إنذارات إسرائيلية للبنانيين بإخلاء منازلهم... كيف تضمن سلامتك؟

أقارب ينتظرون العثور على جثث تحت أنقاض المباني التي دمرتها غارة جوية إسرائيلية في حي عين الدلب شرق مدينة صيدا الساحلية (إ.ب.أ)
أقارب ينتظرون العثور على جثث تحت أنقاض المباني التي دمرتها غارة جوية إسرائيلية في حي عين الدلب شرق مدينة صيدا الساحلية (إ.ب.أ)
TT

إنذارات إسرائيلية للبنانيين بإخلاء منازلهم... كيف تضمن سلامتك؟

أقارب ينتظرون العثور على جثث تحت أنقاض المباني التي دمرتها غارة جوية إسرائيلية في حي عين الدلب شرق مدينة صيدا الساحلية (إ.ب.أ)
أقارب ينتظرون العثور على جثث تحت أنقاض المباني التي دمرتها غارة جوية إسرائيلية في حي عين الدلب شرق مدينة صيدا الساحلية (إ.ب.أ)

منذ بداية تكثيف الجيش الإسرائيلي غاراته على مناطق متعددة في لبنان، خصوصاً على قرى الجنوب وشوارع ضاحية بيروت الجنوبية، أصدر متحدثون باسمه إنذارات متعددة للسكان بضرورة إخلاء مبانٍ كثيرة، قبل قصفها. كما تصدر هذه النداءات للسكان أحياناً عبر رسائل نصية تصل إليهم على هواتفهم الجوالة، أو حتى عبر الاتصالات الصوتية المباشرة معهم.

ودعا الجيش الإسرائيلي، مساء أمس (الاثنين)، سكان 3 أحياء في ضاحية بيروت الجنوبية؛ معقل «حزب الله»، إلى إخلائها «حفاظاً على سلامتهم». وكتب الناطق باسم الجيش الإسرائيلي، أفيخاي أدرعي، على منصة «إكس»، متوجّها إلى سكان الليلكي وحارة حريك وبرج البراجنة: «أنتم موجودون بالقرب من مصالح ومنشآت تابعة لـ(حزب الله)... ولذلك سوف يعمل جيش الدفاع ضدها بقوة». وأضاف: «من أجل سلامتكم وسلامة أبناء عائلاتكم؛ عليكم إخلاء المباني فوراً والابتعاد عنها لمسافة لا تقل عن 500 متر».

وهذا ليس الإنذار الأول الذي يصدر منذ بداية التصعيد، ومن المتوقع ألا يكون الأخير، فقد دعا الجيش الإسرائيلي اليوم سكان قرى وبلدات جنوبية بعينها إلى الإخلاء العاجل.

وطلب الجيش الإسرائيلي، اليوم (الثلاثاء)، من سكان جنوب لبنان إخلاء نحو 30 بلدة «فوراً»، بعد ساعات من إعلانه بدء عملية برية ضد «حزب الله» في هذه المنطقة.

فتخيل أنك تجلس داخل منزلك، فيأتيك اتصال يدعوك إلى إخلائه بصورة عاجلة، فكيف تتصرف؟

يقول الأستاذ وليد الحشاش، رئيس «وحدة الخدمة والعمليات» في «الدفاع المدني اللبناني»، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إن «إنذارات الإخلاء الإسرائيلية للسكان تحتاج من المواطنين إلى تجهيز مسبق»، ويوضح: «هناك خطوات يجب على اللبنانيين اتباعها، خصوصاً سكان المناطق المعرّضة لخطر أكبر، مثل الضاحية الجنوبية لبيروت وقرى الجنوب والبقاع، وتجهيز خطة واضحة وحقائب تحتوي عناصر أساسية؛ للخروج من المنازل على الفور وتفادي الفوضى الكبرى».

طفلة من بلدة الخيام جنوب لبنان تفترش صندوق سيارة والدها بعد هربهم من القصف الإسرائيلي (د.ب.أ)

كيف نتجهز لإخلاء محتمل؟

يشرح الحشاش بأنه «على كل عائلة في كل بيت تجهيز حقيبة تضم: علبة إسعافات أولية، وأدوية مهمة، مثل خافض للحرارة ومسكنات للآلام وأدوية للأطفال وكبار السن، ومواد غذائية ضرورية، مثل بعض المعلبات والخبز، وبضع زجاجات من المياه، وحليب للأطفال».

ويقول: «علينا التفكير في أسئلة، مثل: عند الإخلاء، هل ستتوفر المياه والطعام بسهولة؟ وأيضاً: هل ستتوفر الملابس بسهولة؟ ومن ثم ترتيب حقائب تحتوي القليل من هذه الأمور الأساسية؛ فتكون جاهزة في متناول أيدينا للخروج سريعاً».

نازحون مع أمتعتهم في الشوارع بعد فرارهم من منازلهم بسبب الغارات الإسرائيلية الجديدة (إ.ب.أ)

ويؤكد الحشاش على «ضرورة تجهيز حقيبة تضم ملابس للأطفال وحرامات للتدفئة، خصوصاً مع دخولنا فصل الخريف وبدء انخفاض درجات الحرارة. والأهم من كل ذلك؛ أنه على كل عائلة وضع أوراقها الثبوتية الأساسية، وجوازات السفر، والأشياء الثمينة مثل المجوهرات، في حقيبة واحدة مقفلة بطريقة جيدة، لتكون في متناول أيديها أيضاً؛ بهدف حملها سريعاً عند مغادرة المنزل».

ويشير الحشاش إلى أهمية توضيب هذه الأغراض مسبقاً، «تفادياً للهلع الزائد حال الإنذار بالإخلاء، فيحمل كل فرد في العائلة حقيبة واحدة، مما يسهل العملية».

رجل يقف بالقرب من المباني المدمرة في أعقاب الضربات الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت (رويترز)

كيف ننفذ عملية الإخلاء بسلامة؟

يشرح المسؤول في الدفاع المدني اللبناني لـ«الشرق الأوسط» بأنه «عند ورود إنذار بالإخلاء، يجب على السكان الخروج من منازلهم بسرعة، واستخدام السلالم، والابتعاد عن المصاعد، ومحاولة النزول على الدرج بهدوء، والسير إلى جانب الحائط بطريقة منظمة قدر الإمكان؛ لإفساح المجال للمرور أمام كبار السن وكل من لديه أوضاع خاصة، وعدم التدافع، وتهدئة بعضنا بعضاً».

ويتابع الحشاش: «يجب على السكان الابتعاد فوراً عن المبنى المعرض للاستهداف بمسافة تتجاوز 500 متر، والالتقاء في مكان آمن، ويقع على العائلات واجب تفقد أفرادها؛ خوفاً من ترك أي شخص آخر في المبنى».

ويضيف: «بعد ذلك يجب الاتصال بالقوى الأمنية والدفاع المدني للوصول إلى المبنى وإقفاله، وإحصاء الناس والتأكد من عدم ترك أي فرد بالداخل».

أطفال نازحون يلعبون داخل مخيم مؤقت يعيش فيه العشرات ببيروت وسط الغارات الإسرائيلية المتصاعدة على لبنان (رويترز)

خطة طوارئ لكل عائلة

يرى المسؤول في الدفاع المدني اللبناني أنه من المهم أن «تعقد كل عائلة تعيش في الأماكن المعرضة لخطر الغارات الإسرائيلية بشكل أساسي، اجتماعاً لوضع خطة طوارئ في حال طلب الجيش الإسرائيلي منها إخلاء المباني». ويوضح الحشاش: «على كل عائلة الاتفاق على نقطة للالتقاء حال اضطروا إلى الإخلاء على الفور، وتحديد مكان جغرافي واضح للتجمع فيه، قبل الانتقال إلى الوجهة التالية».

ويشرح: «يجب على العائلة أيضاً أن تختار شخصاً مسؤولاً ليتأكد من الأعداد عند الإخلاء، فمن الطبيعي أن يضيع الناس في هذه الأوضاع النفسية الصعبة، وقد ينسون أطفالهم أحياناً، وقد يشعر الأطفال بالخطر فيلجأون إلى دخول أماكن يحسبونها آمنة، مثل الخزائن، وقد لا ينتبه إليهم أفراد الأسرة بسبب زحمة التحضير للخروج».

ويشير الحشاش إلى أن عملية الإخلاء في الحرب لا تشبه عمليات الإخلاء الأخرى المرتبطة بالحرائق والانفجارات، ويقول: «هذه العملية يمكن التحضير لها مسبقاً قدر الإمكان، وهي تختلف عن العمليات الأخرى الناجمة عن أحداث مفاجئة، فتجهيز أنفسنا نفسياً وتحضير أمتعتنا الضرورية من الخطوات التي تساعد في الحفاظ على السلامة الفردية والعامة، في ظل هذه الظروف الأليمة».


مقالات ذات صلة

رؤساء لبنان مع «حزب الله»... من الاحتواء إلى المواجهة

تحليل إخباري الرئيس اللبناني جوزيف عون (أرشيفية - د.ب.أ)

رؤساء لبنان مع «حزب الله»... من الاحتواء إلى المواجهة

على مدى 3 عقود ونيّف، تبدّلت مقاربات رؤساء الجمهورية في لبنان تجاه «حزب الله» وسلاحه...

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي رئيس البرلمان نبيه بري متحدثاً في  الذكرى الـ48 لتغييب الإمام موسى الصدر (الوكالة الوطنية للإعلام)

بري يرفض «المناطق العازلة» ويحذر من التفاوض «تحت النار»

أكد رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري، الاثنين، رفض إقامة أي «مناطق عازلة أو أحزمة أمنية» في جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي تصاعد الدخان إثر تفجير إسرائيلي في بلدة أرنون بجنوب لبنان قرب مرتفعات علي الطاهر الاستراتيجية (د.ب.أ)

إسرائيل تغيّر الوقائع الميدانية في جنوب لبنان وسط جمود المفاوضات

يتسع الفارق بين جمود المسار التفاوضي وتسارع التحولات الميدانية في جنوب لبنان، مع استمرار القصف والتجريف والتفجير وإحراق المنازل.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي قاسم سليماني وحسن نصر الله وعماد مغنية في لافتة على مبنى بالضاحية الجنوبية لبيروت بالقرب من موقع غارة إسرائيلية بحارة حريك (أرشيفية - إ.ب.أ)

من يقود «حزب الله» بعد اغتيال إسرائيل قادته وكوادره؟

لم تكن الضربات الإسرائيلية المتتالية التي طالت البنية القيادية لـ«حزب الله» خلال السنوات الأخيرة مجرد خسارة أسماء بارزة...

بولا أسطيح (بيروت)
المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس خلال مؤتمر صحافي مشترك عقب اجتماعهما في أثينا باليونان (إ.ب.أ)

الرئيس اللبناني من أثينا: الانسحاب الإسرائيلي وحصرية السلاح مساران متلازمان

أكد رئيس الجمهورية جوزيف عون أن لبنان حسم خياره لجهة معالجة أزمتي الاحتلال الإسرائيلي والسلاح خارج سلطة الدولة بـ«التلازم والتزامن والتوازي».

«الشرق الأوسط» (بيروت)

السجن 15 عاماً لمدان بخطف صحافية أميركية في بغداد

الصحافية الأميركية شيلي كيتلسون خلال إقامتها في إسطنبول عام 2023 (فيسبوك)
الصحافية الأميركية شيلي كيتلسون خلال إقامتها في إسطنبول عام 2023 (فيسبوك)
TT

السجن 15 عاماً لمدان بخطف صحافية أميركية في بغداد

الصحافية الأميركية شيلي كيتلسون خلال إقامتها في إسطنبول عام 2023 (فيسبوك)
الصحافية الأميركية شيلي كيتلسون خلال إقامتها في إسطنبول عام 2023 (فيسبوك)

أصدرت محكمة الجنايات العراقية حكماً بالسجن 15 عاماً بحق شخص مدان باختطاف الصحافية الأميركية شيلي كيتلسون، في حادثة نُسبت حينها إلى فصيل مسلح موالٍ لإيران.

وكان مسلحون مجهولون اختطفوا في 31 مارس (آذار) 2026 الصحافية الأميركية، قرب شارع السعدون في وسط بغداد، قبل أن يطلقوا سراحها في فجر 8 أبريل (نيسان) 2026، بعد أن عُصبت عيناها ونُقلت بين سيارات عدة، وسُلِّمت في النهاية إلى القوات الرسمية للحكومة العراقية، ونُقلت بعد ذلك إلى المنطقة الخضراء في بغداد.

ونشرت كيتلسون، الثلاثاء، عبر حسابها على «إكس» نسخة ضوئية من قرار الحكم. وجاء فيه: «الحكم على المجرم أمير رحيم جبار لازم بالسجن لمدة 15 سنة، وفق (المادة الرابعة/ 1) من (قانون مكافحه الإرهاب رقم 13 لسنة 2005)، عن جريمة خطف شيلي رينيه كيتلسون».

ومنح الحكمُ، في مادته الثانية، «المشتكيةَ الاحتفاظَ بحق المطالبة بالتعويض أمام المحاكم المدنية وبعد اكتساب الحكم الدرجة القطعية».

وعلقت كيتلسون على القرار قائلة: «أعرب عن امتناني للقضاء العراقي لاهتمامه بقضيتي، ولجميع من ساعدوا في إخراجي على قيد الحياة. وبالطبع، لكل من يحب العراق بقدر ما أحبه ويسعى لبناء مستقبل أفضل له».

مخاوف من الإفلات

والمدان لازم هو أحد 4 عناصر مسلحين كانوا يرتدون ملابس مدنية أقدموا، في نهاية مارس الماضي، على اعتراض طريق كيتلسون واقتيادها بالقوة إلى سيارة في الشارع العام بمنطقة السعدون، لكن قوات الأمن العراقية طاردت الخاطفين؛ الأمر الذي تسبب في انقلاب إحدى سياراتهم خلال فرارهم، وتمكنت القوات الأمنية من اعتقال أحد المتورطين الذي أصيب في الحادث.

لاحقا، أثبت التحقيقات أن المتهم ينتمي إلى «اللواء 45» في «الحشد الشعبي» التابع لـ«كتائب حزب الله» الموالية لإيران، بعد ذلك أطلقت الجماعة صراح المختطفة بشرط مغادرتها الأراضي العراقية بشكل فوري.

وتحدثت كيتلسون، في وقت لاحق بشأن تفاصيل عن فترة احتجازها في العراق، وأكدت أنها تعرضت لـ«الضرب المبرح والاحتجاز في ظروف قاسية فقدت خلالها الوعي مرات عدة وخرجت بكسور في الأضلاع».

وبينت أنها «كانت تحت الأنظار داخل زنزانة فيها كاميرا مراقبة موجهة نحوها بشكل دائم، كما أنها كانت معصوبة العينين ومقيدة اليدين بأربطة بلاستيكية قبل لحظة الإفراج عنها واستبدال أصفاد معدنية بها».

ومع صدور الحكم الجديد، فإنه لم يتبين ماذا كانت السلطات العراقية ما زالت تلاحق بقية المتورطين في عملية الاختطاف أو مساءلة الجهة التي تقف وراءهم، ويرجح مراقبون أن «السلطات قد تكتفي بالحكم الذي صدر على أحد المتورطين رغم أن الحكم لم يكتسب الدرجة القطعية ويمكن أن يصار إلى تخفيفه لاحقاً».

ويرجع المراقبون شكوكهم إلى الطريقة التي جرى التعامل بها مع قضية اغتيال الباحث هشام الهاشمي في يوليو (تموز) 2020، حيث أشيع على نطاق واسع أن «كتائب حزب الله» استغلت نفوذها الأمني والسياسي لإسقاط التهم عن المتورط في تنفيذ الاغتيال.

كيتلسون غطت الأزمة السورية ميدانياً (فيسبوك)

وتُعد شيلي كيتلسون من الصحافيين الأجانب الذين أمضوا سنوات طويلة في العراق، حيث أقامت بين بغداد وروما، وعملت لمصلحة «وكالة أنباء إيطاليا»، إلى جانب مؤسسات إعلامية وبحثية أخرى.

وبرز اسمها في تغطية نشاط الفصائل المسلحة والعلاقات بين بغداد وواشنطن، كما واكبت ميدانياً معارك استعادة مدينة الموصل من تنظيم «داعش» بعد عام 2014، فضلاً عن تغطياتها الأزمة السورية.

وكانت مصادر مقربة من كيتلسون أكدت لـ«الشرق الأوسط» أنها تلقت، ظهر يوم الحادث، تحذيراً من السفارة الأميركية في بغداد يدعوها إلى مغادرة البلاد فوراً، في ظل ما وصفتها السفارة بـ«مخاطر أمنية متصاعدة»، تشمل تهديدات بالاختطاف وهجمات قد تستهدف الأميركيين.


رؤساء لبنان مع «حزب الله»... من الاحتواء إلى المواجهة

الرئيس اللبناني جوزيف عون (أرشيفية - د.ب.أ)
الرئيس اللبناني جوزيف عون (أرشيفية - د.ب.أ)
TT

رؤساء لبنان مع «حزب الله»... من الاحتواء إلى المواجهة

الرئيس اللبناني جوزيف عون (أرشيفية - د.ب.أ)
الرئيس اللبناني جوزيف عون (أرشيفية - د.ب.أ)

على مدى 3 عقود ونيّف، تبدّلت مقاربات رؤساء الجمهورية في لبنان تجاه «حزب الله» وسلاحه، تبعاً لتبدّل موازين القوى الداخلية والظروف الإقليمية والدولية. وشكّل استثناء سلاح «الحزب» بوصفه «مقاومة» فرضها الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب، أول خرق فاضح لـ«اتفاق الطائف»، الذي قضى بحلّ كل الميليشيات التي تقاتلت إبان الحرب الأهلية ونزع السلاح.

لم يكن عهد الرئيس اللبناني الراحل إلياس الهراوي قادراً على المساواة بين «حزب الله» والميليشيات التي حُلّت ونُزع سلاحها؛ لأن الوصاية السورية التي كانت تمسك بقرار لبنان بالتفاهم مع النظام الإيراني، أوعزت بترقية «الحزب» من «ميليشيا» إلى «مقاومة»، وبقيت هذه المعادلة قائمة حتى انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان في 25 مايو (أيار) 2000، حينها دخل لبنان مرحلة جديدة بقي فيها «الحزب» لاعباً سياسياً عسكرياً يتجاوز في قدرته مؤسسات الدولة.

لافتات رُفعت على طريق المطار لشكر إيران على وقف إطلاق النار (الشرق الأوسط)

من «ميليشيا» إلى «مقاومة»

مع انتخاب قائد الجيش، إميل لحود، رئيساً للجمهورية في أكتوبر (تشرين الأول) 1998، بتزكية من النظام السوري، تعزز نفوذ «حزب الله» في الدولة، خصوصاً بعد الانسحاب الإسرائيلي، حيث رُسّخت معادلة «الجيش والشعب والمقاومة» في البيانات الوزارية للحكومات المتعاقبة، خصوصاً بعد حرب إسرائيل على لبنان في يوليو (تموز) 2006، وهذا الأمر انسحب أيضاً على معظم عهد ميشال سليمان الذي تعامل مع «الحزب» بوصفه «مقاومة»، رغم التحولات الداخلية والخارجية؛ وأبرزها انسحاب الجيش السوري من لبنان في 25 أبريل (نيسان) 2005 تحت الضغط الأميركي، واغتيال رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري.

في قراءته هذا المسار، يَعدّ رئيس «لقاء سيدة الجبل»؛ النائب السابق فارس سعيد، أن «الاحتلال الإسرائيلي لجزء من جنوب لبنان، وإمساك سوريا بخيوط اللعبة الداخلية، فرضا تمييزاً بين (حزب الله) وسائر الميليشيات اللبنانية التي كانت موجودة خلال الحرب الأهلية». ويؤكد أن تلك الظروف «أدت إلى ترقية (حزب الله) من رتبة (ميليشيا) إلى رتبة (مقاومة)، في حين حُلّت الميليشيات الأخرى ونُزع سلاحها».

مناصرة لـ«حزب الله» تحمل صورة أمينه العام السابق حسن نصر الله خلال حراك وسط بيروت ضد المفاوضات اللبنانية مع إسرائيل برعاية أميركية (إ.ب.أ)

التحول مع نداء المطارنة التاريخي

ويستعيد فارس سعيد، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، محطة عام 2000، حين انسحبت إسرائيل من الجنوب، بالتزامن مع وفاة الرئيس السوري، حافظ الأسد، في يونيو (حزيران) من العام نفسه. ويقول إن «هذه التطورات شجعت مجلس المطارنة الموارنة برئاسة البطريرك الماروني الراحل، نصر الله بطرس صفير، على رفع سقف موقفه والمطالبة بخروج الجيش السوري من لبنان». ويضيف: «هذا الموقف التاريخي والشجاع، ارتكز على منطق واضح: (بما أن إسرائيل انسحبت من جنوب لبنان، فلماذا لا تنسحب سوريا أيضاً؟ ولم يعد هناك من داعٍ لبقائها في لبنان)».

البطريرك الماروني الراحل مار نصر الله بطرس صفير (أ.ف.ب - أرشيفية)

شكّل هذا النداء التاريخي محطة أساسية في إعادة فتح النقاش بشأن الوجود السوري ومستقبل الحياة السياسية اللبنانية، ومهّد، مع عوامل أخرى، لولادة «لقاء قرنة شهوان»، الذي لعب دوراً بارزاً في المعارضة السياسية للوجود السوري.

ويؤكد سعيد أن «(لقاء قرنة شهوان) بدأ في تلك المرحلة بتقديم النصائح لـ(حزب الله) كي ينضم إلى المطالبة بخروج النظام السوري من لبنان، وكان ذلك في ظل عهد الرئيس إميل لحود، الذي ربط لبنان بشكل وثيق بسوريا والمحور الإيراني»، عادّاً أن «الظروف السياسية والأمنية في تلك المرحلة لم تكن تسمح بتغيير المعادلة القائمة، وبالتالي بقي سلاح (الحزب) خارج إطار النقاش الفعلي بشأن حصرية السلاح بيد الدولة».

«المعادلة الخشبية»

لم يكن مقدراً للعهود الرئاسية منذ «اتفاق الطائف» حتى إدخال لبنان في أتون حرب إسناد غزّة، أن تتجاوز «حزب الله» حتى في أدق التفاصيل الداخلية، حتى إن الرئيس ميشال سليمان، انتُخب رئيساً في نتيجة أولى لـ«اتفاق الدوحة»، الذي أتى عقب احتلال «الحزب» العاصمة بيروت في 7 مايو 2008. ويشدد النائب السابق فارس سعيد على أن وصول سليمان إلى قصر بعبدا «لم يؤدِّ إلى تغيير جوهري في مقاربة سلاح (الحزب)؛ إذ استمر التعامل معه بوصفه مقاومة». ويشير إلى أن سليمان «لم يدخل في مواجهة مباشرة مع (الحزب) خلال معظم عهده، باستثناء المرحلة الأخيرة عندما أطلق على ثلاثية (الجيش والشعب والمقاومة) اسم (المعادلة الخشبية) وكان ذلك تحولاً أساسياً في النقاش اللبناني بشأن شرعية سلاح (الحزب)».

فشل الرهان على الرئيس ميشال عون

مع انتهاء ولاية الرئيس سليمان في 25 مايو 2014 دخل لبنان في فراغ رئاسي، بسبب إقفال أبواب البرلمان اللبناني، بضغط من «حزب الله» الذي وضع معادلة «إما ميشال عون رئيساً وإما فلا رئيس». انتخب الأخير في 31 أكتوبر (تشرين الأول) 2016، ليعلن «الحزب» انتصاره في هذه المعركة، عادّاً إياها «تتويجاً لانتصار محور إيران في سوريا والعراق، والانقلاب الحوثي على الشرعية في اليمن». ولا يخفي فارس سعيد أن «رهان البعض على قدرة ميشال عون على لبننة (حزب الله) فشل فشلاً ذريعاً؛ لأن عون وإثر انتخابه حصل بمساعدة (الحزب) على مكاسب في السلطة والتعيينات والصفقات، وسلّم البلد لـ(الحزب) وإيران».

مواقف الرئيس جوزيف عون... انقلاب على العهود السابقة

يعدّ خطاب الرئيس الحالي جوزيف عون انقلاباً على كل العهود السابقة التي خضعت لإرادة «حزب الله» وإيران، ولعلّ الكلمة التي ألقاها قبل يومين لمناسبة «العيد الـ81 للأمن العام»، ذروة الهجوم على «الحزب»، حيث قال: «بالإضافة إلى الصراع مع إسرائيل، نعيش حرباً داخلية مع فئة نقيض الدولة ومؤسساتها، ونقول لهم: مهما فعلتم، فنحن مستمرون من أجل الوطن».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلتقي الرئيس اللبناني جوزيف عون في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض في العاصمة واشنطن يوم 21 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

وفي تقييمه هذا الخطاب، يرى رئيس «لقاء سيدة الجبل» فارس سعيد، أن الاختلاف الأساسي اليوم «يكمن في الظروف التي تحيط برئاسة جوزيف عون». ويؤكد أن «الجرأة التي يظهرها الرئيس جوزيف عون في مقاربة سلاح (حزب الله) تنطلق، في جانب منها، من معرفته بطبيعة (الحزب) ونياته حيال الدولة اللبنانية، ومن إدراكه محاولاته السابقة للهيمنة على قرار الدولة». ويشدد على «أهمية المتغيرات الكبيرة التي طرأت؛ بدءاً من هزيمة (الحزب) عسكرياً مع إسرائيل، حتى سقوط نظام بشار الأسد، وانهيار جزء أساسي من محور إيران في المنطقة».


الشيباني: متمسكون بالحل الدبلوماسي رغم استمرار «اعتداءات» إسرائيل

وزير الخارجية السوري أسعد حسن الشيباني مع نظيره الدنماركي ‏لارس لوكه راسموسن اليوم في قصر تشرين بدمشق (سانا - د.ب.أ)
وزير الخارجية السوري أسعد حسن الشيباني مع نظيره الدنماركي ‏لارس لوكه راسموسن اليوم في قصر تشرين بدمشق (سانا - د.ب.أ)
TT

الشيباني: متمسكون بالحل الدبلوماسي رغم استمرار «اعتداءات» إسرائيل

وزير الخارجية السوري أسعد حسن الشيباني مع نظيره الدنماركي ‏لارس لوكه راسموسن اليوم في قصر تشرين بدمشق (سانا - د.ب.أ)
وزير الخارجية السوري أسعد حسن الشيباني مع نظيره الدنماركي ‏لارس لوكه راسموسن اليوم في قصر تشرين بدمشق (سانا - د.ب.أ)

أكّد وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني اليوم (الثلاثاء) أن بلاده ما زالت منخرطة في مفاوضات مع إسرائيل برعاية أميركية ومتمسكة بخيار «الحل الدبلوماسي»، رغم «الاعتداءات المستمرة» من قبل إسرائيل.

وقال الشيباني في مؤتمر صحافي مشترك مع وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن الذي يزور دمشق إن «الاعتداءات ما زالت مستمرة»، موضحا أن سوريا رصدت «65 توغلا في شهر يوليو (تموز) وحده و52 في الأيام الثمانية عشر الأولى من أغسطس (آب)» و«147 حالة اعتقال منذ مطلع العام، لا يزال 49 منهم رهن الاحتجاز فضلاً عن حملات مداهمة للمنازل في القنيطرة في ريف دمشق».

وأضاف «رغم هذه التحديات ما زلنا متمسكين بخيار الحل الدبلوماسي ونعمل بجد لتحقيقه، ونحن منخرطون في مفاوضات بوساطة الولايات المتحدة الأميركية»، حسبما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية.

ومنذ إطاحة حكم بشار الأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024، شنّت إسرائيل مئات الغارات على سوريا، تركزت على أهداف عسكرية قالت إن ضربها يهدف إلى منع السلطات الجديدة من الاستحواذ على ترسانة الجيش السابق. وتوغلت قواتها خارج المنطقة العازلة المحاذية لهضبة الجولان التي تحتل معظمها منذ العام 1967، وصولا إلى جبل الشيخ الفاصل بين لبنان وسوريا، وأعلنت عزمها إقامة منطقة منزوعة السلاح في جنوب سوريا. ويكرر مسؤولون إسرائيليون أن قواتهم لا تعتزم الانسحاب من المنطقة.

واستنكر الشيباني التصريحات الإسرائيلية بهذا الصدد، وقال إن الهدف من المفاوضات «وقف الاعتداءات والاعتقالات والانسحاب إلى خطوط ما قبل الثامن من ديسمبر (كانون الأول) 2024 مع العودة الكاملة للالتزام باتفاق فض الاشتباك لعام 1974 وتكريس سيادة سوريا على جولانها المحتل وحقنا السيادي المطلق في بناء جيشنا الوطني».

وتأتي تصريحات الشيباني بعد أكثر من أسبوع على إعلان سوريا إجراءها محادثات رفيعة المستوى مع إسرائيل في الأردن تناولت خفض التصعيد عقب ضربات إسرائيلية على قاعدة أبو الظهور الجوية في شمال غرب سوريا قالت الدولة العبرية إنها هدفت لمنع نشر قوات تركية هناك. وقد نفت أنقرة إرسال أي وفد للقاعدة.

والتقى الشيباني خلال المحادثات رئيس جهاز الموساد الإسرائيلي رومان غوفمان بحسب ما أفاد مصدران دبلوماسي وحكومي سوري حينها وكالة فرانس برس.

وكان وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أجرى زيارة لقواته في جنوب سوريا الأسبوع الماضي قلّما يجري مثلها، مجددا تعهده إبقاءها في المنطقة طالما ظلت هناك «تهديدات» لأمن بلاده.

اتفاقية شراكة مع الدنمارك

إلى ذلك، قال الشيباني إن الدنمارك تعد نفسها صديقة للشعب السوري، وقد أثبتت حضورها حين كانت المواقف مكلفة، . ‏وأضاف الشيباني مخاطباً نظيره الدنماركي: «إن دعمكم الإنساني كان حاضراً في سنوات الثورة السورية، وكنتم في طليعة ‏المبادرين»، كما أعرب الوزير عن تقديره لاستمرار الحضور الميداني للمجلس الدنماركي للاجئين، وجهوده في ‏نزع الألغام، وتأمين المياه، ودعم الزراعة، وسبل العيش». ‏

وتابع الشيباني: «نثمّن مواقف الدنمارك الداعمة لوحدة سوريا، واستقلالية قرارها الوطني في ‏مجلس الأمن». ‏

وكشف الشيباني عن العمل على اتفاقية شراكة تمثل إطاراً مؤسسياً للتعاون بين البلدين ‏في كل المجالات، إلى جانب دفع مجلس الأعمال السوري - الدنماركي من حيز الاتفاق النظري ‏إلى واقع التطبيق العملي. ‏

وجاءت التصريحات بعد لقاء جمع الوزيرين في قصر تشرين بدمشق، حيث تضمن اللقاء بحث تعزيز العلاقات الثنائية، ‏ومجالات التعاون بين البلدين.

واستقبل الرئيس السوري أحمد الشرع أمس (الاثنين) وزير خارجية مملكة الدنمارك، والوفد المرافق له، بحضور وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني في قصر الشعب بدمشق.

وجرى خلال اللقاء بحث سبل تعزيز العلاقات بين البلدين، ومناقشة عدد من القضايا ذات الاهتمام المشترك، إلى جانب التعاون في مجالات التعافي، وإعادة الإعمار، بما يسهم في دعم الاستقرار في سوريا.

وشارك الشيباني وراسموسن أمس في مراسم افتتاح سفارة مملكة الدنمارك في دمشق، بحضور عدد من رؤساء البعثات الدبلوماسية المعتمدة في سوريا بعد إغلاق دام 14 عاماً.