«صندوق الاستثمارات العامة» يدعم مساعي السعودية لتحقيق الأمن الغذائي

أسّس شركات وشراكات لتوطين المعرفة وتعظيم قدرات الإنتاج المحلي وتعزيز سلاسل التوريد العالمية

مزرعة ضمن مشاريع إحدى شركات صندوق الاستثمارات العامة (الشرق الأوسط)
مزرعة ضمن مشاريع إحدى شركات صندوق الاستثمارات العامة (الشرق الأوسط)
TT

«صندوق الاستثمارات العامة» يدعم مساعي السعودية لتحقيق الأمن الغذائي

مزرعة ضمن مشاريع إحدى شركات صندوق الاستثمارات العامة (الشرق الأوسط)
مزرعة ضمن مشاريع إحدى شركات صندوق الاستثمارات العامة (الشرق الأوسط)

تمضي السعودية في تعزيز قدراتها المحلية في إنتاج الغذاء وشراكاتها الدولية لضمان استمرارية سلاسل التوريد، في خطوة تتمثل في تحقيق الأمن الغذائي والاكتفاء الذاتي، والحفاظ على إمدادات الغذاء، ومواجهة تحديات التغير المناخي وندرة الموارد المائية، وفق معلومات حصلت عليها «الشرق الأوسط».

وتعد المملكة في مقدمة دول المنطقة في التعامل بنجاح مع ملف الأمن الغذائي منذ عقود، حيث قطعت أشواطاً كبيرة عبر إطلاق استراتيجيات ومبادرات عدة تنسجم مع «رؤية 2030»، في الوقت الذي تمثل مساهمات «صندوق الاستثمارات العامة» ركيزة رئيسية في دعم منظومة العمل السعودي لتعزيز الأمن الغذائي، منسجمةً مع أهداف «رؤية السعودية 2030»، واستراتيجية الهيئة العامة للأمن الغذائي السعودية، والاستراتيجية الوطنية للزراعة.

وتأتي خطوات المملكة بعد أن أحدثت جائحة كورونا إشكالية في ضمان الأمن الغذائي واستمرارية سلاسل توريد الغذاء، لتصبح إحدى أهم الأولويات الاستراتيجية المستقبلية لأغلب دول العالم، في ظل وصول معدلات المعاناة من نقص التغذية -في العام السابق للجائحة- إلى ما يقارب 10 في المائة من سكان العالم (811 مليون شخص حول العالم)، وفقاً لتقرير منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، وارتفاع هذا المعدل بعدما ألقت الجائحة بظلالها على سلاسل التوريد العالمية.

وخلال العامين الماضيين، ارتفعت وتيرة الاهتمام العالمي بضمان الأمن الغذائي بعد أن أثّر الصراع في شرق أوروبا على مصادر توريد ما يتراوح بين 20 و30 في المائة من الحبوب وما يقارب 80 في المائة من زيوت دوار الشمس عالمياً، حيث دفعت هذه الحالة المضطربة لتوافر الغذاء، الكثير من دول العالم لإطلاق مزيد من البرامج والمبادرات التي تعزز عبرها قدراتها المحلية على إنتاج الغذاء وشراكاتها الدولية لضمان استمرارية سلاسل التوريد، ومن أهمها دول منطقة الخليج العربي التي تستورد ما يصل إلى 80 في المائة من احتياجاتها من السلع الغذائية، حسب منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة.

دور «صندوق الاستثمارات العامة»

وحسب معلومات، يمكن من خلال مراقبة طبيعة الأنشطة الاستثمارية للصندوق في القطاع ملاحظة السعي إلى تحقيق أهداف رئيسية على صعيد ملف الأمن الغذائي، وذلك في إطار الدور الأشمل للصندوق في الاقتصاد المحلي.

ويشمل ذلك تحفيز قدرات قطاع الزراعة والغذاء والتجزئة المحلي، وتعزيز قدراته الإنتاجية من خلال مجموعة من المشاريع الإنتاجية، وتمكين القطاع الخاص وتحفيزه على الاستثمار بهدف إيجاد منظومة أعمال وسلاسل توريد خدمية محلية متكاملة، وتوسعة شبكة الشراكات والاستثمارات الدولية لضمان استمرارية سلاسل التوريد العالمية.

ويظهر دعم استمرارية سلاسل التوريد المحلية في قطاع الأغذية في الاستثمار في كثير من الشركات ومنها «أمريكانا فودز» بهدف تعزيز قدراتها الإنتاجية لتلبية احتياجات الأسواق المحلية، الإقليمية والعالمية، بالإضافة إلى الاستثمار في شركة التجارة الإلكترونية «نون» بهدف تعزيز مرونة واستمرارية سلاسل التوريد المحلية وصولاً للمستهلك.

تسهم مبادرات وشركات الصندوق في تعزيز الأمن الغذائي للسعودية وسلاسل التوريد العالمية

توطين المعرفة

وحسب المعلومات التي حصلت عليها «الشرق الأوسط»، فإنه في إطار تعزيز توطين المعرفة وتعظيم قدرات الإنتاج المحلي من السلع الغذائية الرئيسية، يجري العمل حالياً عبر الشراكة بين شركة تطوير منتجات الحلال -المملوكة بالكامل للصندوق- والشركة البرازيلية للصناعات الغذائية (بي آر إف) المالكة لعلامة الدواجن «ساديا» على توطين تربية وإنتاج دواجن العلامة محلياً، ومن المنتظر خلال العامين المقبلين طرح المنتج في السوق المحلية بجودته العالمية.

في الوقت الذي حرصت شركة «سالك» -المملوكة بالكامل لـ«صندوق الاستثمارات العامة»- على تعزيز قدرات الإنتاج في شركات محلية قائمة فعلياً مثل «المراعي»، و«نادك»، بمنظومة استثمارية ذكية تعتمد على ضخ استثمارات.

وتأتي تلك الخطوات ضمن جهود الصندوق لتمكين القطاع الخاص وزيادة مساهمته في الاقتصاد والناتج المحلي، إذ تعزز استثمارات «سالك» قدرات شركات القطاع الخاص وتمكنها من الوصول بمنتجاتها إلى أسواق جديدة ضمن جهود الصندوق لتمكين الشركات السعودية.

واعتمد الصندوق منظمة متكاملة تشمل الاستثمار في مجموعة من شركات المنتجات الغذائية المحلية، ومنها «الشركة السعودية للقهوة - جازين» التي تستهدف تسليط الضوء على واحدة من الزراعات التراثية في المملكة وإيجاد منظومة أعمال متكاملة لها تضمن توسعها.

وتعمل الشركة على دعم منتج القهوة المحلي والارتقاء به إلى المصاف العالمية ورفع مكانة البلاد بوصفها لاعباً رئيسياً عالمياً، وتعزيز جهود تطوير الزراعة المستدامة في منطقة جازان بجنوب المملكة، بوصفها موطناً رئيسياً لبن الأرابيكا الأشهر عالمياً.

وفي الإطار نفسه، ضمن مكانة السعودية كأحد اللاعبين العالميين في إنتاج وتصدير التمور، أطلق الصندوق شركة «تراث المدينة» التي تهدف لأداء دور رئيسي في رفع وتحسين قدرة وجودة الإنتاج للتمور بمنطقة المدينة المنورة، بما يسهم في تعزيز صناعة التمور المحلية، وتسويقها محلياً ودولياً.

كما تشمل الاستثمارات تعزيز تراث حليب الإبل عبر إطلاق علامة «نوق» لمنتجات حليب الإبل من شركة «سواني» المملوكة بالكامل للصندوق، والتي استهدفت تحفيز الاستثمار في هذا النوع من المنتجات المرتبطة بالتراث السعودي، وتحفيز سلاسل التوريد المرتبطة بها، حيث تم إطلاق متاجر متخصصة لها.

وأسس الصندوق كذلك «شركة تطوير منتجات الحلال» التي تُعنى بتوطين وتطوير الصناعات المرتبطة بمنتجات الحلال في السعودية، ويشكل قطاع الأغذية أحد مرتكزات عملها، بهدف زيادة الصادرات وتعزيز مكانة المملكة في قلب صناعة الحلال العالمية.

عملية فرز للحبوب في أحد المشاريع

تمكين القطاع الخاص

وفي سياق تمكين القطاع الخاص وتعزيز قدرات نموه وتحفيز ريادة الأعمال، يسهم الصندوق في تعزيز بيئة الأعمال والدخول إلى قطاعات استثمارية جديدة وتنشيطها وتسجيل معدلات نمو جيدة بها بما يحفز القطاع الخاص ويمكنه من الدخول إليها ويُسهل عمليات ريادة الأعمال وتأسيس الشركات الناشئة ويعزز أعمال الشركات الصغيرة والمتوسطة.

ووفقاً للمعلومات فإن جهود الصندوق تسهم في تمكين تحوّل بعض مؤسسات القطاع الخاص المحلية إلى شركات إقليمياً وعالمياً عبر ضخ استثمارات ترفع رأس مال هذه الشركات وتعزز قدرتها على التوسع، وتطبق نظام حوكمة يمكنها من وضع استراتيجية واضحة للنمو.

والمثال على ذلك استثمار الصندوق في شركة «التميمي» التي بدأت في توسعها بشكل كبير على المستوى المحلي، وعززت تنوع معروضها من المنتجات، كما وفَّرت أماكن عرض للسلع والمنتجات الغذائية التي تنتجها شركات محفظة الصندوق الأخرى.

تعزيز سلاسل التوريد العالمية

وفي إطار توسعة شبكة الشراكات والاستثمارات الدولية لضمان استمرارية سلاسل التوريد العالمية، تسهم الشركات التابعة لمحفظة الصندوق بدور كبير عبر كثير من العقود وشراكات التوريد من الأسواق الخارجية، إلى جانب منظومة استثمارية عالمية تستهدف الاستثمار في الشركات والمؤسسات الغذائية حول العالم، لضمان أفضلية التوريد المستدامة للمملكة وبالأخص في أوقات الأزمات.

وفي هذا السياق، تأتي الشركة السعودية للاستثمار الزراعي والإنتاج الحيواني «سالك» كإحدى أهم الركائز التي تعتمد عليها استراتيجية الصندوق في تحقيق هذا الهدف. ويضم نشاط الشركة استثمارات محلية وعالمية تستهدف المساهمة بفاعلية في تحقيق استراتيجية الأمن الغذائي بتوفير المنتجات الغذائية واستقرار أسعارها من خلال إنشاء شركات تابعة بمفردها وعقد شراكات، وطنية وإقليمية ودولية.

وتضم قائمة الاستثمارات الدولية في قطاع الغذاء الكثير من الاستحواذات والشراكات، منها ما تقوم به شركة «سالك» من شراكات استثمار في زراعة الأزر في الهند، واستثمار في إنتاج اللحوم الحمراء في كل من البرازيل وأستراليا، بالإضافة إلى استثمار في شركة «بي آر إف» البرازيلية، واستثمار في «أولام» الزراعية القابضة ومقرها سنغافورة، وهي إحدى الشركات العالمية في مجال تجارة الحبوب والأرز والأعلاف والزيوت وتنتشر فروعها في 30 دولة حول العالم.

إحدى المزارع التي عمل فيها الصندوق لدعم سلاسل التوريد الغذائي حول العالم

تكامل الخدمات

وضمن مساعي تحقيق مرونة وانسيابية سلاسل التوريد وضمان الأمن الغذائي، تضم جهود الصندوق بناء وتعزيز منظومة الأعمال المتكاملة وسلاسل التوريد الخدمية المحيطة بالقطاع بوصفها ركيزة أساسية لضمان تكامل الخدمات، حيث تعمل شركة الحبوب الوطنية التابعة لشركة «سالك»، على تطوير قدرات التخزين وإنشاء صوامع ذات سعة عالية لضمان انسيابية حركة التوريد والتخزين.

وورَّدت شركة «سالك» إلى السعودية خلال الأعوام الأربعة الماضية أكثر من أربعة ملايين طن من السلع الاستراتيجية، حيث بدأت أول وارداتها في عام 2020 بكمية بلغت 60 ألف طن من القمح، في حين تقدَّر الكميات المورَّدة في العامين الماضيين من القمح بأكثر من 35 في المائة من احتياج البلاد.

ويعمل «صندوق الاستثمارات العامة» عبر هذه المنظومة الاستراتيجية الواسعة والمتكاملة بفاعلية على تحقيق مستهدفات «رؤية 2030» فيما يخص تعزيز الأمن الغذائي وتحقيق الاكتفاء الذاتي، والحفاظ على إمدادات الغذاء، وتحسين مؤشرات الأمن الغذائي، وتعزيز مشاركة القطاع الخاص في تحقيق النمو والتنوع الاقتصادي.


مقالات ذات صلة

«الأمم المتحدة» تحذر من نفاد المساعدات الغذائية بالسودان في غضون شهرين

شمال افريقيا أطفال السودان ضحايا الحرب والأوبئة والجوع (رويترز) play-circle

«الأمم المتحدة» تحذر من نفاد المساعدات الغذائية بالسودان في غضون شهرين

حذّر برنامج الأغذية العالمي، التابع للأمم المتحدة، من نفاد المساعدات الغذائية بالسودان في غضون شهرين بسبب نقص التمويل، رغم معاناة الملايين الجوع.

«الشرق الأوسط» (بورتسودان)
صحتك عصير الطماطم مكمل صحي طبيعي (بيكساباي)

ماذا يحدث لضغط دمك عند شرب عصير الطماطم بانتظام؟

قد يُساعد عصير الطماطم على خفض ضغط الدم لدى الأشخاص المصابين بارتفاع ضغط الدم (فرط ضغط الدم) عند تناوله بانتظام.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك حليب كامل الدسم (أرشيفية - رويترز)

ما تأثير تناول الحليب على التهاب البروستاتا؟

يرتبط الإفراط في تناول الحليب ومنتجات الألبان بزيادة خطر الإصابة ببعض مشكلات البروستاتا.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم طفل فلسطيني يصرخ بانتظار الحصول على الطعام من مطبخ خيري وسط أزمة الجوع في مدينة غزة (رويترز)

برنامج الأغذية العالمي: 318 مليون شخص في العالم يواجهون مستويات جوع خطيرة

قال برنامج الأغذية العالمي إن 318 مليون شخص في أنحاء العالم يواجهون مستويات جوع خطيرة أو أسوأ، محذراً من تفاقم انعدام الأمن الغذائي نتيجة النزاعات وتغير المناخ.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك طفلة تقف أمام صورة للهرم الغذائي الجديد في واشنطن (أ.ب)

هرم غذائي جديد في الولايات المتحدة يثير الجدل بين علماء

نشر موقع البيت الأبيض هرماً غذائياً جديداً مقلوباً، يضع البروتين ومنتجات الألبان والدهون الصحية والفواكه والخضراوات فوق الحبوب الكاملة.

يسرا سلامة (القاهرة)

صراع ترمب مع «الفيدرالي» يضع الاقتصاد العالمي في مرمى النيران

ترمب يشير إلى قائمة تكاليف تأهيل مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» أثناء حديثه مع باول خلال تفقده الأعمال في يوليو (رويترز)
ترمب يشير إلى قائمة تكاليف تأهيل مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» أثناء حديثه مع باول خلال تفقده الأعمال في يوليو (رويترز)
TT

صراع ترمب مع «الفيدرالي» يضع الاقتصاد العالمي في مرمى النيران

ترمب يشير إلى قائمة تكاليف تأهيل مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» أثناء حديثه مع باول خلال تفقده الأعمال في يوليو (رويترز)
ترمب يشير إلى قائمة تكاليف تأهيل مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» أثناء حديثه مع باول خلال تفقده الأعمال في يوليو (رويترز)

في عام 2019، اجتاحت تركيا موجة من عدم الاستقرار الاقتصادي بعدما قام الرئيس رجب طيب أردوغان بإقالة محافظ البنك المركزي مراد شيتينكايا لرفضه الانصياع لأوامره لخفض الفائدة، ما أدى إلى انهيار الليرة وتصاعد التضخم. اليوم، يبدو أن هذا المشهد «غير التقليدي» ينتقل إلى واشنطن، لكن بحدة أكبر، وفق صحيفة «فاينانشال تايمز». فالمعركة بين الرئيس دونالد ترمب ورئيس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول لم تعد تقتصر على التصريحات، بل تحولت إلى مواجهة قضائية مفتوحة تهدد أسس الاقتصاد العالمي وسمعة المؤسسات الأميركية التي قادت العالم منذ الحرب العالمية الثانية.

لقد كسر باول التقاليد الصارمة لمنصبه هذا الأسبوع، حينما ظهر في مقطع فيديو مباشر ليفضح ما وصفه بـ«المناورة» القضائية ضده. وتتمحور القضية حول تحقيق تجريه وزارة العدل في مشروع ترميم مقر البنك الذي بلغت تكلفته 2.5 مليار دولار.

لكن خلف كواليس الأرقام، يبدو أن الهدف الحقيقي ليس مراقبة الميزانية؛ فقد صرح باول بوضوح أن هذا التحقيق ما هو إلا «ذريعة» ووسيلة ضغط لابتزازه سياسياً لإجبار البنك على خفض معدلات الفائدة إلى مستويات تقترب من 1 في المائة. ويرى ترمب أن هذا الخفض هو «الوقود» اللازم لإنعاش الاقتصاد وخفض تكاليف الاقتراض الحكومي بمليارات الدولارات، متجاهلاً استقلالية القرار النقدي.

هذا الصدام العلني أثار قلقاً دولياً واسعاً؛ حيث يرى خبراء، مثل غيتا غوبيناث من جامعة هارفارد، أننا نعيش «لحظة تاريخية» قد تترك آثاراً باقية في هيبة الولايات المتحدة وقدرتها على قيادة النظام المالي العالمي.

أعمال البناء في مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن (رويترز)

الانقسام داخل المعسكر الجمهوري

لم يمر تصعيد وزارة العدل دون «نيران صديقة»؛ فحتى حلفاء ترمب الأكثر إخلاصاً أبدوا قلقاً من تكتيكات المدعية العامة جينين بيرو. لاري كودلو، المستشار الاقتصادي السابق لترمب، ألمح إلى أن وزارة العدل ربما «تسرعت في إطلاق الزناد» ضد باول.

وفي كابيتول هيل، بدأت أصوات جمهورية وازنة، يقودها السيناتور ثوم تيليس، بالتمرد علناً، مهددين بعرقلة أي مرشح جديد يخلف باول ما لم تتوقف هذه الملاحقات. هذا الانقسام يضع ترمب في مأزق؛ فبدلاً من «تطهير» البنك من خصومه، قد ينتهي به الأمر بمواجهة تمرد داخل حزبه يعيق قدرته على تعيين خلف «موالٍ» بالكامل.

معركة ليزا كوك

بينما يتوجه ترمب إلى دافوس للدفاع عن أفكاره الاقتصادية أمام النخبة العالمية، تراقب الأوساط القانونية بترقب المحكمة العليا. القضية تتعلق بمحاولة ترمب إقالة محافظة «الاحتياطي الفيدرالي» ليزا كوك بتهم تتعلق باحتيال عقاري مزعوم. وهو ما نفته كوك جملة وتفصيلاً.

ووفقاً للمسؤول السابق في «الاحتياطي الفيدرالي» فريد ميسكين، فإن قرار المحكمة سيكون «نقطة تحول تاريخية»؛ فإذا أقر القضاة حق الرئيس في إقالة أعضاء البنك المركزي لأسباب سياسية، فإن ذلك سيمنح ترمب السلطة المطلقة لاستبدال مجلس المحافظين بأكمله وإحلال «أتباع» يأتمرون بأمره، مما يحول «الفيدرالي» من حارس للعملة إلى مجرد فرع تابع للبيت الأبيض.

رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول لدى دخوله مقر البنك المركزي في واشنطن (رويترز)

الأسواق تراقب بصمت

حتى الآن، تبدو أسواق الأسهم والسندات في «وول ستريت» هادئة، مراهنةً على قدرة «الفيدرالي» على الصمود. لكن خلف هذا الهدوء، ثمة تحركات «تحوطية» بدأت تظهر؛ فمؤسسات مالية كبرى مثل «بيمكو» بدأت بتنويع أصولها بعيداً عن الدولار، استشعاراً لمخاطر «التسييس الزاحف» للسياسة النقدية.

ويرى آدم بوسن، رئيس معهد بيترسون، أن دولاً وشركات بدأت بالفعل في «التأمين الذاتي» ضد تقلبات السياسة الأميركية، ليس عبر الهروب الجماعي، بل بوضع خطط بديلة لا تعتمد كلياً على العملة الخضراء.

هذا التوجه لا يعني انهيار الدولار غداً، بل يعني تآكلاً تدريجياً في الثقة بالولايات المتحدة كـ«ملاذ آمن». وكما يقول كلاس نوت، الرئيس السابق للبنك المركزي الهولندي: «كانت أميركا تقود العالم بالقدوة في بناء المؤسسات، والآن يبدو أنها اختارت تقديم مثال مختلف تماماً».

الضرر الذي لا يمكن إصلاحه

الخطر الحقيقي لهذه المواجهة يتجاوز شخص باول؛ فهو يتعلق بـ«التسييس الزاحف» الذي قد يستمر لعقود. لايل برينارد، المسؤولة السابقة في «الاحتياطي الفيدرالي»، تحذر من «الأثر الخفي»؛ حيث سيصبح مسؤولو السياسة النقدية في المستقبل يرتعدون خوفاً من الملاحقات الجنائية إذا اتخذوا قرارات لا تعجب الرئيس. في هذا السيناريو، لن تصبح الفائدة أداة لمحاربة التضخم، بل لخدمة الدورات الانتخابية، وهو ما يضع الاقتصاد العالمي برمته على «فوهة بركان» من عدم اليقين.


«لوسيد» في 2026... شعار «صُنع في السعودية» يطوف العالم

 مصنع «لوسيد» في السعودية (صندوق الاستثمارات العامة)
مصنع «لوسيد» في السعودية (صندوق الاستثمارات العامة)
TT

«لوسيد» في 2026... شعار «صُنع في السعودية» يطوف العالم

 مصنع «لوسيد» في السعودية (صندوق الاستثمارات العامة)
مصنع «لوسيد» في السعودية (صندوق الاستثمارات العامة)

في لحظة تتقاطع فيها الجغرافيا مع الصناعة، تتحوَّل السعودية إلى نقطة انطلاق عالمية لشركة «لوسيد» لصناعة السيارات الكهربائية، ليس بوصفها سوقاً استهلاكية فحسب، بل قاعدة تصنيع وتصدير تخدم أسواقاً متعددة حول العالم.

ومن الرياض، حيث شارك في «منتدى مستقبل المعادن»، يضع مارك وينترهوف الرئيس التنفيذي المؤقت لـ«لوسيد» التي يعد صندوق الاستثمارات العامة أكبر مساهم فيها، ملامح المرحلة المقبلة لشركة تراهن على التوسع المدروس، وسلاسل الإمداد، والانتقال من الفخامة إلى الشريحة الأوسع. ووصف وينترهوف لـ«الشرق الأوسط»، المنتدى بأنه منصة محورية لصناعة السيارات الكهربائية، في ظل الاعتماد الكبير على المعادن والعناصر الأرضية النادرة، خصوصاً في المغناطيسات، معرباً عن تقديره للدور الذي تقوده السعودية في هذا الملف، لما له من أثر مباشر على صناعات متعددة.

يشرف وينترهوف على تطوير وتنفيذ استراتيجية الشركة، ويدير فريقاً من كبار المهندسين لضمان تنفيذ وتصميم المنتجات وهندستها بكفاءة.

الرئيس التنفيذي المؤقت لـ«لوسيد» مارك وينترهوف (الشركة)

السعودية... قاعدة تصدير

وأوضح وينترهوف أن مصنع «لوسيد» في السعودية، وهو أول منشأة تصنيع دولية للشركة خارج الولايات المتحدة، لم يُصمَّم لتلبية الطلب المحلي وحده، بل ليكون منصة تصدير رئيسية.

ووفق الخطط الموضوعة، فإن ما بين 13 و15 في المائة فقط من إنتاج المصنع مخصص لأسواق دول مجلس التعاون الخليجي، في حين يتم توجيه النسبة الأكبر إلى التصدير لأسواق أخرى. وأكد أن هذا التوجه كان جزءاً من استراتيجية الشركة منذ البداية.

وحول جاهزية المنشأة، أكد وينترهوف أن الشركة لا تزال ملتزمة ببدء الإنتاج في السعودية بنهاية العام الحالي، وتحديداً في ديسمبر (كانون الأول).

وكانت «لوسيد» انضمت في يناير (كانون الثاني) 2025 إلى برنامج «صُنع في السعودية»، في إطار حضورها الصناعي بالمملكة، وهو ما يتيح لها استخدام شعار «صناعة سعودية» على منتجاتها المصنعة محلياً.

وتُعد «لوسيد» أول شركة تصنيع معدات أصلية في قطاع السيارات تحصل على هذا الشعار، في خطوة تعكس توجه المملكة نحو توطين الصناعات المتقدمة، وتعزيز الشراكات مع شركات عالمية، وجعل البلاد منصةً لتصنيع وتصدير السيارات الكهربائية إلى العالم.

سيارة «لوسيد إير» الكهربائية (موقع الشركة الإلكتروني)

أرقام النمو

وأوضح وينترهوف أن «لوسيد» حقَّقت نمواً واضحاً في جانب الإنتاج والتسليم. فخلال عام 2025، لم يتضاعف الإنتاج فحسب، بل ارتفعت التسليمات بنسبة 55 في المائة مقارنة بالعام السابق، مع تسجيل نتائج قياسية في الرُّبع الرابع، لا سيما في السوقين الأميركية والشرق الأوسط، وبالأخص في السعودية.

وأشار إلى أن «لوسيد» كانت خلال الرُّبع الرابع من 2025 الشركة الوحيدة في الولايات المتحدة التي سجَّلت زيادةً في تسليمات السيارات الكهربائية، في وقت شهد فيه المنافسون تراجعات كبيرة.

وأعلنت «لوسيد» أنها أنتجت خلال عام 2025 نحو 18378 مركبة، بزيادة 104 في المائة مقارنة بعام 2024، بينما بلغت التسليمات 15841 مركبة، بارتفاع 55 في المائة على أساس سنوي. أما في الرُّبع الرابع من العام نفسه، فقد ارتفع الإنتاج إلى 8412 مركبة، بزيادة 116 في المائة مقارنة بالرُّبع الثالث، بينما وصلت التسليمات إلى 5345 مركبة، بنمو بلغ 31 في المائة.

وتعمل «لوسيد» حالياً في شريحة السيارات الفاخرة، غير أن التحول الاستراتيجي الأبرز يتمثَّل في تطوير سيارات متوسطة الحجم بسعر أقل، تقدر قيمتها بنحو 50 ألف دولار. وأكد وينترهوف أن هذا الطراز، الذي يستهدف الشريحة الأكبر من المستهلكين، سيكون «العمود الفقري» لإنتاج المصنع السعودي، مما يمهد الطريق للوصول إلى الطاقة الإنتاجية القصوى المستهدفة.

سلاسل الإمداد

وعن أبرز التحديات، أشار وينترهوف إلى أن سلاسل الإمداد، خصوصاً المعادن والعناصر الأرضية النادرة، إضافة إلى أشباه الموصلات، لا تزال تُشكِّل مصدر قلق للقطاع.

وكشف عن أن الشركة واجهت خلال العام الماضي صعوبات متكررة في الحصول على المغناطيسات اللازمة للمركبات الكهربائية، إلى جانب اضطرابات في توريد أشباه الموصلات. ويرى أن مبادرات مثل «منتدى مستقبل المعادن» تمثل جزءاً من الحل، عبر بناء منظومة أكثر استقراراً واستدامة لتأمين هذه الموارد.

وبالنظر إلى آفاق السوق خلال السنوات الـ5 المقبلة، عبّر وينترهوف عن ثقته بمسار الشركة، مشيراً إلى أن «لوسيد» تتصدر مبيعات السيارات الكهربائية ضمن فئة السيدان الفاخرة في الولايات المتحدة، وتحتل المرتبة الثالثة في الفئة نفسها عند احتساب سيارات الاحتراق الداخلي.

وفي استشراف للمستقبل، تتوقَّع الشركة الانتقال إلى أحجام إنتاج أعلى مع إطلاق السيارة متوسطة السعر. وأشار وينترهوف أخيراً إلى دخول «لوسيد» مجال سيارات الأجرة ذاتية القيادة (Robotaxi) في 2026، وهو قطاع ناشئ ترى فيه الشركة إمكانات نمو مستقبلية.


«الأهلي السعودي» يجمع مليار دولار من الأسواق الدولية لتعزيز رأسماله

أفراد يدخلون أحد فروع «البنك الأهلي» في السعودية (رويترز)
أفراد يدخلون أحد فروع «البنك الأهلي» في السعودية (رويترز)
TT

«الأهلي السعودي» يجمع مليار دولار من الأسواق الدولية لتعزيز رأسماله

أفراد يدخلون أحد فروع «البنك الأهلي» في السعودية (رويترز)
أفراد يدخلون أحد فروع «البنك الأهلي» في السعودية (رويترز)

أعلن البنك الأهلي السعودي نجاحه في إتمام طرح سندات رأس المال الإضافي من الشريحة الأولى (AT1) مقوّمة بالدولار الأميركي، بقيمة إجمالية بلغت مليار دولار. ويأتي هذا الطرح ضمن استراتيجية البنك لتعزيز قاعدته الرأسمالية ودعم خططه التوسعية، مستفيداً من الثقة الكبيرة التي يوليها المستثمرون الدوليون للمؤسسات المالية السعودية.

وأوضح البنك، في بيان له على موقع السوق المالية السعودية (تداول)، أن السندات تم طرحها لمستثمرين مؤهلين داخل وخارج المملكة، وبلغت قيمتها الاجمالية مليار دولار بعائد سنوي نسبته 6.15 في المائة والذي يعدّ معدلاً تنافسياً يعكس الملاءة المالية العالية للبنك.

أما طبيعة الاستحقاق، فستكون عبارة عن سندات «دائمة»، ما يعني أنها لا تملك تاريخ استحقاق نهائي، ولكنها قابلة للاسترداد من قبل البنك بعد مرور 5.5 سنة. وتم إصدار 5 آلاف سند، بقيمة اسمية قدرها 200 ألف دولار للسند الواحد.

ومن المقرر أن تتم تسوية الإصدار بتاريخ 22 يناير (كانون الثاني) الحالي، على أن يتم إدراج هذه السندات في السوق المالية الدولية بسوق لندن للأوراق المالية.

في إطار الشفافية المالية، أشار البنك إلى أن عملية البيع تمت بموجب اللائحة إس (Regulation S) المنبثقة من قانون الأوراق المالية الأميركي لعام 1933.

يشار إلى أن هذا النظام يعد إطاراً قانونياً يوفر إعفاءً من متطلبات التسجيل لدى هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية للإصدارات التي تتم خارج الولايات المتحدة. وبموجبه، يُسمح للشركات والجهات الدولية بطرح أدوات دين للمستثمرين غير الأميركيين في الأسواق العالمية (مثل سوق لندن أو دبي)، بشرط عدم الترويج لها أو عرضها داخل السوق الأميركية. هذا الإجراء يسهِّل على المؤسسات الكبرى الوصول إلى سيولة دولية متنوعة بسرعة وكفاءة قانونية عالية.