رحيل الشاعر شوقي أبي شقرا... صائغ الغرائبيات الطفولية

بقي يذكّر بأنه أول من كتب قصيدة النثر وابتكر مصطلحها

من اليمين... أدونيس وشوقي أبي شقرا وأنسي الحاج ويوسف الخال
من اليمين... أدونيس وشوقي أبي شقرا وأنسي الحاج ويوسف الخال
TT

رحيل الشاعر شوقي أبي شقرا... صائغ الغرائبيات الطفولية

من اليمين... أدونيس وشوقي أبي شقرا وأنسي الحاج ويوسف الخال
من اليمين... أدونيس وشوقي أبي شقرا وأنسي الحاج ويوسف الخال

شاعر رائد، مترجم، صحافي، صائغ نصوص... تعدّدت المهمات، وبقي شوقي أبي شقرا، الذي غادرنا عن عمر 89 سنة، أستاذاً لكثيرين. رحلته المهنية العصامية بقسوتها، جعلت منه سنداً للمبتدئين والطموحين، ومعيناً لانطلاقتهم الأولى، وهؤلاء لا يزالون يتذكّرون حنوّه. شاعر سوريالي بامتياز، عُرف بتراكيبه الفريدة، وعشقه للّعب بالصور، وكأنها «بازل» (Puzzle) في يد طفل لا يملّ التجريب. بقي كذلك حتى سنواته الأخيرة، يؤلّف وينشر، ويتابع، في محاولة للقبض على ما بقي من زمن.

وُلد أبي شقرا في بيروت، لكنه بقي ابن القرية التي عاش فيها طفولته، يعود إليها في شهور الصيف. هي بمفرداتها، وطبيعتها، وحيواناتها لم تغادره قَطّ.

نشأ في رشميا ومزرعة الشوف، بسبب عمل والده دركياً في المنطقة، قبل أن يفقده طفلاً إثر حادث سير، وسيعيش من يومها في يُتمٍ مزمن، وكأنه لسرعة ما كبر لا يريد إلا أن يعود إلى ذلك الزمن المفقود. وفي شعره المليء بالبحث عن غرائبية الصور ما يشي بذلك.

تحدّث دون حرج عن نفسه «المقهورة في الطفولة»، وانتقال العائلة إلى بيروت، بعد موت الوالد، وجلافة حياته في المدرسة الداخلية دون حنان أو رحمة، هو وأخوه الصغير، كأنه غادر فردوساً لن يعود إليه مرة أخرى: «والدنا كان عنده شفقة كيانية علينا، كما كلّ أب محب. كان يريد لنا أن ننتقل من رشميا وتتحسّن حياتنا. هذا كله افتقدناه. ثم القهر مع احتكاكي بالعالم حين بدأت العمل ودخلت عالم الصحافة».

في عام 1965 ترك «مدرسة الحكمة»، عمل أستاذاً، وبقي قلقاً على أيامه ومستقبله، وما بمقدوره أن يفعل. هو الذي بدأ تجاربه الشعرية باكراً، كاتباً تحت وطأة الحزن والضياع. يقول: «رأيت أن الشعر هو ملاذي، وفي قبضة يدي».

محاولاته الشعرية الأولى كانت بالفرنسية. جرّب القصيدة العمودية، التي طلّقها بعد ذلك طلاقاً بائناً، قبل أن يكتب على التفعيلة، ويرسو على قصيدة النثر، التي يُعدّ رائدها، نافياً أن يكون أنسي الحاج هو الأول في المجال.

قال أبي شقرا في مقابلة مع ناشره سليمان بختي قبيل وفاته: «كنت أول من كتب قصيدة النثر، وأول من أطلق المصطلح. في 28 نيسان (أبريل) 1959 نشرت أربع قصائد في جريدة (النهار) تحت عنوان (رب البيت الصغير)، وقلت في مطلع القصيدة: (القهوة على الأرض ما الصراخ ورب البيت يحزو... من أوحى للزوار أن يأتوا عنده للمحة لسهرة؟ القهوة ثمينة ومعاشه خفيف كمفكرة لا يقوى أن يخدم ويرحب والستائر لا تغطي الشمس والفقر)».

هو أحد مؤسسي «حلقة الثريا» الأدبية عام 1957، مع جورج غانم، وإدمون رزق، وميشال نعمة، والمشاركين بندواتها ومحاضراتها ونقاشاتها. ثم التحق بمجلة «شعر»، منذ انطلاقتها الأولى مع يوسف الخال. هناك التقى بدر شاكر السيّاب، وجبرا إبراهيم جبرا، ونازك الملائكة، وأدونيس، وآخرين. كانت لمساته حين كان مدير تحرير للمجلة تمرّ على القصائد، في شيء من المبالغة في التعديل، وهو ما أسماه «تنظيفاً للقصيدة»، ما كان يستفزّ أدونيس. لكن أبي شقرا اعتبر أنه كان يؤدي مهمته بصفته حارساً للمجلة، ومرشدها الجمالي والشعري والأدبي. ويتباهى بدوره: «كلهم عبروا مع حبر قلمي».

على أهمية مرحلة مجلة «شعر»، جاء دخول شوقي أبي شقرا إلى جريدة «النهار» آتياً من جريدة «الزمان»، حاملاً مهاراته في التحرير، محطة مفصلية في حياته، حيث سيصبح التنظيف صياغة حقيقة، أو قل ما يشبه إعادة كتابة. ويروي في مذكراته التي اعتبرها «شهادة للتاريخ»، أنه هو الذي أوجد الصفحة الثقافية في جريدة «النهار»، بصيغتها المنتظمة، وجعلها صفحة عصرية، أدخل عليها المسرح والرسم ومقالات النقد السينمائي التي كان يكتبها بالفرنسية سمير نصري، ويترجمها له إلى العربية.

في «النهار» التقى بكثير من الشعراء والأدباء المعروفين الذين كانوا يتردّدون على الجريدة، وهناك استقبل الشبان اليانعين الراغبين في الكتابة، فنشر لهم وصحّح، وصار بعضهم نجوماً. من بين هؤلاء سعدي يوسف الذي نشر قصيدة له على صفحات «النهار» يوم كان عمره 18 عاماً.

الإحساس بالقهر، عند أبي شقرا، كان قرين إحساسه بالظلم. شعور عزّزه مساره الشاق في عالم الأدب، وفي مهنة الصحافة الثقافية، التي بدت له عاقة في النهاية. عمل دائماً بشغف وكدّ، واجداً في ذلك تعويضاً عن شعوره القديم بالفَقد الذي لم يغادره. مساره برمته، كان نوعاً من التّحدي، وكأنه لم يتوقف عن مصارعة المتاعب التي لازمته في طفولته القاسية. وجد في الأدب، وتدجين التراكيب، ومراوغة القارئ وإدهاشه بما لم يكن ينتظر من المفردات، نوعاً من الانتقام الشعري ممن خذلوه، أو انتزعوا منه سمة الريادة ظلماً، وهو لم يتوقف يوماً عن التذكير، والمطالبة بها.

ترجم قصائد عن الفرنسية لشعراء كبار مثل: رامبو، ولوتريامون، وريفردي، انتهج فيها طريقته في التنظيف والصياغة التي اتبعها في تحرير القصائد العربية. وأصدر العديد من هذه الترجمات في كتاب صدر عن «دار نلسن». وهي الدار التي أصدرت مذكراته، وديواناً جديداً له بعد 16 عاماً من الغياب الشعري حمل عنوان «عندنا الآهة والأغنية وجارنا المطرب الصدى»، كما أعادت إصدار ديوان قديم له كان قد نشره في النصف الأول من القرن الفائت، بعنوان «سنجاب يقع من البرج». ومن دواوينه الأولى «أكياس الفقراء»، ومن ثم «خطوات الملك» تضمنا قصائد «التفعيلة»، وله أيضاً «تتساقط الثمار والطيور»، و«ليس الورقة»، و«ماء إلى الحصان والعائلة». وحالياً، تتحضّر «دار نلسن» لإصدار كتاب له، يضمّ بين دفتيه نصوص أبي شقرا التي كتبها بمناسبة وفاة كبار الكتّاب الذين رافقت كلماته رحيلهم.

ويرى ناشره سليمان بختي في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن «أبي شقرا خسارة لا تعوّض. شاعر منفتح على مختلف التجارب، عنده إيمان عميق بالحرية. بقي حتى النهاية فضولياً، مهتماً بالاطلاع على التجارب الشابة في الشعر، ومراقبة التحولات. حتى في ثمانيناته كان يفاجئنا بالطريقة التي يفكر بها، وبصياغاته اللغوية المفاجئة، وكأنما قصيدته عناقيد متناسلة من الصور، كل صورة تأخذك إلى الأخرى، لتصبح هي لبّ القصيدة وجوهرها». ويتحدث بختي عن قاموس شعري خاص بأبي شقرا، مستلهم من الطبيعة واللاهوت، والجغرافيا اللبنانية والطفولة. ويلفت كذلك إلى دور أبي شقرا في التحرير لكبار الكتّاب: «فهو الذي حرّر ديوان بدر شاكر السيّاب الشهير (أنشودة المطر) يوم صدر عن (دار شعر)، وروى لنا أنه حذف ربعه، بموافقة السيّاب نفسه، قبل أن يبصر النور».

مضى صاحب «صلاة الاشتياق» بعد أن اجتاز «رحلة غنائية، وجودية، جمالية» كما يقول ناشره، ولم يتخلَّ يوماً عن قلقه، ومراجعة نصوصه بدقة، والحرص على ابتكار عناوين شائقة تحفظ للنصوص ألقها ورهافتها.

ويلخص أبي شقرا في سطرين سرّ مهارته الطفولية في صياغة الغرائبي حتى وهو يقترب من تسعينه، حين يقول: «يهمني التركيب قبل الموضوع. الكيفية في اللعب على الشكل قبل المضمون. وعندما أقول حركة الشكل، فهذا يعني مضموناً آخر. كل الفنون في النهاية تطمح إلى الشعر. طموح كل كتابة أن تصل إلى النفحة الشعرية. واللذّة دائماً شعرية. ولا يمكن أن تشفى طعنة الشعر إلا بالغفران».


مقالات ذات صلة

وليد غلمية بعد 15 عاماً... النوتة نفسها والقراءة تختلف

يوميات الشرق هبة القواس وهاروت فازليان جمعهما الوفاء لوليد غلمية (الشرق الأوسط)

وليد غلمية بعد 15 عاماً... النوتة نفسها والقراءة تختلف

مع قراءة هاروت فازليان، استعادت مؤلَّفات غلمية ألقها على المسرح، مؤكّدةً أنّ مكان الموسيقى يبقى حيث يستمرّ عزفها...

فاطمة عبد الله (بيروت)
ثقافة وفنون الشاعرة والكاتبة الكندية آن كارسون (أ.ف.ب)

كاتبة كندية تفوز بجائزة نوبل في الأدب لعام 2026

فازت الشاعرة والكاتبة الكندية آن كارسون بجائزة نوبل في الأدب لعام 2026 تقديراً لـ«أعمالها الجريئة والمبتكرة التي خلقت أشكالاً جديدة للأدب المعاصر».

«الشرق الأوسط» (أستوكهولم)
يوميات الشرق محمود درويش حاضر من الجهة التي يعجز عنها الغياب (الشرق الأوسط)

محمود درويش في بيروت... كلّما ابتعدَ زمنُه وجدناه في زمننا

المكان الذي تعذَّرت استعادته كما كان، ظلَّ حاضراً في القصيدة بأسمائه ووجوهه وروائحه...

فاطمة عبد الله (بيروت)
خاص المخرج والمصور السينمائي السعودي بلال البدر (الشرق الأوسط)

خاص بلال البدر: قصصنا المحليَّة طريقنا إلى العالمية

المعدات الجيدة لا تكفي لصنع فيلم جيد؛ فلا بدّ، أولاً، من قصة يعرف صانعُها عالمَها وتفاصيلَها...

عبد الهادي حبتور (الرياض)
يوميات الشرق يقدّم الدليل إرشادات تسهم في تمكين العاملين من مواكبة التقنيات الحديثة وتوظيفها بصورةٍ مسؤولة (وزارة الثقافة)

السعودية تطلق دليلاً لأخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي في القطاع الثقافي

أصدرت وزارة الثقافة السعودية دليل «أخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي» في القطاع، بهدف ترسيخ ممارساتٍ واعية ومسؤولة وعادلة في توظيف التقنيات بالصناعات الإبداعية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

دنيا سمير غانم تفتح صفحة غنائية جديدة عبر «الله يعيني»

الملصق الدعائي لأغنية «الله يعيني» (حسابها على فيسبوك)
الملصق الدعائي لأغنية «الله يعيني» (حسابها على فيسبوك)
TT

دنيا سمير غانم تفتح صفحة غنائية جديدة عبر «الله يعيني»

الملصق الدعائي لأغنية «الله يعيني» (حسابها على فيسبوك)
الملصق الدعائي لأغنية «الله يعيني» (حسابها على فيسبوك)

تفتح الفنانة المصرية دُنيا سمير غانم صفحة جديدة في مسيرتها باعتبارها مطربة عبر أحدث ألبوماتها «الدلال» الذي اختارت أن تطرحه في موسم الخريف لتغرد منفردة بعيداً عن الصيف الذي كان مزدحماً بألبومات النجوم.

وطرحت دُنيا أولى أغنيات الألبوم الثلاثاء بعنوان «الله يعيني» وكتبت عبر حسابها على «إنستغرام»: انتظروا أغنيتي الجديدة «الله يعيني» من ألبوم «الدلال»، التي طرحتها على «يوتيوب» وجميع منصات الديجيتال.

وتُعد «الله يعيني» أغنية عاطفية تجمع بين العتاب واللوم وإحساس الخذلان الذي تواجهه امرأة من حبيبها فتتمنى أن يعينها الله على نسيانه.

الأغنية من كلمات الشاعر مصطفى ناصر وألحان عمرو مصطفى وتوزيع النابلسي، وتعد الأغنية اللقاء الثاني بين مصطفى ناصر وصوت دنيا سمير غانم بعد أن جمعتهما أغنية «أسيب نفسي وأغني» قبل 3 سنوات، والتي عادت بها دنيا للغناء بعد رحيل والديها، وقد أهدتها لهما.

دنيا سمير غانم تراهن على ألبومها الجديد (حسابها على فيسبوك)

وكشف ناصر كواليس أغنية «الله يعيني»، وقال في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إن «الأغنية بدأت عبر ثيمة لحنية وضعها الملحن عمرو مصطفى وأنه كتب كلماتها بمجرد أن استمع إلى اللحن»، مؤكداً أنه انتهى منها خلال نصف ساعة فقط، لافتاً إلى أن «كيمياء خاصة تجمعه بعمرو مصطفى، حيث قدما معاً أكثر من 45 أغنية، من بينها (أكتر وأكتر) لعمرو دياب، و(مشيتي) لمحمد حماقي، و(سيبوه يفكر في زمان) التي غناها عمرو مصطفى، و(كداب) لسميرة سعيد».

ولفت إلى أن دنيا تحمست بمجرد أن استمعت إليها من المُلحن وقررت أن تغنيها، ويرى مصطفى ناصر أن الأغنية تعبر عن حالة شخص تلقى كثيراً من الوعود الحالمة وصدقها ثم استيقظ ليجد نفسه أمام وعود زائفة، مشيراً إلى أن التوزيع الموسيقي الذي قام به «النابلسي» على إيقاعات المقسوم والإيقاعات الشرقية حقق الحالة الكاملة للأغنية كما لو كانت «رقصة على الأحزان».

ووصف ناصر دنيا سمير غانم بأنها «فنانة متعددة المواهب»، وقال إنها نجحت كونها مطربة، مثلما نجحت ممثلة، واصفاً صوتها بأنه من «أكثر الأصوات دفئاً وشجناً وإحساساً، فهو قادر على توصيل الحالة الغنائية للمتلقي بشكل صحيح»، لافتاً إلى أنها «كونها مطربة لم تغب عن الغناء بل تحرص في أغلب أعمالها الدرامية على الغناء»، مشيداً بذكاء اختيارها لهذا التوقيت لطرح ألبومها، لا سيما أن شهور الصيف كانت مليئة بالألبومات، وقد تلقى الجمهور جرعة دسمة منها، واختارت هي توقيتاً منفرداً، معولة على جمهورها وموهبتها واختياراتها»، حسبما يقول.

دنيا مع الملحن عمرو مصطفى (حسابها على إنستغرام)

وأصدرت دنيا سمير غانم الأغنية التي أطلقت شهرتها «مش قادرة أصدق» ضمن ألبوم «فري ماكس 4» عام 2005، وطرحت ألبوماً في 2013 ضم 9 أغنيات، وجمعت ببراعة بين الغناء والتمثيل لا سيما في أعمالها الاستعراضية، كما شاركت بالغناء مع الفنان أحمد مكي في أغنيتي «دور بنفسك» و«الحلم».

وعَدّ الناقد الموسيقي أحمد السماحي دنيا من «الأصوات الفطرية والسليمة في الأداء الغنائي والصادقة في كل ما تقدمه، سواء في أغنيات بها شقاوة أو دراما»، لافتاً إلى أن «أغنية (الله يعيني) أغنية درامية تراهن على تجربة للتعبير العاطفي القريب من الجمهور»، مؤكداً في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «المُلحن عمرو مصطفى قد استفاد من مرونة صوت دنيا وقدرتها على المزج بين الإحساس والعفوية، كما بدت كلمات مصطفى ناصر فرصة لتقديم حالة وجدانية تلامس المستمع».

دنيا سمير غانم تعود للغناء مجدداً (حسابها على إنستغرام)

ورأى السماحي أن البطل في هذه الأغنية هو موزعها النابلسي، حيث جاء توزيعه متميزاً جداً وتمكن من توصيل الهوية الصوتية لدنيا سمير غانم مع أعمال المكساج والماستر لخالد سند، لافتاً إلى أن أغنية «الله يعيني» تلعب على ثيمة أغنية «حكايتي مع الزمان» التي كتبها الشاعر الكبير محمد حمزة، وغنتها الفنانة وردة في السبعينات.

وشدد السماحي على أنه في ظل صوت محبوب مثل دنيا وتوافر عناصر إنتاج مختلفة فإن الأغنية تتميز بـ«صدق الأداء» و«خصوصية اللحن» و«ابتكار التوزيع» لكنها ليست «أغنية عظيمة». على حد تعبيره.


عدسة اصطناعية مزودة بدواء لعلاج الغلوكوما

أكثر من 95 % من المرضى الذين استخدموا العدسة المطلقة للدواء لم يعودوا بحاجة لأدوية أخرى (آنسبيلاش)
أكثر من 95 % من المرضى الذين استخدموا العدسة المطلقة للدواء لم يعودوا بحاجة لأدوية أخرى (آنسبيلاش)
TT

عدسة اصطناعية مزودة بدواء لعلاج الغلوكوما

أكثر من 95 % من المرضى الذين استخدموا العدسة المطلقة للدواء لم يعودوا بحاجة لأدوية أخرى (آنسبيلاش)
أكثر من 95 % من المرضى الذين استخدموا العدسة المطلقة للدواء لم يعودوا بحاجة لأدوية أخرى (آنسبيلاش)

أظهرت نتائج تجربة سريرية أن عدسة تُستخدم لعلاج المياه البيضاء (الكاتاركت) يمكن أن تساعد أيضاً في علاج المياه الزرقاء (الغلوكوما). وأفاد باحثون -خلال الاجتماع السنوي للأكاديمية الأميركية لطب العيون (AAO)، في مدينة نيو أورليانز الأميركية، في الفترة من 9 إلى 12 أكتوبر (تشرين الأول) 2026- بأن هذه العدسات الاصطناعية تحتوي على أجزاء صغيرة مشبعة بعقار «بيماتوبروست» (bimatoprost) -وهو دواء شائع الاستخدام لعلاج المياه الزرقاء- حيث يتم إطلاقه بشكل تدريجي داخل العين.

ووجد الباحثون أنه بعد مرور عام، كانت مستويات ضغط العين لدى المرضى الذين حصلوا على تلك العدسات مماثلة لتلك المسجلة لدى المرضى الذين تلقوا عدسات قياسية لعلاج المياه البيضاء واستخدموا قطرات العين مرتين يومياً لعلاج المياه الزرقاء. وأضاف الباحثون أن أكثر من 95 في المائة من المرضى الذين استخدموا العدسة المطلقة للدواء لم يعودوا بحاجة إلى أي أدوية أخرى لعلاج المياه الزرقاء بعد مرور عام.

وقال الدكتور جيفري كامر، الباحث وطبيب العيون في المركز الطبي بجامعة فاندربيلت في ناشفيل بالولايات المتحدة، في بيان، الثلاثاء: «تخيل أن تتمكن من علاج اثنين من أكثر أمراض العيون شيوعاً -المياه البيضاء والمياه الزرقاء- في إجراء واحد. ببساطة، لا يوجد شيء مماثل لهذا قيد التطوير حالياً».

وتتسبب المياه الزرقاء في فقدان البصر نتيجة لارتفاع ضغط السوائل داخل العين، مما يؤدي إلى تلف العصب البصري. ويُعد خفض هذا الضغط الوسيلة الوحيدة المثبتة طبياً لإبطاء تطور المرض، وعادةً ما يُوصف للمرضى استخدام قطرات العين يومياً كخطوة أولى للعلاج.

غير أن الالتزام باستخدام القطرات مرة أو مرتين يومياً يمثل تحدياً؛ إذ يشير الباحثون إلى أن «استخدام قطرات العين بشكل يومي منتظم قد يكون أمراً صعباً».

المياه البيضاء

في المقابل، يعاني كثير من كبار السن أيضاً من المياه البيضاء، وهي حالة تتضمن تعتيم عدسة العين الطبيعية. وقد أشار الباحثون إلى أن جراحة إزالة المياه البيضاء وزراعة عدسات بديلة أصبحت واحدة من أكثر العمليات الجراحية شيوعاً وموثوقية في العالم. وألهم هذا الأمر الباحثين فكرة: لماذا لا يتم تزويد العدسات الاصطناعية بأدوية علاج المياه الزرقاء؟

وقال كامر: «إن فكرة العدسة التي تطلق الدواء وتوفر علاجاً مستمراً بعد جراحة المياه البيضاء هي فكرة مقنعة للغاية».

وقام الباحثون بإشراك 106 أشخاص يعانون من المياه الزرقاء أو ارتفاع ضغط السوائل داخل العين، وكان من المقرر أن يخضعوا لجراحة المياه البيضاء، حيث تم توزيع 3 أرباع المرضى عشوائياً للحصول على العدسات التي صُممت لتوصيل جرعة إما منخفضة وإما عالية من عقار «بيماتوبروست». أما الربع المتبقي من المرضى فقد حصلوا على عدسة قياسية بديلة، تلاها استخدام قطرات «تيمولول» (دواء لعلاج المياه الزرقاء/الغلوكوما) مرتين يومياً.

وأظهرت النتائج أنه بعد مرور عام، انخفض ضغط العين إلى 15.9 ملم زئبقي لدى المجموعة التي تلقت جرعة أعلى، وإلى 14.8 ملم زئبقي لدى المجموعة التي تلقت جرعة أقل، وإلى 15.7 ملم زئبقي لدى المجموعة التي استخدمت العدسة القياسية وقطرات العين. وقال كامر: «لقد شعرت بالتفاؤل -أكثر من شعوري بالمفاجأة- إزاء تطابق النتائج المسجلة بعد 12 شهراً مع النتائج الأولية التي ظهرت في التجارب التي أُجريت على البشر. إن رصد نتائج مماثلة عبر هذه الدراسات يوفر دليلاً مطمئناً على أن التأثير العلاجي يتكرر بنجاح مع تقدم البرنامج».

وأشار الباحثون إلى أنه ستتم متابعة المرضى المشاركين في هذه التجربة لمدة 3 سنوات، كما تجري حالياً تجربتان سريريتان أوسع نطاقاً. وخلص كامر إلى أن «المتابعة طويلة الأمد مهمة لفهم مدى استمرارية السيطرة على ضغط العين وكذلك لتقييم السلامة»، مضيفاً: «إن علاج المياه الزرقاء يتجه نحو حلول قد تجعل إدارة المرض أكثر بساطة».


اكتشاف نوع جديد من الديناصورات في بريطانيا

تصور فني للديناصور الجديد داخل نظامه البيئي قبل نحو 120 مليون سنة (سيرجي كراسوفسكي وبيدرو سالاس)
تصور فني للديناصور الجديد داخل نظامه البيئي قبل نحو 120 مليون سنة (سيرجي كراسوفسكي وبيدرو سالاس)
TT

اكتشاف نوع جديد من الديناصورات في بريطانيا

تصور فني للديناصور الجديد داخل نظامه البيئي قبل نحو 120 مليون سنة (سيرجي كراسوفسكي وبيدرو سالاس)
تصور فني للديناصور الجديد داخل نظامه البيئي قبل نحو 120 مليون سنة (سيرجي كراسوفسكي وبيدرو سالاس)

اكتشف فريق بحثي بقيادة كلية لندن الجامعية (UCL) نوعاً جديداً من الديناصورات، استناداً إلى أحفورة عُثر عليها في جزيرة وايت الإنجليزية.

ووفق ورقتهم البحثية المنشورة في دورية «رويال سوسيتي أوبن ساينس»، الثلاثاء، ينتمي هذا الديناصور إلى مجموعة من الحيوانات آكلة اللحوم الرشيقة الحركة التي تسير على قدمين وتُعرف باسم «ميغارابتورات». ويوصف بأنه كائن مفترس ذو مخالب طويلة وبحجم نمر كبير، ويُعد أول نوع من هذه المجموعة يُكتشف في أوروبا.

كانت الأحفورة الخاصة بهذا الاكتشاف - وهي عبارة عن جزء من مؤخرة الجمجمة - قد حصل عليها متحف التاريخ الطبيعي في لندن عام 1924، لكنها ظلت مهملة ولم تخضع للدراسة حتى وقت قريب.

وقال البروفسور بول باريت، كبير الباحثين في الدراسة والمختص في متحف التاريخ الطبيعي البريطاني: «على الرغم من عمليات الجمع التي استمرت لأكثر من 200 عام، لا تزال جزيرة وايت تفاجئنا بأنواع جديدة من الديناصورات، علماً بأن العثور على ديناصورات آكلة للحوم، مثل (إنفيكتيبيلا تريكس) - كان أمراً نادراً وصعب المنال بشكل خاص».

الميغارابتورات الغامضة.

وتُعد «الميغارابتورات» أكثر الديناصورات الضخمة آكلة اللحوم غموضاً، نظراً لندرة العثور على أحافير لها. ويُعتقد أنها نشأت في آسيا، قبل أن تهاجر عبر أوروبا وتصبح من كبار المفترسات في الكتلة الأرضية الجنوبية المعروفة باسم «غوندوانا»، التي كانت تشمل أفريقيا وأميركا الجنوبية والقارة القطبية الجنوبية في العصر الحالي. غير أن هذه النظرية كانت تفتقر حتى الآن إلى أدلة أحفورية جوهرية، إذ لم يُعثر سابقاً على أي بقايا للميغارابتورات في أوروبا.

والميغارابتورات وثيقة الصلة بالديناصورات من فصيلة «التيرانوصورات» (بما في ذلك «التيرانوصور ريكس»)، لكنها تميزت برؤوس نحيلة، وكانت تهاجم فرائسها باستخدام أذرعها الكبيرة ومخالبها الضخمة المنحنية بدلاً من الاعتماد على فكوكها.

وفي حين أن بعض الأنواع نمت لتصل إلى أحجام هائلة - تماماً مثل التيرانوصورات - فإن هذا النوع الجديد يُعد واحداً من أصغر الأنواع المكتشفة في هذه المجموعة وأقدمها أيضاً؛ إذ عاش في المملكة المتحدة خلال العصر الطباشيري المبكر قبل نحو 120 مليون عام. وقد أُطلق عليه اسم إنفيكتيبيلاتريكس أمبارينا Invictibellatrix amberina ويعني اسم «المحارب الذى لا يُقهر»، وذلك تكريماً للدور الذي لعبته الميغارابتورات كحيوانات مفترسة تتربع على قمة الهرم الغذائي.

وقال تشارلي شيرر، وهو باحث مشارك في الدراسة وطالب دكتوراه في قسم علوم الأرض بجامعة كوليدج لندن الإنجليزية: «يُعد هذا النوع الجديد أول دليل لدينا على أن الميغارابتورات كانت موجودة أيضاً في أوروبا».

ولم توضح الدراسة سبب انقراض الميغارابتورات في الشمال على الأرجح، لكن ذلك قد يكون ناتجاً عن تغيرات مناخية أو بيئية، أو بسبب وجود حيوانات مفترسة منافسة مثل أنواع أخرى من «التيرانوصورات».

وقال الدكتور كاسيوس موريسون من قسم علوم الأرض في كلية لندن الجامعية، والباحث الرئيسي للدراسة: «بناءً على ما نعرفه عن أقرب أقربائه، كان طول (إنفيكتيبيلاتريكس) يتراوح بين ثلاثة وأربعة أمتار، وارتفاعه يزيد قليلاً على متر ونصف تقريباً. ومن المرجح أنه كان يمتلك ريشاً، وقد تراوحت أطوال مخالبه بين 10 و20 سنتيمتراً. وكان يتغذى على الديناصورات الصغيرة والسحالي والثدييات، شاغلاً بذلك دوراً في السلسلة الغذائية يشبه دور الضبع في وقتنا الحاضر».

وأضاف موريسون: «لم يكن هذا الديناصور هو المفترس الأقوى في عصره، لكن بالنسبة للبشر، كان هذا الديناصور سيشكل خطراً أكبر من التيرانوصور ريكس؛ فقد كنا سنمثل فريسة مثالية الحجم بالنسبة له، إذ تبلغ أوزاننا نحو ثلث وزن جسمه، وكان من المؤكد أنه سيطاردنا».