ماريا كالاس والموضة... كيف تحول حب من طرف واحد إلى عشق عابر للأجيال

افتتان العالم بها صوتاً وصورةً لا يزال مستمراً

كانت روح ماريا تحوم في قصر غارنييه بكل تجلياتها (ستيفان رولان)
كانت روح ماريا تحوم في قصر غارنييه بكل تجلياتها (ستيفان رولان)
TT

ماريا كالاس والموضة... كيف تحول حب من طرف واحد إلى عشق عابر للأجيال

كانت روح ماريا تحوم في قصر غارنييه بكل تجلياتها (ستيفان رولان)
كانت روح ماريا تحوم في قصر غارنييه بكل تجلياتها (ستيفان رولان)

عقود مرت على وفاتها، ولم تُسدل الستارة بعد عن السوبرانو ماريا كالاس. لا يزال صوتها يصدح فيُثير مشاعر تثير المواجع حيناً والسعادة حيناً آخرا. قصة حياتها أيضاً لا تقل إلهاماً. تحاكي في الكثير من تفاصيلها تراجيدية الشخصيات التي تقمصتها.

كل هذا يؤجج فتيل الافتتان العالمي بها، سواء في السينما أو الموضة. تقول النجمة أنجلينا جولي التي تؤدي شخصيتها في فيلم «ماريا» الصادر حديثاً، إنه يتناول المرحلة الأخيرة من حياتها. مرحلة جد معقدة من حياتها عاشت فيها وحيدة في شقتها بباريس، تجتر ذكريات الماضي، بين الأمراض وانحسار الأضواء والحب، الذي كان إثر زواج حب عمرها، الملياردير أرسطوطل أوناسيس من غريمة لم تكن في الحسبان، جاكلين كينيدي. توفيت ماريا شابة بالمعايير الحالية عن عمر لا يتعدى الـ53. ومع ذلك خلّفت لنا أرشيفاً ضخماً، صوتاً وصورة.

لا تزال تُلهب خيال المصممين بأسلوبها على المسرح وخارجه (غيتي)

وإذا كان الصوت لا نقاش عليه، فإن الصور تؤكد مدى تطور أسلوبها من مجرد عاشقة للموضة إلى أيقونة تلهم المصممين على مدار السنوات.

بداية حُب من طرف واحد

بدأت علاقة الحب بينها وبين الموضة فاترة، إلى حد القول إنه كان حباً من طرف واحد. فقد ظلت تعاني من الوزن الزائد طوال سنوات الصبا. فقط في الخمسينات، نجحت في إنقاص وزنها بنحو 30 كيلوغراماً لتفتح صفحة جديدة مع الموضة. في هذه الفترة تسابق مصممون شباب من عصرها، مثل كريستيان ديور والراحل إيف سان لوران لكسب ودها ورضاها. إيف تحديداً ربطتها به علاقة صداقة، إلى حد أنها قدمت له دعوة شخصية لحضور أول حفل لها في أوبرا غارنييه عام 1958. من جانبه كان مبهوراً بها. وصفها في أحد تصريحاته بـ«ديفا كل الديفات». كان قصده إيجابياً وليس سلبياً، لما كانت تتمتع به من أسلوب درامي لكن يشي بحس فني أنيق.

هذا الأسلوب التقطه كثير من المصممين عبر التاريخ، بدءاً من فالنتينو و«دولتشي أند غابانا» وجون غاليانو، ومؤخراً «إيرديم» وستيفان رولان، وحتى دار «شانيل» في تشكيلاتهم لخريف 2024 وشتاء 2025.

إيرديم، مثلاً قدم تشكيلته بعنوان «تعيش الديفا» (فيفا لاديفا). قال إنه تخيَّل فيها ماريا، في حياتها الخاصة والعامة، وهو ما جسده في مجموعة من الفساتين ومعاطف على شكل «كاب» بأحجام هندسية كبيرة تعانق الجسم. الفرنسي ستيفان رولان هو الآخر أحيا ذكراها في موسم الـ«هوت كوتور»، بشكل أكثر وضوحاً، فيما اكتفت «شانيل» مثل إيرديم بإيحاءات صريحة.

كل مصمم رآها بإحساس وعيون مختلفة، لكن أغلبهم افتُتنوا بجانبها الدرامي، وتحديداً بذلك التجاذب بين «الشخصية والشخص» حسب قول المصمم إيرديم.

علاقة ماريا بالموضة

احتضنت موضة الخمسينات المتميزة بخصرها المشدود وتنوراتها الواسعة وأقمشتها المترفة (غيتي)

لم تكن ماريا كالاس في صباها رشيقة. عانت طويلاً من السمنة إلى حد أنها عندما لجأت إلى المصممة الإيطالية إلفيرا ليوناردي بويور، المعروفة بمدام بيكي في عام 1951، نصحتها أن تعود إليها فقط بعد إنقاص وزنها الزائد. لم تكن العملية سهلة. استغرقت منها وقتاً لا يستهان به لتحقيق النتيجة المطلوبة (نحو عامين أو ثلاثة)، لكن الانتظار كان مُجزياً. فقد تمخَض تعاونها مع مدام بيكي عن خزانة متكاملة لا تزال تلهم صورها صناع الموضة، لاسيما وأنها شملت نحو 24 معطف فرو، 40 تايوراً، 200 فستان، 150 حذاءً، وما لا يقل عن 300 قبعة، وعدد لا يحصى من القفازات التي كانت تتخلص منها بعد ارتدائها مرة واحدة لكثرتها.

بيد أن مدام بيكي لم تحتكرها. بالعكس فتحت شهيتها على المزيد. فقد تعاونت فيما بعد مع مصممين باريسيين شباب في زمنهم مثل؛ كريستيان ديور وإيف سان لوران، وآخرين من إيطاليا مثل فالنتينو وغيره.

ستيفان رولان... يستنسخ صورتها

ظهرت ماريا بكُحل عينيها وبكل دراميتها في عرض ستيفان رولان (ستيفان رولان)

لخريف وشتاء 2024 وفي موسم «الهوت كوتور» بباريس، رسم ستيفان رولان صورة درامية مفعمة بالأناقة، اقشعرت لها أبدان الحضور. شعروا كما لو أنها آتية من زمنها تحوم في مسرح العرض بصوتها، الذي يبلغ 6.7 أوكتافات يتردد في جوانبه.

وضوح صورتها يعود أيضاً إلى المكياج وفخامة التصاميم وأبهة المكان: قصر غارنييه، بمعماره الباروكي وزخارفه الذهبية، الذي أحيت فيه ثلاث حفلات مهمة، كانت أول مرة في عام 1958، وآخر مرة في عام 1964.

كُحل عينيها الدرامي ظهر في معظم الإطلالات منذ بداية العرض إلى نهايته. كذلك القفازات الطويلة، مما لا يترك أدنى شك أن المصمم كان مفتوناً بها كما هي، ولم يرَ داعياً لتغيير أي شيء فيها.

كل إطلالة في عرض ستيفان رولان تستحضر شخصية من الشخصيات التي أدتها (ستيفان رولان)

فمرة تظهر لنا في شخصية نورما، ومرة في شخصية كارمن، أو مدام باترفلاي، أو ميديا... وهلم جراً من الشخصيات التي جسدتها عبر مسيرتها الغنية. اقتصار التشكيلة على الأبيض والأسود، وفستانين وحيدين بالأحمر، له أسبابه حسب تصريح المصمم. فهو يشير إلى بداياتها في زمن الأسود والأبيض قبل أن تتلون الصورة، وأيضاً حتى لا تتضارب فنية التصاميم مع زخرفات أعمدة القصر وأسقفه الذهبية الغنية.

«شانيل»... تلميحات وإيحاءات

لأول مرة تعرض «شانيل» في قصر غارنييه الذي غنت فيه ماريا 3 مرات (تصوير كريم سادلي لشانيل)

في قصر «غارنييه» أيضاً قدمت دار «شانيل» تشكيلتها لخريف وشتاء 2024. كانت هذه أول مرة تختار فيها الدار هذا المكان لعرضها، الأمر الذي لم يترك شكاً أن «الأوبرا» ستكون النغمة التي ستعزف عليها. ما أكد هذا الإحساس أن الضيوف تلقوا بطاقات الدعوة في علب مغلفة بالمخمل الأحمر مرفوقة بنظارات أوبرا.

«الكاب» ظهر في تشكيلة «شانيل» مستحضراً صورة السوبرانو بأسلوب معاصر (شانيل)

على العكس من ستيفان رولان، جعلت الدار ماريا كالاس، بطلة صامتة. لم يصدح صوتها في القصر، ولم تستنسخ صورتها. خفَفت من المكياج والتفاصيل الدرامية، وكأن فريقها الإبداعي المسؤول عن هذه التصاميم، تعمَّد أن يُقدِّم لنا صورة ماريا معاصرة تعيش بيننا اليوم، وبالتالي تميل إلى أناقة فخمة وهادئة في الوقت ذاته. ومع ذلك، لم تكن لتتخلى عن «الكاب» والفساتين الفاخرة ولا الجاكيتات التي تُظهر نحول خصرها أو التنورات الأنثوية، لكنها كانت ستختارها بأناقة رومانسية تعكس إيقاع العصر المتسارع.

إيرديم... عاشت الديفا

معاطف مستديرة بياقات مبتكرة وورود رومانسية (إيرديم)

استهل إيرديم موراليوغلو، عرضه بمعطف أوبرا باللون الأخضر بتصميم مستدير وياقة عالية. كان هذا كل ما يحتاج إليه لخلق الدراما المطلوبة والإعلان عن مُلهمته. أنهى العرض أيضاً بإطلالة مماثلة من الساتان المبطن، وصوت السوبرانو البريطانية نادين بنيامين يصدح في القاعة.

اهتمام المصمم بماريا بدأ بتشكيلة سابقة من خط الـ«بري فول»، غاص فيها في كل مناحي حياتها الشخصية والعامة، أي أنه ركَز على الملابس التي كانت تظهر بها في المسرح، من دون أن يتجاهل أزياءها في مناسباتها الخاصة بخصرها الضيق وتنوراتها المستديرة والمعاطف الواسعة بأقمشتها الغنية. كانت صورتها في شخصية ميديا في عام 1953 النقطة التي انطلق منها. ترجمها في فستان بتنورة طويلة باللون الأحمر يُشبه ذلك الذي ارتدته كالاس في هذه الأوبرا، إضافة إلى معاطف أوبرا مزينة بريش المرابو. يقول إيرديم: «كنت مشدوداً إلى تلك العلاقة المثيرة بين الشخص والشخصية». كان هناك تداخل عجيب بينهما.

أحذية مستلهمة من الورود التي كان الجمهور يُلقيها عند أقدامها (إيرديم)

حتى الإكسسوارات لم تسلم من تأثير كالاس عليه، وليس أدل على هذا من الأحذية التي رافقت الكثير من الإطلالات. جاءت مزينة بورود تم تشكيلها من الساتان، وتلامس الأرض بحجمها الكبير، قال إنها استُلهمت من الورود التي كان الجمهور يُلقيها عند أقدامها على خشبة المسرح بعد كل أداء.


مقالات ذات صلة

«الأبيض السحابي» لون عام 2026 الرسمي... الدلالات والاتجاهات

لمسات الموضة تألقت به نجمات وشخصيات مهمة في مناسبات مهمة مثل الأميرة شارلين (رويترز) ونيكول ريتشي (أ.ف.ب) وإيفا لانغوريا (أ.ب) حتى قبل إعلانه لوناً رسمياً لعام 2026

«الأبيض السحابي» لون عام 2026 الرسمي... الدلالات والاتجاهات

تلعب الألوان دوراً أساسياً في عالم الموضة، فإلى جانب أنها من أسهل الطرق لتجديد الإطلالة، فإنها تظل ثابتة لفترة أطول من اتجاهات التصميم والأقمشة.

نادية عبد الحليم (القاهرة)
لمسات الموضة تايلور سويفت وغرة تغطي الجبين تماماً وتبرز جمال العيون (أ.ب)

الغرة في عام 2026 من تفصيلة جمالية إلى تعبير شخصي

إذا كان الأبيض السحابي هو اللون الرسمي لعام 2026، فإن الغرة هي تسريحة الشعر التي لم تتزحزح عن مكانتها منذ سنوات، بعد أن أكدت مرونتها في تغيير إطلالة صاحبتها…

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة مجموعة من الأزياء التي تم عرضها وتحتفي بالتراث والحرفية بأسلوب عصري  (أسبوع الأزياء المصرية)

أسبوع الموضة المصري ينسج خيوط الأناقة من تراثه

انتهى أسبوع الموضة المصري (Egypt Fashion Week) في أواخر شهر نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2025، مخلفاً وراءه أصداء طيبة لأسماء مصممين واعدين.

نادية عبد الحليم (القاهرة)
لمسات الموضة الفنانة سلوى محمد علي بفستان من «التلي» و«الشيفون» (المصمم محمد سامي)

«التلي الأسيوطي» من صعيد مصر إلى «السجادة الحمراء»

كان «التلي» يُصنع من الفضة والذهب في بداية القرن الثامن عشر، وزاد انتشاره في زمن محمد علي، بعد ذلك مرَّ بمراحل كثيرة وثّقها الفنان زغلول للمحافظة عليه وإحيائه.

حمدي عابدين (القاهرة)
لمسات الموضة تصميم مبتكر متعدد الاستخدام حاصل على براءة اختراع (الشرق الأوسط)

«نجد» تروي حكاية المجوهرات السعودية للعالم

في قلب نيويورك والرياض؛ حيث يلتقي الذوق الرفيع بالهوية الثقافية، انبثقت مجموعة «نجد» العلامة السعودية الفاخرة التي أسستها خبيرة الأحجار الكريمة حنين القنيبط.

أسماء الغابري (جدة)

«الأبيض السحابي» لون عام 2026 الرسمي... الدلالات والاتجاهات

تألقت به نجمات وشخصيات مهمة في مناسبات مهمة مثل الأميرة شارلين (رويترز) ونيكول ريتشي (أ.ف.ب) وإيفا لانغوريا (أ.ب) حتى قبل إعلانه لوناً رسمياً لعام 2026
تألقت به نجمات وشخصيات مهمة في مناسبات مهمة مثل الأميرة شارلين (رويترز) ونيكول ريتشي (أ.ف.ب) وإيفا لانغوريا (أ.ب) حتى قبل إعلانه لوناً رسمياً لعام 2026
TT

«الأبيض السحابي» لون عام 2026 الرسمي... الدلالات والاتجاهات

تألقت به نجمات وشخصيات مهمة في مناسبات مهمة مثل الأميرة شارلين (رويترز) ونيكول ريتشي (أ.ف.ب) وإيفا لانغوريا (أ.ب) حتى قبل إعلانه لوناً رسمياً لعام 2026
تألقت به نجمات وشخصيات مهمة في مناسبات مهمة مثل الأميرة شارلين (رويترز) ونيكول ريتشي (أ.ف.ب) وإيفا لانغوريا (أ.ب) حتى قبل إعلانه لوناً رسمياً لعام 2026

تلعب الألوان دوراً أساسياً في عالم الموضة، فإلى جانب أنها من أسهل الطرق لتجديد الإطلالة، فإنها تظل ثابتة لفترة أطول من اتجاهات التصميم والأقمشة.

ومع بدايات عام 2026 يشهد عالم الموضة تحولاً في هذا الجانب، يعكس تنوع المناخ الثقافي، واتساع التغيرات المجتمعية؛ لذلك لا تندهش أن تلاحظ أن ألواناً تعكس التأثير العاطفي والحاجة إلى السكون والسلام، من الاتجاهات التي تبرز أكثر، سواء كانت من الدرجات الهادئة، أو الدرجات التي تُعبِر عن الدفء مثل الحمضيات الزاهية وألوان الطبيعة المتفتحة.

كما اقترحته دار «رالف لورين» لربيع وصيف 2026 (رالف لورين)

لكن بالرغم من هذه التناقضات، بين الهادئ والمتوهج، فإن اختيار لون العام يخضع لقيم الاستدامة وتطلعات المستهلك وتفضيلاته الجمالية.

وسواء كنت تستعرض ما لديك في خزانة ملابسك، أو تبحث عن قطع جديدة، فإن هذا العام يفتح المجال للاستمتاع بكل الألوان وإن كان بعضها يُهمين على عالم الموضة أكثر خلال هذا العام، مثل الأبيض الذي يمكن القول إن معهد بانتون اقترحه كأساس لبناء لوحة فنية هادئة:

الأبيض السحابي

مما لا شك فيه أن عام 2026 قرر أن يطل علينا بفتح صفحة بيضاء جديدة عندما اختار معهد «بانتون» درجة تراقص السحاب نعومة وخفة، لوناً رسمياً له. ما يُميِزه أنه ليس بياضاً ثلجياً ناصعاً، إنما هو أكثر نعومة وهدوءاً، وبالتالي يعكس السكينة والراحة النفسية.

كما العادة، فإن هذا الاختيار لم يأتِ مصادفة؛ إنما يُعد نتاجاً للتأثير العاطفي الذي استشعره الباحثون والخبراء في معهد «بانتون» من خلال إقبال واضح في كل المناسبات على كل درجات اللون الأبيض. ومهما تنوعت المناسبات، ينجح في أن يعكس الأناقة الفخمة البسيطة وسط عالم صادم بضجيجه وتناقضاته الاجتماعية والثقافية والسياسية.

ظهر في عروض كثيرة منها عروض «سيلين» و«بالنسياغا» و«فيكتوريا بيكهام» (رويترز)

بعض الخبراء وصفوا هذا الاختيار بـ«المتطرف» والغريب، غير أن اختياره لم يكن مفاجئاً، إذ سبقته مقدمات. على سبيل المثال في خريف عام 2020 أثناء جائحة «كورونا» العالمية، قدم بيير باولو بيتشولي، مصمم دار «فالنتينو» آنذاك، مجموعة تعكس الأمل، ضمَّنها نحو 16 زياً باللون الأبيض، وصفت بأنها رد فعل على فوضى ذلك الوقت، كما أطل علينا هذا اللون من خلال منصات عروض أزياء فيكتوريا بيكهام، وشانيل، وهيرميس وغيرهم.

وفي نفس السياق جاء في البيان الصحافي الصادر عن «بانتون» إن الأبيض السحابي لون هادئ يعد بالوضوح.

تأثيره في سياق خزانة الملابس

تقول المصممة المصرية رنا الشال إن «إحاطة أنفسنا بألوان معينة يمكن أن تؤثر على الحالة المزاجية، وفي الوقت نفسه تعكس اتجاهات المناخ الثقافي الذي تنشأ منه؛ الآن نحن في حاجة إلى التقاط الأنفاس. وهنا يبرز التأثير المنتظر لهذا اللون في عالم الموضة والتصميم؛ فهو متعدد الاستخدامات بشكل استثنائي، كونه محايداً بامتياز».

يمكن تنسيق الأبيض مع أغلب الألوان وبشتى الطرق (برونيلو كوتشينيلي)

وتتابع المصممة: «بعد سنوات من التصاميم المليئة بالضجيج وصراخ الألوان الزاهية، يأتي هذا الخيار بمثابة بداية لعالم يسوده الهدوء والسلام النفسي. إضافة إلى كل هذا، فهو يثري خزانة ملابسك بشكل لا يصدق؛ حيث يسهل تنسيقه مع ألوان أخرى. وسواء تم تنسيقه في إطلالة أحادية من الرأس إلى القدمين، أو مع لون متباين، ينجح في تجسيد الجمال بمفهومه الراقي دون بذل الكثير من الجهد».

الأزرق المخضر

من اقتراحات إيلي صعب في مجموعة البريفول (إيلي صعب)

لكن هل سيستحوذ الأبيض على ساحة الموضة كلياً؟ الجواب طبعاً هو لا، لأن طابع الموضة هو التنوع، وبالتالي اختارت شركات أخرى مثل WGSN وColoro اللون «الأزرق المخضر التحولي»، وهو مزيج بين الأزرق الداكن والأخضر المائي يضفي إحساساً بالانتعاش والهدوء.

هو أيضاً مواجهة من نوع آخر للتحديات الحالية؛ لكنها هذه المرة ضد أزمة المناخ؛ حيث يجسد نهجاً استشرافياً للاستدامة، ويعكس توازناً بين العناصر الطبيعية والصناعية.

وبعد أن كان يقدم على استحياء، وكان المصممون يقدمونه كلون ثانوي فإنه في 2026 أصبح لوناً أساسياً في العديد من العروض، مثل الملابس الرياضية التي قدمتها علامة «كازابلانكا» أو أزياء السهرة الفخمة من إيلي صعب.

الألوان الترابية

الألوان الترابية لم تغب بل تظهر قوية أحياناً وناعمة أحياناً أخرى (برونيلو كوتشينيلي)

تبدو هذه الدرجات متمسكة بمكانتها في عالم الموضة. حضورها لسنوات وحجم الإقبال عليها يؤكدان أنها ليست مجرد صيحة عابرة. تصفها المصممة المصرية نيها حتا «بأنها ألوان الطبيعة في أبهى صورها».

يعود الفضل في صمودها في وجه التغيرات أنها تناسب مختلف أنواع البشرة، ومختلف المناسبات أيضاً، فمن التسوق صباحاً أو التنزه بعد الظهر، أو اجتماعات العمل إلى غداء نهاية الأسبوع يبرز اللون العسلي الفاتح، ودرجات الطين الدافئة، والقمح المشعة بشكل رائع ومريح في الوقت ذاته.


الغرة في عام 2026 من تفصيلة جمالية إلى تعبير شخصي

تايلور سويفت وغرة تغطي الجبين تماماً وتبرز جمال العيون (أ.ب)
تايلور سويفت وغرة تغطي الجبين تماماً وتبرز جمال العيون (أ.ب)
TT

الغرة في عام 2026 من تفصيلة جمالية إلى تعبير شخصي

تايلور سويفت وغرة تغطي الجبين تماماً وتبرز جمال العيون (أ.ب)
تايلور سويفت وغرة تغطي الجبين تماماً وتبرز جمال العيون (أ.ب)

إذا كان الأبيض السحابي هو اللون الرسمي لعام 2026، فإن الغرة هي تسريحة الشعر التي لم تتزحزح عن مكانتها منذ سنوات، بعد أن أكدت مرونتها في تغيير إطلالة صاحبتها بعيداً عن أي تدخلات تجميلية، فهي قادرة على إخفاء تجاعيد الوجه أو إيجاد توازن فيه إذا كان طويلاً أو مكتنزاً أو نحيلاً.

الممثلة لورا ديرن مثال على استعمال المرأة الغرة لتأطير الوجه وإخفاء التجاعيد (إ.ب.أ)

بيد أن بروزها هذا العام يتعدى الدور الجمالي التقليدي إلى حالة مزاجية خاصة، فهي هذه المرة تُعيد تعريف الأنوثة بوصفها خياراً ذكياً يجمع الرقة والنعومة بالتمرد والاستقلالية. خصلة واحدة على الجبين، أو أخرى تلتف حول الوجه، كفيلة بأن تُغيّر الصورة بأكملها: تمنحها إما نعومة ورقّة وإما أنوثة طاغية.

وفي كل الحالات، أكّدت أن جُرأتها لا تعني الصخب أو الرغبة في إحداث الصدمة والاستعراض، بل تعني الثقة. وفي بعض الإطلالات يمكن القول إن جُرأتها تكمن في انضباطها وصرامتها، في حين تعكس التحرر من القيود وخفة الروح والحركة عندما تكون غير متساوية أو متنافرة عن قصد.

المغنية مايلي سايروس وغرة منسدلة مع باقي الشعر بعفوية (إ.ب.أ)

الجميل فيها أيضاً أنها متنوعة، فمنها ما يُؤطر الوجه من الجانبين، وهذه تكون عادة طويلة تلامس عظمة الخد فتمنح الوجه نعومة. جديدها مؤخراً أنها لم تعد تتطلب تناسقاً محسوباً أو تماثلاً من الجانبين، بل يمكن أن تُقص بطريقة تجعلها تنسدل بحرية أقرب إلى العشوائية.

خبراء تصفيف الشعر يرونها الأضمن، كونها تناسب معظم أشكال الوجوه، وتمنح صاحبتها حرية في تصفيف شعرها عالياً أو تركه منسدلاً حسب المناسبة، وهذا يعني أنها تناسب امرأة تحب التغيير الهادئ والدائم، وتتعامل مع الموضة من دون تكلّف.

المغنية تايلور سويفت جرّبت كل الأنواع وفي كل مرة تبدو أجمل من سابقتها (د.ب.أ)

الغُرّة القصيرة في المقابل لها حضور أقوى، ربما لأنها خيار غير تقليدي، فهي لا تُخفي الجبين كله، بل تكشف جزءاً لا بأس منه لتُبرز العينين والحاجبين، وهو ما يتطلب جرأة حتى في الماكياج. المأخذ عليها ألا تُناسب جميع أشكال الوجوه، ويصعب العناية بها. أما عندما تنتهي فوق الحاجبين، فهي أقل جرأة والأكثر استعمالاً. مغنية الجيل تايلور سويفت أكثر مَن تعتمد هذا الشكل، مع العلم بأنها جرَّبت كل الأنواع لحد الآن.

عارضة الأزياء راين جادج وغرة مجعدة (غيتي)

وللمرة الأولى منذ سنوات، تحظى الغرة المجعدة، أو المتماوجة بمكانة بارزة، في إعلان صريح عن تقبّل الذات كما هي، فهذه الخصلات الملتوية التي تُحيط بالوجه كفيلة بأن تُضفي عليه حيوية ومرحاً، لا سيما إذا ترافقت مع ماكياج بلمسات دافئة تُضفي على البشرة ألقاً وإشراقاً.

هذا التنوع، وما يمنحه من حرية في الاختيار، لا يأتي بمعزل عما يجري في ساحة الموضة عموماً، فمع تصدّر البدلات المستوحاة من خزانة الرجل توجهات هذا العام، تُضيف الغرة الطويلة، التي تؤطر الوجه من الجانبين، لمسة أنثوية ناعمة على الإطلالة ككل. في حالة الأزياء الرومانسية المنسدلة، فإن الغرة القصيرة على الجبين تخلق بصرامتها توازناً يضفي على الإطلالة ديناميكية أكبر.

زوي كرافيتز وغرة جريئة للغاية (غيتي)

هذا التنوع هو أيضاً من أهم الأسباب التي ذوَّبت مخاوف المرأة منها، وتزيد من إقبالها عليها، منذ سنوات. لم يعد قصها بأطوال مختلفة، قراراً مصيرياً كما كان في السابق. كما لم يعد تصفيفها مهمة صعبة تحتاج إلى عناية كبيرة، أو تنميق مبالغ فيه، فالهدف منها حالياً أن تُشبه صاحبتها، وتعبر عن هويتها ونظرتها للحياة.

وربما تختصر غرة دوجا ممداني، سيدة نيويورك الحالية هذه الفكرة، رغم أن غُرتها جزء لا يتجزأ من قصة شعرها القصيرة، فإن طريقتها في تصفيفها تجعلها أكثر من مجرد موضة بعد أن حوَّلتها إلى قرار فني وتوقيع شخصي.


أسبوع الموضة المصري ينسج خيوط الأناقة من تراثه

مجموعة من الأزياء التي تم عرضها وتحتفي بالتراث والحرفية بأسلوب عصري  (أسبوع الأزياء المصرية)
مجموعة من الأزياء التي تم عرضها وتحتفي بالتراث والحرفية بأسلوب عصري (أسبوع الأزياء المصرية)
TT

أسبوع الموضة المصري ينسج خيوط الأناقة من تراثه

مجموعة من الأزياء التي تم عرضها وتحتفي بالتراث والحرفية بأسلوب عصري  (أسبوع الأزياء المصرية)
مجموعة من الأزياء التي تم عرضها وتحتفي بالتراث والحرفية بأسلوب عصري (أسبوع الأزياء المصرية)

انتهى أسبوع الموضة المصري (Egypt Fashion Week) في أواخر شهر نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2025، مخلفاً وراءه أصداء طيبة لأسماء مصممين واعدين، دمجوا التراث والاستدامة بأسلوب معاصر لا يعترف في الكثير من الأحيان بزمن.

العديد من المصممين استوحوا من حضارات مصرية قديمة خيوطاً نسجوا منها أزياء معاصرة (أسبوع الأزياء المصرية)

تخرج بعد متابعة الأسبوع في نسخته الثانية، والذي انطلق تحت شعار «Evolution» بانطباع قوي بأن المزج بين الهوية والتوق للعالمية وجهان لعملة واحدة.

نحو 50 مصمماً شاركوا في الأسبوع. أملهم التعريف بمواهبهم وقدراتهم لكن أقدامهم راسخة في تاريخ مصر. لم يكن الأمر صدفة، بل هو قرار تم اتخاذه منذ انطلاق الأسبوع في عام 2023، وفق ما صرحت به خبيرة الأزياء سوزان ثابت، وهي أيضاً واحدة من مؤسسيه لـ«الشرق الأوسط» آنذاك، قائلة إن «ثقافة مصر من كل الأزمنة ستكون هي التيمة الغالبة لكن بطريقة عصرية».

من اقتراحات المصممة سلمى خليل (أسبوع الأزياء المصرية)

في هذه النسخة تجسّدت كلمتها على أرض الواقع من خلال أزياء استلهمت خطوطها من حضارات مصر المتتالية.

وتضيف سوزان ثابت: «أصبحت مصر تهتم بتراثها وإرثها الثقافي العظيم، والممتد عبر آلاف السنين أكثر من أي حقبة زمنية سابقة؛ وهذا يلهم المبدعين في كل المجالات، ومنها التصميم والموضة».

هذا الأمر لم يغب عن كل من حضر وتابع العروض والفعاليات. كانت الأجواء في وسط البلد، حيث أقيم الحدث، تتنفس الطابع المصري، سواء من حيث اعتماد الأقمشة المحلية مثل الكتان والقطن، أو دعم الحرفية المصرية الواسعة أو الاحتفاء بصوغ هوية تصميم مصرية تُعنى بالاستدامة والأصالة».

ورش وجلسات مهمة

كان جدول أسبوع الموضة المصري حافلاً، من شأنه إنعاش هذه الصناعة؛ فلم يقتصر الحدث على العروض ـ التي نظمتها خبيرة الموضة أمينة شلباية ـ فقط، بل امتد ليمنح الزوار تجربة ثرية تجمع بين التصميم والصناعة والحرف والتعليم المتخصص، والنقاشات التي فتحت الحوار والجدل حول موضوعات وأبعاد مختلفة.

وكان من أبرز نشاطات الأسبوع فعالية «Room Service» التي أقيمت طوال انعقاده، وأتاحت للزوار فرصة التعرف على المصممين المشاركين وجهاً لوجه؛ ما عزز من فرص التواصل المباشر بين الجمهور والمصممين وسمح بفرص واعدة للتسويق والتصنيع، ولأول مرة تضمن الأسبوع مجموعة معارض الفن الرقمي.

الاستدامة والتراث

من تصاميم نادين شاما وجيبو (أسبوع الأزياء المصرية)

ثقة قوية غمرت العارضات والعارضين وهم يستعرضون أزياء علامات مثل «ميكس أند ماتش (Mix And Match)» لعل ذلك اعتزاز بكونها إحدى أيقونات الاستدامة بالأسبوع؛ فمنذ أسست المصممة شهيرة فهمي العلامة احتفت بالاستدامة والإنتاج المحلي، من استخدام خيوط عضوية وطبيعية إلى استعمال القطن المصري والكتان.

الأزياء التي تم عرضها جسّدت معنى اسم العلامة من ناحية احتضانها لمفهوم الدمج بين التصاميم الظلية، ولوحات الألوان والطبعات والتطريزات، والنسيج، وغيرها من التقنيات التي اعتمدت على عناصر من الملابس التقليدية. كانت هناك أيضاً قطع مفصلة متنوعة تستهدف توفير خزانة ملابس أنيقة لها هويتها وشخصيتها.

من جهتها، استكملت علامة «بوتن أب» سواء على منصة العرض أو في الـ«Room Service» إبراز سرديات ثقافية من مصر مع تكريم تراثها من خلال قطع تتكلم لغة الحاضر لكن تزدان بالرموز الفرعونية مثل «زهرة اللوتس» و«مفتاح الحياة».

من اقتراحات «ملايكا» (أسبوع الأزياء المصرية)

أما الخيامية والعناصر التراثية التي تنتمي لحقب زمنية أخرى فقد أدخلها المصممون في صيغة «أباليك» وأشكال هندسية؛ فلم تأتِ بالشكل المتعارف عليه، وبدلاً من استخدام تقنية «الباتش وورك»، شاهدناها على منصات العرض على شكل قطع منفصلة بتركيبات فنية، من ضمنها كاب ملكي مرسوم يدوياً تتحاور فيه عناصر مختلفة مثل زهرة اللوتس والأفعى المتوجة، وكذلك بنطلون بتصميم عصري يزدان بالتطريز اليدوي.

ملابس لا تعترف بزمن

أغلب الأقمشة المستعملة كانت من الكتان والقطن المصري (أسبوع الأزياء المصرية)

أناقة البساطة وملابس لا تعترف بزمن، كانت من أهم الاتجاهات التي أطلقها أسبوع الموضة المصري. على سبيل المثال سيطرت الإطلالات التي تبرز مفهوم الأناقة في أبسط صورها على عرض الأزياء لعلامة «MEROË’s mission»؛ حيث برزت قطع بلون أحادي، وهو «أوف وايت» بالكامل، في استلهام واضح من الملابس المصرية القديمة بقطنها وكتانها. لم يقتصر هذا المفهوم على الأزياء النسائية وشمل جانب الأزياء الرجالية أيضاً.

فساتين السهرة والمساء لم تغب خلال الأسبوع (أسبوع الأزياء المصرية)

في حديث جانبي مع سارا داود، مسؤولة بالعلامة، أكدت لي أن الاستدامة باتت تأخذ المكانة التي تستحقها في مصر، وهو ما يظهر جلياً خلال الأسبوع. تقول: «لا نحتفي في (MEROË’s mission) بالصرعات؛ فقد أصبح الناس يملون بسرعة من الاتجاهات الموسمية المتسارعة ويفضلون قطعاً تبقى معهم فترة طويلة لأنها بخامات جيدة وتفاصيل متميزة».

«ستريت ستايل»

الدينم المعاد تدويره كان حاضراً بقوة (أسبوع الأزياء المصرية)

احتلت ملابس الشارع سيما المصنوعة من أقمشة قديمة معاد تدويرها ومن الجينز مساحة لافتة في الأسبوع. هي الأخرى جاءت بتصاميم عصرية عملية، منها مجموعة الأزرق لعلامة «ألماه (ALMAH)» التي لا تبدأ بقماش جديد، بل بما هو موجود ومتوفر من خلال مجموعة مصنوعة من الدينم المُعاد تدويره.

الجرأة فرضت أيضاً نفسها في ملابس الشارع أو «ستريت ستايل» فيما قدمته علامة «ذا لُوقي (Thelouqii)» التي تحتفي بالطبقات المتعددة والشغل اليدوي، وكل ما يوفر الراحة وسهولة الحركة في النهار.

موضة «الكوتيدج»

إلى جانب القطع العملية كانت هناك قطع مفصلة تجمع الهندسي بالرومانسي (أسبوع الأزياء المصرية)

إذا كنتِ من مُستخدمي الإنترنت، فمن المُرجح أنك لاحظتِ الصيحة الرائجة حالياً على مواقع التواصل الاجتماعي منذ منتصف عام 2023، ألا وهي موضة «كوتيدج كور (cottagecore)»؛ التي تتميز بتصاميم أنثوية مطبوعة بالأقواس والشرائط الدانتيل والزهور وكل ما هو ورومانسي. المصممون المصريون طوعوها بأسلوبهم الخاص، خاصة «مركز التصميمات والموضة المصري» وكذلك «منطقة القاهرة للتصميم»، فقد أعادوا تعريف موضة «الكوتيدج»، وكشفوا عن مجموعة من التصاميم الشاعرية بلمسة عصرية جريئة في العروض خلال الأسبوع.