قلعة بعلبك صمدت في وجه الغُزاة والهزّات... فماذا عن الغارات؟

مخاوف من الاعتداءات الإسرائيلية على الموقع الأثري اللبناني المصنّف عالمياً

قلعة بعلبك الأثرية في لبنان وعواميد معبد جوبيتر (موقع اليونيسكو)
قلعة بعلبك الأثرية في لبنان وعواميد معبد جوبيتر (موقع اليونيسكو)
TT

قلعة بعلبك صمدت في وجه الغُزاة والهزّات... فماذا عن الغارات؟

قلعة بعلبك الأثرية في لبنان وعواميد معبد جوبيتر (موقع اليونيسكو)
قلعة بعلبك الأثرية في لبنان وعواميد معبد جوبيتر (موقع اليونيسكو)

كلّما اهتزّت مدينة بعلبك تحت وطأة الغارات الإسرائيلية، ارتعدت قلوب اللبنانيين وعشّاق التاريخ خوفاً على قلعةٍ عمرُها من عمر لبنان. منذ الفينيقيين المؤسسين، 5 آلاف سنة تعاقبت خلالها الحضارات كلّها على موقعٍ ازدان بمعابد وهياكل ضخمة، بدأ الرومان بتشييدها في القرن الثاني بعد الميلاد. قرونٌ متعاقبة أبصرت القلعة فيها غزاةً يتناحرون من أجل السطوة عليها، وسيولاً اجتاحتها ولم تستطع إغراقها.

بدأ الرومان بتشييد القلعة في القرن الثاني ميلادي (موقع اليونيسكو)

خمسة زلازل كبيرة ضربت القلعة عبر العقود، وفق ما يخبر المرشد السياحي محمد وهبة «الشرق الأوسط». لكنّ شيئاً لم يتمكّن من زعزعة صمودها. ورغم الحروب المتعاقبة على لبنان، حافظ الموقع على أصالته. إلا أنّ صباح الأحد 6 أكتوبر (تشرين الأول)، استفاق أهل بعلبك على دويّ غارة سقطت على بُعد 700 متر من الموقع التاريخي. وسرعان ما التقطت عدسات الصحافة العالمية سحب الدخان الأسود المتصاعد من خلفها.

«لحسن الحظ، لا أضرار مباشرة في الموقع الأثري»، يؤكد محافظ بعلبك الهرمل بشير خضر في حديث مع «الشرق الأوسط». لكنّ المسؤول يخشى على الحصن التاريخي من «الدخان، بما فيه من مواد ملوّثة، تؤذي الحجارة وقد تتسبّب باسودادها». تُضاف إلى مخاطر التلوّث، الارتجاجات جرّاء الانفجار التي يحذّر خضر من أن تصيب القلعة المعمّرة بتصدّعات.

دخان متصاعد من موقع الغارة الإسرائيلية التي استهدفت جوار قلعة بعلبك (أ.ف.ب.)

ما يُطمئنُ المحافظ قليلاً أنّ «القلعة تحت حراسة مشدّدة من قِبَل الأجهزة الأمنية اللبنانية الرسمية خوفاً من أي سرقة أو سوء استخدام للموقع»، وهو يؤكد أن «لا شيء مثيراً للريبة داخل القلعة». لكن «لا ضمانات مع العدوّ الإسرائيلي، لذلك فإن المطلوب تحرُّكٌ دبلوماسي إلى جانب منظمة اليونيسكو، بهدف الضغط من أجل تحييد المواقع الأثرية في لبنان، لا سيّما أن الإسرائيلي يتصرّف بجنون ويتعمّد محو الهوية والإرث».

محافظ بعلبك الهرمل بشير خضر

يوم أدرجت اليونيسكو موقع بعلبك الأثري على قائمة التراث العالمي عام 1984، ذكرت المنظمة الأممية في إعلانها أن «بعلبك، بهياكلها الجبّارة، هي من أعظم نماذج هندسة الإمبراطورية الرومانية في ذروة حضارتها».

يخبر وهبة، الذي أمضى عقوداً ثلاثة وهو يجول بالسيّاح في أرجاء الموقع التاريخيّ، أن 9 معابد رومانية مطمورة اليوم تحت المدينة الحالية، وأن الأعمدة الـ6 التي يهرع الزوّار اليوم لالتقاط الصور أمامها، كانت في الأساس 54. يرجّح المرشد السياحي أن تكون قد «هُدمت في القرن الرابع لبناء كاتدرائية بحجارتها». ومهما اختلفت النظريّات وتعدّدت، فإنّ الموقع واجه تحدياتٍ لا تُعدّ على مر العصور، لكنه حافظ على لقبه الذي أُطلقه الفينيقيون عليه خلال الألفيّة الثالثة قبل الميلاد، «مدينة الشمس». وعندما جاء الرومان في نهاية القرن الميلادي الثاني ليشيّدوا ما تبقّى اليوم من آثار عملاقة، لم ينزعوا اللقب، بل كرّسوه مع بناء معبد جوبيتر، «إله الشمس».

المرشد السياحي في قلعة بعلبك محمد وهبة

على ضخامتها، اهتزّت الهياكل مراتٍ عدة جرّاء زلازل ضربت المنطقة عبر التاريخ، ومعها اهتزّ معبدا باخوس وفينوس المجاوران لها. أخطرُ تلك الزلازل وقع في القرن الثاني عشر، حيث تهدّمت أجزاء كبيرة من جدران القلعة. كما عادت بعلبك لتنال نصيبها من الزلازل والهزّات الأرضية العنيفة عامَي 1459 و1759.

وما بين الارتجاجات التي صنعتها يد الطبيعة، كانت أيادي البشر تهزّ دعائم القلعة بين قرنٍ وآخر. ففي عام 748، تعرّض معبد جوبيتر للنهب من قِبَل جيش الخليفة الدمشقي مروان الثاني. وما بين القرنين الثامن والعاشر، شكّلت بعلبك جزءاً من ولاية دمشق تحت حُكم الأمويين والعباسيين، قبل أن يحتلّها الفاطميّون القادمون من مصر عام 942. أما في عام 974 ومع دخول البيزنطيين، فتعرّضت أعمدتها الشامخة ومداخلها الرخاميّة المنحوتة للهدم والنهب.

هياكل معبد جوبيتر مضاءة لاستقبال مهرجانات بعلبك الدولية في صيف 2023 (رويترز)

بقيت القلعة صامدة في وجه غزو الصليبيين، والمغول، والعثمانيين، وكان عليها انتظار القرن السادس عشر حتى تبدأ بتنفّس الصعداء، عندما حلّ السيّاح مكان الغزاة فتحوّلت مقصداً لزوّارٍ آتين من أوروبا.

المرشد السياحي محمد وهبة الذي وُلد ونشأ على مسافة 150 متراً من القلعة، يستبعد أن تكون في خطر على قاعدة أنها «بحماية اليونيسكو، وأنّ عيون الحرّاس والموظفين ووزارة الثقافة ساهرة عليها». كما أنّ لدى وهبة قناعة بأنّ «أبرز مقوّمات الصمود وعبور الأزمنة بالنسبة للموقع، هي الأحجام الضخمة للحجارة المكوّنة من الكلس الصلب الذي لا يتفتّت، إضافةً إلى 186 عموداً من الغرانيت».

حجارة الكلس الصلب وأعمدة الغرانيت من الأساسات الصلبة لقلعة بعلبك (موقع وزارة السياحة اللبنانية)

يلفت المحافظ بشير خضر إلى أن المديرية العامة للآثار، ومع بدء الحرب الإسرائيلية على غزة وجنوب لبنان، وضعت الشارة الزرقاء الكبيرة على القلعة، وهي مخوّلة حماية المواقع التراثية المصنّفة عالمياً. يتابع خضر: «لكن وزير الثقافة أمر بإزالتها على اعتبار أن العدو الإسرائيلي لا يحترم أي معاهدات دولية ولا أي قوانين أو مواثيق».

بعد الغارة الأخيرة التي استهدفت موقعاً قريباً من القلعة، تواصل خضر مع وزير الثقافة مطالباً بإعادة الشارة الزرقاء، لكنّ الأخير «اعتبر أن ذلك لا يحمي، إلا أنه أكد أنه على اتصال باليونيسكو من أجل الحصول على ضمانات بحماية الآثار اللبنانية من العدوان الإسرائيلي». بالتوازي ينشط سفير لبنان لدى ألمانيا مصطفى أديب إلى جانب المنظمة العالمية، وهو تَقدّم بطلبٍ عاجل لتأمين الحماية المعززة للمواقع الأثرية اللبنانية المدرجة على لائحة التراث العالمي وتلك غير المدرجة على حدٍ سواء.

في الأثناء، لا يخفي خضر قلقه على القلعة، قائلاً إنها «أهم موقع أثري في لبنان وأيقونة سياحة الآثار». ويوضح أنه لا يخشى على الحجارة بقدر خشيته على التاريخ والإرث والهوية، التي يسعى العدوّ إلى تهديمها.

صورة من داخل موقع بعلبك الأثري بعد الغارة الإسرائيلية المجاورة (المحافظ بشير خضر)

خلال «عدوان تموز» 2006، لم تتعرّض قلعة بعلبك لقصف مباشر لكنّ آثار الغارات المحيطة بها أدّت إلى سقوط بعض الحجارة. كل ما يتمنّاه القيّمون عليها وعشّاقها اليوم أن تنجو هذه المرة كذلك، لتعود إلى ألقِها السابق ومقصداً للسيّاح ولنجوم العالم الذين زيّنوا مهرجاناتها الخالدة.


مقالات ذات صلة

«تييري الحلبي»… مهندس فرنسي أمضى 40 عاماً في ترميم آثار سوريا

يوميات الشرق يلقَّب خبير الآثار الفرنسي في سوريا بـ«الحاج تييري» (الشرق الأوسط)

«تييري الحلبي»… مهندس فرنسي أمضى 40 عاماً في ترميم آثار سوريا

يُعد تييري غراندان من أبرز خبراء ترميم الآثار في حلب حيث كرَّس أكثر من 4 عقود للعمل على حماية القلعة وتراث المدينة حتى لُقّب بين أهلها بـ«تيري الحلبي».

عبد الفتاح فرج (حلب (سوريا))
يوميات الشرق جانب من النقوش والرسوم على الكهف الأثري (وزارة السياحة والآثار)

اكتشاف مأوى صخري نادر بجنوب سيناء عمره 10 آلاف عام

أعلنت وزارة السياحة والآثار المصرية، الخميس، الكشف عن مأوى صخري نادر بجنوب سيناء يبلغ عمره نحو 10 آلاف عام، يضم نقوشاً ورسومات تعود لحضارات متعاقبة.

فتحية الدخاخني (القاهرة )
ثقافة وفنون لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي.

محمود الزيباوي
يوميات الشرق رأس التمثال المسترد من هولندا (وزارة السياحة والآثار)

معارض أجنبية تقود للكشف عن آثار مصرية منهوبة

كشفت واقعة استرداد مصر لتمثال رأس أثري من هولندا بعد تتبعه في أحد المعارض بمدينة ماسترخيت عن إمكانية أن تقود المعارض والمزادات الخارجية لاسترداد الآثار المصرية.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق عُثر على جمجمة مثقوبة في حصن تل يعود للعصر الحديدي في واندلبوري

علماء آثار يكشفون دليلاً على أقدم عملية جراحية بالمخ في العالم

كشف علماء آثار عن دليل لما قد يكون أول عملية جراحية في المخ في العالم، إذ تم العثور على جمجمة بشرية من العصر الفايكنجي وقد أُزيل جزء منها.

«الشرق الأوسط» (ستوكهولم)

لصّ مجوهرات يفرّ على متن حمار بعد سطو ليلي في تركيا

لقطة من الفيديو المتداول على وسائل التواصل الاجتماعي
لقطة من الفيديو المتداول على وسائل التواصل الاجتماعي
TT

لصّ مجوهرات يفرّ على متن حمار بعد سطو ليلي في تركيا

لقطة من الفيديو المتداول على وسائل التواصل الاجتماعي
لقطة من الفيديو المتداول على وسائل التواصل الاجتماعي

في واقعة طريفة وغريبة في آنٍ معاً، حاول لصٌّ الفرار من مسرح جريمة سطو ليلي على متجر مجوهرات في مدينة قيصري وسط تركيا، مستخدماً حماراً وسيلة للهروب، في مشهد بدا أقرب إلى لقطة سينمائية غير مألوفة.

فقد أقدم المشتبه به، الذي عُرّف بالأحرف الأولى من اسمه «إم سي»، على اقتحام متجر للمجوهرات، مساء الثلاثاء، حيث أظهرت تسجيلات كاميرات المراقبة رجلاً ملثّماً يستخدم رافعة شوكية لاقتلاع المصاريع المعدنية، وإفساح الطريق إلى الداخل. وتشير المعطيات إلى أنه استولى على نحو 150 غراماً من الذهب.

ووفق التسجيلات، بدأ المتهم بتحطيم إحدى النوافذ للوصول إلى منضدة العرض، ثم دفع المنضدة ذات السطح الزجاجي لتسقط على جانبها، وقفز فوقها وشرع في تفتيش المحتويات التي تناثرت على الأرض. وبعد أن أنهى جمع ما طاله، قفز مجدداً فوق الخزائن، وغادر من النافذة نفسها التي دخل منها، وفق «الإندبندنت» البريطانية.

المشهد الأكثر غرابة جاء بعد خروجه من المتجر؛ إذ رصدت كاميرات المراقبة اللص وهو يمتطي حماراً ويتنقل به في شوارع البلدة الخالية في ساعة متأخرة من الليل، في محاولة للابتعاد عن موقع الجريمة من دون إثارة الانتباه.

لكن هذه الوسيلة غير التقليدية لم تنجح في تضليل السلطات طويلاً؛ إذ أعلنت الشرطة لاحقاً توقيف المشتبه به، البالغ من العمر 26 عاماً، بعد التعرف عليه عبر تسجيلات الكاميرات. كما أظهر مقطع مصوّر عناصر الأمن وهم يقتادونه خارج أحد المراكز.

وتمكّن رجال الشرطة من العثور على المشغولات الذهبية المسروقة مدفونة في بقعة موحلة داخل كيس بلاستيكي أسود. وأكدت الجهات المختصة أن المضبوطات، التي شملت خواتم وقلائد وأساور، أُعيدت كاملة إلى مالك المتجر.

وليست هذه المرة الأولى التي فشل الهروبُ فيها باستخدام حمار؛ ففي عام 2013 أُحبِطت عملية سرقة في كولومبيا بعدما تسبب الحمار المستخدم في الفرار بضجيج لافت جذب انتباه الشرطة. وكان اللصوص قد سرقوا الحيوان لاستخدامه بعد الاستيلاء على مواد غذائية من متجر، غير أن الحمار، يدعى «تشافي»، رفض التعاون، وأطلق نهيقاً عالياً استدعى تدخل الشرطة، لينتهي المخطط بالفشل وفرار الجناة.


«الفيلوفوبيا»: لماذا يخاف البعض من الوقوع في الحب؟

الوقوع في الحب يتطلب الانفتاح على المشاعر (بيكسلز)
الوقوع في الحب يتطلب الانفتاح على المشاعر (بيكسلز)
TT

«الفيلوفوبيا»: لماذا يخاف البعض من الوقوع في الحب؟

الوقوع في الحب يتطلب الانفتاح على المشاعر (بيكسلز)
الوقوع في الحب يتطلب الانفتاح على المشاعر (بيكسلز)

غالباً ما يُصوَّر الحب كواحدة من أجمل تجارب الحياة؛ فالوقوع في الحب يُنظر إليه على أنه تجربة ساحرة ومغيِّرة للحياة، سواء في الأفلام الرومانسية أو الروايات الأكثر مبيعاً. ومع ذلك، فإن فكرة الحب قد تُثير القلق أو الذعر أو النفور لدى بعض الأفراد. يُطلق على هذا الخوف الشديد اسم رهاب الحب، وهو الخوف من الوقوع في الحب أو تكوين علاقات عاطفية قوية.

ما هو رهاب الحب؟

يمكن ترجمة المعنى الحرفي لكلمة رهاب الحب (فيلوفوبيا) إلى مزيج من كلمتين يونانيتين: «فيلو» وتعني الحب، و«فوبوس» وتعني الخوف. على الرغم من أنه لا يُصنّف رسمياً ضمن أي اضطراب نفسي محدد في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية، إلا أن رهاب الحب يُعرف عموماً كشكل من أشكال الرهاب المحدد أو اضطراب القلق. لا يقتصر الأمر على شعور المصابين ببعض التوتر حول العلاقات، بل قد يتملكهم خوف طاغٍ عند التفكير في التقرب العاطفي من شخص ما. وقد يدفعهم هذا الخوف إلى تجنب العلاقات تماماً، أو إلى تدمير علاقات سليمة كانوا يعيشونها بالفعل.

علامات وأعراض رهاب الحب

يمكن التعرف على رهاب الحب من خلال التفاعلات العاطفية والعقلية والجسدية، وتشمل الأعراض الشائعة:

- قلقاً شديداً عند التفكير في الارتباط العاطفي

- تجنب العلاقات العاطفية قدر الإمكان

- خوفاً من الضعف أو الانفتاح العاطفي

- خفقان القلب السريع، أو التعرق، أو صعوبة التنفس عند الشعور بالحب

- التدقيق المفرط في العلاقات بحثاً عن أسباب للرحيل

وفي الحالات الحادة، قد يُصاب الأشخاص بنوبات هلع. وغالباً ما ترتبط هذه الاستجابات بأشكال أخرى من اضطرابات القلق، مثل اضطراب القلق الاجتماعي، حيث يثير التفاعل مع الآخرين خوفاً شديداً.

ما الذي يجعل المرء يخشى الوقوع في الحب؟

رهاب الحب ليس حالة غير مبررة، فقد يكون ناتجاً عن عدة عوامل نفسية وعاطفية، منها:

1. صدمة أو ألم عاطفي سابق

التجارب مثل الانفصال المؤلم، أو الخيانة الزوجية، أو الطلاق، أو الهجر قد تترك آثاراً نفسية طويلة الأمد. عندما يربط المرء الحب بمعاناة عاطفية، فإن دماغه قد يبدأ في التعامل مع العلاقات الجديدة كتهديد محتمل.

2. تجارب الطفولة

وفقاً لنظرية التعلق، تحدد علاقات الطفل بمقدمي الرعاية في المراحل المبكرة كيفية تكوينه للعلاقات في مرحلة البلوغ؛ فقد تؤدي أنماط التعلق غير الآمنة، خصوصاً الأنماط التجنبية أو القلقة، إلى صعوبة تكوين روابط وثيقة لاحقاً.

3. الخوف من الرفض

قد يدفع الخوف من عدم الانتماء أو التعرض للهجر الأشخاص إلى تجنّب الحب تماماً. في هذه الحالة، يُنظر إلى عدم الحب على أنه أكثر أماناً من مواجهة احتمال التعرض للأذى العاطفي.

4. فقدان السيطرة

الوقوع في الحب يتطلب الانفتاح على المشاعر، وهو أمر قد يكون مربكاً أو مخيفاً للأشخاص الذين يقدّرون الاستقلال العاطفي والسيطرة على حياتهم العاطفية.

مواجهة رهاب الحب

عموماً، لا يقتصر الخوف من العلاقات العاطفية على مجرد الخوف من المواعدة، بل يتعداه إلى الخوف من التقارب العاطفي العميق. ورغم أن كثيرين قد يخشون الالتزام، فإن الحب يظل أحد المصادر المهمة للنمو الشخصي والترابط والرضا النفسي. من خلال فهم الذات والتشجيع والدعم، وحتى اللجوء إلى الاستشارة النفسية المتخصصة، يمكن تعليم الأفراد أن إظهار الضعف ليس أمراً سلبياً، بل هو سبيل لبناء علاقات قيّمة ومستدامة.


«تييري الحلبي»… مهندس فرنسي أمضى 40 عاماً في ترميم آثار سوريا

يلقَّب خبير الآثار الفرنسي في سوريا بـ«الحاج تييري» (الشرق الأوسط)
يلقَّب خبير الآثار الفرنسي في سوريا بـ«الحاج تييري» (الشرق الأوسط)
TT

«تييري الحلبي»… مهندس فرنسي أمضى 40 عاماً في ترميم آثار سوريا

يلقَّب خبير الآثار الفرنسي في سوريا بـ«الحاج تييري» (الشرق الأوسط)
يلقَّب خبير الآثار الفرنسي في سوريا بـ«الحاج تييري» (الشرق الأوسط)

بشَعره الفضي المسترسل، وملامح وجهه الأوروبية، يسير خبير الآثار الفرنسي تييري غراندان، مدير برامج صندوق الآغا خان للثقافة، ومدير مشروع الحفاظ والترميم والتخطيط الحضري في حلب، بخطوات واثقة بين أهل المدينة السورية الكبرى، ملقياً عليهم السلام بلهجة سورية واضحة.

يُلقّب المهندس المعماري الفرنسي، الذي درس تاريخ الفن والعمارة في مدرسة متحف اللوفر بباريس، في سوريا بـ«الحاج تييري» أو «تييري الحلبي»، لطول فترة عمله وإقامته في سوريا، التي تزيد على 40 عاماً، أمضاها متنقلاً بين المعالم الأثرية الشهيرة في البلاد، مرمماً ومشرفاً ومراقباً.

جاء تييري إلى حلب للمرة الأولى عام 1983 مدرساً في جامعتها، وساعد مديرية الآثار في ترميم جزء من القصر الأيوبي في قلعة حلب، قبل أن يُطلب منه في تسعينات القرن الماضي إعداد دراسة كاملة لترميم وإعادة اكتشاف القلعة التاريخية.

خبير الآثار الفرنسي تييري غراندان (الشرق الأوسط)

يقول تييري لـ«الشرق الأوسط» إن القلعة، قبل الألفية الجديدة، كانت مطمورة بالتراب، وكانت أجزاء منها غير معروفة ومهملة، لدرجة أن الكابلات الكهربائية التي كانت تغذي أنحاء المدينة كانت تمر عبرها.

ومع الانتهاء من أعمال الحفريات وإكمال ترميم مساجد وقصور القلعة، دُشِّن مسار سياحي لزيارة معالمها للمرة الأولى مع بداية الألفية الجديدة، وأُجريت تنقيبات أثرية أسفرت عن اكتشافات مميزة، من بينها طبقة سفلية عبارة عن خندق محفور في الصخر بعمق 42 متراً، يتضمن ممرات سرية تؤدي إلى البرج الشمالي المتقدم في القلعة.

وخلال العصور الماضية، كُتب على هذه القلعة، التي تعتلي تلة صخرية وسط المدينة، أن تُهدم ثم تنهض من جديد؛ فقد تعرضت للهدم على يد المغول ثم بُنيت مجدداً، كما تعرضت أجزاء منها للضرر خلال الحرب بين جيش الرئيس السوري السابق بشار الأسد والمعارضة المسلحة، وأكمل الزلزال المدمر عام 2023 ما تبقى من أضرار.

تييري غراندان يحظى بشهرة في دوائر الآثار السورية (الشرق الأوسط)

وبعد توقف الاشتباكات، طلبت منظمة «اليونيسكو» من صندوق الآغا خان للثقافة تقييم الأضرار التي لحقت بقلعة حلب. وعقب عودته إلى حلب لإنجاز هذه المهمة عام 2016، صُدم المهندس الفرنسي من حجم الدمار الذي لحق بالمدينة القديمة وبعض أجزاء القلعة، وقال: «من الصعب جداً إعادة بناء الخانات والحمامات والبيوت الأثرية النادرة التي دُمّرت في سوريا خلال الحرب».

ويضيف تييري: «رغم أن القلعة بُنيت للدفاع وخوض الحروب في العصور القديمة، فإنها تقف اليوم صامدة تؤرخ للحكام الذين مروا من هنا، وللعصور البيزنطية والأيوبية والمملوكية والعثمانية، إذ تتضمن مباني وشواهد من كل هذه العصور».

قلعة حلب التاريخية (الشرق الأوسط)

وفي الجهة المقابلة للمسجد الأيوبي تقع أطلال «ثكنة إبراهيم باشا»، التي يعود تاريخ بنائها إلى نحو عام 1848م، والتي حُوّلت في عام 2008 إلى متحف صغير يضم عناصر زخرفية مميزة ونادرة اكتُشفت خلال أعمال التنقيب في القلعة، إضافة إلى مركز للزوار يشرح الأهمية التاريخية والأثرية للمنطقة. لكن نصف هذا المبنى الكبير تعرض للتدمير خلال الحرب، ثم دمّر الزلزال النصف الآخر عام 2023.

ويعرب تييري عن حزنه الشديد لفقدان هذا المبنى، ويعدّه «خسارة كبيرة»، مشدداً على أهمية شرح تاريخ القلعة للزوار، ويرى في ذلك «واجباً ثقافياً تجاه الأجيال الجديدة».

ويسعى خُبراء الترميم إلى إنقاذ مئذنة الجامع الأيوبي في القلعة، التي يعود تاريخ بنائها إلى عام 1212م، عبر تدعيمها بدعائم حديدية لمنع اتساع الشروخ التي أحدثها زلزال 2023.

من أكبر قلاع العالم

تُعد قلعة حلب من أقدم وأكبر القلاع في العالم، ويعود استخدام التلة القائمة عليها إلى منتصف الألفية الثالثة قبل الميلاد على الأقل. وقد سكنتها حضارات كثيرة، منها الآراميون والآشوريون واليونانيون والبيزنطيون والعرب. وفي العصر الإسلامي بنى سيف الدولة الحمداني الحصن واستخدمه مركزاً عسكرياً في القرن الـ10 الميلادي، في حين يعود الفضل في بناء الشكل الحالي للقلعة والتحصينات الضخمة إلى الملك الظاهر غازي (ابن صلاح الدين الأيوبي) في القرن الـ12 الميلادي.

قلعة حلب رمز من رموز التاريخ الوطني السوري (الشرق الأوسط)

وفي العصور اللاحقة خضعت القلعة لحكم المماليك ثم العثمانيين، وهي اليوم مدرجة ضمن قائمة التراث العالمي لـ«اليونيسكو». ومن أبرز معالمها البوابة الضخمة، وهي جسر قنطري مهيب يؤدي إلى مدخل محصن، وقاعة العرش، وهي تحفة معمارية تعود إلى العهدين الأيوبي والمملوكي. كما تضم مسجدين: الجامع الكبير وجامع إبراهيم الخليل، إضافة إلى معبد حدد الذي يعود إلى آلاف السنين.

ورصدت «الشرق الأوسط» إقبالاً لافتاً من التلاميذ والأهالي على زيارة القلعة، التي تُعد الرمز الأهم لحلب خاصة ولسوريا عموماً. وتعج ساحتها بالباعة والمصورين الفوتوغرافيين والمقاهي، رغم الدمار الهائل الذي يحيط بها من جهة المدينة القديمة والسوق.

حكاية غرام بحلب

ويشرح المهندس الفرنسي، الذي قرر ترك جميع المؤسسات والعمل حصرياً مع صندوق الآغا خان للثقافة إيماناً برسالته، أسباب تعلقه بحلب، قائلاً إنه اعتاد منذ طفولته زيارة المواقع الأثرية والمتاحف برفقة والديه، وانتقل إليه هذا الشغف خلال دراسته وبعد تخرجه. وزار مدناً سورية سائحاً عام 1980، من بينها دمشق وحمص وحماة، وانتهى به المطاف في حلب، حيث أقام في فندق البارون الشهير، الذي كان يُعد الفندق المعروف الوحيد في المدينة في ثمانينات القرن الماضي.

شارك غراندان في ترميم قلعة حلب واستكشافها (الشرق الأوسط)

ويؤكد تييري أنه لاحظ تجانساً لافتاً بين السكان والتراث، وشارك في مشروعات ترميم وتخطيط، وتزوج إحدى سيدات المدينة، وأجاد اللهجة العربية، خصوصاً السورية. وظل في حلب سنوات طويلة حتى اندلاع الحرب عام 2011، ما اضطره إلى المغادرة، ثم عاد إليها عام 2017 لمباشرة ترميم سوق حلب وقلعتها، إلى جانب إشرافه على مشروعات ترميم أخرى في مناطق متفرقة من سوريا.

ويتذكر المهندس المعماري الفرنسي لقاءه في ديوان محافظة حلب عندما قدمه نائب المحافظ مخاطباً الحضور بـ«تييري الحلبي»، مؤكداً أن بعض أصدقائه يلقبونه بـ«الحاج تييري» لشدة اندماجه في المدينة وأوساطها.