى عضواً في مجلس النواب، قبل أن يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ في عام 2002، ويعاد انتخابه في الأعوام 2008 و2014 و2020. وكان يشغل أخيراً منصب رئيس لجنة الموازنة في مجلس الشيوخ.

نشأ في لبدة سنترال بولاية كارولينا الجنوبية، وحصل على درجة البكالوريوس عام 1977 ثم الدكتوراه في القانون عام 1981، وانضم إلى القوات الجوية الأميركية في أثناء دراسته الجامعية. وعمل غراهام محامياً عسكرياً، وبلغ رتبة عقيد في سلاح الجو، وهي تجربة أسهمت في تشكيل مواقفه في السياسة الخارجية المؤيّدة لتدخل الولايات المتحدة.

وفي عام 2002، صوّت لصالح غزو العراق في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) 2001، كما أيّد لاحقاً الإبقاء على وجود عسكري أميركي طويل الأمد في أفغانستان. ويُعدّ غراهام من أبرز منتقدي سياسات الرئيس السابق باراك أوباما الخارجية، إذ وصفه عقب توقيع «خطة العمل الشاملة المشتركة» بين إيران ومجموعة «5+1» في عام 2015 بأنه «خصم ضعيف للشر».

صوت الصقور

كان غراهام يمثل داخل الحزب الجمهوري مدرسة «السلام عبر القوة»؛ ولذلك ارتبط اسمه تقريباً بكل الملفات الساخنة التي تواجه الولايات المتحدة. وفي الملف الإيراني، كان من أكثر الداعين إلى تشديد العقوبات، وتبنى باستمرار خيار استخدام القوة العسكرية إذا اقتضت الضرورة، معتبراً أن امتلاك إيران سلاحاً نووياً يمثل تهديداً مباشراً للأمن الأميركي والإسرائيلي.

أما في الحرب الروسية - الأوكرانية، فقد كان من أكثر أعضاء الكونغرس زيارة لكييف منذ اندلاع الحرب، ودافع عن استمرار المساعدات العسكرية، وأسهم في الدفع نحو مشروع عقوبات أكثر تشدداً ضد موسكو، قبل أيام فقط من وفاته، كما رأى أن أي تراجع أميركي عن دعم أوكرانيا سيُقوّض مصداقية واشنطن أمام حلفائها في أوروبا وآسيا. وقد نعاه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، وكتب على منصة «إكس» أنه «زار أوكرانيا 10 مرات خلال سنوات الغزو الروسي الشامل، وكان هنا مع شعبنا في أحلك الظروف»، مشيراً إلى أنه «عمل على مبادرات تهدف لتحقيق السلام».

غراهام وإسرائيل

وفي المقابل، ظل غراهام أحد أكثر السياسيين الأميركيين قرباً من إسرائيل، وبعد هجمات السابع من أكتوبر (تشرين الأول)، دافع عن حقها في الرد العسكري على خصومها، ودعا إلى تعميق التعاون الأمني معها، وهو ما جعله يحظى بعلاقات وثيقة مع معظم القيادات الإسرائيلية المتعاقبة، كما كان من أشد المؤيدين لـ«اتفاقات إبراهام»، وقام بالعديد من الزيارات لدول منطقة الشرق الأوسط. وكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على منصة «إكس»: «لقد فقدت إسرائيل واحداً من أعظم أصدقائها. فقدت أميركا وطنياً عظيماً. وقد فقدت صديقاً عزيزاً»، كما سارع للظهور على شبكة «فوكس نيوز»، صباح الأحد، لأكثر من 20 دقيقة متحدثاً عن مواقف غراهام السياسية لدعم إسرائيل.

وتتحدث تقارير إعلامية إسرائيلية وأميركية عن احتمال حضور نتنياهو مراسم تشييع الجنازة الرسمية في مسقط رأسه بولاية كارولينا الجنوبية، مع وجود تكهنات بأن تتحول الزيارة إلى مناسبة لعقد لقاء مع الرئيس ترمب لبحث ملفات إيران وغزة والعلاقات الثنائية.

فراغ سياسي

سياسياً، تفتح وفاة غراهام فراغاً يصعب ملؤه سريعاً؛ فالرجل لم يكن مجرد رئيس للجنة نافذة في مجلس الشيوخ، بل كان أحد أبرز مهندسي السياسة الخارجية الجمهورية، وصاحب تأثير واسع داخل المؤسسة العسكرية والأمنية الأميركية. وقد ساد الحزن والارتباك أوساط الجمهوريين، حيث تعيد وفاة ليندسي غراهام حسابات الجمهوريين، وتقلص مقاعد الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ مؤقتاً إلى حين تعيين بديل وفق قانون ولاية كارولاينا الجنوبية، وهو ما يمنح الديمقراطيين هامشاً أوسع للمناورة في عدد من الملفات التشريعية الحساسة، لكن التأثير الأكبر يتمثل في غياب شخصية كانت تجمع بين قربها من ترمب وثقة الجمهوريين التقليديين، وهي معادلة نادرة داخل الحزب.

ماذا يخسر ترمب؟

وبالنسبة للرئيس ترمب، تأتي وفاة غراهام في توقيت شديد الحساسية؛ فالإدارة تواجه تحديات متزامنة تشمل التصعيد مع إيران، والحرب في أوكرانيا، والخلافات داخل حلف شمال الأطلسي، والاستعداد لانتخابات التجديد النصفي. وفي كل تلك الملفات، كان غراهام يؤدي دور «المسوّق السياسي» داخل الكونغرس، حيث كان يمتلك قدرة استثنائية على الدفاع عن سياسات ترمب أمام الجمهوريين المترددين، وعلى بناء توافقات مع بعض الديمقراطيين في قضايا الأمن القومي.

كما كان غراهام يمثل جسراً بين البيت الأبيض والمؤسسة الأمنية، مستفيداً من علاقاته الواسعة داخل وزارة الدفاع ووكالات الاستخبارات، إضافة إلى شبكة علاقاته الدولية التي بناها على مدى أكثر من عقدين.

وقد أسهم غراهام في تشكيل مسار نقاشات كبيرة حول تعيينات المحكمة العليا والسياسات العسكرية والهجرة، وكان تأثيره واضحاً في القضايا المتعلقة بملفات الشرق الأوسط.

ويقول محللون وسياسيون إنه يصعب اختزال إرث غراهام في مواقفه المؤيدة لترمب أو في دعمه لإسرائيل وأوكرانيا؛ فقد كان واحداً ممن تبقوا من رموز الجيل الجمهوري الذي جمع بين النزعة المحافظة داخلياً والسياسة الخارجية التدخلية خارجياً. وبرحيله، يخسر الحزب الجمهوري أحد أكثر أصواته تأثيراً في ملفات الأمن القومي في لحظة تشهد فيها السياسة الأميركية استقطاباً غير مسبوق يعاد فيها رسم موازين القوى داخل الحزب الجمهوري.