ما الفارق بين تداعيات مقتل السنوار واغتيال نصر الله؟

قائد «حماس» سقط مصادفة... وزعيم «حزب الله» كبّد إسرائيل تكلفة عالية جدّاً

مسيرة داعمة للفلسطينيين تحمل صور زعيمي «حماس» و«حزب الله» في إسطنبول يوم 20 أكتوبر الحالي (رويترز)
مسيرة داعمة للفلسطينيين تحمل صور زعيمي «حماس» و«حزب الله» في إسطنبول يوم 20 أكتوبر الحالي (رويترز)
TT

ما الفارق بين تداعيات مقتل السنوار واغتيال نصر الله؟

مسيرة داعمة للفلسطينيين تحمل صور زعيمي «حماس» و«حزب الله» في إسطنبول يوم 20 أكتوبر الحالي (رويترز)
مسيرة داعمة للفلسطينيين تحمل صور زعيمي «حماس» و«حزب الله» في إسطنبول يوم 20 أكتوبر الحالي (رويترز)

في البدء كانت غزّة. تشظّى القطاع فانهمرت الشظايا على المحيط. يُقتل يحيى السنوار بعد سنة على تخطيطه وتنفيذه لـ«طوفان الأقصى»، العملية التي شكَّلت مفاجأة كبيرة لإسرائيل. استعمل السنوار في هذه العملية قوى وأسلحة متعدّدة (Combined)، براً وبحراً وجوّاً، لكنها تُصنّف على أنها أسلحة بدائية مقارنةً مع أسلحة الجيوش الحديثة. وهو سعى في عمليته هذه إلى تعديل موازين القوى مع الجيش الإسرائيليّ عبر «الكيف» والابتكار التكتيكي، واستغلال الظروف الموضوعيّة التي كانت قائمة في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023. شكّل الخداع (Deception) أحد أهمّ عوامل نجاح «الطوفان».

كان السنوار، بلا شك، يعرف العقل الإسرائيليّ في العمق، كما يعرف الوعي الجمعيّ. فقد قضى في السجون الإسرائيليّة أكثر من عشرين عاماً، وتعلّم اللغة العبرية، وقرأ ما قرأ عن تاريخ الكيان الإسرائيلي. لكنه اغتيل مقاتلاً فرديّاً، إذ كان ضمن مجموعة صغيرة تتألف من ثلاثة عناصر فقط.

لم تساعده ثقافته العميقة بخصوص المجتمع الإسرائيليّ على تقدير ردّة فعل الدولة العبرية. إذ سقطت مقولة إن إسرائيل تتجنّب الحروب الطويلة. كما سقطت مقولة إن إسرائيل تتجنب الحرب على أرضها، وتتجنّب عادةً الخسائر البشريّة.

فارق بين السنوار ونصر الله

لم يحصل بنيامين نتنياهو على صورة البطل لنجاحه في قتل السنوار، رغم أن القضاء على مفجّر «الطوفان» أدى بلا شك إلى رفع شعبيته في استطلاعات الرأي العام في إسرائيل. فقيادي «حماس» قُتل بالصدفة، ولم يتم التعرف عليه حتى اليوم الثاني لمقتله. لم يُقتَل السنوار عبر عملية عسكرية تستند إلى معلومات استخباراتيّة دقيقة، وتُنفَّذ من القوات الخاصة، وبإشراف مباشر من نتنياهو، بعكس ما حصل مع زعيم «حزب الله» حسن نصر الله الذي قُتل في سبتمبر (أيلول) الماضي في ضاحية بيروت الجنوبية.

أطلق نتنياهو سراح السنوار عام 2011، ثم تمنّع عن الموافقة على اغتياله لاحقاً.

لبنانيون يتفقدون موقع اغتيال الأمين العام لـ«حزب الله» حسن نصر الله بالضاحية الجنوبية لبيروت (رويترز)

لكن عملية «طوفان الأقصى» عرّت إسرائيل، كما عرّت نتنياهو، وأظهرت هشاشة الاثنين معاً. ذلك أن «الطوفان» ظهّر الأخطاء الاستراتيجيّة التي ارتكبها نتنياهو، كما ضرب صورة إسرائيل القويّة، إذ فوجئ جيشها بهجوم «حماس» وخسرت البلاد 1200 من مواطنيها في ساعات معدودة. ومن هنا يمكن فهم قول نتنياهو، عقب قتل زعيم «حماس»، إن الحساب قد أُغلق مع السنوار. فالحساب شخصيّ بامتياز.

قُتل السنوار، رغم قلّة المعلومات الاستخباراتية عنه. في المقابل، قُتل نصر الله من كثرة المعلومات الاستخباراتية التي جمعها الإسرائيليون عنه، وعن تنظيم «حزب الله» إجمالاً. قُتل السنوار وهو موجود مع مجموعة مسلحة فوق سطح الأرض. أما نصر الله فقُتل وهو في مركز القيادة والسيطرة تحت الأرض بعمق أكثر من ثلاثين متراً.

قُتل السنوار بالصدفة، وبوسائل متواضعة، كالمُسيّرة وقذيفة دبابة ميركافا. أما نصر الله فقُتل بتكلفة عالية جدّاً، عبر استعمال أفضل الوسائل التي تملكها إسرائيل، سواء بالطائرات المقاتلة أو القنابل الذكية الخارقة للتحصينات. تطلّب اغتيال نصر الله عملية خداع محتملة من القيادة السياسية الإسرائيليّة. إذ حصلت خلال زيارة نتنياهو للأمم المتحدة لإلقاء خطابه أمام الجمعية العامة، ومن هناك صدر أمر التنفيذ عندما توفّرت لحظة النجاح.

من البديل؟

مَن البديل للسنوار في المفاوضات؟ ومَن البديل له قائداً عسكرياً؟ فهو كان يشغل قبل مقتله منصباً يُشرف في الحقيقة على نشاط «حماس»، سياسياً وعسكرياً. وليس واضحاً في الواقع إذا كان السنوار قد أخذ بعين الاعتبار سيناريو احتمال مقتله وعيّن قيادة عسكريّة بديلة، أو عيّن شخصيةً ما تُمسك بملفّ الرهائن الإسرائيليين في القطاع ليبقيه ورقة تفاوضية ذات قيمة عالية. والترجيحات هنا تنصبّ بلا شك على شقيقه محمّد.

وفي المفارقات، يمكن تسجيل أن إسرائيل قتلت نصر الله قبيل بدء العملية العسكرية البرية الكبيرة ضد مقاتليه. أما السنوار فقد قُتل بعد سنة ونيّف من بدء العملية العسكرية على مقاتليه.

تظهر هذه الصورة الثابتة من مقطع فيديو نشرته القوات الإسرائيلية ليحيى السنوار جالساً على كرسي ومصاباً قبل لحظات من اغتياله (أ.ب)

جمع نصر الله القيادتين العسكرية والسياسية في «حزب الله»، بالإضافة إلى البُعد الديني والعلاقة العضوية مع مرشد الثورة في إيران، علي خامنئي. أما السنوار فلم يجمع سوى مؤخراً بين القيادتين السياسية والعسكريّة.

ترك السنوار خلفه مجتمعاً مدّمَّراً، لكنَّ مناصريه يرونه بطلاً من خلال التركيز على أنه قُتل وهو يحمل السلاح. في المقابل، ترك نصر الله بيئته الحاضنة مدمّرة ومُهجّرة بعدما فقدت كل ما كانت تملك. كما ترك راعيه الإقليميّ قلقاً على مصير نظامه.

سيغيّر مقتل السنوار ديناميكيّة القضيّة الفلسطينيّة دون تأثيرات إقليمية تُذكر. وإذا كان هو مَن سبّب الزلزال الإقليميّ، فهذا لا يعني أن موته سيُحدث نفس التأثير. فبعد غزّة، كيف سيكون حال القضيّة الفلسطينية؟ خصوصاً أن إنهاء الحرب الإسرائيليّة على غزّة لا يعني قطعاً إنهاء الاحتلال. فالتدمير الممنهج فتح شهيّة عودة الاستيطان إلى غزة، كما فعلت حرب الأيام الستة بالنسبة إلى الضفة الغربيّة. وإذا كان السنوار يرى أن القضية فكرة لا يمكن القضاء عليها، فما نفع الفكرة دون تجسيدها على أرض الواقع؟

من الوكيل إلى الأصيل

في المقابل، غيّر مقتل نصر الله الديناميكيّة الجيوسياسيّة الإقليميّة، وانتقل الصراع مع إسرائيل من الوكيل إلى الأصيل وبشكل مباشر.

تستعمل أميركا إسرائيل على أنها الذراع الطويلة ذات القيمة الاستراتيجية التي لا يمكن الاستغناء عنها. قيمتها الجيوسياسيّة اليوم هي كما كانت خلال الحرب الباردة. ففي حرب الأيام الستة مثلاً، هزمت إسرائيل أهم حلفاء الاتحاد السوفياتي، وتغلّب السلاح الغربي على السلاح الشرقي وبامتياز. تستعمل أميركا اليوم نفس الحليف بهدف إنهاء مشروع إقليمي مقلق، تناسبه الفوضى الإقليميّة، وذلك بهدف صياغة ترتيب جديد تأمن له أميركا، لتنطلق بعدها إلى الصراع الكوني في مكان آخر.

تقيس تنظيمات ميليشيات وحدة الساحات نصرها بعدم الخسارة. فيما يقيس نتنياهو النصر بمدى وحجم التدمير للعدو، كائناً من كان. فالردع العقابي (Punitive Deterrence) أو الردع النكبويّ، كما سمّاه أحد المفكرين العرب، يعني التدمير الكامل للعدو ولكل ما يملك. وهذا مبدأ أوصى به مؤسس الدولة العبرية ديفيد بن غوريون. فالحرب المُستدامة بين إسرائيل وأعدائها هي الثابت، أما غياب الحرب فهو الأمر الاستثنائيّ. فهو يُعد مرحلة انتقالية بهدف التحضير للحرب القادمة.

أتون المواجهة الإقليمية

في الأيام الماضية، سُجّلت زيارات مكوكيّة لمسؤولين إيرانيين للمحيط العربي، وكذلك لتركيا ولعواصم أوروبيّة. تأتي الزيارات في الوقت الذي يتم فيه طبخ الردّ الإسرائيلي على إيران، وذلك بعد أن أقنع الرئيس بايدن نتنياهو بعدم استهداف منشآت النفط الإيرانية وتجنّب ضرب المشروع النوويّ، حسب تقارير مختلفة.

نتنياهو يلتقي بايدن في البيت الأبيض يوليو الماضي (رويترز)

نشرت أميركا بطاريّة ثاد (THAAD) للدفاع الجوّي في إسرائيل لتعزيز دفاعاتها الجويّة بعد أن اختبرت هذه الدفاعات خلال الضربة الإيرانية الأخيرة بالصواريخ الباليستية. يُشغّل هذه البطارية جنود أميركيون.

في نفس الوقت، استعملت أميركا القاذفة الاستراتيجية الشبح (B-2) لضرب بعض الأهداف الحوثيّة. لكن استعمال هذه الطائرة يمكن أن يكون أيضاً رسالة مباشرة لإيران، خصوصاً أن هذه القاذفة قادرة على حمل واستعمال قذائف (GBU-57) يمكنها خرق نحو 60 متراً من الباطون المُسلح.

هذه المؤشرات هي التي ستحدد ديناميكية المرحلة القادمة. أما ما يجري اليوم في غزة وجنوب لبنان فهو مجرد تفصيل في صراع جيو-سياسي كبير جدّاً.

اغتيال حسن نصر الله وقتل يحيى السنوار يمثل أثماناً لا بد من دفعها والتضحية بها في أتون المواجهة الإقليمية المتفاقمة عشية الانتخابات الرئاسيّة الأميركيّة في الخامس من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.


مقالات ذات صلة

«حماس» تطالب بالضغط على إسرائيل للسماح بدخول لجنة إدارة قطاع غزة

المشرق العربي سيارة إسعاف مصرية قرب معبر رفح في 4 فبراير 2026 (رويترز)

«حماس» تطالب بالضغط على إسرائيل للسماح بدخول لجنة إدارة قطاع غزة

دعت حركة «حماس»، اليوم (السبت)، جميع الأطراف للضغط على إسرائيل؛ للسماح بدخول اللجنة المستقلة لإدارة غزة للقطاع لمباشرة عملها.

«الشرق الأوسط» (غزة)
أوروبا رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان (رويترز) p-circle

رئيس وزراء المجر يتلقى دعوة لاجتماع «مجلس السلام» الذي يعقده ترمب

كشف رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان عن أنه تلقى دعوة لحضور اجتماع «مجلس السلام» الذي يعقده الرئيس الأميركي دونالد ترمب «بعد أسبوعين» في واشنطن.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي نازحون يتدافعون لملء أوعية بلاستيكية بالماء من منشأة لتكرير الماء في خان يونس السبت (أ.ف.ب)

الواقع الصحي والإنساني ينهار في قطاع غزة رغم وقف إطلاق النار

لا تتوقف الجهات الحكومية في قطاع غزة، وكذلك المنظمات الإنسانية، والأممية، عن التحذير من واقع الحياة الصعب الذي يواجهه السكان.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي عناصر من «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس» في رفح جنوب غزة (أرشيفية - رويترز)

الجيش الإسرائيلي يتباهى بـ5 ميليشيات تعمل لمصلحته في غزة

أكدت مصادر إسرائيلية أن هناك 5 ميليشيات مسلحة تعمل لمصلحة الجيش الإسرائيلي ضد «حماس» في غزة.

نظير مجلي (تل أبيب)
خاص مقاتلون من «حماس» يحملون جثماناً بعد استخراجه من نفق خلال البحث عن جثث الرهائن الإسرائيليين في خان يونس 29 أكتوبر 2025 (أ.ب)

خاص هكذا دفعت «حماس» ترمب للإشادة بها عدة مرات

تظهر تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب المتكررة والعديد من المراقبين والمعنيين أنهم لم يتوقعوا أن تنجح عملية استعادة جميع المختطفين الأحياء والأموات.

«الشرق الأوسط» (غزة)

تقرير: إدارة ترمب تتوقع من إيران تقديم تنازلات في الملف النووي

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يصل إلى مقر المحادثات في مسقط (الخارجية الإيرانية - أ.ف.ب)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يصل إلى مقر المحادثات في مسقط (الخارجية الإيرانية - أ.ف.ب)
TT

تقرير: إدارة ترمب تتوقع من إيران تقديم تنازلات في الملف النووي

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يصل إلى مقر المحادثات في مسقط (الخارجية الإيرانية - أ.ف.ب)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يصل إلى مقر المحادثات في مسقط (الخارجية الإيرانية - أ.ف.ب)

أفادت وسائل إعلام إسرائيلية، يوم الأحد، بأن المجلس الوزاري الأمني يقول: «سنواجه أي محاولة إيرانية للمساس بإسرائيل بقوة حاسمة».

ونقلت صحيفة «جيروزاليم بوست» عن مصادر مطلعة قولها، يوم الأحد، إن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب أبلغت إيران بأنها تتوقع من الوفد الإيراني تقديم «مقترحات جوهرية» خلال الاجتماع المقبل بين الجانبين.

ونقلت الصحيفة الإسرائيلية عن مصدرين قولهما إن الأميركيين يتوقعون من إيران تقديم «تنازلات» في الملف النووي وقضايا أخرى.

وقالت الصحيفة إن المجلس الوزاري الأمني في إسرائيل يرى أن النظام الإيراني لا يمكن الوثوق بوعوده.

ونقلت «جيروزاليم بوست» عن مصدر عسكري قوله: «النظام الإيراني أثبت مراراً وتكراراً أنه لا يمكن الوثوق بوعوده... إذا حاولت إيران المساس بسيادتنا أو مواطنينا فستكون العواقب وخيمة عليها... وسنواجهها بقوة حاسمة».

وقال المصدر إن إسرائيل متمسكة بأن تفضي المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران إلى منعها من امتلاك أسلحة نووية وفرض قيود على صواريخها الباليستية.

وفي وقت سابق من اليوم، ذكرت صحيفة «جيروزاليم بوست»، نقلاً عن مصادر أمنية، أن مسؤولين عسكريين إسرائيليين أبلغوا الولايات المتحدة في الآونة الأخيرة بأن برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني يمثل تهديداً وجودياً، وأن إسرائيل مستعدة للتحرك ضد طهران بشكل منفرد إذا لزم الأمر.

وقال مصدر أمني: «أبلغنا الأميركيين بأننا سنضرب منفردين إذا تجاوزت إيران الخط الأحمر الذي حددناه بشأن الصواريخ الباليستية»، مضيفاً أن إسرائيل لم تصل بعد إلى تلك النقطة، لكنها تتابع التطورات داخل إيران عن كثب.

واستضافت مسقط، صباح الجمعة، جولة مفاوضات غير مباشرة بين إيران والولايات المتحدة، واتفق الطرفان على استئناف المحادثات على أن يتم تحديد الموعد والمكان في وقت لاحق.


حملة اعتقالات تطول التيار الإصلاحي في إيران

احتجاجات مناهضة للحكومة الإيرانية في طهران (أ.ب)
احتجاجات مناهضة للحكومة الإيرانية في طهران (أ.ب)
TT

حملة اعتقالات تطول التيار الإصلاحي في إيران

احتجاجات مناهضة للحكومة الإيرانية في طهران (أ.ب)
احتجاجات مناهضة للحكومة الإيرانية في طهران (أ.ب)

أفادت وسائل إعلام إصلاحية إيرانية، مساء الأحد، باعتقال آذر منصوري، رئيسة «جبهة الإصلاحات» والأمينة العامة لحزب «اتحاد ملت إيران»، في إطار حملة اعتقالات طالت شخصيات بارزة في التيار الإصلاحي، بعد أسابيع من الاحتجاجات الواسعة التي شهدتها البلاد.

وذكر موقع «امتداد»، القريب من «جبهة الإصلاحات»، أن منصوري اعتُقلت بموجب أوامر قضائية على يد عناصر من جهاز استخبارات «الحرس الثوري»، خلال مداهمة منزلها في بلدة قرتشك ورامين، الواقعة على بعد نحو 20 كيلومتراً جنوب شرقي طهران.

وفي وقت لاحق، أكدت وكالة «فارس»، التابعة لـ«الحرس الثوري»، نقلاً عن مصادر أمنية وقضائية، اعتقال منصوري إلى جانب إبراهيم أصغرزاده، الشخصية الإصلاحية البارزة وعضو اللجنة المركزية لـ«جبهة الإصلاحات»، ومحسن أمين‌زاده، نائب وزير الخارجية في حكومة الرئيس الأسبق محمد خاتمي.

بزشكيان عقد ثالث اجتماع مع أعضاء «جبهة الإصلاحات» منذ توليه الرئاسة بعد أيام من انتهاء الحرب مع إسرائيل أغسطس 2025 (الرئاسة الإيرانية)

وحسب المصادر نفسها، شملت الاتهامات الموجّهة إلى المعتقلين «استهداف التماسك الوطني، واتخاذ مواقف مناوئة للدستور، والتنسيق مع دعاية العدو، والترويج لنهج الاستسلام، وتحريف المسارات السياسية للجماعات، وإنشاء آليات سرية ذات طابع تقويضي».

وقال مسؤول مطّلع إن السلطات «تعاملت مع هذه المجموعة وفقاً للقانون»، رغم «تحمّل مواقفهم النقدية السابقة»، بسبب ما وُصف بـ«استمرار أنشطتهم المناهضة للأمن».

وتُعد «جبهة الإصلاحات» الإطار التنسيقي الأوسع للأحزاب الإصلاحية في إيران، وكانت من أبرز الجهات التي دعمت الرئيس مسعود بزشكيان خلال الانتخابات الأخيرة.

وتوازياً، أفادت وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري»، في بيان مقتضب وغامض، بأن الادعاء العام في طهران وجّه اتهامات رسمية إلى عدد من العناصر السياسية البارزة، على خلفية ما وصفه بـ«دعم النظام الصهيوني والولايات المتحدة»، في إطار التحقيقات المرتبطة بأحداث يناير، من دون الكشف عن أسماء المعنيين أو انتماءاتهم الحزبية أو ملابسات توقيفهم.

وبحسب الوكالة، فإن هذه الأحداث «الإرهابية»، أظهرت ارتباطاً عملياً وعملياتياً بـ«إسرائيل» وأجهزة «الاستكبار»، عبر شبكة تنظيمية وإعلامية عملت خلف الكواليس وفي الفضاء الافتراضي لتبرير أعمال العنف والتأثير على الأمن الداخلي.

وأضافت أن رصد سلوك السياسية البارزة في عدد من التيارات خلال ذروة التهديدات الأميركية والإسرائيلية دفع الادعاء العام إلى فتح ملفاتهم، بعد اتهامهم بتنظيم وقيادة أنشطة لإرباك الأوضاع السياسية والاجتماعية، وتبرير ما وصفته بـ«الإرهاب الميداني».

وذكرت «تسنيم» أنه بعد استكمال الإجراءات، وجهت اتهامات إلى أربعة أشخاص مرتبطين بحزب سياسي، جرى توقيف عدد منهم بتهمة العمل لصالح «إسرائيل» والولايات المتحدة، فيما استدعي آخرون للتحقيق، في إطار قضية تتهم عناصرها بالتحريض وتقويض التماسك الوطني، حسب الوكالة.

تحذيرات القضاء

وتأتي هذه الاعتقالات على خلفية الاحتجاجات التي اندلعت في أنحاء إيران في 28 ديسمبر (كانون الأول) نتيجة الأوضاع المعيشية، قبل أن تتسع سريعاً إلى حركة احتجاجية واسعة مناهضة للحكومة، بلغت ذروتها في 8 و9 يناير (كانون الثاني).

وقالت السلطات الإيرانية إن الاحتجاجات بدأت بشكل سلمي قبل أن تتحول إلى «أعمال شغب» شملت القتل والتخريب، متهمةً الولايات المتحدة وإسرائيل بالوقوف خلف ما وصفته بـ«عملية إرهابية». وأسفرت حملة القمع اللاحقة عن إنهاء الاحتجاجات التي اعتبرت التحدي السياسي الأكبر للنظام منذ عام 1979.

وقبيل حملة الاعتقالات، وجّه رئيس السلطة القضائية، غلام حسين محسني إجئي، انتقادات حادة لشخصيات داخلية أصدرت بيانات خلال الاحتجاجات وطالبت بإصلاحات وتشكيل لجان تقصي حقائق، محذّراً من أن عدم الوقوف إلى جانب «ولي الفقيه» يؤدي إلى المصير نفسه الذي انتهى إليه «أولئك الذين لجأوا إلى صدام حسين أثناء الحرب، ويلجأون اليوم إلى الصهاينة المجرمين».

وقال إجئي: «هؤلاء الذين كانوا يوماً مع الثورة واليوم يصدرون بيانات، هم أناس مساكين وبائسون».

وحسب منظمة «هرانا» الحقوقية، ومقرها الولايات المتحدة، فقد جرى توثيق مقتل 6971 شخصاً خلال الاحتجاجات، معظمهم من المتظاهرين، إضافة إلى أكثر من 51 ألف معتقل.

تهديد برلماني للإصلاحيين

وتزامنت حملة الاعتقالات مع تصاعد الجدل الذي أثارته تصريحات علي شكوري‌راد، الرئيس السابق لـ«جبهة الإصلاحات» والبرلماني الأسبق، التي اتهم فيها القوات الأمنية بـ«افتعال القتل من صفوف عناصرها» و«إحراق المساجد» خلال الاحتجاجات.

وأثار ذلك رد فعل غاضباً من النائب أمير حسين ثابتـي، عضو كتلة «الصمود» المتشددة في البرلمان، الذي طالب شكوري‌راد بتقديم أدلة تثبت أن القوات الأمنية هي من أحرقت المساجد، محذّراً من أن عدم تقديم مستندات «يفرض على السلطة القضائية محاكمته حتماً».

وفي رسالة رسمية، اتهم ثابتـي شكوري‌راد بطرح «ادعاءات غريبة وغير موثقة»، وكتب: «إذا كانت لديكم مستندات، فسلّموها لي لمتابعتها عبر البرلمان والجهات المعنية، وإعلان النتيجة النهائية للشعب».

وأضاف محذّراً: «عدم تقديم الأدلة يُعد ظلماً كبيراً بحق النظام والقوات الأمنية، لا يجبر حتى بالاعتذار العلني».

ماذا قال شكوري‌راد؟

وكان تسجيل صوتي مسرب من شكوري‌راد قد نُشر الأسبوع الماضي، ويقدّم فيه رواية مفصلة لأحداث 8 و9 يناير، قال فيها إن «افتعال القتل من عناصرهم هو مشروع لقمع الاضطرابات»، مضيفاً أن «حرق المساجد والأضرحة والمصاحف وقتل عناصر من الباسيج والأمن يُستخدم ذريعةً للقمع»، معرباً عن رفضه الرواية الرسمية التي تتهم الموساد وفرق عمليات خارجية بالوقوف خلف تلك الأحداث.

وفي تصريحات أخرى، انتقد شكوري‌راد وصف الرئيس مسعود بزشكيان للمحتجين بـ«المشاغبين»، معتبراً أن ذلك «أحرق دوره كقوة وسطية»، وقال إن القوة الوسطية «تمثّل رأسمالاً اجتماعياً أساسياً في الأزمات».

دخان يتصاعد مع تجمع متظاهرين مناهضين للحكومة في مشهد بإيران 10 يناير 2026 في هذه اللقطة المأخوذة من فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي (رويترز)

وفي السياق نفسه، أشار شكوري‌راد إلى المؤتمر الأخير لحزب «الاتحاد»، حيث طُرح خلال إحدى جلساته اقتراح يقضي بأن يقوم المرشد الإيراني علي خامنئي، في إطار معالجة الأوضاع الراهنة، بتفويض جزء من صلاحياته إلى الرئيس بزشكيان، في خطوة قال إنها نوقشت داخل الأطر الحزبية ولم تُطرح بصيغة علنية.

«مجلس انتقالي»

وكانت قناة «إيران إنترنشنال» قد أفادت، في تقرير نشرته في 20 يناير، بأن المجلس المركزي لـ«جبهة الإصلاحات» عقد اجتماعاً طارئاً وسرياً ناقش مسودة بيان تطالب بتنحي خامنئي وتشكيل «مجلس انتقالي»، غير أن الأجهزة الأمنية تدخلت وهددت قادة الجبهة، ما أدى إلى وقف نشر البيان والتراجع عن أي دعوة علنية.

وحسب التقرير، شملت المناقشات أيضاً اقتراحات بـ«استقالات جماعية» و«دعوات لتظاهرات واسعة»، إلا أن الضغوط الأمنية، التي تضمنت تحذيرات من اعتقالات واسعة، حالت دون المضي بهذه الخطوات.

وحسب مصادر قريبة من التيار الإصلاحي، نقلت عنها القناة، فإن رد الفعل الأمني يعكس حساسية السلطة تجاه أي مؤشرات على انقسام سياسي في المستويات العليا، وسعيها لمنع تشكّل أي إجماع أو تحرّك علني داخل المشهد السياسي الإيراني.


غالانت يشن هجوماً شرساً على نتنياهو ويتهمه بالكذب

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت خلال مؤتمر صحافي في قاعدة كيريا العسكرية بتل أبيب (أرشيفية - رويترز)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت خلال مؤتمر صحافي في قاعدة كيريا العسكرية بتل أبيب (أرشيفية - رويترز)
TT

غالانت يشن هجوماً شرساً على نتنياهو ويتهمه بالكذب

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت خلال مؤتمر صحافي في قاعدة كيريا العسكرية بتل أبيب (أرشيفية - رويترز)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت خلال مؤتمر صحافي في قاعدة كيريا العسكرية بتل أبيب (أرشيفية - رويترز)

انطلقت عاصفة حادة من ردود الفعل الغاضبة عقب تصريحات أدلى بها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وتوالت الاتهامات عليه بالكذب في روايته عن أحداث 7 أكتوبر (تشرين الأول)، وتفاصيل اغتيال حسن نصر الله، زعيم «حزب الله» بلبنان.

وانشغلت وسائل الإعلام العبرية، بما فيها بعض صحف اليمين، بتلك التصريحات، وأكد كثيرون أن الغرض الحقيقي منها هو تكريس «رواية كاذبة» حول مجريات الأحداث تقود لإعفائه من المسؤولية عن «إخفاقات» 7 أكتوبر 2023، وإخفاء «فشله» في إدارة الحرب.

وكان نتنياهو قد ظَهَر، الخميس الماضي، أمام لجنة سرية في الكنيست، وطرح ملفاً ضخماً من الوثائق حاول فيه أن يثبت براءته من تهمة «الإخفاقات».

وقال نتنياهو إنه حذر أجهزة الأمن من خطورة الفكرة السائدة لديهم بأن «حماس» ليست معنية بالحرب، وإنه كان يريد اغتيال قادة الحركة، ولكن الأجهزة الأمنية رفضت، ولم ترضخ إلا أمام إصراره.

كما قال إن الأجهزة الأمنية عارضت اغتيال نصر الله، وإنه هو الذي حسم المسألة وأمر باغتياله، كما أمر بتفعيل أجهزة «البيجرز» لاستهداف نشطاء «حزب الله» رغم معارضة أجهزة الأمن.

«يقلب الحقائق»

وكان لافتاً بشكل خاص تصرف وزير الدفاع الأسبق، يوآف غالانت، الذي طلب الوصول إلى استوديوهات «القناة 12» في القدس، وظهر في بث حي شن فيه هجوماً حاداً على نتنياهو، قائلاً: «من المؤسف والمخجل أن يضطر أحد، مثلي، لأن يترك كل شيء ليأتي إلى الاستديو ليقول إن رئيس حكومته كذاب».

وأضاف: «نتنياهو يكذب ويقلب الحقائق رأساً على عقب ويزيف الواقع، وكل ذلك على حساب الجيش الإسرائيلي وجهاز الأمن العام (الشاباك)».

وفنَّد غالانت ادعاءات نتنياهو حول اغتيال نصر الله؛ فرسم صورة عكسية تماماً، وقال إن نتنياهو هو من تردد ورفض الاغتيال في الواقع.

وقال: «لقد رفض نتنياهو في اجتماع (الكابينت) المنعقد يوم 25 سبتمبر (أيلول) 2024، طرح مسألة الاغتيال للتصويت، وذلك على الرغم من ضمان الأغلبية في الحكومة والتحذير الصريح من رئيس جهاز (الشاباك) بأن نصر الله قد يغادر الملجأ ويهرب في المستقبل القريب».

ووصف غالانت كيف أعلن نتنياهو أن القضية لن تناقَش إلّا بعد عودته من الولايات المتحدة، ثم استقل الطائرة وسافر إلى واشنطن.

ووفقاً لغالانت، جاءت نقطة التحوّل بعد يوم واحد فقط، وقال إنه بعد نشر أخبار عن محادثات وقف إطلاق النار في لبنان وتهديدات من وزراء الائتلاف بحل الحكومة، عقد نتنياهو اجتماعاً هاتفياً، ووافق على توصية غالانت مع الرئيس السابق لهيئة الأركان العامة للجيش الإسرائيلي هرتسي هاليفي، باغتيال نصر الله، مؤكداً أن «خوفه من سقوط الحكومة هو الذي جعله يوافق على طلب أجهزة الأمن».

وأكد غالانت أن «عملية الاغتيال نفسها نفّذت بتوجيهٍ منه من مركز القيادة في تل أبيب بالاشتراك مع كبار قادة الجيش، بينما كان نتنياهو في الولايات المتحدة، ولم يتلقَّ أي تحديث هاتفي إلا بعد نجاح العملية».

يلوم الجميع... إلا نفسه

وفي صحيفة «معاريف»، كتب الصحافي بن كسبيت: «كل من يعرف نتنياهو يدرك هذه الحيل والمراوغات؛ فهو لا يكتفي بمنع تشكيل لجنة رسمية للتحقيق في الكارثة المنسوبة إليه بكل قوتها، بل يسعى أيضاً إلى تشكيل لجنة تحقيق بديلة، من صنعه، يُملى استنتاجاتها بنفسه. لجنة تحقيق عقيمة، لا تُعرض فيها إلا روايته».

وأضاف: «هذا هو الانطباع الذي تركه ظهور رئيس الوزراء أمام اللجنة الفرعية السرية التابعة للجنة الشؤون الخارجية والأمن في الكنيست يوم الخميس الماضي. ظهور كان من المقرر أن يستمر ساعتين، أو 3 ساعات حداً أقصى، لكنه امتد لـ5 ساعات كاملة تقريباً. وقد خصص الشخص الذي يرأس الحكومة الإسرائيلية منذ ما يقرب من 20 عاماً، ساعتين على الأقل من ذلك الوقت، لاتهام الآخرين في جميع الكوارث التي تسبب بها».

وأضاف: «أعضاء الكنيست الذين استمعوا إليه خرجوا بمشاعر متباينة؛ فقد ادعى البعض أنه كان في أوج تألقه: حاد الذكاء، ومُركزاً، ومقنعاً. وأعتقد أن هذا الوصف يعكس الواقع. نتنياهو يبرع عندما يكذب، ويزدهر في مثل هذه المواقف، حيث ينشر الأكاذيب، ويختلق المؤامرات، ويخلق الأوهام».

لكن بن كسبيت أشار إلى أن كثيراً من أعضاء الكنيست الذين استمعوا إليه شعروا بالصدمة، وأن أحد الحاضرين في القاعة قال مندهشاً: «من غير المعقول! كيف يُلقي باللوم على الجميع، إلا على نفسه؟ وكيف يجرؤ على إلقاء اللوم على الجيش فقط، وعلى قوات الأمن فقط، وعلى الجميع باستثنائه؟».