قائد «الحرس الثوري» يهاجم واشنطن في ذكرى «أزمة الرهائن»

الرئيس الإيراني: قبول إسرائيل بوقف إطلاق النار قد يخفف من حدة الرد

سلامي يلقي خطاباً في ذكرى اقتحام السفارة الأميركية بطهران اليوم (أ.ف.ب)
سلامي يلقي خطاباً في ذكرى اقتحام السفارة الأميركية بطهران اليوم (أ.ف.ب)
TT

قائد «الحرس الثوري» يهاجم واشنطن في ذكرى «أزمة الرهائن»

سلامي يلقي خطاباً في ذكرى اقتحام السفارة الأميركية بطهران اليوم (أ.ف.ب)
سلامي يلقي خطاباً في ذكرى اقتحام السفارة الأميركية بطهران اليوم (أ.ف.ب)

قال قائد «الحرس الثوري» حسين سلامي، الأحد، إن الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل «تتجهان نحو الانهيار إذا لم تغيرا سلوكهما»، مضيفاً أن «جبهة المقاومة» وإيران ستتزودان بكل ما هو ضروري لمواجهة إسرائيل.

وتجمّع مئات الإيرانيين، الأحد، في وسط طهران في الذكرى الخامسة والأربعين لعملية اقتحام السفارة الأميركية واحتجاز عشرات الدبلوماسيين والموظفين فيها رهائن عام 1979.

وفي كلمة ألقاها على المتظاهرين، هاجم سلامي الولايات المتحدة مرات عدة، وانتقدها على دعم إسرائيل، وقال إنهما «لا يمكنهما الاستمرار دون قتل مسلمين، وارتكاب مذابح بحقهم»، محذراً واشنطن وإسرائيل، من أن «المقاومة الإسلامية ستوجِّه رداً قاسياً لجبهة الشر».

ونقلت وكالة «إيسنا» الحكومية، عن سلامي قوله إن «أميركا، رغم حديثها عن الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان، هي مصدر الاضطرابات والجرائم والاحتلالات في العالم». وأضاف أنها «دولة لا تكتفي بحدودها الجغرافية، بل تعدّ العالم بأسره جزءاً من نفوذها، وتسعى للسيطرة على الإرادة السياسية للشعوب من خلال الحروب، والاحتلالات، والاعتداءات».

كما ألقى سلامي باللوم على الولايات المتحدة في ظهور جماعات متطرفة مثل «داعش»، مشيراً في جزء من خطابه إلى أن «أميركا حوَّلت العالم الإسلامي إلى ساحات حرب منذ 45 عاماً، وسعت لإخضاع الأحرار باسم الحرية». وأضاف: «أميركا جلبت التخلف وعدم الاستقرار للعراق على مدى سنوات، وتركت أفغانستان بعد 20 عاماً من الاحتلال بجيش منهار تكلفته 85 مليار دولار».

رجال دين يحرقون علم أميركا أمام مقر سفارتها السابقة في طهران (أ.ب)

وقلل سلامي من قدرة الولايات المتحدة على مواجهة بلاده، قائلاً: «أميركا فشلت في حربها الناعمة ضد إيران، وهي تواجه اليوم غروب قوتها السياسية، حيث لم تعد قادرة على فرض إرادتها أو تحقيق الانتصارات كما كانت». ورأى أن «(حزب الله) لا يزال قوياً وواثقاً بجنوب لبنان بعد كل المحاولات الصهيونية لإضعافه». وأضاف: «(حزب الله) لا يكتفي بعدم الهزيمة، بل يسعى لدفن النظام الصهيوني وأتباعه في جنوب لبنان وفلسطين المحتلة»، عادّاً أن «مصير إسرائيل المحتوم هو الانهيار».

ومع ذلك، حذَّر سلامي أميركا وإسرائيل من أن «عدم تغيير سلوكهما سيؤدي بهما إلى الانهيار».

ورفع المتظاهرون أمام مبنى السفارة السابقة أعلاماً إيرانية وفلسطينية وأعلام «حزب الله» اللبناني. وحمل كثير منهم لافتات عليها شعارا «الموت لأميركا»، و«الموت لإسرائيل» بالفارسية والإنجليزية، وأحرق بعضهم أعلاماً أميركية وإسرائيلية في المناسبة السنوية التي تحشد لها أجهزة تابعة لمكتب المرشد الإيراني، خصوصاً «الحرس الثوري»، في أنحاء البلاد.

وبثَّت وسائل الإعلام الرسمية، منذ الصباح، أناشيد ثورية تندد بـ«جرائم» الولايات المتحدة بحق إيران، حسب وصف «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال سلامي إن «هذا اليوم يمثل رمزاً للمقاومة، ضد الاستكبار، حيث أزال الطلبة آخر رموز السيطرة الأميركية في إيران، ما أنهى هيمنتها الرسمية على البلاد».

إيرانيون في مظاهرة سنوية تنظمها السلطات في ذكرى اقتحام السفارة الأميركية بطهران اليوم (رويترز)

توترات إقليمية

وتحلُّ الذكرى هذه السنة في ظل تصعيد شديد تشهده المنطقة، إذ تخوض إسرائيل حرباً مدمرة مع حركة «حماس» في قطاع غزة، و«حزب الله» في لبنان، وهما تنظيمان مدعومان من طهران.

وكان موقع «أكسيوس» ذكر، في وقت سابق، أن المخابرات الإسرائيلية أشارت إلى أن إيران تستعدُّ لمهاجمة إسرائيل من الأراضي العراقية، في الأيام المقبلة، ربما قبل الانتخابات الرئاسية الأميركية في الخامس من نوفمبر.

وفي 26 أكتوبر (تشرين الأول)، أكد الجيش الإسرائيلي، في أول اعتراف علني من نوعه، أنه ضرب أهدافاً عسكرية في إيران، في عملية قُدِّمت على أنها ردٌّ على الهجمات الصاروخية الإيرانية ضد إسرائيل في الأول من أكتوبر.

رجلا دين إيرانيان يمران أمام رسمة معادية للولايات المتحدة على حائط سفارتها القديمة في طهران اليوم (رويترز)

وحذّرت إسرائيل إيران من الرد، في حين توعَّد المرشد علي خامنئي (السبت) بـ«رد قاسٍ» على الهجمات التي تشنّها واشنطن أو إسرائيل على إيران وحلفائها في المنطقة.

وكان هذا ثاني ظهور لخامنئي بعد خطابه الأحد من الأسبوع الماضي، غداة الهجوم الإسرائيلي. وقال خامنئي حينها إن على المسؤولين الإيرانيين أن «يحددوا أفضل السبل لإظهار قوة إيران لإسرائيل»، وذلك فيما بدت أوامر لتوجيه رد على إسرائيل.

وقال خامنئي أيضاً: «لا ينبغي التقليل من شأن الشر الذي ارتكبه النظام الصهيوني (إسرائيل) قبل ليلتين أو المبالغة فيه». وفسرت هذه التصريحات بأنها إنذار لمسؤولين في الحكومة الإيرانية وصفوا أضرار الهجوم الإسرائيلي بالمحدودة.

من جانبها، أعلنت الولايات المتحدة (الجمعة) نشر قدرات عسكرية جديدة في الشرق الأوسط، من ضمنها وسائل دفاع ضد الصواريخ الباليستية، ومقاتلات وقاذفات ستصل «خلال الأيام المقبلة» من أجل «الدفاع عن إسرائيل»، في تحذير موجه إلى إيران.

«ستُنفَّذ بالتأكيد»

وفي وقت لاحق اليوم، قال نائب قائد «الحرس الثوري»، العميد علي فدوي، إن عملية «الوعد الصادق 3» ردّاً على الهجوم الإسرائيلي «ستُنفَّذ بالتأكيد»، لكنه رفض الإفصاح عن التفاصيل، بما في ذلك توقيت العملية، وفق ما ذكرت وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري».

واستقبل المرشد الإيراني علي خامنئي، أسر قتلى وحدة الدفاع الجوي في الجيش الإيراني، بحضور قائدهم علي رضا صباحي فرد.

وقال الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، إن «الجمهورية الإسلامية لن تترك أي اعتداء على أراضيها وأمنها دون رد».

ونقل موقع الرئاسة قوله خلال اجتماع الحكومة إن «قادة إسرائيل يعلمون أنهم في حال ارتكاب أي خطأ ضد إيران سيتلقون رداً قاسياً». ومع ذلك، أشار إلى أنه «إذا أعادوا النظر في سلوكهم، وقبلوا بوقف إطلاق النار (...)، فقد يخفف ذلك من حدة الرد».

بموازاة ذلك، أجرى وزير الخارجية، عباس عراقجي، مشاورات مع قائد الوحدة البحرية في الجيش الإيراني، شهرام إيراني، في مقر الوزارة الخارجية.

صورة نشرها موقع خامنئي خلال استقباله أسر قتلى الجيش الإيراني اليوم

أزمة دبلوماسية

وفي الرابع من نوفمبر (تشرين الثاني) 1979، بعد أقل من 9 أشهر على الإطاحة بآخر شاه في إيران، اقتحمت مجموعة من المتشددين من أنصار المرشد الإيراني الأول، مقر السفارة الأميركية في طهران، المتهمة بأنها «وكر جواسيس»، واحتجزت 52 أميركياً من دبلوماسيين وموظفين في السفارة رهائن.

ومقابل الإفراج عن الرهائن، طالب منفذو العملية آنذاك واشنطن بتسليم الشاه محمد رضا بهلوي الذي كان يعالج من مرض السرطان في الولايات المتحدة، لتتم محاكمته في إيران.

ولم تنتهِ الأزمة بالإفراج عن الدبلوماسيين الأميركيين الـ52 إلا بعد 444 يوماً؛ ما أدى إلى قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، ولا تزال العلاقات مجمّدة حتى الآن.

ويسيطر «الحرس الثوري» على مبنى السفارة، إذ يقيم فيها معرضاً دائماً معادياً للولايات المتحدة، كما تتمركز قيادة «وحدة الدعاية» في المبنى المذكورة.


مقالات ذات صلة

سباق غربي نحو «هرمز »… وبرلين تطالب بضمانات

تحليل إخباري الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والأميركي دونالد ترمب في "قاعة المرايا" في قصر فرساي التاريخي خلال جولة للرئيسين في بعض قادته

سباق غربي نحو «هرمز »… وبرلين تطالب بضمانات

واشنطن مستعجلة والأوروبيون جاهزون ل«هرمز» وألمانيا تكشف عن شروطها وإيران تمسك بورقة الحل والربط للسير بالمبادرة الأوربية لنزع ألغام المضيق.

ميشال أبونجم (باريس)
شمال افريقيا الرئيس الأميركي دونالد ترمب والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على هامش قمة مجموعة السبع (الرئاسة المصرية)

«الاتفاق الأميركي - الإيراني»: مصر تتطلع لتفاهمات أكثر شمولاً واستدامة

أعربت مصر عن تطلعها أن تشكل خطوة التوقيع على مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران نقطة تحول نحو مرحلة جديدة من التهدئة وبناء الثقة والتعاون

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
كتب هما كاتوزيان

إيران... السلطة المطلقة تحمل في أحشائها بذور فنائها

في فضاء التفكيك الفلسفي لظاهرة الدولة والمجتمع، تتحرَّك القراءة المُعمَّقة لـ«إيران والثورة 2026»، للمؤرِّخ هما كاتوزيان، حيث يعيد صياغة السردية التاريخية...

ندى حطيط
شؤون إقليمية صورة نشرها موقع قاليباف الرسمي من لقائه مع أعضاء الغرفة التجارية الأربعاء

قاليباف: حان وقت انتقال الخندق من الصواريخ إلى الاقتصاد

قال محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الإيراني وكبير المفاوضين مع الولايات المتحدة إن على المسؤولين الإيرانيين أن «يتسلموا الخندق من المقاتلين الواقفين عند منصات

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
الولايات المتحدة​ شعار برنامج الدردشة الآلي «غروك» التابع للملياردير إيلون ماسك يظهر على شاشة هاتف (رويترز) p-circle

واشنطن تكشف أنها استخدمت «غروك» في الحرب على إيران

كشفت الحكومة الأميركية في مذكرة قانونية، أنها استخدمت برنامج «غروك» للذكاء الاصطناعي العائد لمنصة «إكس» المملوكة لإيلون ماسك، في شنّ ضربات على إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

فانس: مرحلة «مفاوضات الأيام الـ60» مع إيران تبدأ اليوم

جي دي فانس نائب الرئيس الأميركي متحدثاً في نيويورك (رويترز)
جي دي فانس نائب الرئيس الأميركي متحدثاً في نيويورك (رويترز)
TT

فانس: مرحلة «مفاوضات الأيام الـ60» مع إيران تبدأ اليوم

جي دي فانس نائب الرئيس الأميركي متحدثاً في نيويورك (رويترز)
جي دي فانس نائب الرئيس الأميركي متحدثاً في نيويورك (رويترز)

أعلن جي دي فانس، نائب الرئيس الأميركي، الخميس، أن مرحلة «مفاوضات الأيام الـ60» مع إيران، التي نصت عليها مذكرة التفاهم بين البلدين، تبدأ اليوم الخميس...

فانس يتحدّث أمام تجمّع انتخابي في نيويورك يوم 17 يونيو 2026 (رويترز)

وقال فانس، خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض: «سنبدأ الأيام الـ60. سنباشر العد التنازلي اليوم» الخميس.

وقال ​إن ‌على ⁠إسرائيل ​احترام عملية ⁠السلام مع إيران، التي ⁠قال ‌إنها جيدة ‌بالنسبة ​إليهم، ‌مضيفاً ‌أن الهجمات التي ‌تسفر عن سقوط قتلى من ⁠المدنيين ⁠في بيروت «غير مقبولة».

وتابع أن جزءاً من أهداف اتفاق السلام ‌بين واشنطن وإيران ‌يتمثل ​في ‌تمكين ⁠الحكومة ​اللبنانية من ⁠إدارة الأمن في جنوب البلاد، بدلاً من جماعة «حزب الله» ⁠المدعومة من ‌إيران.

وأضاف: «ما ​نريده ‌هو أن ‌تتولى الحكومةُ اللبنانية؛ ممثلةُ الشعب اللبناني المنتخبة، إدارة الأمن ‌في جنوب لبنان، بحيث لا يسيطر ⁠(حزب ⁠الله) على البلاد، ولا يشعر الإسرائيليون بالتهديد، وبالتالي لا يشن الإسرائيليون هجمات على جنوب لبنان أو ​بيروت».


سباق غربي نحو «هرمز »… وبرلين تطالب بضمانات

الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والأميركي دونالد ترمب في "قاعة المرايا" في قصر فرساي التاريخي خلال جولة للرئيسين في بعض قادته
الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والأميركي دونالد ترمب في "قاعة المرايا" في قصر فرساي التاريخي خلال جولة للرئيسين في بعض قادته
TT

سباق غربي نحو «هرمز »… وبرلين تطالب بضمانات

الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والأميركي دونالد ترمب في "قاعة المرايا" في قصر فرساي التاريخي خلال جولة للرئيسين في بعض قادته
الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والأميركي دونالد ترمب في "قاعة المرايا" في قصر فرساي التاريخي خلال جولة للرئيسين في بعض قادته

يتضمن الاتفاق الإطار الموقع بين الولايات المتحدة وإيران بندين، ويتناولان مضيق هرمز. وينص البند الرابع على تعهد أميركي برفع الحصار البحري المفروض على إيران «فوراً»، وسحب القوات الأميركية خلال 30 يوماً.

وينص البند الخامس على تعهد إيراني بـ«ضمان المرور الآمن والمجاني» للسفن التجارية خلال فترة 60 يوماً «فقط»، على أن تُستأنف حركة الملاحة بانتظام خلال مدة لا تتجاوز 30 يوماً، وذلك نظراً إلى حاجة إيران إلى إزالة الألغام التي زرعتها.

أما مستقبل المضيق، فمتروك لحوار إيراني - عماني «بالتشاور» مع دول الخليج، من أجل «تحديد آلية الإدارة المستقبلية والخدمات البحرية في مضيق هرمز»، ما يترك الباب مفتوحاً أمام إيران لفرض رسوم مرور تحت مسمى «الخدمات».

وتختلف لهجة الاتفاق الإطار عما ورد في بيان قمة السبع في مدينة إيفيان حول مستقبل مضيق هرمز، إذ جاء فيه: «ونؤكد مجدداً أن حق المرور العابر من دون قيود أو رسوم يشكل ركيزة أساسية للتجارة الدولية. ونتفق على أن المبادرة متعددة الجنسيات والمستقلة والدفاعية التي تقودها فرنسا والمملكة المتحدة يمكن أن تؤدي دوراً مهماً في تسهيل استئناف حركة الملاحة البحرية في مضيق هرمز، من خلال حماية السفن التجارية، وطمأنة شركات الشحن، ودعم التحقق من إزالة جميع الألغام».

ما بين بيان السبع ومضمون الاتفاق الإطار

يتضمن بيان قادة مجموعة السبع، بصرف النظر عن مسألة شروط الإبحار في مضيق هرمز، نقطة مهمة تتعلق بـ«المبادرة متعددة الجنسيات» التي أطلقتها باريس ولندن في أبريل (نيسان) الماضي لضمان «المرور الآمن» في المضيق.

وتشير هذه النقطة إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي كان مستاءً من إحجام الدول الأوروبية والأطلسية عن مساندة القوات الأميركية في جهودها لتأمين حرية الملاحة وسلامتها في هرمز بعد إغلاقه من جانب «الحرس الثوري» منذ الأيام الأولى للحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران التي اندلعت ليل 28 فبراير (شباط)، بات أكثر انفتاحاً على الدور الأوروبي.

وعندما سُئل ترمب في الأيام الأولى من الأزمة عن العرض الأوروبي المتعلق بهرمز، أجاب بنبرة فوقية بأنه «لن يحتاج إلى ذلك». لكن تعاطي القادة الأوروبيين معه، وفي مقدمهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، إلى جانب الحاجة الملحة لإعادة فتح المضيق في أسرع وقت ممكن، والاعتقاد بأن الإيرانيين قد لا يمتلكون القدرات الكافية لإزالة الألغام التي زُرعت في مياهه، دفعه إلى تعديل مقاربته، وهو ما انعكس في البيان الختامي لقمة السبع.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال توقيعه، عن بعد، ليل الأربعاء الإتفاق الأطار المبرم مع الجانب الإيراني ولها خلفهما وزير خارجية فرنسا جان نويل بارو ونظيره الأميركي ماركو روبيو (أ.ف.ب)

وتناول ترمب الدور الأوروبي بالإشارة إلى أهمية إزالة الألغام من المضيق لجعله آمناً أمام الملاحة مجدداً، وتشجيع شركات الشحن على استخدامه، وخفض تكاليف التأمين على السفن العابرة.

وليس سراً أن الأوروبيين، الذين استُبعدوا من المفاوضات الأميركية - الإيرانية، ينظرون إلى الخليج العربي بوصفه البوابة التي قد تمكّنهم من العودة إلى الملف الإيراني. وكان ماكرون قد استبق انطلاق قمة إيفيان بالقول، في مقابلة تلفزيونية بُثت يوم الاثنين، إن المهمة البحرية التي تقودها فرنسا وبريطانيا «يمكن نشرها خلال يومين أو ثلاثة أيام».

وتسعى باريس ولندن إلى إنشاء «مهمة مستقلة عن الولايات المتحدة، ذات طابع دفاعي ومحايد»، بما يسهّل قبولها من مختلف الأطراف. وفي الوقت نفسه، تريد العاصمتان أن تشكل هذه المشاركة وسيلة لإعادة التقارب مع واشنطن، فضلاً عن حماية المصالح الأوروبية في منطقة الخليج.

شروط برلين للمشاركة

رغم تأكيد مصادر رئاسية فرنسية أن ما لا يقل عن 12 دولة جاهزة للمشاركة في هذه المهمة، إلا أن الحقيقة مختلفة بعض الشيء حيث أن جهات لصيقة بالمبادرة أكدت أن خمس دول على الأكثر قادرة عمليا على المشاركة وهي، الى جانب فرنسا وبريطانيا، ألمانيا وإيطاليا وهولندا.

وكانت باريس قد وجهت حاملة الطائرات «شارل ديغول» والقطع البحرية المرافقة لها إلى بحر العرب. وكشفت وزيرة الدفاع الفرنسية كاترين فوتران أن كاسحتي ألغام فرنسيتين غادرتا مرفأ طولون المتوسطي وأبحرتا باتجاه الخليج. واتخذت ألمانيا خطوة مماثلة، فيما جمعت بريطانيا عدداً من قطعها البحرية في المنطقة تحسباً لانتشار سريع. ووفق الرؤية الفرنسية، يتعين نشر قطع بحرية لحماية كاسحات الألغام إذا ساءت الأمور.

وخلال وجوده في بروكسل للمشاركة في اجتماع وزراء دفاع حلف شمال الأطلسي، قال وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث إن دولاً أوروبية «مستعدة للمشاركة» في الجهود الخاصة بمضيق هرمز، من دون أن يغفل الإشارة إلى أن كثيراً من حلفاء واشنطن «خذلوها» عندما طلبت مساعدتهم.

وكشف نظيره الألماني بوريس بيستوريوس، في المناسبة نفسها، أن كاسحتي ألغام ألمانيتين تبحران باتجاه البحر الأحمر، مصحوبتين بقدرات عسكرية متنوعة وقوات حماية. لكنه أضاف أن مهمة إزالة الألغام «ما زالت أمراً مفتوحاً»، مؤكداً الحاجة إلى توافر «إطار قانوني دولي واضح» لإطلاقها.

وفي السياق نفسه، ربط وزير الخارجية الألماني مشاركة بلاده، في حديث لصحيفة «راينيشه بوست»، بتوافر «مجموعة من الشروط»، منها وقف الأعمال القتالية، وتوافق جميع الأطراف على إعادة فتح المضيق، وتلقي ألمانيا «تكليفاً رسمياً»، فضلاً عن موافقة البوندستاغ، البرلمان الألماني.

أما الغطاء الدولي، فيمكن أن يأتي عبر الأمم المتحدة، مضيفاً أنه «يجب أن يكون واضحاً أن كلاً من إيران وسلطنة عمان لا ترفضان انتشار سفننا في مياههما. لا يمكننا ولا نريد تعريض قواتنا المسلحة لأي مخاطر غير ضرورية».

ونبه بيستوريوس إلى أن أموراً كثيرة ستتوقف على مسار المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة خلال الستين يوماً المقبلة. لكنه قال إن برلين «إذا حان الوقت، فستكون مستعدة».

غموض الموقف الإيراني

حتى الآن، لم يصدر أي موقف رسمي من مسقط، لا ترحيباً ولا رفضاً للمبادرة. لكن المؤكد أن الحكومة العمانية لن تعارض مقترحاً يحظى بدعم أميركي وغربي واسع.

غير أن العقدة الأساسية تبقى في الموقف الإيراني، إذ لم يكشف المسؤولون الإيرانيون خلال الأيام الأخيرة عن موقف واضح من المبادرة. وقال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، الاثنين، إنه «أثار» هذا الملف مع نظيره الإيراني عباس عراقجي، من دون أن يكشف عن مضمون المحادثات. في المقابل، أفاد مصدر رئاسي فرنسي بأن إيران «لم تقل نعم ولم تقل لا».

لكن المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي قال الخميس إن إعادة فتح مضيق هرمز تُعد «مسؤولية إيرانية» بموجب مذكرة التفاهم، مشيراً إلى رفض طهران أي مزاعم أو محاولات للتدخل الأجنبي في هذا الملف.

مضيق هرمز وفيه تظهر ، من الجانب العماني، عشرات البواخر الراسية بسبب علاقه منذ عدة أشهر (رويترز)

وفي جميع الأحوال، يصعب فصل تفعيل مهمة إزالة الألغام، التي تدفع باتجاهها مختلف الأطراف وفي مقدمتها الولايات المتحدة، عن مسار الجولة الجديدة من المفاوضات الأميركية - الإيرانية المقرر أن تنطلق الجمعة في سويسرا على مستوى رفيع. كما يربط الأوروبيون المضي في هذه المهمة بالحصول على موافقة إيرانية رسمية وعلنية، ما يجعل موقف طهران عاملاً حاسماً في تحديد مصيرها.

وكانت وكالة «رويترز» قد نقلت الاثنين عن مسؤول إيراني قوله إن أي وجود لقوات أجنبية، سواء لحماية الملاحة أو لإزالة الألغام، «أمر غير مقبول... فهذه مجرد حيلة لجلب قوات بحرية إلى المضيق، ولن يتم قبولها».

كما نقلت عن مسؤول أمني إيراني قوله إن طهران «لا تثق إطلاقاً بالدول الأجنبية»، مضيفاً أن السيطرة على المضيق تعود لإيران، وإلى حد ما لسلطنة عمان.

وبصورة أكثر وضوحاً، تخشى إيران أن يؤدي قبولها بانتشار قوات أوروبية في المضيق تحت عنوان إزالة الألغام إلى تحول هذا الوجود إلى أمر دائم أو طويل الأمد، وهو ما لا ترغب فيه.

وهكذا تتبدى ملامح مسألة معقدة تمسك طهران بأحد أطرافها وتريد ان تجعلها ورقة رابحة بين يديها في هذه المرحلة الجديدة من عملية شد الحبال مع واشنطن.


إسرائيل واثقة من وقوع حرب جديدة مع إيران

امرأة إيرانية تمر أمام جدارية مناهضة لإسرائيل في طهران (رويترز)
امرأة إيرانية تمر أمام جدارية مناهضة لإسرائيل في طهران (رويترز)
TT

إسرائيل واثقة من وقوع حرب جديدة مع إيران

امرأة إيرانية تمر أمام جدارية مناهضة لإسرائيل في طهران (رويترز)
امرأة إيرانية تمر أمام جدارية مناهضة لإسرائيل في طهران (رويترز)

في الوقت الذي ينشغل فيه الإسرائيليون بالاتفاق الإطاري بين الولايات المتحدة وإيران، وسط رأي سائد بأنه سيئ لإسرائيل وللمصالح الغربية عموماً، والإقليمية خصوصاً، كشف النقاب عن اتجاه يسود في قيادة الجيش الإسرائيلي وغيره من أجهزة الأمن في تل أبيب للإعداد لجولة حربية مقبلة حتماً مع إيران. لذلك، يستعد الجيش الإسرائيلي بكل قوته لمواجهة الخطر وخوض المعركة المقبلة المتوقعة.

وحسب ما يجري من مداولات في أروقة دائرة التخطيط الاستراتيجي في الجيش الإسرائيلي، فإن الإسرائيليين يرون أن: «القادة الإيرانيين لا يحترمون الاتفاقيات، كما ظهر في الحرب الأخيرة عدة مرات، ولا يؤمنون حقاً بتعاليم الإسلام الذي يوصي حتى بسابع جار، ولا يكترثون للثمن الذي يدفعه الشعب الإيراني، لذلك فإنهم سيخرقون الاتفاق في أول مناسبة».

فالأحداث الأخيرة، عندما بلغت المفاوضات ذروتها لوقف النار وبدا أن الرئيس الأميركي مصمم على إنهاء الحرب، تعززت الثقة بالنفس، الزائدة أصلاً لدى الإسرائيليين، وبدأوا يعدون للحرب المقبلة. ويُتوقع أنهم سيستغلون فترة المفاوضات لمواصلة مشاريعهم الحربية.

«تصحيح شروط الاتفاق»

بزشكيان يعرض نسخة من «مذكرة التفاهم» الموقعة مع ترمب لإنهاء الحرب (أ.ف.ب)

وبغض النظر عما يدور في الأروقة السياسية الإسرائيلية ومحاولات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو التأثير على الإدارة الأميركية لتصحيح شروط مذكرة التفاهم الموقعة مع إيران، يتضح من تلك المداولات أن الجيش الإسرائيلي يتصرف كما لو أن الحرب مستمرة، ويضع إيران هدفاً استراتيجياً لمخططاته.

ومن مظاهر هذا السلوك أن الجيش الإسرائيلي ضاعف الجهود الاستخبارية لمتابعة ما يجري في طهران، خصوصاً ما تفعله طهران من ترميم قدراتها العسكرية التي تلقت ضربات قاسية خلال الحرب. وتبدو تل أبيب واثقة من أن إيران ستخرق الاتفاق عن طريق وكلائها في لبنان.

وتكشف مداولات الجيش الإسرائيلي عن أنه بمجرد أن تخرق إيران الاتفاق في لبنان سيتم استئناف الحرب بشكل أفضل؛ لأن الجيشين الشريكين، الأميركي والإسرائيلي، سيكونان قد استفادا من التجربة السابقة لتوجيه ضربات أقسى لإيران.

المعروف أن قسم التخطيط الاستراتيجي في الجيش الإسرائيلي هو الجهة المكلفة برصد التطورات المؤثرة على إسرائيل ووضع الخطط لمواجهتها في السنوات المقبلة، على المديين القريب والبعيد. وهو يعمل بغض النظر عن التحركات السياسية والالتزامات التي يفرضها التعاون الوثيق مع الولايات المتحدة، مع أنه يهتم بإشراك الأميركيين في تقديراته وخططه.

إيران هدف مركزي

صورة نشرها الجيش الإسرائيلي لرئيس الأركان إيال زامير خلال متابعة الضربات على إيران في غرفة العمليات خلال مارس الماضي

وعندما يضع الجيش الإسرائيلي إيران هدفاً مركزياً، تعمل ماكينته الضخمة على متابعة كل حراك داخل إيران. ويتضح من المداولات أن الجيش الإسرائيلي يرى أن طهران لم تتخل عن أهدافها ضد إسرائيل، بما في ذلك «تدميرها».

كما يرى أن إيران لا تخفي هذا الهدف، حتى وهي في عز المفاوضات مع الأميركيين للتوصل إلى اتفاق سلام شامل. فالدولة العبرية خارج حسابات السلام الإيرانية.

والمعروف كذلك أن الحكومة الإسرائيلية، ولأسباب سياسية داخلية، تتعامل مع التفاهمات الأميركية - الإيرانية بنظرة سلبية. وتعارض أي مفاوضات مع طهران، وتقول إن أي اتفاق نجم وينجم عنها سيكون سيئاً لأن مجرد الحوار مع «الحرس الثوري» الإيراني يقويه.

وتجد تل أبيب في مذكرة التفاهم «تنازلات أميركية غير مفهومة»، لكن في خطابها الرسمي لا تنتقد الاتفاق وتحاول الامتناع عن إغضاب الرئيس ترمب. وكما قال نتنياهو لوزرائه، بعد الكشف عن الاتفاق: «أستطيع مط الحبل وشده ولكنني لا أريد أن أقطعه».

في المقابل، يعمل الجيش الإسرائيلي بهدوء كما لو أنه لا يوجد اتفاق. ومع أنه يفضل أن تكون الحرب المقبلة أيضاً بشراكة كاملة مع الجيش الأميركي، فإنه يستعد أيضاً لخوض الحرب المقبلة وحده، وربما بدعم أميركي ولو من بعيد، مثل المساهمة في اعتراض الصواريخ الإيرانية قبل وصولها إلى إسرائيل، وتزويد المقاتلات الإسرائيلية بالوقود في الجو، وتزويد تل أبيب بالمعلومات الاستخبارية وبيعها أسلحة حديثة، مثل القنابل الذكية وغيرها.

وفي ضوء التقديرات في دائرة التخطيط الاستراتيجي، يتم إشراك الصناعات الحربية الإسرائيلية بالمعطيات حتى تهتم بتطوير الأسلحة الحديثة وسد النقص الذي يمكن أن ينجم عن تجنب واشنطن المشاركة في الحرب.