«الاتحاد الأوروبي» قلِق من عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض

5 ملفات خلافية استراتيجية واقتصادية تؤشر سلفاً لعلاقات متوترة مع واشنطن

صورة أرشيفية لترمب وستولتنبيرغ خلال قمة «الناتو» في واتفورد البريطانية ديسمبر 2019 (أ.ب)
صورة أرشيفية لترمب وستولتنبيرغ خلال قمة «الناتو» في واتفورد البريطانية ديسمبر 2019 (أ.ب)
TT

«الاتحاد الأوروبي» قلِق من عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض

صورة أرشيفية لترمب وستولتنبيرغ خلال قمة «الناتو» في واتفورد البريطانية ديسمبر 2019 (أ.ب)
صورة أرشيفية لترمب وستولتنبيرغ خلال قمة «الناتو» في واتفورد البريطانية ديسمبر 2019 (أ.ب)

يمتنع المسؤولون الأوروبيون عن الخوض في ملف الانتخابات الأميركية؛ مخافةَ اتهامهم بالتدخل في شؤون الولايات المتحدة الداخلية، بيد أنهم يراقبون عن كثب ما يجري خلالها، والخوف الأكبر لدى الاتحاد الأوروبي بصفته منظمةً ولدى أعضائها، خصوصاً الكبار منهم، واحد، وعنوانه عودة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب إلى البيت الأبيض.

فالأوروبيون لم ينسوا سنوات حكمه الأربع (2016 ــ 2020)، والأزمات التي أثارها، وأبرزها اثنتان: تفضيله التعامل مع كل بلد على حدة، بدل التعامل مع الاتحاد بوصفه كتلةً. واتهاماته المتكرّرة للأوروبيين بسبب قصورهم في الالتزام بما يتعين عليهم توفيره لميزانية حلف شمال الأطلسي.

ولم ينسَ الطرف الألماني ازدراءه بالمستشارة أنغيلا ميركل، وقوله إن الألمان «يطلبون منا حمايتهم من الروس بينما هم يُغذّون الخزينة الروسية»، من خلال مشتريات الغاز والنفط.

وترى مصادر فرنسية أن القلق الأوروبي مصدره 5 ملفات رئيسية: تخلّي واشنطن عن أوكرانيا في حربها ضد القوات الروسية، ومستقبل الحلف الأطلسي والتزام الطرف الأميركي بالفقرة الخامسة منه، وتفاقم العلاقة مع الصين، والملف النووي الإيراني والشرق الأوسط، وأخيراً علاقة واشنطن بالمنظمات الدولية. يُضاف إلى هذه الملفات الاستراتيجية ملف اقتصادي تجاري عنوانه فرض رسوم باهظة على المبيعات الأوروبية في السوق الأميركية.

أوكرانيا: إلى أين؟

يرى جيرار آرو، السفير الفرنسي السابق في واشنطن ولدى الأمم المتحدة، أن لترمب علاقة «إشكالية» مع أوكرانيا، مُذكّراً بأنها كانت الأساس لمسعى الديمقراطيين لتنحيته من منصبه عام 2019، فضلاً عن أن علاقته سيئة بالرئيس فولوديمير زيلينسكي. ومصدر التخوف الأوروبي أن تتخلّى واشنطن التي كانت حتى اليوم الداعم الأكبر لكييف عسكرياً ومالياً، عن أوكرانيا، وأن يعمد ترمب للتفاهم مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين «من وراء ظهر الأوروبيين».

ولم يتوقف ترمب يوماً عن انتقاد تقديم المليارات إلى أوكرانيا، كما أن أنصاره في مجلس الشيوخ جمّدوا لأشهر حزمة مساعدات رئيسية لكييف، وانتقد الأخير زيلينسكي، واصفاً إياه بأنه «أعظم مندوب مبيعات على الأرض»، كما أنه يُحمّل أوكرانيا مسؤولية اندلاع الحرب، وهو موقف بوتين.

دونالد ترمب مستقبِلاً زيلينسكي بنيويورك في 27 سبتمبر (رويترز)

ولا أحد في أوروبا يعرف كيف سينجح ترمب في إيجاد حل لحرب انطلقت بداية العام 2022 «في يوم واحد»، والتخوف الأوروبي مزدوج؛ فمن جهة يُبدي الكثيرون القلق من أن يقع عبء دعم أوكرانيا - في حال انسحاب واشنطن - على كاهلهم، علماً بأن السردية الأوروبية تقول إن «دعم أوكرانيا هو أيضاً للدفاع عن أوروبا»، وإنه إذا لم يتم إيقاف بوتين في أوكرانيا فسوف يواصل عدوانه على دول أوروبية أخرى.

من جهة ثانية، ينتاب الأوروبيين القلق من أن يُنفّذ ترمب رؤيته للحل، التي تقوم على منع أوكرانيا من الانضمام إلى الحلف الأطلسي، والتسليم ببقاء الأراضي الأوكرانية التي تحتلّها القوات الروسية في أيدي موسكو.

ونقلت صحيفة «لو باريزيان» عن جيزين ويبر، الخبيرة في ملف الدفاع الأوروبي بـ«مركز جيرمان فاند - باريس»، قولها إنه «في حال تفاهُم الأميركيين والروس، فإن الأوكرانيين سيكونون عاجزين عن استعادة الأراضي التي احتلّها الروس، كما أن بعض الأوروبيين سيستفيدون من المناسبة لوقف دعمهم لأوكرانيا، مع تحميل المسؤولية للرئيس الأميركي».

مستقبل الحلف الأطلسي

اجتماع سابق لترمب مع قادة «الناتو» في بروكسل (أرشيفية - رويترز)

يقول جيرار آرو إن ترمب «ليس بحاجة للانسحاب من الحلف الأطلسي لإضعافه؛ إذ يكفي انتخابه لإشعار الأوروبيين بأن المظلة الأطلسية التي اتكأوا عليها منذ عقود لن تعود كما كانت، فترمب لم يتردّد في تهديد الأوروبيين بالتخلّي عن الدول الأعضاء التي لا ترصد ما يتوجّب عليها من إنفاق دفاعي لميزانية الحلف، كذلك لوّح بالامتناع عن تفعيل البند الخامس من دول الحلف التي لا تَفِي بالتزاماتها المالية تجاه الحلف».

والقاعدة العامة تقول إنه يتعين على الدول الأعضاء أن توفر 2 في المائة من ناتجها الداخلي الإجمالي للأغراض الدفاعية. وتفيد الأرقام المتوافرة، وتصريحات أمين الحلف السابق ينس ستولتنبرغ، أن أكثرية الأعضاء بلغت هذه العتبة. والثابت، وفق القراءة الأوروبية، أن إعادة انتخاب ترمب ستعني مرحلة من المطبّات الهوائية في المسائل الأمنية والاستراتيجية.

الاستقلالية الاستراتيجية

وبحسب مصادر فرنسية، فإن فوز ترمب يمكن أن يُفضي إلى نتيجتين متناقضتين؛ الأولى: أن يشعر الأوروبيون بأن الوقت قد حان «ليُمسكوا مصيرهم بأيديهم»، وهي الدعوة التي ما فتئ الرئيس الفرنسي يُطلقها بدعوته الأوروبيين إلى «الاستقلالية الاستراتيجية»، بحيث يتمكّنون من الدفاع عن مصالحهم، أقلّه في محيطهم المباشر (المتوسط، والشرق الأوسط، والبلقان، وأفريقيا).

والنتيجة الثانية: أن تسعى بعض الدول الأوروبية إلى الالتصاق بواشنطن، وإظهار أنها «التلميذ المجتهد»؛ كونها «لا تؤمن بالدفاع الأوروبي، ولا ترى بديلاً عن المظلة الأميركية».

مخاوف أوروبية من سياسات الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب تجاه حلف «الناتو» إذا عاد إلى البيت الأبيض (أ.ب)

ولترمب «حلفاء» بين القادة الأوروبيين، ومنهم رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، وسلوفاكيا روبيرت فيكو، والرجل القوي في التحالف الحكومي الهولندي خيرت فيلدرز، ومن بين المعجبين به رئيسة وزراء إيطاليا جورجيا ميلوني، ورئيس الحزب الديمقراطي في السويد جيمي أوكسون.

وبشكل عام، يُعدّ اليمين المتطرف الأوروبي في فرنسا، وألمانيا، والنمسا، وإسبانيا، من الداعمين لترمب القادر على الاتكاء عليهم لزرع الانقسام في الصفوف الأوروبية. وقال أوربان إنه سيتعيّن على أوروبا إعادة التفكير في دعمها لأوكرانيا إذا فاز دونالد ترمب، مضيفاً أنها «لن تستطيع تحمّل أعباء الحرب بمفردها».

وفي خطاب بجامعة السوربون في أبريل (نيسان) الماضي، أكّد ماكرون أن «الولايات المتحدة الأميركية لها أولويتان؛ أوّلاً: الولايات المتحدة، وهذا من المسلّمات، وثانياً: مسألة الصين»، مُضيفاً أن «أوروبا ليست ضمن أولوياتها الجيوسياسية للسنوات والعقود المقبلة».

ترمب والمنظمات الدولية

لا يحب الرئيس السابق المنظمات الدولية، ففي ولايته السابقة عمد إلى إخراج بلاده من منظمة «يونيسكو» للثقافة والتربية والعلوم، ومن المجلس الدولي لحقوق الإنسان، ومن اتفاق باريس للمناخ الذي وُقّع في عام 2015، كما انسحب من الاتفاق النووي مع إيران، المُوقَّع صيف العام نفسه. وتراجع الرئيس بايدن عما قرّره سلفه، باستثناء نووي إيران، حيث لم تنجح الجهود التي بُذلت أوروبياً وأميركياً في التوصل إلى اتفاق جديد.

قادة فرنسا وألمانيا وبريطانيا برفقة الرئيس الأميركي جو بايدن في مقر المستشارية الألمانية ببرلين يوم 18 أكتوبر (أ.ب)

والتخوف الأوروبي أن يعاود ترمب الانسحاب من مزيد من المنظمات الدولية، ومنها منظمة التجارة العالمية، ما من شأنه أن يدفع باتجاه عهدٍ من انعدام الاستقرار، ومن خُفوت دور المنظمة التي تعمل على تنظيم التجارة العالمية، وأن تكون حَكماً بين الأطراف المتنازعة. وليس سرّاً أن ترمب لا يؤمن بإدارة جماعية للنزاعات، ولا يُكِنّ كثيراً من الود للأمم المتحدة، وللمنظمات المتفرعة عنها، ولذا، لا يستبعد الأوروبيون الذين ينظرون بكثير من القلق إلى استدارة واشنطن عن أوروبا، وتركيز نظرتها على الصين وعلى منطقة آسيا بوصفها قطب النمو المستقبلي، وأن يتراجع دور الولايات المتحدة داخل الأمم المتحدة برغم أن لها الكلمة الراجحة في عديد من المسائل والنزاعات العالمية.

ويُعدّ ملف المناخ رئيسياً؛ إذ إن الولايات المتحدة المصدر الثاني، بعد الصين، لانبعاثات الغازات الدفيئة في العالم، ومنذ سنوات لا يتردّد في التشكيك بحقيقة الاحتباس الحراري، كما أنه عازم على التراجع عن الدعم الممنوح للطاقات المتجددة والآليات الكهربائية، والعودة إلى تنشيط التنقيب واستخراج النفط، والخروج مجدّداً من اتفاق باريس، وبالنظر إلى الكوارث البيئية، فإن سياسة كهذه ستُعيد الساعة سنوات إلى الوراء.

نووي إيران والشرق الأوسط

في ظلّ الحرب الدائرة منذ أكثر من عام في غزة ولبنان، يبدو أن نتيجة الانتخابات الأميركية ستكون لها تأثيرات رئيسية على الشرق الأوسط في ملفاته كافةً، ففي الملف الإيراني، وبينما تعيش المنطقة على وقع الرد الإيراني على الضربات الصاروخية الإسرائيلية الأخيرة، ستُمثّل ولايةٌ ثانية لترمب تحوّلاً في كيفية التعاطي مع الملفين المشار إليهما.

ففيما يخص الملف الإيراني، ترى مصادر متابِعة في باريس أن إدارة ترمب التي ستعلن قطعاً دعمها المطلق لإسرائيل، لن تسعى للَجْم الخطط الإسرائيلية إزاء إيران، وتحديداً إزاء برنامجها النووي، ما قد يدفع المنطقة إلى حرب شاملة، وبالتوازي من المرتقب أن تعمد إدارة ترمب إلى فرض مزيد من العقوبات على إيران؛ لحرمانها من عائداتها النفطية لتشدّد الخناق على اقتصادها، من أجل جلبها إلى طاولة المفاوضات، وفرض اتفاق أكثر تشدّداً عليها، أكثر من اتفاق عام 2015.

كذلك، تتوقع هذه المصادر أن تركّز واشنطن على برنامج إيران النووي وسيلةً للضغط على طهران. وبالمقابل، ليس ثمة ما يُلقي أضواءً واضحة على ما ستكون عليه سياسة ترمب إزاء النزاع الفلسطيني ــ الإسرائيلي؛ إذ إنه برغم دعمه لإسرائيل وترقُّب نتنياهو فوزَه وإطلاق يديه في الملفين اللبناني والإسرائيلي، فإن للرئيس السابق تصريحات متناقضة.

الصين وسياسة الرسوم

صورة أرشيفية للقاء بين ترمب والرئيس الصيني شي جينبينغ (أرشيفية - رويترز)

ليس جديداً تركيز الإدارات الأميركية المتعاقبة على الصين التي يُنظر إليها أميركياً على أنها المنافس الرئيسي للنفوذ الأميركي عبر العالم، وفي الكثير من المجالات، ولم تشذّ إدارة بايدن عن هذه الرؤية، إلا أن الثابت أن ترمب سيتشدّد في سياسته إزاء بكين، سواءً فيما يخصّ مسألة سعيها لضم جزيرة تايوان، أو في الملفات التجارية والاقتصادية.

وما يصحّ على الصين، يصحّ أيضاً على القارة الأوروبية، وكانت غرفة التجارة والصناعة الألمانية أول مَن يقرع ناقوس الخطر، ونقلت وكالات الأنباء عن فولكر ترير، رئيس شؤون التجارة الخارجية في الغرفة، قوله إن نتيجة الانتخابات في الولايات المتحدة يمكن أن تجعل البيئة الاقتصادية العالمية أكثر تعقيداً، مضيفاً أن هذا من شأنه أن يضع ضغطاً على العلاقات التجارية الدولية.

وذكر ترير أن هناك خطراً خاصاً على الشركات الألمانية، يتمثّل في الخطط الجمركية (الأميركية)، التي طُرحت مراراً خلال الحملة الانتخابية. وقال إن «احتمال تطبيق سياسات تجارية أكثر صرامةً، خصوصاً في ظل إدارة محتملة لترمب، يمكن أن يزيد المخاوف من حدوث اضطرابات في سلاسل التوريد وفرض حواجز تجارية».


مقالات ذات صلة

ترمب مازحاً: ميريام أديلسون عرضت عليّ «250 مليون دولار» للترشح لولاية ثالثة

الولايات المتحدة​ دونالد ترمب وميريام أديلسون (إ.ب.أ) p-circle 02:35

ترمب مازحاً: ميريام أديلسون عرضت عليّ «250 مليون دولار» للترشح لولاية ثالثة

قالت مجلة فوربس الأميركية إن الرئيس دونالد ترمب قال مازحاً إن المليارديرة ميريام أديلسون عرضت عليه 250 مليون دولار للترشح لولاية ثالثة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
الولايات المتحدة​ السيدة الأولى السابقة ميشيل أوباما تتحدث عن كتابها «النظرة» في واشنطن (أ.ب)

ميشيل أوباما: الولايات المتحدة «غير مستعدة» لانتخاب رئيسة

صرحت السيدة الأولى السابقة ميشيل أوباما بأن الأميركيين ليسوا مستعدين لانتخاب رئيسة، مشيرةً إلى هزيمة نائبة الرئيس السابقة كامالا هاريس أمام الرئيس دونالد ترمب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق الممثل جورج كلوني وكامالا هاريس (أ.ف.ب)

جورج كلوني: اختيار كامالا هاريس بديلاً لبايدن «كان خطأ»

قال الممثل الأميركي الشهير جورج كلوني إنه يشعر بأن اختيار كامالا هاريس بديلاً لجو بايدن في الانتخابات الرئاسية الأميركية لعام 2024 كان «خطأً».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ نائبة الرئيس الأميركي السابقة كامالا هاريس (رويترز) p-circle

«الأكثر تأهيلاً على الإطلاق»... كامالا هاريس تلمّح لإمكانية ترشحها للرئاسة عام 2028

لمّحت نائبة الرئيس الأميركي السابقة، كامالا هاريس، إلى احتمال ترشحها للرئاسة عام 2028، وأكدت أن البعض وصفها بأنها «المرشحة الأكثر تأهيلاً على الإطلاق».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تحليل إخباري الرئيس الأميركي دونالد ترمب وعقيلته في أثناء مشاركتهما باحتفال في ذكرى 11 سبتمبر (أ.ب)

تحليل إخباري فوز كاسح لمرشح ديمقراطي في فرجينيا يلوّح بتحول سياسي أوسع

فوز كاسح لمرشح ديمقراطي في فرجينيا يلوّح بتحول سياسي أوسع ويسلط الأضواء على انتخابات 2026 النصفية.

إيلي يوسف (واشنطن)

اندلاع احتجاجات عنيفة في ألبانيا بسبب مزاعم فساد حكومي

جانب من المظاهرات المناهضة للحكومة في العاصمة الألبانية تيرانا (أ.ب)
جانب من المظاهرات المناهضة للحكومة في العاصمة الألبانية تيرانا (أ.ب)
TT

اندلاع احتجاجات عنيفة في ألبانيا بسبب مزاعم فساد حكومي

جانب من المظاهرات المناهضة للحكومة في العاصمة الألبانية تيرانا (أ.ب)
جانب من المظاهرات المناهضة للحكومة في العاصمة الألبانية تيرانا (أ.ب)

اشتبك متظاهرون مناهضون للحكومة، مساء اليوم الثلاثاء، مع ​الشرطة في العاصمة الألبانية تيرانا، حيث تجمع الآلاف للمطالبة باستقالة نائبة رئيس الوزراء بسبب مزاعم بالفساد.

ووفقاً لـ«رويترز»، ألقى المتظاهرون زجاجات مولوتوف على مبنى حكومي وردت الشرطة باستخدام خراطيم ‌المياه في ‌أحدث سلسلة ‌من ⁠الاحتجاجات ​العنيفة ‌التي تشكل تهديداً لسلطة رئيس الوزراء إدي راما الذي يتولى المنصب منذ 2013.

وتصاعد التوتر السياسي منذ ديسمبر (كانون الأول) بعد أن وجه الادعاء العام ⁠اتهامات إلى نائبة رئيس الوزراء ‌بليندا بالوكو بتهمة التدخل ‍في المناقصات ‍العامة لمشاريع البنية التحتية ‍الكبرى، وتفضيل شركات معينة، وهي اتهامات تنفيها بالوكو.

وحمل آلاف المحتجين في ميدان رئيسي في ​تيرانا أعلاماً ولافتات، ورددوا هتافات: «راما ارحل، هذه الحكومة ⁠الفاسدة يجب أن تستقيل».

وطلب الادعاء من البرلمان رفع الحصانة عن بالوكو هذا الأسبوع حتى يتسنى للسلطات القبض عليها.

وليس من الواضح ما إذا كان البرلمان، حيث يتمتع حزب راما الحاكم بالأغلبية، سيصوت على القرار وموعد ‌ذلك التصويت.


ماكس بيرغمان: الرسالة أصبحت واضحة لا لبس فيها... أوروبا تحتاج إلى جيش

ترمب برفقة قادة أوروبيين لبحث حرب أوكرانيا في البيت الأبيض 18 أغسطس الماضي (رويترز)
ترمب برفقة قادة أوروبيين لبحث حرب أوكرانيا في البيت الأبيض 18 أغسطس الماضي (رويترز)
TT

ماكس بيرغمان: الرسالة أصبحت واضحة لا لبس فيها... أوروبا تحتاج إلى جيش

ترمب برفقة قادة أوروبيين لبحث حرب أوكرانيا في البيت الأبيض 18 أغسطس الماضي (رويترز)
ترمب برفقة قادة أوروبيين لبحث حرب أوكرانيا في البيت الأبيض 18 أغسطس الماضي (رويترز)

يواجه التحالف عبر الأطلسي أزمة حقيقية. فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، دعمت القوة الأميركية توحيد أوروبا وتكاملها، وهو ما يعدّ، بلا شك، أعظم إنجازات واشنطن في السياسة الخارجية. إلا أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب أوضحت جلياً أن الولايات المتحدة لم تعد مهتمة بدور الضامن لأمن أوروبا. فقد هددت بالاستيلاء على أراضي دولة عضو في حلف الناتو، وخفّضت دعمها العسكري لأوكرانيا، وفرضت تعريفات جمركية باهظة على حلفائها الأوروبيين، ودعت، في استراتيجيتها للأمن القومي لعام 2025، إلى «مقاومة المسار الحالي لأوروبا».

مصافحة بين الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي والأمين العام لـ«ناتو» مارك روته في كييف الثلاثاء (أ.ف.ب)

أوروبا وحيدة

الرسالة واضحة لا لبس فيها؛ لم يعد بإمكان القارة الاعتماد على الولايات المتحدة للدفاع عنها. ولأول مرة منذ 8 عقود، تقف أوروبا وحيدة في مواجهة المخاطر.

وفي تحليل نشرته مجلة «فورين أفيرز» الأميركية، قال المحلل السياسي ماكس بيرغمان، مدير برنامج أوروبا وروسيا وأوراسيا في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، إن الدول الأوروبية تجد نفسها الآن عرضة للعدوان الروسي. وينبغي لهذا الخطر أن يحفز القادة الأوروبيين على تبني مسار عمل جديد وجريء لتعزيز دفاعاتهم، لكن لم تشهد الشؤون العسكرية الأوروبية أي ثورة من هذا القبيل.

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته يتحدث خلال مؤتمر صحافي قبل اجتماع وزراء خارجيته بمقره في بروكسل الخميس (أ.ف.ب)

فرغم اتفاق دول حلف شمال الأطلسي (ناتو) على زيادة الإنفاق الدفاعي إلى 3.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035، لن يكفي الإنفاق وحده لتحقيق الأمن. فالمشكلة هيكلية، وليست مالية. فالجيوش الأوروبية لا تملك القدرة على الدفاع عن القارة دون الولايات المتحدة.

ويدرك القادة الأوروبيون تماماً اعتمادهم على واشنطن في حماية بلادهم، لكنهم ينكرون ما يجب عليهم فعله للخروج من هذه الحالة. وتكمن العقبة الكبرى في الاعتقاد بأن الدفاع مسؤولية وطنية، وليست أوروبية. فالحكومات الأوروبية ترغب في الحفاظ على سيادتها على جيوشها، وقد ترددت في توحيد جهودها الدفاعية على المستوى الأوروبي. لكن هذا التركيز على السيادة الوطنية يتجاهل حقيقة أعمق، وهي أن الدول الأوروبية ليست، ولم تكن، ذات سيادة في مجال الدفاع منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. لقد اعتمدت على الولايات المتحدة، وهي قوة أجنبية، لحمايتها.

الاتحاد الأوروبي بمثابة وزارة الدفاع

والآن، مع تخلي هذه القوة الأجنبية عنها، فإن أفضل وسيلة للدول الأوروبية للدفاع عن نفسها دون دعم واشنطن هي دمج جهودها الدفاعية. وعليها أن تفعل ما تفعله في أي أزمة أخرى، وهو تفعيل الاتحاد الأوروبي. لقد حان الوقت لأن يصبح الاتحاد الأوروبي بمثابة وزارة الدفاع الأوروبية.

ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وجدت واشنطن نفسها في مأزق، حيث كانت أولويتها القصوى إعادة القوات الأميركية إلى أراضيها، لكن دول أوروبا الغربية كانت لا تزال أضعف من أن تدافع عن نفسها، وكان التهديد السوفياتي شديداً للغاية بحيث لا يمكن للأميركيين الانسحاب دون المخاطرة بسقوط القارة تحت الحكم الشيوعي.

لم يكن حلف شمال الأطلسي (ناتو) الذي تم تشكيله هو المفضل لواشنطن حيث اعتبره المسؤولون الأميركيون، وفقاً للمؤرخ ستين رينينج، «إجراء مؤقتاً ريثما تتحسن أوضاع أوروبا».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتوسط قادة عالميين خلال قمة «ناتو» في لاهاي (أ.ب)

فقد كان الهدف الأسمى هو بناء أوروبا موحدة لتصبح «قوة ثالثة» قادرة على مواجهة الاتحاد السوفياتي دون الحاجة إلى الاعتماد على الولايات المتحدة. وعندما نشبت الحرب في شبه الجزيرة الكورية في يونيو (حزيران) 1950، وجدت الولايات المتحدة نفسها فجأة منخرطة في تلك الحرب. ومع تشتت القوات الأميركية، أصبح احتمال حدوث غزو سوفياتي لأوروبا واقعاً ملموساً.

اتفاقية 1952 حبر على ورق

لذلك، ولتسريع توحيد أوروبا، اقترح رئيس الوزراء الفرنسي رينيه بليفان إنشاء جيش أوروبي موحد. وكانت الحجة أنه إذا كانت أوروبا الغربية قوية بما يكفي لردع الاتحاد السوفياتي، فسيتيح ذلك للولايات المتحدة إنهاء وجودها العسكري من القارة. وبدعم قوي من إدارة الرئيس الأميركي هاري ترومان، والجنرال الأميركي دوايت أيزنهاور، القائد الأعلى لقوات حلف الناتو آنذاك، وقّعت 6 دول من أوروبا الغربية، وهي بلجيكا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا ولوكسمبورغ وهولندا، معاهدة في مايو (أيار) 1952 لإنشاء جيش مشترك بميزانية ومجلس حاكم وجمعية استشارية ومحكمة مشتركة. إلا أن هذه الاتفاقية لم تدخل حيز التنفيذ أبداً.

حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ومجموعتها القتالية في منطقة عمليات القيادة المركزية الأميركية (أ.ف.ب)

في الوقت نفسه، ومع وجود الناتو، لم تشعر أوروبا بالحاجة إلى توحيد صفوفها عسكرياً، حيث منح الحلف الدول الأوروبية الشعور الكاذب بالسيادة على الدفاع الوطني. فمن الناحية الرسمية، لكل دولة في الناتو رأي متساوٍ في مجلس شمال الأطلسي، وهو الهيئة المسؤولة عن اتخاذ القرارات للحلف، واحتفظت كل منها بجيوشها المستقلة. لكن الولايات المتحدة كانت هي صاحبة القرار النهائي. فإذا ما اندلعت حرب، كان كل قادة أوروبا يدركون أن أميركا هي من ستقود الحرب.

تحدث رئيس الوزراء الكندي مارك كارني إلى الصحافة خلال إعلان رسمي أثناء زيارته مصنع قطع غيار سيارات في وودبريدج في شهر فبراير (أ.ب)

وفي العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، عادت أوروبا إلى وضعها في أوائل الخمسينات، حيث تواجه روسيا العدوانية، بينما تسعى الولايات المتحدة جاهدة للانسحاب من القارة الأوروبية. وبات لزاماً على أوروبا الآن افتراض أنها مضطرة للدفاع عن نفسها دون دعم أميركي. وبالطبع يمكن لأوروبا التغلب على هذا التحدي، لكنها تحتاج أكثر من مجرد زيادة ميزانيات الدفاع، التي تضم نحو 30 جيشاً مختلفاً، بمستويات متفاوتة من الجاهزية والقدرة، وتستخدم معداتها الخاصة. إذا حشدت روسيا قواتها على حدود إحدى دول البلطيق، فسيتعين على جميع القوات الأوروبية المتفرقة الانتشار بسرعة والقتال معاً.

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال مشاركتهما في المنتدى الاقتصادي العالمي دافوس (أ.ب)

وفي حين يتولى حلف الناتو تنسيق هذه العمليات من الناحية النظرية، فإنه من دون الولايات المتحدة سيكون مجرد هيكل فارغ. فعندما حشد الحلف قواته الأوروبية في أفغانستان والبلقان وليبيا، على سبيل المثال، غطت البراعة العسكرية الأميركية على أوجه القصور في تلك المهام الأوروبية. كما أن جيوش أوروبا تفتقر إلى المعدات الكافية، مثل طائرات التزود بالوقود جواً، وطائرات النقل الجوي، وتقنيات المراقبة والاستهداف المتقدمة. فقد صممت الجيوش الأوروبية لتكون بمثابة قوات مساعدة في جهد حربي تقوده الولايات المتحدة في إطار حلف الناتو.

إن تراجع الولايات المتحدة يثير قلق الدول الأوروبية المتاخمة لروسيا بشكل خاص، وهذا أمر مفهوم. فقد ناشدت دول المواجهة، مثل إستونيا ولاتفيا وليتوانيا وبولندا، الدول الأوروبية الأخرى زيادة إنفاقها الدفاعي، إلا أن الزيادات الطفيفة في الإنفاق الدفاعي لن تحول جيوشها إلى قوة قتالية متماسكة. ومن غير المرجح أيضاً أن تفي معظم الدول الأوروبية بتعهد زيادة الإنفاق الدفاعي إلى 3.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، لأن مثل هذه السياسات غالباً ما تكون غير شعبية محلياً.

في الوقت نفسه، لا تستطيع أي من القوى الأوروبية التقليدية التصدي بفاعلية لأي عدوان روسي بمفردها. ففرنسا وبريطانيا تعانيان من عجز كبير في الميزانية، ما يحدّ من مواردهما المالية اللازمة لتعزيز جيوشهما المنهكة أصلاً. علاوة على ذلك، أدّت سنوات التقشف إلى إضعاف الجيش البريطاني، إذ يصعب على بريطانيا اليوم نشر 25 ألف جندي في شرق أوروبا.

ألمانيا العمود الفقري العسكري لأوروبا

أطماع ترمب توحّد الغرينلانديين وتنسيهم مؤقتاً نزعة الاستقلال وجروح الاستعمار الدنماركي

في المقابل، بدأ المستشار الألماني فريدريش ميرتس ضخّ تمويلات ضخمة في الدفاع، وتملك برلين القدرة على أن تكون بمثابة العمود الفقري العسكري لأوروبا، لكن تاريخ البلاد ما بعد الحرب من نزعة سلمية ونفور من القوة العسكرية يجعل الاعتماد على نهضة عسكرية ألمانية رهاناً محفوفاً بالمخاطر.

وفي حين يمتلك الاتحاد الأوروبي، الذي يضم 450 مليون نسمة واقتصاداً بحجم اقتصاد الصين تقريباً من الثروة والقدرات المادية، ما يكفي للدفاع عن نفسه، فإنه يقصر في استغلال تلك المزايا. ويحتاج الأوروبيون إلى التخلي عن أولوية السيادة الوطنية وتوحيد جهودهم في كيان عسكري موحد يتولى الدفاع عن الأمن الأوروبي كله، في إطار الاتحاد الأوروبي نفسه. فعلى عكس حكومات الدول الفردية، يركز الاتحاد الأوروبي على تعزيز المصالح المشتركة بدلاً من المصالح الوطنية فقط.

جنديان بولنديان يطلقان النار من نظام الدفاع الجوي المحمول «بيورون» خلال مشاركتهما في تدريبات عسكرية «المدافع الحديدية» التي أجرتها القوات البولندية مع جنود حلف شمال الأطلسي بالقرب من أورزيسز في بولندا 17 سبتمبر 2025 (رويترز)

في الوقت نفسه، يريد المواطنون الأوروبيون قيام الاتحاد الأوروبي بالدور الدفاعي وعدم الاقتصار على الجانبين الاقتصادي والدبلوماسي، كما هو الحال الآن. فالاتحاد هو المؤسسة الحاكمة الأكثر ثقة في القارة، أكثر من أي دولة عضو أخرى.

ووفقاً لاستطلاع «يورو باروميتر» لعام 2025، يشعر نحو 80 في المائة من الأوروبيين بالقلق بشأن أمن الاتحاد الأوروبي خلال السنوات الخمس المقبلة، ويؤيدون سياسة دفاعية وأمنية مشتركة. كما أيّد حزب الشعب الأوروبي، المنتمي ليمين الوسط وأكبر الأحزاب في البرلمان الأوروبي، فكرة إنشاء جيش أوروبي موحد خلال حملته الانتخابية الناجحة عام 2024

وقال روب جيتن، رئيس الوزراء الهولندي المنتخب، خلال حملته الانتخابية في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، إنه يريد منح «الاتحاد الأوروبي القوة والموارد اللازمة للقيام بما يطالب به المواطنون في جميع أنحاء أوروبا؛ الدفاع عن أراضينا ضد عدوان بوتين».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع الأمين العام لحلف «ناتو» مارك روته على هامش الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس (أ.ف.ب)

نهاية الناتو!

إن تمكين الاتحاد الأوروبي في مجال الدفاع لن يعني نهاية حلف الناتو أو الجيوش الوطنية. وسينصبّ تركيز الاتحاد الأوروبي على تمويل وتنظيم القوات الأوروبية، أي العمل كمركز قيادة أوروبي. ستدمج بروكسل العديد من وظائف مكاتب المشتريات الوطنية، وتدير عمليات الاستحواذ الكبرى، بالإضافة إلى دمج وتنظيم قطاعات الصناعات الدفاعية في الدول الأعضاء الـ27.

من الناحية المثالية، سيظل حلف الناتو القيادة القتالية لأوروبا، منسقاً ومنفذاً للمهام. ومع ذلك، ينبغي تعزيز الطابع الأوروبي للحلف، خاصة مع تراجع اهتمام الولايات المتحدة بالحلف، وينبغي على الأوروبيين اقتراح تولي المناصب العليا، بما في ذلك منصب القائد الأعلى للحلف، الذي شغله أغلب الوقت أميركي. ستظل الجيوش الوطنية، وخاصة جيوش دول المواجهة والقوى العسكرية التقليدية، بمثابة حجر الزاوية في الدفاع الأوروبي. لكن هذه القوات ستخضع لعملية تعزيز أوروبية من قبل الاتحاد الأوروبي.

جنود أميركيون من «المارينز» يشاركون في تدريب لحلف «الناتو» بالنرويج (رويترز)

أخيراً، يجدر بالأوروبيين أن يتذكروا سبب انضمامهم إلى الاتحاد الأوروبي في المقام الأول. فرغم تردد الدول الأوروبية الصغيرة في التخلي عن سيادتها لصالح سلطة اتحادية أوروبية، أدركت أنها لن تستطيع البقاء بمفردها، وأنها أصبحت أقوى عندما تجمعت معها. ولاحظ المؤرخ آلان ميلوارد، أن المجموعة الأوروبية، بدلاً من أن تقضي على كل دولة، كانت «دعامة لها، وجزءاً لا غنى عنه من إعادة بناء الدولة القومية بعد الحرب». ومع تراجع الولايات المتحدة، أصبحت الدول القومية الأوروبية مهددة، لكنها تستطيع تأمين مستقبلها من خلال تفعيل ما أنشئ المشروع الأوروبي من أجله، وهو بناء قوة القارة.


رئيس استخبارات إستونيا: لا يمكن لروسيا مهاجمة «الناتو» هذا العام... لكنها تخطط لتعزيز قواتها

جنود روس في شبه جزيرة القرم (رويترز - أرشيفية)
جنود روس في شبه جزيرة القرم (رويترز - أرشيفية)
TT

رئيس استخبارات إستونيا: لا يمكن لروسيا مهاجمة «الناتو» هذا العام... لكنها تخطط لتعزيز قواتها

جنود روس في شبه جزيرة القرم (رويترز - أرشيفية)
جنود روس في شبه جزيرة القرم (رويترز - أرشيفية)

قال مسؤول استخباراتي أوروبي رفيع المستوى إن روسيا لا تستطيع شن هجوم على حلف شمال الأطلسي (ناتو) هذا العام أو العام المقبل، لكنها تخطط لزيادة قواتها بشكل كبير على طول الجناح الشرقي للتحالف، اعتماداً على نتيجة الحرب في أوكرانيا.

وفي إفادة عبر الإنترنت مع الصحافيين، قال كاوبو روسين، رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية الإستونية، لوكالة «أسوشييتد برس»، إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لا يرغب في وقف الغزو الذي تشنه بلاده على أوكرانيا منذ نحو أربع سنوات، ويعتقد أنه يستطيع «التفوق بالذكاء» على الولايات المتحدة خلال المحادثات مع واشنطن حول كيفية إنهاء الحرب.

وقال روسين إن خطة روسيا تتضمن إنشاء وحدات عسكرية جديدة ومضاعفة قوة ما قبل الحرب على طول حدودها مع «الناتو» بمرتين إلى ثلاث مرات، ولكن ذلك سيتأثر بشدة بنتيجة المناقشات التي تشمل موسكو وواشنطن وكييف بشأن وقف الأعمال العدائية في أوكرانيا. وذلك لأن روسيا ستحتاج إلى الاحتفاظ بـ«جزء كبير» من جيشها داخل أوكرانيا المحتلة وفي روسيا لمنع أي تحرّك أوكراني مستقبلي، على حد قوله.

رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية الإستوني كاوبو روسين خلال مؤتمر صحافي في تالين... إستونيا 10 فبراير 2026 (رويترز)

وقال رئيس الاستخبارات الإستونية إنه حالياً «لا توجد موارد كافية متاحة» لموسكو لشن هجوم على «الناتو»، لكن الكرملين قلق بشأن إعادة تسليح أوروبا وقدرتها على القيام بعمل عسكري ضد روسيا في العامين المقبلين.

وأضاف روسين أن موسكو تماطل في المحادثات مع واشنطن، وأنه «لا يوجد أي نقاش على الإطلاق حول كيفية التعاون الحقيقي مع الولايات المتحدة بشكل فعال».

وتحدث روسين للصحافيين قبيل نشر التقرير الأمني السنوي لإستونيا الثلاثاء. وقال إن المعلومات حول كيفية رؤية الكرملين للمحادثات مع الولايات المتحدة تستند إلى معلومات استخباراتية جمعتها بلاده، العضو في «الناتو»، من «مناقشات داخلية روسية». ولم يوضح روسين كيفية الحصول على هذه المعلومات، لكنه قال إن المناقشات أظهرت أن المسؤولين الروس يعتقدون أن واشنطن لا تزال «العدو الرئيسي» لموسكو.

جنود مظليون روس يسيرون قبل صعودهم إلى طائرات نقل خلال مشاركتهم في مناورات عسكرية مشتركة مع القوات البيلاروسية... في مطار بمنطقة كالينينغراد في روسيا 13 سبتمبر 2021 (رويترز)

وقد أصر المسؤولون الروس علناً على رغبتهم في التوصل إلى اتفاق عبر التفاوض، لكنهم لم يظهروا استعداداً يذكر للتسوية وظلوا متمسكين بوجوب تلبية مطالبهم.

وقد وصف مسؤولون من كلا الجانبين المحادثات التي جرت بوساطة أميركية بين مبعوثين من روسيا وأوكرانيا في الأسابيع الأخيرة بأنها بناءة وإيجابية، ولكن لم تظهر أي علامة على حدوث أي تقدم في القضايا الرئيسية في المناقشات.

وأضاف روسين أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، «لا يزال يعتقد في قرارة نفسه أنه قادر على تحقيق نصر عسكري (في أوكرانيا) في وقت ما».

وقال مسؤول في البيت الأبيض، رداً على تصريحات رئيس الاستخبارات الإستونية، إن مفاوضي الرئيس أحرزوا «تقدماً هائلاً» في المحادثات الرامية إلى إنهاء الحرب في أوكرانيا.

وأشار المسؤول تحديداً إلى الاتفاق الذي تم التوصل إليه مؤخراً في أبوظبي بين الولايات المتحدة وأوكرانيا وروسيا لإطلاق سراح أكثر من 300 أسير، وذلك رغم أن عمليات تبادل الأسرى جرت بشكل متقطع منذ مايو (أيار) الماضي.

وأضاف المسؤول، الذي طلب عدم الكشف عن هويته لعدم حصوله على إذن بالتصريح علناً، أن هذا الاتفاق دليل على تقدم الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب.

دبابات تابعة للقوات الموالية لروسيا في شرق أوكرانيا تعبر أحد شوارع بلدة بوباسنا بمنطقة لوهانسك الأوكرانية خلال النزاع الأوكراني الروسي... 26 مايو 2022 (رويترز)

وقالت الخبيرة في الشؤون الروسية ومستشارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال فترة ولايته الأولى، فيونا هيل، إن ترمب ومسؤوليه يروجون لرواية تصور الرئيس الأميركي على أنه صانع سلام، ولهذا السبب لا يرغبون في تغيير تقييمهم بأن بوتين يريد إنهاء الحرب.

وأضافت هيل، لوكالة «أسوشييتد برس»، أن كلا الرئيسين «بحاجة إلى أن تتحقق روايتهما للأحداث» ويتمسكان بروايتهما الخاصة للحقيقة: بوتين كمنتصر في أوكرانيا، وترمب كصانع صفقات.

وعلى الرغم من أن ترمب لمّح مرارا إلى أن بوتين يريد السلام، فإنه بدا أحياناً محبطاً من نهج الزعيم الروسي الفاتر تجاه المحادثات.

ومن منظور استخباراتي، قال روسين إنه لا يعرف لماذا يعتقد المسؤولون الأميركيون أن بوتين يريد إنهاء الحرب.

وقالت هيل، التي عملت مسؤولة استخبارات وطنية في إدارات أميركية سابقة، إنه من غير الواضح ما هي المعلومات الاستخباراتية التي يحصل عليها ترمب بشأن روسيا - أو ما إذا كان يقرأها.

وهو يعتمد بشكل كبير على كبار مفاوضيه، وعلى رأسهم المبعوث الخاص ستيف ويتكوف وصهره جاريد كوشنر، الذين قالت هيل إنهم قد يجدون صعوبة في تصديق أن الضرر الذي لحق بالاقتصاد الروسي من الحرب هو ثمن بوتين مستعد لدفعه مقابل أوكرانيا.

وفي إشارة إلى تقارير تفيد بأن ويتكوف حضر اجتماعات مع بوتين من دون مترجم من وزارة الخارجية الأميركية، تساءلت عما إذا كان مبعوثو ترمب يفهمون ما يُقال في الاجتماعات، واقترحت أن المسؤولين قد يبحثون «بانتقائية» عما يريدون سماعه.