قرية من العصر البرونزي... أحدث اكتشافات «العُلا» الأثرية

مسؤول في «الهيئة الملكية» لـ«الشرق الأوسط»: يجب إعادة كتابة تاريخ الجزيرة العربية

إعادة بناء افتراضية ثلاثية الأبعاد لأطلال قرية النطاة من العصر البرونزي استناداً إلى أدلة ودراسات أثرية نُشرت حديثاً (مشروع خيبر عبر العصور)
إعادة بناء افتراضية ثلاثية الأبعاد لأطلال قرية النطاة من العصر البرونزي استناداً إلى أدلة ودراسات أثرية نُشرت حديثاً (مشروع خيبر عبر العصور)
TT

قرية من العصر البرونزي... أحدث اكتشافات «العُلا» الأثرية

إعادة بناء افتراضية ثلاثية الأبعاد لأطلال قرية النطاة من العصر البرونزي استناداً إلى أدلة ودراسات أثرية نُشرت حديثاً (مشروع خيبر عبر العصور)
إعادة بناء افتراضية ثلاثية الأبعاد لأطلال قرية النطاة من العصر البرونزي استناداً إلى أدلة ودراسات أثرية نُشرت حديثاً (مشروع خيبر عبر العصور)

أعلنت الهيئة الملكية لمحافظة العلا، في مؤتمر صحافي في العاصمة السعودية الرياض، اكتشافاً فريداً من نوعه لقرية أثرية من العصر البرونزي في واحة خيبر، شمال غربي السعودية، ضمن بحثٍ أثري جديد نُشر في مجلة «بلوس ون» العلمية المتخصصة.

وقال محافظ الهيئة الملكية لمحافظة العلا، الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، إن الاكتشاف الأثري «يبرز أهمية السعودية في مجال الآثار على الصعيد الدولي، وما تكتنزه أرضها من عمق حضاري، يعزّز من جهودها في حماية التراث الثقافي والتاريخي»، مشيراً في الوقت ذاته إلى أهمية تبادل المعرفة والخبرات مع العالم لتعزيز الوعي بالتراث الإنساني المشترك.

وعدّ أن هذا الاكتشاف يؤكد التزام بلاده بـ«الحفاظ على التراث العالمي وتعزيز التراث الثقافي، وفقاً لما نصت عليه رؤية السعودية 2030، مع أهمية تعزيز الشراكات الدولية لتقديم هذا الإرث الغني إلى الأجيال القادمة والعالم».

صورة جوية تُظهر قرية النطاة حيث يُغطى قسم كبير منها بالكتل البازلتية التي أخفت القرية لقرون (مشروع خيبر عبر العصور)

من جانبه تحدّث نائب الرئيس للثقافة في الهيئة الملكية لمحافظة العلا، الدكتور عبد الرحمن السحيباني، لـ«الشرق الأوسط»، قائلاً إن هذه القرية «تُعيد طرح التساؤل فيما يخص الاستقرار في شمال غربي الجزيرة العربية، والاستقرار في الجزيرة العربية إلى فترات أقدم بكثير مما كنا نعتقد سابقاً، وأيضاً السور الذي أحاط بهذه القرية، والممرات الجنائزية التي وصل عددها إلى الآلاف في خيبر، وتتصل بالواحات الأخرى المسورة في العلا أو في تيماء».

إعادة كتابة تاريخ الجزيرة العربية

وسلّط السحيباني الضوء على أهمية هذه الاكتشافات بأنها «تكمن في ضرورة أن نعيد النظر مرة أخرى في تاريخ الجزيرة العربية، وأنها لم تكن صحراء خالية، ولم تنشأ ولم تزدهر إلا بعد مرور الطرق التجارية في الألف الأول قبل الميلاد»، موضحاً أن «الجزيرة العربية كانت مركزاً حضارياً مهماً جداً، ولعبت دوراً مهماً في نشأة الحضارة والاستقرار الإنساني».

وطالب السحيباني بإعادة كتابة تاريخ الجزيرة العربية، معللاً: «يجب أن ننظر إلى هذا الاكتشاف مع غيره من الاكتشافات الأخرى في الجزيرة العربية بأكملها مع ما يُكتشف خارج الجزيرة العربية من تواصل حضاري لإعادة كتاب تاريخ الجزيرة الذي حان وقته الآن بعد هذا العمل الذي نقوم به في الهيئة مع الشركاء المحليين والدوليين كافّة».

«خيبر عبر العصور»

وأظهر الاكتشاف الذي جرى في إطار مشروع «خيبر عبر العصور» -وضم فريق البحث، بالإضافة إلى الدكتور غيوم شارلو، مديرة المسوحات الأثرية في الهيئة الملكية لمحافظة العلا الدكتورة منيرة المشوح، والمؤرخ صيفي الشلالي من أهالي خيبر- الانتقال من حياة الرعي المتنقلة إلى الحياة الحضرية المستقرة في المنطقة خلال النصف الثاني من الألفية الثالثة قبل الميلاد، مما يُغيّر من المفاهيم السابقة بأن المجتمع الرعوي والبدوي كان النموذج الاجتماعي والاقتصادي السائد في شمال غربي الجزيرة العربية خلال العصر البرونزي المبكر والمتوسط.

خيبر وتيماء

وتشير الدراسة إلى أن مناطق مثل خيبر كانت مراكز حضرية مهمة تدعم استقرار مجتمعاتها بشكل دائم، خصوصاً مع ظهور الزراعة فيها، فضلاً عن كونها مراكز للتجارة والتعاملات مع المجتمعات المتنقلة، وكان لظهور هذا النمط الحضري أثر كبير في النموذج الاقتصادي الاجتماعي في المنطقة.

مخطط لمسكنين من قرية النطاة (مشروع خيبر عبر العصور)

وتُظهر الأدلة أنه على الرغم من وجود عدد كبير من المجتمعات الرعوية المتنقلة في شمال غربي الجزيرة العربية في العصر البرونزي، فإن المنطقة كانت تضم عدداً من الواحات المسورة المتصلة مع بعضها، والمنتشرة حول المدن المحصّنة مثل تيماء.

ووفقاً لمسؤولين في الهيئة الملكية لمحافظة العلا، تُعد تيماء واحة في شمال غربي الجزيرة العربية، وتتميّز بتاريخ حافل بالاكتشافات من العصر البرونزي، وُيعتقد أنها أرض آخر ملوك بابل.

قرية النطاة

وتقدّم القرية المكتشفة التي تُدعى النطاة، دليلاً على وجود تقسيم واضح ضمن الحصون والمدن لمناطق مخصصة للسكن وأخرى جنائزية، ويعود تاريخ القرية إلى نحو 2400 - 2000 قبل الميلاد وحتى 1500 - 1300 قبل الميلاد، وبلغ عدد سكانها 500 شخص ضمن مساحة 2.6 هكتار، مع وجود سور حجري بطول 15 كيلومتراً يحيط بواحة خيبر لحمايتها.

وتمت الدراسة بوساطة الهيئة الملكية لمحافظة العلا، بالتعاون مع «الوكالة الفرنسية لتطوير محافظة العلا»، و«المركز الوطني الفرنسي للبحوث العلمية»، ووفقاً للمسؤولين في الهيئة، يتولّى قسم الآثار والحفظ والمقتنيات في الهيئة الملكية لمحافظة العلا إدارة واحد من أكبر برامج البحث الأثري في العالم، في إطار جهوده لتعزيز الوعي العالمي حول العلا، بوصفها وجهة عالمية للتراث الثقافي.

وتقع واحة خيبر على أطراف حقل حرة خيبر البركاني، وتشكّلت عند التقاء ثلاثة أودية في منطقة جافة، ووجدت قرية النطاة في الأطراف الشمالية للواحة تحت أكوام من صخور البازلت حيث كانت مدفونة لآلاف السنين.

منطقة سكنية في قرية النطاة باتجاه الغرب (مشروع خيبر عبر العصور)

وتمكّن فريق البحث من تحديد الموقع الأثري في أكتوبر (تشرين الأول) 2020، إلا أنه كان من الصعب تمييز هياكل القرية وتخطيطها، وفي فبراير (شباط) 2024، استعان الفريق بعمليات مسح ميداني وأعمال بحث مخصصة وتصوير عالي الدقة؛ لفهم ما يكمن تحت السطح، ومن المتوقع أن تُسهم عمليات التنقيب الأكثر شمولاً في المستقبل في تقديم صورة أوضح عن الموقع.

ملامح من حياة سكان «النطاة»

وترسم الدراسة صورة أولية لملامح حياة سكان قرية النطاة؛ حيث كانوا يقيمون في مساكن تقليدية من عدة أدوار، وكانوا يخصصون الدور الأرضي للتخزين في الغالب، في حين كانت معيشتهم في الطابقين الأول أو الثاني، وكانت الطرقات بين المساكن التي تقود إلى مركز القرية ضيقة، وكانوا يدفنون موتاهم في مدافن ومذيلات برجية متدرجة؛ مما يشير إلى علو مكانة المدفون من خلال وضع قطعٍ ثمينة في بعض المدافن مثل الفخار، أو الأسلحة المعدنية مثل الفؤوس والخناجر، وكان سكان القرية يستخدمون الخرز في ملابسهم، ويصنعون الفخار ويتاجرون به، وكانوا يعملون بالمعادن، ويزرعون الحبوب ويربون الكائنات الحية؛ حيث كان النظام الغذائي المحلي يعتمد بشكل كبير على الأغنام والماعز، ويظهر تعاون السكان لتعزيز أسوارهم بالحجارة الجافة والطين.

سلسلة من الاكتشافات

وتُضاف الاكتشافات الجديدة إلى سلسلة من الدراسات التي بدأت منذ عام 2018 باستكشاف معالم وخبايا العلا وخيبر القديمة، بما في ذلك المنشآت الحجرية الضخمة المعروفة باسم «المستطيلات»، و«المصائد الحجرية»، و«الطرق الجنائزية» الطويلة التي ربطت بين المستوطنات والمراعي عبر ممرات محاطة بالمدافن، بالإضافة إلى المساكن المعروفة باسم «الدوائر الحجرية المنصوبة».

وتشير هذه الدراسات في مجملها إلى أن المجتمعات في العصر البرونزي في شمال غربي شبه الجزيرة العربية كانت أكثر تعقيداً وارتباطاً بالمنطقة الأوسع مما كان يُعتقد سابقاً.

وتشرف الهيئة الملكية لمحافظة العلا على 10 مشروعات أثرية، بمشاركة 100 عالم آثار ومختص في العلا وخيبر؛ ليُسهم الاكتشاف في ترسيخ مكانة العلا والمملكة بوصفها مركزاً عالمياً للأبحاث الأثرية والحوار الثقافي، ويأتي الإعلان بعد انعقاد «ندوة العلا العالمية للآثار 2024» التي أُقيمت خلال الأسبوع الماضي، وشهدت مشاركة مجموعة متعددة التخصصات من علماء الآثار وخبراء التراث الثقافي من جميع أنحاء العالم.


مقالات ذات صلة

في العلا... حكايات «السينما عن قرب»

يوميات الشرق العلا تنتظر عشاق الأفلام في تجربة سينمائية جديدة (الشرق الأوسط)

في العلا... حكايات «السينما عن قرب»

في العلا السعودية، حيث تحمل الصخور والواحات طبقات من الحكايات، تفتح السينما نافذة أخرى تطل على المكان، وتجمع الجمهور بصنّاع الأفلام حول قصصهم وتجاربهم...

إيمان الخطاف (الدمام (شرق السعودية))
يوميات الشرق سماء العُلا المرصعة بالنجوم تعكس انخفاض التلوث الضوئي ووضوح الأجرام السماوية ليلاً (واس)

العُلا تحرس زرقة سمائها من الواحات إلى النجوم بمنظومة بيئية مستدامة

تبني العُلا منظومة بيئية مستدامة تجمع مراقبة التلوث واستعادة الغطاء النباتي وحماية سمائها من التلوث الضوئي.

«الشرق الأوسط» (العلا)
يوميات الشرق المشاركون في اجتماع اللجنة الوزارية السعودية الفرنسية بشأن العلا (واس)

اجتماع سعودي - فرنسي يناقش مسارات التعاون المستقبلية بشأن العلا

ناقشت «اللجنة الوزارية السعودية - الفرنسية المشتركة بشأن العلا»، الاثنين، مسارات التعاون المستقبلية، بما يعكس متانة العلاقات بين البلدين.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الخليج محمد بن سلمان وماكرون خلال زيارة الأخير إلى الرياض - ديسمبر 2024 (أ ب)

9 زيارات على خط الرياض - باريس… من التنسيق إلى شراكة استراتيجية

تسجّل زيارة الدولة التي يقوم بها الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، إلى فرنسا، المحطة التاسعة في مجموع زيارات البلدين

غازي الحارثي (الرياض)
يوميات الشرق العلا تحتضن مشاريع سينمائية جديدة بدعم من «صندوق البحر الأحمر» و«فيلم العلا» (واس)

شراكة بين «صندوق البحر الأحمر» و«فيلم العلا» لدعم الإنتاج السينمائي

عزز صندوق البحر الأحمر، أحد برامج مؤسسة البحر الأحمر السينمائي، و«فيلم العلا» شراكتهما الاستراتيجية لدعم مجموعة من المشاريع السينمائية.

«الشرق الأوسط» (العلا)

دواء لعلاج الأطفال المصابين بالتقزم يثير جدلاً أخلاقياً

يأمل الآباء أن يُسهم الدواء في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة (بكسلز)
يأمل الآباء أن يُسهم الدواء في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة (بكسلز)
TT

دواء لعلاج الأطفال المصابين بالتقزم يثير جدلاً أخلاقياً

يأمل الآباء أن يُسهم الدواء في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة (بكسلز)
يأمل الآباء أن يُسهم الدواء في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة (بكسلز)

أثار دواءٌ يُساعد الأطفال المصابين بالنوع الأكثر شيوعاً من التقزم على زيادة طولهم جدلاً أخلاقياً واسعاً. ففي حين يأمل الآباء أن يُسهم هذا الدواء، إلى جانب زيادة الطول، في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة، يخشى المنتقدون أن يُوحي علاجٌ يركز على زيادة الطول بأنَّ التقزم حالةٌ تستدعي العلاج.

ويُستخدم دواء «فوسوريتيد»، الذي يُباع تحت اسم «فوكسزوغو»، لعلاج الأطفال المصابين بالودانة، وهي حالة وراثية تُعيق نمو العظام. وقد تمت الموافقة عليه في أوروبا عام 2021، وهو مُصرّحٌ به الآن للأطفال من عمر أربعة أشهر، في وقت لا تزال عظامهم في طور النمو.

وتُشير التجارب السريرية إلى أن «فوسوريتيد» يُسرِّع النمو. لكن يبقى من غير المؤكد ما إذا كان بإمكانه الوقاية من مضاعفات طبية خطيرة أو تحسين جودة الحياة على المدى الطويل.

ويثير هذا الأمر تساؤلات صعبة حول معايير العلاج الناجح، ومدى حقّ الأشخاص المصابين بالتقزم الغضروفي في تحديد نتائجه.

وأصبحت الأدلة على أن دواء «فوسوريتيد» يزيد النمو راسخة. ويأمل الآباء أن يُسهم العلاج أيضاً في الحدّ من بعض المضاعفات الطبية المرتبطة بالتقزم الغضروفي. وتُظهر نتائج تجربة أُجريت في عام 2026 مؤشرات أولية على أن العلاج المبكر بـ«فوسوريتيد» قد يُحسِّن نمو العمود الفقري. كما وجدت دراسة أخرى انخفاضاً في معدلات بعض المضاعفات بين الأطفال في تجارب «فوسوريتيد» مقارنة بالبيانات المنشورة عن الأشخاص الذين لم يتلقوا الدواء. هذه النتائج واعدة، لكنها لا تُثبت بعد ما إذا كان العلاج سيمنع المضاعفات الخطيرة طوال الحياة. تابعت دراسة العمود الفقري الأطفال لمدة عام واحد فقط، وشملت أعداداً قليلة نسبياً.

ووفق مقال مشترك لكل من إيرين بريتشارد، المحاضرة الأولى في دراسات الإعاقة بجامعة ليفربول هوب الإنجليزية، وسامانثا ليلي، مدرّسة الصحة والتنمية الاجتماعية بجامعة ديكين الأسترالية، نُشر، الأربعاء، على موقع «كونفيرزيشين»، تُصعّب الدراسات الصغيرة تحديد ما إذا كانت الاختلافات تعكس تأثيرات علاجية حقيقية، خصوصاً فيما يتعلق بالمضاعفات النادرة.

ووفق المقال، توجد أيضاً أسباب تدعو إلى الحذر عند افتراض أن بدء العلاج مبكراً جداً سيمنع حدوث مضاعفات خطيرة.

أظهرت الأبحاث التي أُجريت على أشخاص مصابين بالتقزم الغضروفي أنهم قد يواجهون صعوبات تتعلق بالصحة والوظائف البدنية، إلى جانب الحواجز الاجتماعية المرتبطة بالعيش في عالم مصمم وفقاً لأجسام متوسطة الطول.

وكما أوضحت الباحثتان، فإن تجربة تلقي العلاج تستحق اهتماماً خاصاً أيضاً. يتطلب دواء «فوسوريتيد» حقناً يومية طوال سنوات النمو. ووجدت دراسة أُجريت على سبع عائلات لأطفال تتراوح أعمارهم بين سنتين وأربع سنوات أن الحقن قد تُسبب الخوف والألم والضيق لدى الأطفال.

ووفق المقال، تكتسب هذه التساؤلات أهمية خاصة بالنظر إلى تاريخ العلاجات التي تهدف إلى زيادة الطول. على سبيل المثال، لا تزال جراحة إطالة الأطراف مثيرة للجدل. فقد وجدت مراجعة منهجية أُجريت عام 2026 أنها قد تُحقق زيادات كبيرة في طول الأطراف، ولكنها تتطلب علاجاً طويل الأمد وتنطوي على مخاطر عالية لحدوث مضاعفات.

ويُولد نحو 80 في المائة من المصابين بالتقزم الغضروفي لآباء ذوي طول متوسط. وهذا ما يجعل تجارب البالغين المصابين بهذه الحالة ذات قيمة، خاصة عند تفكير العائلات في العلاج. ويتخذ الآباء عادةً قرارات بالموافقة على الرعاية الصحية لأطفالهم الصغار جداً. وهم في حاجة إلى معلومات واضحة تُفرِّق بين الفوائد المؤكدة والنتائج المرجوة أو غير المؤكدة.

لذا؛ يتجاوز النقاش الأخلاقي حول «فوسوريتيد» مجرد مسألة ما إذا كان الدواء يزيد من طول الأطفال، ليشمل أيضاً الفوائد الصحية التي تم إثباتها، وكيف يؤثر العلاج على الأطفال يومياً، ومن له الحق في تحديد مدى نجاحه.


«الزار»... طقس شعبي مصري يتطلع لقوائم الـ«يونيسكو»

«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)
«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)
TT

«الزار»... طقس شعبي مصري يتطلع لقوائم الـ«يونيسكو»

«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)
«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)

يستقر «الزار» في المرويات الشعبية كأحد الطقوس العلاجية المرتبطة بالغناء والموسيقى وربما التعاويذ القديمة، لكن تظل سمات «الزار» متفردة بأدواتها من الدفوف والبخور وحلقات الرقص المتصاعدة لتشكل طابعاً خاصاً في بيئات معينة. ومع تقلص حضور هذه الظاهرة، تسعى أبحاث علمية مصرية لتوثيقها ضمن قوائم التراث الثقافي العالمي غير المادي بمنظمة «اليونيسكو».

في هذا الإطار، عرضت الدكتورة دينا سليمان، المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا» بحثاً بعنوان «الأصول الأثرية لطقوس الأداء الموسيقي الاستشفائي واستمراريتها الثقافية» ضمن مؤتمر عقده المجلس الأعلى للثقافة في مصر تحت عنوان «التراث الثقافي غير المادي إلى الأمام... الفرص والتحديات» بمناسبة اليوم العالمي للتراث.

وربط البحث بين طقوس «الزار» في الثقافة الشعبية الحديثة وامتداد ممارساته أو الأشكال الشبيهة به في الطقوس الاستشفائية والعلاجية بمصر القديمة، داعية في نهاية بحثها إلى توثيق النظم الإيقاعية والشفهية لفرائق «الزار» بمصر، وتسجيلها ضمن قاعدة بيانات التراث غير المادي. وضم هذا العنصر «الزار» الذي يمثل جزءاً من الممارسات والطقوس الشعبية لقائمة الصون العاجل للتراث غير المادي بـ«اليونيسكو».

جانب من الطقوس المصرية القديمة (البحث المقدم بمؤتمر التراث اللامادي)

وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن «دراسة (الزار) المعاصر في ضوء الممارسات الطقسية في مصر القديمة تفتح مجالاً مهماً لفهم جذور بعض المعتقدات الشعبية وتحولاتها عبر الزمن. فالمجتمع المصري القديم عرف طقوساً ارتبطت بالموسيقى والإيقاع والرقص والإنشاد، ولم تكن هذه العناصر مجرد وسائل للتعبير الفني، بل شاركت في سياقات دينية واحتفالية متعددة، ارتبط بعضها بعبادة الآلهة وبالتصورات المتعلقة بالحماية والتطهير والتعامل مع القوى غير المرئية».

وتتابع: «تأتي الإلهة حتحور في مقدمة الشخصيات الدينية التي تستحق التوقف عندها في هذا السياق؛ فقد ارتبطت بالموسيقى والرقص والدفوف والاحتفالات، وظهرت في مناظر ونصوص تعكس حضور هذه العناصر في الممارسات الدينية المصرية القديمة. ومن هنا يمكن طرح تساؤلات حول أوجه التشابه بين بعض هذه الممارسات وبين (الزار)، الذي تتداخل فيه الإيقاعات المتكررة والرقص الجماعي والغناء وأداء طقوس ذات دلالات اعتقادية، في إطار التعامل مع ما يُعتقد أنه تأثير للأرواح أو القوى غير المرئية».

ورصدت الباحثة أوجه التشابه بين الطقوس المصرية القديمة والمظاهر الطقسية لـ«الزار» الحديث دون أن تقطع بالتطابق بينهما ولكن لفتح الباب لمعرفة الامتدادات التاريخية لهذه الفكرة وتأثيراتها وتمثلاتها المعاصرة.

د. دينا سليمان صاحبة البحث عن «الزار» وأصوله المصرية القديمة (الشرق الأوسط)

وقالت إن «مفهوم التطهير والحماية من القوى المؤذية أو استرضائها يمثل جانباً مهماً في دراسة المعتقدات القديمة والطقوس الشعبية، فقد عرفت مصر القديمة منظومة متنوعة من الممارسات الوقائية، شملت التعاويذ والتمائم والطقوس المرتبطة بالحماية من الأخطار، وهو ما يعكس أهمية التعامل مع العالم غير المرئي في التصورات الدينية آنذاك. أما (الزار)، فتتباين تفسيراته وممارساته بحسب البيئات والتقاليد المحلية، ولذلك ينبغي دراسة عناصره في سياقها الخاص، دون افتراض تطابقها مع الطقوس المصرية القديمة».

وتوضح أن أهمية هذا الموضوع تكمن في ضرورة التمييز بين التشابه في الأداء الطقسي والاستمرارية التاريخية الفعلية. ومن ثم، «فإن البحث في العلاقة بين طقوس مصر القديمة و(الزار) لا يقتصر على المقارنة الشكلية، بل يسعى إلى فهم كيفية تشكل الممارسات الطقسية وتغير وظائفها ودلالاتها عبر العصور»، على حد تعبيرها.

مجموعة آلات فرق «الزار» التراثية بمصر (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)

وتؤكد أن قراءة «الزار» من منظور الآثار وتاريخ الأديان تمنحنا فرصة لفهم جانب من الموروث الشعبي المصري، وتطرح أسئلة مهمة حول الذاكرة الثقافية وإعادة إنتاج المعتقدات والممارسات. كما تؤكد أن دراسة الحضارة المصرية القديمة لا تقتصر على المعابد والمقابر والنصوص الدينية، بل تمتد إلى تحليل الطقوس والسلوكيات الإنسانية التي ارتبطت بالمعتقد، مع الالتزام بالفصل بين ما تثبته الأدلة ولا يزال في نطاق الفرضيات البحثية.

ونجحت مصر في سنوات سابقة في تسجيل 11 عنصراً ضمن قوائم «اليونيسكو» للتراث غير المادي، من بينها «السيرة الهلالية» و«الاحتفالات المرتبطة برحلة العائلة المقدسة في مصر» و«الحناء» و«الخط العربي»، وغيرها من العناصر.


مدفن ابن حجر العسقلاني في مصر يظهر بحلة جديدة بعد ترميمه

ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)
ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)
TT

مدفن ابن حجر العسقلاني في مصر يظهر بحلة جديدة بعد ترميمه

ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)
ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)

بعد سنوات من الإهمال أوصلته لحالة من التدهور كادت تؤدي إلى ضياعه وتهدمه تماماً عاد مدفن الإمام ابن حجر العسقلاني، الموجود في «قرافة الإمام الشافعي»، صاحب المصنفات الكثيرة وأشهرها «فتح الباري بشرح صحيح البخاري»، للظهور بحلة تليق به بعد ترميمه.

وكان قد وصف الباحث في شؤون القرافة والمدافن الإسلامية، إبراهيم طايع، تلك الأيادي التي قامت بالترميم بأنها «خبيرة وجديرة بالتصدي لمقابر تراثية أخرى للعديد من الأئمة والمحدثين وكبار العلماء والشخصيات البارزة في التاريخ الإسلامي»، مثل «مقبرة الإمام العز بن عبد السلام» التي لا تبعد خطوات من مدفن ابن حجر العسقلاني.

وقال طايع لـ«الشرق الأوسط» إن حالة المدفن قبل خمس سنوات كانت لا تليق بشيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني، ويضيف: «كنا عندما نذهب لزيارته نراه في وضع متردٍّ. ظهر المدفن بمرور الزمن واستمرار الإهمال بلا أبواب بعد اختفائها، ودون نوافذ، كما تهالكت الجدران والسقف، وكان يمكن أن تضيع معالم المقبرة لولا بقاء الشاهد والتركيبة الحجرية المكتوب عليها اسمه، والعمامة الحمراء التي تقلدها كشيخ للإسلام، والتي تشير إلى مكانته في عصره».

وكانت الجدران المتهالكة حسب قول طايع «لا تشير إلى مقبرة شخصية بقيمة ابن حجر العسقلاني؛ فلم يكن هناك شيء يشير له من الخارج سوى كلمات مكتوبة بخط أزرق وضعها أحدهم على الحائط الخارجي للتعريف به، وكان السقف الموجود من عروق الخشب المتهالكة، وظل الحال هكذا حتى قام مجموعة من الطلبة الدارسين في الأزهر التابعين لبعض دول شرق آسيا بتنظيفه وترميمه وأعادوا له بعضاً من رونقه، وظل الأمر على حاله حتى كانت منحة معهد الدراسات الكلاسيكية بالمملكة المتحدة، بإشراف وزارة الأوقاف، وتمت إعادة بنائه وترميمه بمعرفة خبير الترميم الدكتور إسماعيل أنور الحسيني، لكن المؤسف أن المرممين طمسوا اسم الخطاط الذي كتب شاهد تعريف مقبرة الشيخ».

مدفن ابن حجر العسقلاني قبل الترميم (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)

ولفت طايع إلى أن الزخارف التي اعتمدها المرممون جاءت مناسبة لزمن ابن حجر العسقلاني، في العصر المملوكي، وجاءت على درجة عالية من الإتقان، وقد استخدم المرممون في تنفيذها مواد بألوان قادرة على مقاومة المطر وعوامل الزمن، وهو ما منح المدفن نوعاً من البهاء وأعاده لما كان عليه حين تُوفي الإمام قبل 6 قرون، ويضيف: «لا يساوي مدفن ابن حجر العسقلاني في مظهره بعد ترميمه سوى قبة الإمام الشافعي؛ فقد تصدى لها خبراء على مستوى لائق أتقنوا مراحل الترميم، ما جعل ظهور القبة والمدفن في النهاية بما يليق بالمكانة الكبيرة للإمامين الراحلين».

وُلد الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني بمدينة الفسطاط زمن المماليك، سنة 773 هـجرية، وتُوفي في ذي القعدة سنة 852 هـجرية، وخلال حياته تولى مشيخة الحديث وتدريس الفقه بأماكن من الديار المصرية، وتولى نيابة القضاء بمصر مدة، ثم أعرض عنها، وفوّض إليه الملك المؤيد القضاء بالمملكة الشامية، فأصر على الامتناع، وفي عام 827 هـجرية فوّض إليه الملك الأشرف برسباي القضاء بالقاهرة وما معها، فأصبح قاضي القضاة الشافعية بالديار المصرية، واستمر حتى عام 852 هجرية. كما تولى الإشراف على مكتبة المدرسة المحمودية، والإفتاء لمدة 41 عاماً. وخطب في عدة أماكن بالقاهرة وخارجها، من بينها الجامع الأزهر وجامع عمرو بن العاص والقلعة. ويعد ابن حجر العسقلاني، حسب ما ذكرته دار الإفتاء المصرية على صفحتها الرسمية، من المكثرين في التصنيف، حتى إنه يصعب حصر جميع مؤلفاته، وذكر السخاوي ما يزيد على 270 عنواناً لمؤلفاته، وكان أولها «المائة العشارية» الذي ألّفه سنة 796 هـجرية وعمره ثلاث وعشرون سنة، وأشهرها «فتح الباري بشرح صحيح البخاري»، ثم توالت بعد ذلك كتبه التي منها «إتحاف المهرة بالفوائد المبتكرة من أطراف العشرة»، و«لسان الميزان»، و«الإصابة في تمييز الصحابة»، و«رفع الإصر عن قضاة مصر»، و«بلوغ المرام من أدلة الأحكام».