قلعة بعلبك صمدت في وجه الغُزاة والهزّات... فماذا عن الغارات؟

مخاوف من الاعتداءات الإسرائيلية على الموقع الأثري اللبناني المصنّف عالمياً

قلعة بعلبك الأثرية في لبنان وعواميد معبد جوبيتر (موقع اليونيسكو)
قلعة بعلبك الأثرية في لبنان وعواميد معبد جوبيتر (موقع اليونيسكو)
TT

قلعة بعلبك صمدت في وجه الغُزاة والهزّات... فماذا عن الغارات؟

قلعة بعلبك الأثرية في لبنان وعواميد معبد جوبيتر (موقع اليونيسكو)
قلعة بعلبك الأثرية في لبنان وعواميد معبد جوبيتر (موقع اليونيسكو)

كلّما اهتزّت مدينة بعلبك تحت وطأة الغارات الإسرائيلية، ارتعدت قلوب اللبنانيين وعشّاق التاريخ خوفاً على قلعةٍ عمرُها من عمر لبنان. منذ الفينيقيين المؤسسين، 5 آلاف سنة تعاقبت خلالها الحضارات كلّها على موقعٍ ازدان بمعابد وهياكل ضخمة، بدأ الرومان بتشييدها في القرن الثاني بعد الميلاد. قرونٌ متعاقبة أبصرت القلعة فيها غزاةً يتناحرون من أجل السطوة عليها، وسيولاً اجتاحتها ولم تستطع إغراقها.

بدأ الرومان بتشييد القلعة في القرن الثاني ميلادي (موقع اليونيسكو)

خمسة زلازل كبيرة ضربت القلعة عبر العقود، وفق ما يخبر المرشد السياحي محمد وهبة «الشرق الأوسط». لكنّ شيئاً لم يتمكّن من زعزعة صمودها. ورغم الحروب المتعاقبة على لبنان، حافظ الموقع على أصالته. إلا أنّ صباح الأحد 6 أكتوبر (تشرين الأول)، استفاق أهل بعلبك على دويّ غارة سقطت على بُعد 700 متر من الموقع التاريخي. وسرعان ما التقطت عدسات الصحافة العالمية سحب الدخان الأسود المتصاعد من خلفها.

«لحسن الحظ، لا أضرار مباشرة في الموقع الأثري»، يؤكد محافظ بعلبك الهرمل بشير خضر في حديث مع «الشرق الأوسط». لكنّ المسؤول يخشى على الحصن التاريخي من «الدخان، بما فيه من مواد ملوّثة، تؤذي الحجارة وقد تتسبّب باسودادها». تُضاف إلى مخاطر التلوّث، الارتجاجات جرّاء الانفجار التي يحذّر خضر من أن تصيب القلعة المعمّرة بتصدّعات.

دخان متصاعد من موقع الغارة الإسرائيلية التي استهدفت جوار قلعة بعلبك (أ.ف.ب.)

ما يُطمئنُ المحافظ قليلاً أنّ «القلعة تحت حراسة مشدّدة من قِبَل الأجهزة الأمنية اللبنانية الرسمية خوفاً من أي سرقة أو سوء استخدام للموقع»، وهو يؤكد أن «لا شيء مثيراً للريبة داخل القلعة». لكن «لا ضمانات مع العدوّ الإسرائيلي، لذلك فإن المطلوب تحرُّكٌ دبلوماسي إلى جانب منظمة اليونيسكو، بهدف الضغط من أجل تحييد المواقع الأثرية في لبنان، لا سيّما أن الإسرائيلي يتصرّف بجنون ويتعمّد محو الهوية والإرث».

محافظ بعلبك الهرمل بشير خضر

يوم أدرجت اليونيسكو موقع بعلبك الأثري على قائمة التراث العالمي عام 1984، ذكرت المنظمة الأممية في إعلانها أن «بعلبك، بهياكلها الجبّارة، هي من أعظم نماذج هندسة الإمبراطورية الرومانية في ذروة حضارتها».

يخبر وهبة، الذي أمضى عقوداً ثلاثة وهو يجول بالسيّاح في أرجاء الموقع التاريخيّ، أن 9 معابد رومانية مطمورة اليوم تحت المدينة الحالية، وأن الأعمدة الـ6 التي يهرع الزوّار اليوم لالتقاط الصور أمامها، كانت في الأساس 54. يرجّح المرشد السياحي أن تكون قد «هُدمت في القرن الرابع لبناء كاتدرائية بحجارتها». ومهما اختلفت النظريّات وتعدّدت، فإنّ الموقع واجه تحدياتٍ لا تُعدّ على مر العصور، لكنه حافظ على لقبه الذي أُطلقه الفينيقيون عليه خلال الألفيّة الثالثة قبل الميلاد، «مدينة الشمس». وعندما جاء الرومان في نهاية القرن الميلادي الثاني ليشيّدوا ما تبقّى اليوم من آثار عملاقة، لم ينزعوا اللقب، بل كرّسوه مع بناء معبد جوبيتر، «إله الشمس».

المرشد السياحي في قلعة بعلبك محمد وهبة

على ضخامتها، اهتزّت الهياكل مراتٍ عدة جرّاء زلازل ضربت المنطقة عبر التاريخ، ومعها اهتزّ معبدا باخوس وفينوس المجاوران لها. أخطرُ تلك الزلازل وقع في القرن الثاني عشر، حيث تهدّمت أجزاء كبيرة من جدران القلعة. كما عادت بعلبك لتنال نصيبها من الزلازل والهزّات الأرضية العنيفة عامَي 1459 و1759.

وما بين الارتجاجات التي صنعتها يد الطبيعة، كانت أيادي البشر تهزّ دعائم القلعة بين قرنٍ وآخر. ففي عام 748، تعرّض معبد جوبيتر للنهب من قِبَل جيش الخليفة الدمشقي مروان الثاني. وما بين القرنين الثامن والعاشر، شكّلت بعلبك جزءاً من ولاية دمشق تحت حُكم الأمويين والعباسيين، قبل أن يحتلّها الفاطميّون القادمون من مصر عام 942. أما في عام 974 ومع دخول البيزنطيين، فتعرّضت أعمدتها الشامخة ومداخلها الرخاميّة المنحوتة للهدم والنهب.

هياكل معبد جوبيتر مضاءة لاستقبال مهرجانات بعلبك الدولية في صيف 2023 (رويترز)

بقيت القلعة صامدة في وجه غزو الصليبيين، والمغول، والعثمانيين، وكان عليها انتظار القرن السادس عشر حتى تبدأ بتنفّس الصعداء، عندما حلّ السيّاح مكان الغزاة فتحوّلت مقصداً لزوّارٍ آتين من أوروبا.

المرشد السياحي محمد وهبة الذي وُلد ونشأ على مسافة 150 متراً من القلعة، يستبعد أن تكون في خطر على قاعدة أنها «بحماية اليونيسكو، وأنّ عيون الحرّاس والموظفين ووزارة الثقافة ساهرة عليها». كما أنّ لدى وهبة قناعة بأنّ «أبرز مقوّمات الصمود وعبور الأزمنة بالنسبة للموقع، هي الأحجام الضخمة للحجارة المكوّنة من الكلس الصلب الذي لا يتفتّت، إضافةً إلى 186 عموداً من الغرانيت».

حجارة الكلس الصلب وأعمدة الغرانيت من الأساسات الصلبة لقلعة بعلبك (موقع وزارة السياحة اللبنانية)

يلفت المحافظ بشير خضر إلى أن المديرية العامة للآثار، ومع بدء الحرب الإسرائيلية على غزة وجنوب لبنان، وضعت الشارة الزرقاء الكبيرة على القلعة، وهي مخوّلة حماية المواقع التراثية المصنّفة عالمياً. يتابع خضر: «لكن وزير الثقافة أمر بإزالتها على اعتبار أن العدو الإسرائيلي لا يحترم أي معاهدات دولية ولا أي قوانين أو مواثيق».

بعد الغارة الأخيرة التي استهدفت موقعاً قريباً من القلعة، تواصل خضر مع وزير الثقافة مطالباً بإعادة الشارة الزرقاء، لكنّ الأخير «اعتبر أن ذلك لا يحمي، إلا أنه أكد أنه على اتصال باليونيسكو من أجل الحصول على ضمانات بحماية الآثار اللبنانية من العدوان الإسرائيلي». بالتوازي ينشط سفير لبنان لدى ألمانيا مصطفى أديب إلى جانب المنظمة العالمية، وهو تَقدّم بطلبٍ عاجل لتأمين الحماية المعززة للمواقع الأثرية اللبنانية المدرجة على لائحة التراث العالمي وتلك غير المدرجة على حدٍ سواء.

في الأثناء، لا يخفي خضر قلقه على القلعة، قائلاً إنها «أهم موقع أثري في لبنان وأيقونة سياحة الآثار». ويوضح أنه لا يخشى على الحجارة بقدر خشيته على التاريخ والإرث والهوية، التي يسعى العدوّ إلى تهديمها.

صورة من داخل موقع بعلبك الأثري بعد الغارة الإسرائيلية المجاورة (المحافظ بشير خضر)

خلال «عدوان تموز» 2006، لم تتعرّض قلعة بعلبك لقصف مباشر لكنّ آثار الغارات المحيطة بها أدّت إلى سقوط بعض الحجارة. كل ما يتمنّاه القيّمون عليها وعشّاقها اليوم أن تنجو هذه المرة كذلك، لتعود إلى ألقِها السابق ومقصداً للسيّاح ولنجوم العالم الذين زيّنوا مهرجاناتها الخالدة.


مقالات ذات صلة

نقوش تصويرية من قصر الحير الغربي

ثقافة وفنون 3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)

نقوش تصويرية من قصر الحير الغربي

ازدهر النحت التصويري في بلاد الشام خلال القرون الميلادية الأولى، فاتّخذ طابعاً خاصاً يجمع بين التقاليد الهلنستية والطرز الفارسية في قوالب مبتكرة.

محمود الزيباوي
يوميات الشرق معبد كلابشة بأسوان (وزارة السياحة والآثار المصرية)

مصر: وقف إنشاء مبانٍ بمحيط معبد كلابشة بعد اتهامات بـ«تشويهه»

أصدر وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، قراراً بإيقاف أعمال بناء المنشآت الخدمية في محيط معبد كلابشة بأسوان.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق جانب من البانوراما الخاصة بمعبد كلابشة (حملة الدفاع عن الحضارة المصرية)

آثاريون مصريون ينتفضون ضد «تشويه» بانوراما معبد كلابشة بأسوان

أبدى عددٌ من الآثاريين المصريين غضبهم وانتفضوا لمشاهِد مُصوَّرة انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي، تظهر فيه واجهة معبد كلابشة بأسوان بها مبنيان حديثان.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق من العملات التذكارية المسكوكة في مصر (فيسبوك)

عملات تذكارية وأوسمة ونياشين تحكي تاريخ مصر

ترسم العملات التذكارية وأنماط التميز والنياشين ملامح تاريخية عبر التوثيق لأحداث وشخصيات مؤثرة في التاريخ المصري الحديث.

محمد الكفراوي (القاهرة)
يوميات الشرق الآثار المصرية المغمورة بالمياه في الإسكندرية (وزارة السياحة والآثار)

مصر تتوسع في تنظيم معارض أثرية مؤقتة بالخارج

تتجه مصر للتوسع في إقامة المعارض الأثرية المؤقتة بالخارج، بعد الإعلان عن التحضير لإقامة معرض في الولايات المتحدة الأميركية للآثار المصرية المغمورة بالمياه.

محمد الكفراوي (القاهرة )

علي الطيب لـ«الشرق الأوسط»: لا أراهن على حجم الأدوار

الممثل المصري علي الطيب (حسابه على فيسبوك)
الممثل المصري علي الطيب (حسابه على فيسبوك)
TT

علي الطيب لـ«الشرق الأوسط»: لا أراهن على حجم الأدوار

الممثل المصري علي الطيب (حسابه على فيسبوك)
الممثل المصري علي الطيب (حسابه على فيسبوك)

قال الممثل المصري علي الطيب إن مشاركته ضيف شرف في فيلم «شكوى رقم 713317» للمخرج ياسر شفيعي لم تكن وليدة سبب واحد، بل جاءت نتيجة حالة فنية متكاملة لمسها منذ اللحظة الأولى، موضحاً أن وجود اسم كبير بحجم محمود حميدة ضمن فريق العمل شكّل دافعاً قوياً بالنسبة له، لما يمثله من خبرة وقيمة فنية، تمنح أي ممثل فرصة حقيقية للتعلم والتطور.

وأضاف علي الطيب لـ«الشرق الأوسط» أن «تعاونه المتكرر مع شركة (ريد ستار) المنتجة للعمل، الذي يعد الرابع بينهما، جعله يثق في المشروع منذ بدايته، خصوصاً لما لمسه من احترافية ورؤية واضحة في اختيارات الشركة»، مؤكداً أن هذه الثقة تُبنى عبر تجارب متراكمة.

وأوضح أن علاقته بالمخرج ياسر شفيعي تعود إلى فيلمه القصير «تدريبات قاسية لتحسين الأداء»، الذي حقق نجاحاً لافتاً وحصد جوائز عدة، وهو ما جعله متحمساً لرؤية تجربته الأولى في الفيلم الطويل من خلال «شكوى رقم 713317»، معتبراً أن هذه الخطوة تمثل نقلة نوعية في مسيرة أي مخرج.

علي الطيب (حسابه على فيسبوك)

وأوضح أن عرض الفيلم بعدة مهرجانات بعد عرضه الأول في مهرجان «القاهرة السينمائي» بنسخته الماضية، يعكس قدرة العمل على الوصول إلى جمهور متنوع، مشيراً إلى أن «تفاعل الجمهور، سواء العربي أو الأجنبي، مع تفاصيل الفيلم ومواقفه الإنسانية، هو ما يمنح صناع العمل إحساساً حقيقياً بقيمة ما يقدمونه».

وأكد علي الطيب أن السينما تظل قادرة على تجاوز الحواجز اللغوية والثقافية، وهو ما لمسه بنفسه خلال العروض الدولية، بعدما وجد أن الجمهور غير العربي يتفاعل مع القصة ويفهم أبعادها الإنسانية، معتبراً أن هذا النوع من التواصل يمثل جوهر الفن الحقيقي؛ لكون هذه المشاركات الدولية تفتح آفاقاً جديدة أمام الممثل، وتجعله أكثر وعياً بطبيعة الجمهور وتنوعه.

وحول مشاركته في الدراما الرمضانية بمسلسل «فرصة أخيرة»، وصف علي الطيب تعاونه مع المخرج أحمد عادل سلامة بالتجربة المختلفة والمليئة بالتحديات، واصفاً العمل بأنه «ورشة تمثيل كبيرة»، في ظل وجود مجموعة من الممثلين الذين يسعون جميعاً لتقديم أفضل ما لديهم.

وأضاف الطيب أن ضغط الوقت قبيل شهر رمضان، يظل من أبرز الصعوبات التي تواجه الفنانين؛ لكون التصوير يتطلب جهداً مضاعفاً لإنجاز العمل في وقت محدود، مما يضع الجميع تحت ضغط كبير.

وأوضح علي الطيب أنه يسعى دائماً إلى كسر نمطية الأدوار التي يقدمها، بعد تقديمه شخصية الضابط أكثر من مرة، مما دفعه للبحث عن تفاصيل مختلفة داخل كل دور، حتى لا يقع في فخ التكرار، معتبراً أن التحدي الحقيقي بالنسبة له هو إيجاد زاوية جديدة لكل شخصية، حتى لو بدت تقليدية في ظاهرها.

علي الملصق الترويجي لمسلسل «فرصة أخيرة» (حسابه على فيسبوك)

وأكد أن اختياراته الفنية لا تقوم على فكرة البطولة المطلقة أو الجماعية، بل على جودة المشروع نفسه، موضحاً أن السيناريو يظل العنصر الأهم بالنسبة له، إلى جانب المخرج وشركة الإنتاج، لذا قد ينجذب أحياناً للعمل مع مخرج شاب أو في بداياته، إذا لمس لديه الشغف والرؤية؛ لأن هذه العناصر تصنع الفارق الحقيقي في أي عمل فني.

وتحدث عن مشاركته في مسلسل «شاهد قبل الحذف» مع المخرج محمد أسامة، موضحاً أنه يجسد خلاله شخصية «حسن»، الشاب البسيط القادم من حي «شبرا»، الذي يعمل في «كول سنتر»، قبل أن تقوده الظروف إلى مسار مختلف تماماً، عقب تعرضه لأزمة تدفعه لتحمل مسؤوليات لم يكن مستعداً لها، وهو ما يضعه في صراعات نفسية وإنسانية معقدة.

وأضاف أن هذه النوعية من الأدوار تستهويه؛ لأنها تتيح له الغوص في تفاصيل إنسانية عميقة، بعيداً عن القوالب الجاهزة، مؤكداً أن الجمهور أصبح أكثر وعياً، ولم يعد ينجذب بسهولة إلى الشخصيات النمطية، بل يبحث عن الصدق والتفاصيل الحقيقية.

وفي سياق آخر، كشف عن خوضه تجربة الكتابة للمرة الأولى، مؤكداً أن هذه الخطوة جاءت بشكل طبيعي، بعد سنوات من التفكير وتدوين الأفكار، دون نية واضحة في البداية لتحويلها إلى أعمال فنية، لافتاً إلى أنه «بدأ يشعر برغبة حقيقية في تطوير هذه الأفكار، وتحويلها إلى مشاريع قابلة للتنفيذ، مما دفعه للتعاون مع السيناريست أحمد السجيني في مشروع فيلم جديد».

مع مخرج الفيلم وبطليه محمود حميدة وشيرين (حسابه على فيسبوك)

واعتبر أن هذه التجربة تمثل تحدياً جديداً بالنسبة له، لأنها تضعه في موقع مختلف تماماً عن التمثيل، حيث يتعامل مع البناء الدرامي من زاوية أوسع، تشمل الفكرة والشخصيات والتفاصيل، مؤكداً أن الكتابة تحتاج إلى صبر ورؤية عميقة، وهو ما يسعى لتطويره خلال هذه المرحلة.

وأوضح أن دخوله مجال الكتابة لا يعني الابتعاد عن التمثيل، بل يضيف إلى أدواته كونه فناناً، ويمنحه فهماً أعمق للشخصيات التي يجسدها، مؤكداً أن هذه التجربة ستنعكس بشكل إيجابي على اختياراته المستقبلية.


غابي حويك يعود إلى الشانسونييه: الضحكة حاجة في زمن الأزمات

تُعرض المسرحية في «فيللا في» مساء كلّ جمعة بمنطقة برمانا (صور غابي حويك)
تُعرض المسرحية في «فيللا في» مساء كلّ جمعة بمنطقة برمانا (صور غابي حويك)
TT

غابي حويك يعود إلى الشانسونييه: الضحكة حاجة في زمن الأزمات

تُعرض المسرحية في «فيللا في» مساء كلّ جمعة بمنطقة برمانا (صور غابي حويك)
تُعرض المسرحية في «فيللا في» مساء كلّ جمعة بمنطقة برمانا (صور غابي حويك)

«نحتاج إلى الابتسامة والضحكة في لبنان أكثر من أي وقت مضى»، بهذه العبارة يستهلّ الممثل الكوميدي غابي حويك حديثه لـ«الشرق الأوسط»، معلناً عن مسرحيته الجديدة «غابي حويك كوميدي شو 2026».

ومن خلال هذا العمل، يعود إلى خشبة الشانسونييه الهزلي الساخر، بعد غياب امتد لأكثر من 5 سنوات. ففي عام 2020، تعرَّض لوعكة بعدما أُصيب بورم حميد في الرأس؛ ممّا تسبَّب في مضاعفات أجبرته على التوقّف عن العمل مدةً طويلة.

غابي حويك يعود بعد غياب إلى خشبة الشانسونييه (صور الممثل)

واليوم، يعود بزخم كبير بعد استعادة صحته بالكامل، ليقدّم عرضه الجديد على خشبة مسرح «فيللا في» في برمانا، مساء كلّ جمعة، على أن ينتقل لاحقاً إلى عدد من المهرجانات والحفلات الموسمية خلال الصيف.

ويوضح أن إضافة «عام 2026» إلى عنوان المسرحية جاءت لتأكيد انطلاقته الجديدة بعد الغياب. ويقول: «استعنت بفريق من المواهب الكوميدية الشابة واللافتة؛ لأنّ غالبية أعضاء فريقي السابق مرتبطون بأعمال أخرى تحول دون مشاركتهم معي. ومع ريتا غصن وأنطوني فاخوري نشكّل فريقاً منسجماً وخفيف الظلّ».

وعن الصفات التي يبحث عنها في الممثل الذي يشاركه الخشبة، يوضح: «خفّة الظلّ عنصر أساسي في الممثل الكوميدي؛ لأنها تساعده على كسر الحواجز سريعاً مع الجمهور. هذه الموهبة (لا تُكتسب بسهولة)، بل هي جزء من شخصية الإنسان. يجب أن يشعر الجمهور بألفة فورية مع الممثل، فتولد بينهما كيمياء خاصة تختصر الوقت والمسافات». ويشير إلى أنّ العثور على هذه المواهب يتطلَّب منه بحثاً طويلاً ودقيقاً، لكنه نجح في تسليط الضوء على أسماء جديدة تستحقّ الفرصة.

ويمتدّ العرض نحو ساعتين، ويتناول موضوعات مستوحاة من الواقع اللبناني الراهن. ويشير حويك إلى أنّ اختيار موضوعات مناسبة في ظلّ تراجع عروض الشانسونييه لم يكن مهمّة سهلة، مضيفاً: «غالبية الأفكار تنبع من يومياتنا، ومن المشهدين الفنّي والسياسي اللذين يطبعان حياتنا. كما أن وجود ريتا وأنطوني أتاح توسيع مساحة التقليد والمشاهد الكوميدية».

مشهد من مسرحية «غابي حويك كوميدي شو 2026» (صور الممثل)

ويكشف عن أنّ ريتا غصن ستقدّم فقرة تُقلّد فيها الفنانة هيفاء وهبي، فيما يؤدّي أنطوني فاخوري شخصيات فنّية أخرى. وتتحوّل ريتا في أحد المَشاهد إلى نجل الفنان فضل شاكر، ضمن اسكتش كوميدي يدور في أجواء مخيم عين الحلوة، حيث عاش الأخير مدّة طويلة.

وعن التحدّيات التي رافقت عودته بعد انقطاع طويل، يقول: «لم يكن من السهل العودة إلى أجواء الشانسونييه بعد كلّ هذه السنوات. صحيح أنني شاركت ضيفَ شرف في بعض العروض، لكن ذلك لم يكن كافياً. كما أن ابتعادي عن شاشات التلفزيون والإطلالات الإذاعية طيلة هذه المدّة ترك أثره عليّ، وجعل أي ظهور إعلامي جديد تحدّياً بالنسبة إليّ».

ويؤكد حويك أنه خلال أزمته الصحية لم يفقد الأمل يوماً، مضيفاً: «في الأزمات علينا التمسُّك بالأمل والإيمان كي نتجاوزها بعيداً عن السلبية».

وعن المقارنة بين مسرح الشانسونييه الذي تراجع حضوره أخيراً، و«ستاند أب كوميدي» الذي يشهد انتشاراً واسعاً، يقول: «لا أعتقد أنّ أي نوع كوميدي يمكن أن يحلّ مكان الشانسونييه. لقد جرّبتُ النوعين، ووجدتُ أنّ للشانسونييه نكهته الخاصة. ومع تراجع هذا النوع من العروض، شعرتُ بأنّ هناك مساحة كبيرة لأفكار جديدة في عملي الحالي».

ومن بين الفقرات التي يتضمّنها العرض، يُخصّص حويك اسكتشاً تكريمياً للفنان الراحل ملحم بركات، ويقول: «أستحضره على المسرح وكأنه يأخذ استراحة قصيرة؛ لأنه كان يحب هذا النوع من المسرح».

كما تتناول المسرحية موضوعات مرتبطة بظواهر مُعاصرة، مثل تطبيق «تيك توك»، وظاهرة «اللايف كوتش» المُنتشرة أخيراً، إلى جانب ملفات سياسية واجتماعية وفنّية راهنة. كذلك تتضمَّن مَشاهد ساخرة تجمع بين مايك فغالي والوزير اللبناني السابق جبران باسيل ضمن حوار كوميدي ساخر.

استعان بمواهب جديدة من بينها ريتا غصن (صور غابي حويك)

أما غابي حويك، فيطلّ خلال العرض عبر تقليد مجموعة من الشخصيات المعروفة، من بينها جبران باسيل ومورغان أورتيغاس. ويوضح في هذا السياق: «أقدّم مورغان أورتيغاس عروساً تسأل عن عريسها أنطوان الصحناوي، وما إذا كان ابن بيت ويملك منزلاً، وغيرها من المواصفات التقليدية التي تُطلب في العريس اللبناني. وفي النهاية نحتفل لها بزفّة لبنانية بمناسبة زواجها المرتقب منه».

ويشير إلى أنه خلال ابتعاده القسري عن الساحة الفنّية، حرص على متابعة العروض المسرحية، مضيفاً: «كنتُ أظنُ أنّ موجة الـ(ستاند أب كوميدي) ستقضي تدريجياً على مسرح الشانسونييه، لكنني اكتشفت أن الواقع مختلف تماماً».


فرنسيس الأسيزي بين الأمس واليوم... روسيليني واستحالة البراءة الحديثة

كأنّ فرنسيس يمشي خارج زمننا تماماً (IMDb)
كأنّ فرنسيس يمشي خارج زمننا تماماً (IMDb)
TT

فرنسيس الأسيزي بين الأمس واليوم... روسيليني واستحالة البراءة الحديثة

كأنّ فرنسيس يمشي خارج زمننا تماماً (IMDb)
كأنّ فرنسيس يمشي خارج زمننا تماماً (IMDb)

800 عام على ولادة القديس الإيطالي فرنسيس الأسيزي تبدو كأنها زمنٌ يكفي كي يتحوّل إنسان إلى أسطورة أو صورة دينية مُعلّقة على جدار كنيسة. وإنما العودة إلى فيلم «فرانشيسكو، ملاك الله» للمخرج روبرتو روسيليني ضمن أسبوع احتفالي نظّمته سينما «متروبوليس» في بيروت، تُعيد النظر في الطريقة التي يمكن للسينما أن تقترب فيها من القداسة من دون أن تغرق في التبجيل أو تُحوّل الشخصية إلى رمز جامد خارج الحياة.

فيلم هادئ عن عالم فَقَد هدوءه (IMDb)

كان روسيليني (1906 - 1977) من أبرز الأصوات التي صنعت الواقعية الإيطالية الجديدة بعد الحرب العالمية الثانية، حين خرجت السينما من الاستوديوهات إلى الشوارع والوجوه المُتعَبة ويوميات الناس البسطاء. اهتمّت هذه السينما بالفقر والانكسار والجروح الإنسانية، مُستخدمةً مواقع تصوير غير مُصطَنعة وممثلين خارج نجومية الشاشة أحياناً، في محاولة لالتقاط الحقيقة كما هي. بين أبناء هذه الحركة، بدا روسيليني الأكثر ميلاً إلى تحويل الواقعية من موقف اجتماعي فقط إلى بحث أخلاقي وروحي في معنى الإنسان بعد الخراب.

الفيلم الذي أُنجز عام 1950، وعُرض ضمن مجموعة أفلام تناولت القديس فرنسيس، لا يُشبه الأعمال الدينية المألوفة التي اعتادت صناعة البطولات الروحية عبر الموسيقى المُتصاعدة والانفعالات الثقيلة والوعظ المباشر. روسيليني اقترب من الشخصية بطريقة تكاد تكون مُعاكسة تماماً لفكرة السيرة السينمائية. التقط شذرات من حياة جماعة صغيرة تمشي في الحقول وتضحك أحياناً وتجوع أحياناً أخرى، وتحاول أن تعيش الفقر على أنه خيار روحي وليس عقاباً. لم يصنع دراما عن رجل غيَّر العالم.

8 قرون مرَّت ولا يزال العالم يبحث عن السلام نفسه (IMDb)

يبدو الفيلم كأنه يرفض الإغواء منذ مَشاهده الأولى. الحبكة لا تجعل المُشاهد أسير الانفعال العاطفي. فالإيقاع بطيء إلى حدّ يكاد يستنزف صبر المُتفرّج المُعاصر. جمالها في أنها لا تُظهر فرنسيس بطلاً مركزياً يبتلع الشاشة. يذوب وسط الرهبان الآخرين، كأنّ روسيليني أراد إسقاط فكرة البطل لمصلحة روح جماعية تقوم على البساطة والطاعة والفرح الداخلي.

الفيلم مختلف وقاسٍ. اختلافه في محاولته تحرير السينما الروحية من المَسْرحة الدينية الرائجة. وقسوته أنّ هذا التحرير يجعل الفيلم اليوم يبدو خارج الزمن، أو على الأقلّ خارج الحساسية البصرية والنفسية للمُشاهد المُعاصر.

المتفرّج الحالي ابن عالم مختلف تماماً. عالم قائم على السرعة والتحليل النفسي والتناقضات الحادّة داخل الشخصيات. اعتادت السينما الحديثة الحَفْر في العنف الداخلي والرغبات المكبوتة والتمزُّق الإنساني. أمّا روسيليني، فيتعمَّد الابتعاد عن هذه المناطق. شخصياته شفَّافة إلى حدّ كبير، تكاد تتحرَّك بخفّة روحية منفصلة عن ثقل الجسد وأسئلته. لهذا يشعر كثيرون اليوم بأنّ الفيلم جميل بصرياً لكنه بعيد عاطفياً. كأنّ المتفرّج يكتفي بمشاهدة حياة لا يستطيع لمسها.

القداسة عند روسيليني تتحرَّك في مساحة البراءة أكثر مما تتحرَّك في مساحات الصراع. الرهبان يضحكون كثيراً ويتقبّلون الإهانة من دون غضب، ويتعاملون مع العالم بخفّة طفولية. هذه النظرة كانت تحمل بعد الحرب العالمية الثانية معنى أخلاقياً عميقاً. أوروبا المُثقَلة بالجراح كانت تبحث عن نقاء ما وطريقة للتخفُّف من العنف الذي التهم القارة. لذلك بدا فرنسيس في سينما روسيليني أشبه باقتراح أخلاقي لاستعادة الإنسان.

القداسة عند روسيليني تُشبه البساطة أكثر من المعجزة (IMDb)

اليوم، بعد عقود طويلة من الحروب والانهيارات النفسية والاغتراب الحديث، لم يعد هذا الصفاء يُقنِع بسهولة. المُشاهد الحالي يريد رؤية الجرح وليس صورته المُصفَّاة فقط. يريد الاقتراب من تناقضات الإنسان وانكساراته، وليس من روحه بعدما بلغت السلام. بذلك تتشكَّل المسافة التي يخلقها الفيلم مع جزء من جمهوره المُعاصر. إنه عمل يُحتَرم أكثر مما يمكن الشعور به عاطفياً.

ومع ذلك، يبقى له أثر خاص يتجاوز بروده الظاهري، خصوصاً حين يُعرض في بيروت الآن. فاختيار إعادة هذه الأعمال إلى الشاشة في لحظة لم يتعافَ فيها لبنان من الحرب، يحمل معنى يتعدَّى الاحتفاء السينمائي.

في كلمتها الافتتاحية، تحدَّثت مديرة «متروبوليس»، هانيا مروّة، عن الرغبة في استعادة فكرة السلام في أيام لا تزال مشبَّعة بالخوف والمجهول. بدا كأنّ المدينة المُتعَبة من صُور الموت والقلق تحاول أن تسترجع قدرتها على التأمُّل ولو عبر فيلم أبيض وأسود عن رجل اختار الفقر والسكينة قبل 8 قرون.

قد لا يندمج المُشاهد المُعاصر بالكامل مع عالم روسيليني الزاهد والمُتحرّر من الإبهار. وقد يشعر بأنّ العمل ينتمي إلى زمن آخر. وإنما إعادة عرضه اليوم تستدعي التمهُّل أمام علاقتنا نحن بفكرة السلام. كأنّ الفيلم يكشف من دون أن يقصد عن حجم التحوّل الذي أصاب الإنسان الحديث. لم نعد نعرف كيف ننظر طويلاً إلى البساطة ولا كيف نمنح البطء وقته، ولا كيف نُصدّق أنّ الخفّة قد تكون موقفاً أخلاقياً في وجه عالم يزداد عنفاً يوماً بعد يوم.