مصر تعيد افتتاح متحف «الخزف الإسلامي» بعد إغلاقه 14 عاماً

الأول من نوعه في الشرق الأوسط... ويضم 315 قطعة فنية نادرة

المتحف يشغل الطابقين الأرضي والأول من قصر الأمير عمرو إبراهيم (الشرق الأوسط)
المتحف يشغل الطابقين الأرضي والأول من قصر الأمير عمرو إبراهيم (الشرق الأوسط)
TT

مصر تعيد افتتاح متحف «الخزف الإسلامي» بعد إغلاقه 14 عاماً

المتحف يشغل الطابقين الأرضي والأول من قصر الأمير عمرو إبراهيم (الشرق الأوسط)
المتحف يشغل الطابقين الأرضي والأول من قصر الأمير عمرو إبراهيم (الشرق الأوسط)

في قلب جزيرة الزمالك، يقبع متحف «الخزف الإسلامي» الذي يشغل قصر الأمير عمرو إبراهيم، شاهداً على ما قدمه الخزّافون المسلمون من روائع فنية تضاهي أرقى الخزفيات في العالم.

ويضم المتحف 315 قطعة نادرة، منها 116 قطعة من الخزف المصري، و118 من الطراز التركي، و49 من الطراز الإيراني، و25 من سوريا، وقطعتان من الأندلس، وقطعتان من العراق، وقطعتان من تونس، وقطعة من المغرب.

طبق من خزف «كوباتجي» إيراني يعود للقرن الـ17 (الشرق الأوسط)

وتتنوع أشكال المعروضات وألوانها وطرق صناعتها وأساليب زخرفتها، لكنها تتلاقى في تأكيدها على أن الحضارة الإسلامية إنما هي جزء أصيل ومهم من الحضارة الإنسانية.

وبعد إغلاق استمر 14 عاماً؛ أعلنت وزارة الثقافة المصرية عن افتتاح أبواب «متحف الخزف الإسلامي» مجدداً للجمهور يوم 15 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي؛ ليعود إلى الساحة الثقافية بصفته من أهم المتاحف المصرية؛ وفق علي سعيد، مدير عام المراكز الفنية في قطاع الفنون التشكيلية المصرية.

اللمسات الأخيرة قبل افتتاح المتحف (الشرق الأوسط)

ويقول سعيد لـ«الشرق الأوسط»: «يضم المتحف مجموعات نادرة من الأعمال الخزفية، وأُسِّس في نهاية التسعينات من القرن الماضي؛ ليوثق لمكانة فن الخزف في مصر؛ فقد كانت الحضارة المصرية القديمة أقدم حضارات العالم ارتباطاً بهذا الفن، واستمر هذا الأمر على مر العصور».

وجاء اختيار مكانه في قصر الأمير عمرو إبراهيم، القابع بين أحضان النيل، بعد أن غادرته مقتنيات متحف محمد محمود خليل، التي كانت تحتل القصر نفسه بصفة مؤقتة، والتي عادت للعرض في مقرها الأصلي بالجيزة، لتستقر الروائع الخزفية في هذا القصر التراثي المبني على طراز العمارة الإسلامية، مع تأثره بالطراز الكلاسيكي الأوروبي، وذلك على مساحة 774 متراً مربعاً.

تناغم بين المعمار الإسلامي للمتحف ومقتنياته (الشرق الأوسط)

ويُضفي الطابع المعماري للقصر وتفاصيل التصميم الداخلي للقاعات المشبعة بالزخارف الإسلامية مزيداً من الجمال والعراقة والتناغم بين المقتنيات والمكان؛ ما يجعل الزائر يعيش حالة حضارية وفنية استثنائية، يستمتع خلالها بعرض متحفي مميز.

وتتنقل عين الزائر ووجدانه ما بين نوافذ الزجاج المعشق بالجص، بصفته أحد العناصر الإسلامية المعروفة، وأعمال الخرط العربي الثري والأسقف والحوائط والأبواب المحلاة بالزخارف والمقرنصات الجصية الزاخرة بدورها بالوحدات النباتية والهندسية والكتابات، في تشكيلات متداخلة ومتراكبة.

منتجات خزفية مختلفة (الشرق الأوسط)

ويقام حوار بين هذه الفنون المعمارية التي يزدان بها القصر وما يضمّه المتحف الذي يحتل دورين كاملين منه، فيُشاهد فيهما منتجات خزفية مختلفة من قدور وأطباق وصحون ومزهريات ومشكاوات وفناجين وأكواب وسلطانيات وبلاطات، وغير ذلك من قطع تجمع بين الجمال الخالص والوظيفية، وتؤكد إبداع الخزاف المسلم على مرّ الزمن، مستخدماً أنامله البارعة والأفران ودولاب الطين.

يضم المتحف روائع خزفية نادرة لمختلف العصور الإسلامية (الشرق الأوسط)

ويزيد من هذا الحوار الفني مراعاة العرض المتحفي عاملي الطرز والأساليب الفنية؛ حيث خُصّصت صالة بالدور الأرضي في القصر لعرض الطراز الفاطمي، وضمت صالة أخرى الطُّرز الخاصة بالخزف في كل من العصر الأموي والمملوكي والأيوبي، إضافة إلى صالة بالدور نفسه لعرض الأعمال التركية، أما الدور الأول فقد ضمت مجموعة من الفاترينات خزفيات الطراز الإيراني، وخصصت مساحة عرض لطراز الرقة السوري وسائر الطرز.

وكانت قد واجه المتحف بعض المشكلات التقنية والإنشائية، ما تطلّب تنفيذ الترميم ورفع الكفاءة، بصفته مبنى تراثياً وليس أثرياً، وفق علي سعيد: «مررنا بمراحل عدة شملت البنية التحتية والترميم الدقيق للحوائط والأسقف والأرضيات، والإضاءة، والصيانة الشاملة».

وحول القطع الخزفية، قال: «كانت حالتها جيدة للغاية، ولا تعاني أي مشكلات كبيرة، وقد رُمّمت بأحدث الأساليب العلمية الدقيقة، لاستعادة رونقها والحفاظ عليها، وقمنا بما يُسمى بـ(التنظيف الميكانيكي) لها».

دورق مزخرف من تركيا يعود للقرن الـ17 (الشرق الأوسط)

ورغم عدم الانتهاء الكامل من جميع مراحل ترميم القصر، فإنه كان هناك إصرار على إعادة افتتاحه للجمهور الشهر الحالي، وفق سعيد «لا تزال هناك أعمال ترميم لبعض الحوائط وللزخارف المستترة»، مبرراً ذلك بقوله «كان لا بد أن يُصبح المتحف متاحاً للجمهور على الرغم من عدم جاهزيته الكاملة؛ وذلك لنلحق الموسم الفني الجديد؛ فكما هو معروف يُمثّل حي الزمالك وجهة فنية بمتاحفه وكلياته وقاعاته التشكيلية والثقافية، التي تجتذب الزوار، خصوصاً في الشتاء، وهكذا يتمكّن محبو الخزف ودارسوه من زيارته».

وشدّد علي سعيد على أن «أعمال الترميم القائمة لن تُزعج الزوار في شيء؛ لأنها تتعلق بمهام بسيطة وغير مؤثرة على العرض المتحفي، ويحدث ذلك في متاحف العالم، منعاً للإغلاق لفترات طويلة»، مشيراً إلى أن «ما يزيد من متعة الزيارة أن متحف الخزف الإسلامي ملحق به متحف آخر هو متحف الفن والحديقة، فبفضل ضخامة الحديقة الملحقة به، صُمّمت لتكون متحفاً فنياً يضمّ قطعاً نحتية من الغرانيت والحديد، التي تتحمل الظروف الجوية الخارجية».

صحن من الخزف ينتمي لإسبانيا ويعود للقرن الـ17 (الشرق الأوسط)

«يُعد الفن الإسلامي من أكثر الفنون انتشاراً وأطولها عمراً، فقد امتدت الحضارة الإسلامية شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً، وفي ظل هذا الامتداد ازدهرت الفنون؛ ولذلك كان من المنطقي أن تحتضن مصر أول متحف نوعي للخزف الإسلامي في الشرق الأوسط»، حسب الفنان مصطفى الرزاز؛ الرئيس الأسبق للهيئة العامة لقصور الثقافة.

طبق من الخزف من مصر يعود للقرن الـ11 الميلادي (الشرق الأوسط)

ويلفت الرزاز إلى أن «جانباً من هذا الزّخم الذي يتميز به المتحف، يرتبط ارتباطاً وثيقاً بأن مصر احتضنت الحِرفيين والفنانين من مختلف الدول الإسلامية الذين تركوا بلادهم لظروف سياسية أو اقتصادية أو كوارث طبيعية؛ ما أدى إلى تنوع التقنيات والأساليب الفنية في الخزف المصري».

ويُغني المتحف محبي الخزف والباحثين والطلبة عن زيارة أماكن عدة للتعرف على تاريخ هذا الفن، وفق الرزاز الذي يضيف: «لقد جُمعت القطع الخزفية تحت سقف واحد لتُصبح متاحة للجميع؛ إذ جاءت مجموعة المتحف من مصدرين رئيسيَين هما متحف الجزيرة، الذي قدّم نحو 150 قطعة، و159 قطعة من متحف الفن الإسلامي، إضافة إلى 6 قطع خزفية كانت من مقتنيات خاصة في قصر الأمير عمرو إبراهيم».


مقالات ذات صلة

نيويورك في قبو المنزل

يوميات الشرق يظهر حي مانهاتن السفلي بما يضمه من مبنى «وان وورلد تريد» وبرجي مركز التجارة العالمي (البرجين التوأمين) - في نموذج كبير لمدينة نيويورك صنعه جو ماكين وذلك في متحف مدينة نيويورك (أ.ب)

نيويورك في قبو المنزل

سائق شاحنة يبني نيويورك مصغّرة تضم أكثر من 800 ألف مبنى، في مشروع بدأ كهواية وانتهى به المطاف داخل متحف المدينة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق لوحة بعنوان «يونغ وومان أت ذي ويل» للفنان الفرنسي بيار أوغست رينوار التي سُرقت من متحف رينوار في كاني سور مير بفرنسا - 8 سبتمبر 2026 (رويترز)

لصّان يسرقان لوحتين للرسام رينوار من متحف فرنسي

ذكرت السلطات المحلية أن لصّين سرقا لوحتين للرسام رينوار من متحف في كاني سور مير على الريفيرا الفرنسية، اليوم الثلاثاء.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق يقوم ضباط الشرطة بدوريات أمام مدخل متحف رينوار بعد السرقة في مدينة كاني سور مير (أ.ف.ب)

بعد اللوفر... سرقة لوحات قيمتها تسعة ملايين يورو من متحف فرنسي

قال بريان ماسون رئيس بلدية مدينة كاني سور مير، حيث متحف رينوار على الريفيرا الفرنسية، في بيان على «فيسبوك» إن لصين سرقا ثلاث لوحات من المتحف.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق الرئيس الصيني يستمع لشرح أمام قناع الملك توت (رئاسة الجمهورية المصرية)

قناع توت الذهبي يأسر قلب الرئيس الصيني

أسر القناع الذهبي للملك «توت عنخ آمون» الرئيس الصيني شي جينبينغ، ليتوقف طويلاً أمام الفرعون الذهبي خلال جولته بالمتحف المصري الكبير.

فتحية الدخاخني (القاهرة)
ثقافة وفنون تُظهر هذه الصورة التي التُقطت في 18 سبتمبر 2019 نسيج بايو الذي يعود إلى القرن الحادي عشر والذي يؤرخ للغزو النورماندي لإنجلترا في بايو في نورماندي بفرنسا (أ.ب)

الملك تشارلز وماكرون يتفقدان نسيج بايو التاريخي في المتحف البريطاني

سيزور الملك تشارلز ملك بريطانيا والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، اليوم الأربعاء، المعرض الذي يضم نسيج بايو التاريخي في المتحف البريطاني.

«الشرق الأوسط» (لندن)

«يلّا Unmatch»... ضحكاتٌ على مسرح العاطفة وأوجاعها المؤجَّلة

في الحبّ... لا يأتي أحدٌ وحده (الشرق الأوسط)
في الحبّ... لا يأتي أحدٌ وحده (الشرق الأوسط)
TT

«يلّا Unmatch»... ضحكاتٌ على مسرح العاطفة وأوجاعها المؤجَّلة

في الحبّ... لا يأتي أحدٌ وحده (الشرق الأوسط)
في الحبّ... لا يأتي أحدٌ وحده (الشرق الأوسط)

في المسرح، قد تمنح الحكاية العرض مدخله، لكنّ قيمته تتحدَّد بما تستطيع الكتابة استخراجه من احتمالاتها الإنسانية، وبالكيفية التي تتجسَّد بها هذه الاحتمالات على الخشبة. في «يلّا Unmatch»، كتابة ريّسا البرجي وإخراجها، المعروضة في «المونو»، تتآلف مقوّمات العمل ضمن رؤية تمتلك تماسكها الدرامي وحساسيّتها النفسية، وتُحسِن الموازنة بين المتعة المسرحية والكثافة الشعورية، من دون أن تطغى إحداهما على الأخرى.

تبدأ الحكاية من زوجين شابّين جمعتهما تطبيقات المواعدة، ويعودان إلى البدايات لاستحضار ما تَعاقب على علاقتهما من انجذاب وتوقّعات وتحوّلات. وإنما الاستعادة تحمل وظيفة تتخطَّى استحضار الوقائع الماضية. فما مرّ في بدايات العلاقة من دون أن يستوقف الشخصيتَيْن، تتجلّى أبعاده مع تطوّر الحكاية، وتتّضح صلته بما انتهت إليه حياتهما المشتركة.

بذلك يصبح الزمن عنصراً درامياً فاعلاً، وتُشكّل العودة إلى البدايات وسيلة لفَهْم ما تراكَم بين شخصين اعتقدا ذات يوم أنّ اختيارهما المتبادل كافٍ لطمأنتهما.

للعلاقات عُمر آخر تحت الجِلد (الشرق الأوسط)

تتناول المسرحية تعقيدات الارتباط الإنساني، حيث لا يدخل المرء علاقاته العاطفية منفصلاً عن تاريخه الشخصي. فالأسرة تترك أثرها في الطريقة التي نطلب بها الحبّ، وفي مقدار ما نحتمله من غياب أو رفض، وفي أشكال الطمأنينة التي ننتظرها من الآخر. وقد تتحوّل العلاقة من حيث لا ينتبه طرفاها إلى محاولة متبادَلة لمعالجة حرمان سابق، فيما يظلّ كلّ منهما عاجزاً عن تسمية ما ينقصه. وتبلغ مفارقة الارتباط ذروتها في وحدة قد يعيشها الإنسان إلى جوار مَن يحبّ، تحت سقف واحد، وفي حياة اعتقد أنها ستمنحه ما افتقده طويلاً.

يتأكد تماسك النصّ من قدرته على استيعاب هذه التعقيدات ضمن كتابة تحتفظ بخفّتها الإيقاعية وامتلائها الدلالي. للكوميديا وظيفة تتّصل بطبيعة الشخصيات وآليات دفاعها النفسي. فالإنسان كثيراً ما يسخر ممّا يعجز عن مواجهته، ويُحوّل حيرته إلى نكتة، ويستعين بالضحك لتأجيل اعتراف يخشاه. وحين تنقلب النبرة، يكون الانفعال قد تهيّأ داخل المشهد واكتسب مشروعيته من مسار الشخصيات. الدموع والضحكات تنتميان إلى نسيج نفسي واحد، وتتبادلان كَشْف ما يتعذّر التعبير عنه صراحةً.

للضحك جذورٌ في أماكن موجعة (الشرق الأوسط)

وتُظهِر المعالجة الإخراجية وعياً بإدارة هذه التقلّبات، وبالحفاظ على إيقاع يسمح للمشهد بأن يستوفي احتمالاته قبل الانتقال إلى سواه. ويمنح توظيف الاستعادة العرضَ حركةً داخلية مستمرّة، فيما تواكب إضاءة علي بليبل التشكيل البصري للحالات الدرامية، في إطار اشتغال مسرحي تتحدَّد قيمته بتكامُل عناصره.

تُسهم جنى أبي غصن، المُنتجة أيضاً، وعامر فياض في إكساب العمل جانباً أساسياً من كثافته. يتنقّلان بين الشخصيات من خلال تبدّلات تتّصل بتكوين كلّ منها، ويُظهِران وعياً بأنّ التحوّل التمثيلي يتطلَّب إعادة تشكيل الحضور الجسدي والنفسي، بعيداً عن الاكتفاء بتغيير النبرة أو الهيئة.

وتتبدَّى دقّة اشتغالهما خصوصاً في التعبير الوجهي، حين تتعاقب على الملامح مشاعر متنافرة، ويُصبح الوجه حاملاً لِما تكتمه الشخصية أو تحاول إنكاره. تتشكّل الحالات الانفعالية عبر مستويات متزامنة، فقد يقول الصوت شيئاً فيما تفضح العينان شيئاً آخر، وقد تختزن ابتسامة مقداراً من الخيبة يعجز الحوار عن استنفاده. وتحضر ناتاشا رزق ضمن التكوين التمثيلي للعرض.

في «يلّا Unmatch»، نتابع تجربة مسرحية منضبطة في أدواتها، تتيح للجمهور أن يجد صلاته الخاصة بما يُعرَض أمامه، من دون أن تُملي عليه استجابة بعينها. وتبقى أهميتها في قدرتها على تحويل حكاية عاطفية معاصرة إلى تفكير في الإنسان الذي يبحث عن الحبّ مُحمَّلاً بما لم يتصالح معه بعد في نفسه، ويكتشف أنّ مشاركة الحياة مع آخر قد تُعمّق وحدته بقدر ما تمنحه الأمل في الخلاص منها.


«سرديات الأرض السوداء»... لوحات تقتفي أثر المصريين القدماء

لوحة بالمعرض تدمج الواقع بالأسطورة (قطاع الفنون التشكيلية)
لوحة بالمعرض تدمج الواقع بالأسطورة (قطاع الفنون التشكيلية)
TT

«سرديات الأرض السوداء»... لوحات تقتفي أثر المصريين القدماء

لوحة بالمعرض تدمج الواقع بالأسطورة (قطاع الفنون التشكيلية)
لوحة بالمعرض تدمج الواقع بالأسطورة (قطاع الفنون التشكيلية)

تنطوي التجربة التي يقدمها الفنان التشكيلي المصري محمد عيد في معرضه الأحدث «سرديات الأرض السوداء» على ملامح شيقة من الحضارة المصرية القديمة، حيث كانت تُعرَف مصر قديماً باسم «كمت» أي «الأرض السوداء»، مستدعياً انعكاساتها على الواقع والمشهد اليومي والشخوص المعاصرين.

وفي المعرض الذي تستضيفه قاعة «الباب سليم» بمتحف الفن الحديث حتى 26 سبتمبر (أيلول) الحالي، يجدِّد الفنان محمد قراءة مفهوم «كِمِت» بوصفه أكثر من مجرد تسمية تاريخية لمصر القديمة؛ فهو بالنسبة له «نقطة انطلاق للتأمل في العلاقة بين الإنسان والأرض والزمن، وبين ما يبقى من الحضارات في الذاكرة الإنسانية».

جانب من المعرض (قطاع الفنون التشكيلية)

تنطلق تجربة الفنان من تفكيك المنظومة الفكرية والرمزية للشكل المصري القديم بصورته الاعتيادية المباشرة، ويرصد فلسفته وما وراءه وحدود ملامسته واشتباكه مع الواقع المعاصر، يقول عيد: «الفن المصري القديم لم يكن مجرد تسجيل للمشهد أو زخرفة بصرية، وإنما كان لغة متكاملة تحمل مفاهيم الخلود، والعبور، والهوية، ودورة الحياة والموت والبعث».

ومن هذا المنطلق، تتحول الرموز والعناصر المستلهمة من الجداريات المصرية القديمة إلى طاقات بصرية معاصرة، يعاد من خلالها طرح أسئلة حول الزمن والوجود والذاكرة. فالجسد في الأعمال لا يظهر بوصفه هيئة خارجية فقط، بل يصبح حاملاً للمعنى، والخط ليس مجرد حدود شكلية، بل يتحول إلى أثر للذاكرة ومسار بصري يعبر بين الماضي والحاضر.

يضيف عيد لـ«الشرق الأوسط»: «تعتمد التجربة على مفهوم التهجين البصري، حيث تتداخل مفردات الفن المصري القديم مع صياغات تشكيلية معاصرة، لتكوين فضاء بصري تتجاور داخله طبقات زمنية متعددة؛ زمن الحضارة القديمة، وزمن العمل الفني، وزمن التجربة الشعورية للمبدع والمتلقي».

الأعمال استخدمت أسلوباً خاصاً في قراءة الأساطير (قطاع الفنون التشكيلية)

تعتمد اللوحات على تكوينات متباينة ضمن أكثر من بعد بصري، بعضها يمثل الحاضر بشخوصه ومفرداته العادية، وبعضها يستدعي رموز الأساطير المصرية القديمة، والبعض الآخر يضفي جواً نفسياً حميماً يربط الزمان بالمكان بالشخوص في مشهد جمالي يتبنى مفردات الحداثة عبر اللون والخط والتعبير والتجريد.

ووفق الفنان: «يلعب اللون دوراً محورياً في بناء هذه الرؤية؛ فاللون لا يُستخدَم بوصفه عنصراً جمالياً فقط، بل بوصفه حاملاً دلالياً وفلسفياً. يكون الأسود فيه جوهر التجربة، فهو ليس لوناً للعتمة، وإنما بوصفه رمزاً للأرض الخصبة (الأرض السوداء)، والرحم الذي تنبثق منه الحياة، والمساحة التي تختزن أسرار الوجود والتجدد».

ويستند الفنان إلى التوثيق الرقمي للجداريات المصرية القديمة بوصفه ذاكرة حية؛ حيث تتحول الخطوط المستعادة من النقوش القديمة إلى طبقات شفافة داخل العمل، تستحضر الحضور والغياب، وتربط بين الأثر التاريخي والرؤية المعاصرة.

إحدى لوحات المعرض (قطاع الفنون التشكيلية)

و«تضم التجربة مجموعة من الأعمال المُنفَّذة بتقنيات الأقلام الخشبية الملونة والأكريليك، تتناول موضوعات مستوحاة من مفردات الحضارة المصرية القديمة، مثل الشجرة المقدسة، والطائر، والطقوس، والجسد الإنساني، لكنها تعيد تقديمها داخل سياق بصري جديد يبحث عن المعنى الكامن خلف الرمز»، وفق الفنان.

ويعد معرض «سرديات الأرض السوداء» دعوة لإعادة اكتشاف الماضي؛ فالأرض هنا لا تنطوي على المكان فقط، بل تمتد لتحمل حكايات الإنسان عبر الذاكرة البشرية التي تختزن طاقة الزمن، وتفتح حواراً بين ما كان وما هو آتٍ، في رحلة تأملية من رحم الأرض نحو الأبدية.

الفنان محمد عيد بجوار إحدى لوحاته (قطاع الفنون التشكيلية)

من جهته أكد الدكتور محمود حامد، رئيس قطاع الفنون التشكيلية بوزارة الثقافة المصرية خلال افتتاح المعرض أن «أعمال الفنان محمد عيد لا تقتصر على مجرد التوثيق التاريخي أو استعادة التراث، بل تتجاوز ذلك لتصنع أسطورة جديدة تخص الحاضر، وتنسج حواراً عميقاً بين الأبعاد الروحية والزمنية للوجود الإنساني».

يُشار إلى أنّ الفنان محمد عيد سبق أن قدَّم في عام 2021 معرض «خريف المحب» كما شارك في أكثر من 30 معرضاً جماعياً، وحاز جائزة «صالون الشباب» بمصر عام 2017، وجائزة الحفر بمعرض الطلائع الـ52 الذي تنظمه «جمعية محبي الفنون الجميلة».


عظام بشرية تحت مطبخ زوجين... وسرّ عمره 1000 عام!

مِعوَل يوقظ موتى التاريخ («إنستغرام» روس سليدجر)
مِعوَل يوقظ موتى التاريخ («إنستغرام» روس سليدجر)
TT

عظام بشرية تحت مطبخ زوجين... وسرّ عمره 1000 عام!

مِعوَل يوقظ موتى التاريخ («إنستغرام» روس سليدجر)
مِعوَل يوقظ موتى التاريخ («إنستغرام» روس سليدجر)

صادف عامل بناء، خلال عمله في مشروع روتيني بأحد المنازل، اكتشافاً مرعباً تمثّل في رفات بشرية قديمة، حوّلت أعمال التجديد إلى تحقيق جنائي، قبل أن تجد الرفات طريقها أخيراً إلى مثواها الأخير.

وكان روس سليدجر (49 عاماً) يباشر أعمال تجديد منزله في ربيع عام 2019، حين عثر عامل بناء، كان يُنجز إضافة مطبخ إلى المنزل، على ما بدت أنها عظام بشرية، وفق ما نقلته «فوكس نيوز» عن وكالة «إس دبليو إن إس» الإخبارية.

وأُعيد دفن الرفات رسمياً في أغسطس (آب) الماضي، خلال مراسم أُقيمت في كنيسة قريبة من منزل سليدجر، في منطقة واي بمقاطعة كنت، جنوب شرقي إنجلترا.

وأفاد سليدجر بأنه لم يُبالِ بالاكتشاف في البداية، ظناً منه أن العظام تعود إلى حيوان مزرعة أو حيوان أليف. وقال: «أخبرني عامل البناء: (لقد وجدتُ بعض العظام)، فأجبته: (رائع)، ظناً مني أنها تعود إلى حيوان مزرعة أو حيوانات أليفة».

وأضاف سليدجر أنه أُصيب بالذهول حين علم بأنّ الرفات قد تكون بشرية. واستذكر قائلاً: «كما يمكنك أن تتخيّل، انفلتت مني ألفاظ كثيرة. كنت أفكّر: لا بد أنك تمزح، هذه مجرّد مزحة، لكنه ردَّ: (أنا جاد جداً)».

وأثارت العظام، التي تبيّن لاحقاً أنها رفات تعود إلى العصر الأنغلوساكسوني، ويبلغ عمرها نحو 1000 عام، ضجة واسعة، وأطلقت تحقيقاً للشرطة. وتوجَّه نحو 10 ضباط إلى المنزل للتنقيب في الفناء الخلفي، فعثروا في نهاية المطاف على رفات جثة ثانية.

وشمل الاكتشاف المروّع في مجمله عظمة فخذ، وجمجمتين، وأضلاعاً، وجزءاً من الحوض، وشظايا من عظمة العضد وعظام الأصابع.

وقال سليدجر: «اعتقدوا أنه مسرح جريمة. كان عليهم إبقاء ضابط طوال الليل، وكان عليه الخروج من سيارته كلّ نصف ساعة».

وأضاف: «كانت تلك الحركة تُشغّل كشافات الإضاءة القوية لدى الجيران، مما كان يُثير نباح كلبي. وكما يمكنك أن تتخيّل، لم أنم كثيراً تلك الليلة».

وبعد نحو 48 ساعة من الاكتشاف الأول، أكّد المتخصّصون أنّ الرفات قديمة، ولا صلة لها بجريمة حديثة.

وإنما الاكتشافات لم تتوقّف عند هذا الحد؛ فقد عثر سليدجر لاحقاً على ما وصفها بـ«مفاصل وأصابع»، خلال تركيب العشب الاصطناعي في فنائه الخلفي، ممّا أثار قلقه من احتمال تأخّر أعمال التجديد.

وقال سليدجر: «كنت أفكّر: يا إلهي، هذا سيؤخّر الأمور. لديّ عمال بناء قادمون الأسبوع المقبل».

وأضاف: «كنتُ أظن أنّ الأمر قد يستغرق شهوراً، لكن لحُسن الحظّ، انتهى كلّ شيء بحلول نهاية عطلة الأسبوع، وهو أمر جيد».

وأوضح أنه بعد انتهاء تحقيق الشرطة، نُقلت الرفات إلى جمعية تاريخية، ثم إلى قسيس محلّي، وإنما ترتيب دفنها في مثواها الأخير استغرق بعض الوقت.

وأعرب سليدجر عن اعتقاده بأنّ «الأمر كان يتعلَّق بالحصول على إذن، وتحديد ما إذا كان مسموحاً بدفنها هناك». وتابع: «أظنّ أنها كانت مجرّد إجراءات بيروقراطية أكثر من أي شيء آخر».

ولم يكن فناء سليدجر الخلفي المكان الوحيد في المملكة المتحدة الذي كشف عن قطعة غير متوقَّعة من التاريخ؛ فقد توصَّل زوجان بريطانيان آخران إلى اكتشاف ذي قيمة تاريخية، وإن كان أقل قتامة بكثير، في فنائهما الخلفي مؤخراً.

وعثر الزوجان، من مقاطعة هامبشاير، على كنز يضم 70 عملة إنجليزية تاريخية، خلال تعديل سياج قرب حديقة الزهور عام 2020.

وبيعت هذه العملات في مزاد علني في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، بأكثر من 380 ألف جنيه إسترليني، أي ما يعادل نحو 500 ألف دولار أميركي.