إنذارات إسرائيلية للبنانيين بإخلاء منازلهم... كيف تضمن سلامتك؟

أقارب ينتظرون العثور على جثث تحت أنقاض المباني التي دمرتها غارة جوية إسرائيلية في حي عين الدلب شرق مدينة صيدا الساحلية (إ.ب.أ)
أقارب ينتظرون العثور على جثث تحت أنقاض المباني التي دمرتها غارة جوية إسرائيلية في حي عين الدلب شرق مدينة صيدا الساحلية (إ.ب.أ)
TT

إنذارات إسرائيلية للبنانيين بإخلاء منازلهم... كيف تضمن سلامتك؟

أقارب ينتظرون العثور على جثث تحت أنقاض المباني التي دمرتها غارة جوية إسرائيلية في حي عين الدلب شرق مدينة صيدا الساحلية (إ.ب.أ)
أقارب ينتظرون العثور على جثث تحت أنقاض المباني التي دمرتها غارة جوية إسرائيلية في حي عين الدلب شرق مدينة صيدا الساحلية (إ.ب.أ)

منذ بداية تكثيف الجيش الإسرائيلي غاراته على مناطق متعددة في لبنان، خصوصاً على قرى الجنوب وشوارع ضاحية بيروت الجنوبية، أصدر متحدثون باسمه إنذارات متعددة للسكان بضرورة إخلاء مبانٍ كثيرة، قبل قصفها. كما تصدر هذه النداءات للسكان أحياناً عبر رسائل نصية تصل إليهم على هواتفهم الجوالة، أو حتى عبر الاتصالات الصوتية المباشرة معهم.

ودعا الجيش الإسرائيلي، مساء أمس (الاثنين)، سكان 3 أحياء في ضاحية بيروت الجنوبية؛ معقل «حزب الله»، إلى إخلائها «حفاظاً على سلامتهم». وكتب الناطق باسم الجيش الإسرائيلي، أفيخاي أدرعي، على منصة «إكس»، متوجّها إلى سكان الليلكي وحارة حريك وبرج البراجنة: «أنتم موجودون بالقرب من مصالح ومنشآت تابعة لـ(حزب الله)... ولذلك سوف يعمل جيش الدفاع ضدها بقوة». وأضاف: «من أجل سلامتكم وسلامة أبناء عائلاتكم؛ عليكم إخلاء المباني فوراً والابتعاد عنها لمسافة لا تقل عن 500 متر».

وهذا ليس الإنذار الأول الذي يصدر منذ بداية التصعيد، ومن المتوقع ألا يكون الأخير، فقد دعا الجيش الإسرائيلي اليوم سكان قرى وبلدات جنوبية بعينها إلى الإخلاء العاجل.

وطلب الجيش الإسرائيلي، اليوم (الثلاثاء)، من سكان جنوب لبنان إخلاء نحو 30 بلدة «فوراً»، بعد ساعات من إعلانه بدء عملية برية ضد «حزب الله» في هذه المنطقة.

فتخيل أنك تجلس داخل منزلك، فيأتيك اتصال يدعوك إلى إخلائه بصورة عاجلة، فكيف تتصرف؟

يقول الأستاذ وليد الحشاش، رئيس «وحدة الخدمة والعمليات» في «الدفاع المدني اللبناني»، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إن «إنذارات الإخلاء الإسرائيلية للسكان تحتاج من المواطنين إلى تجهيز مسبق»، ويوضح: «هناك خطوات يجب على اللبنانيين اتباعها، خصوصاً سكان المناطق المعرّضة لخطر أكبر، مثل الضاحية الجنوبية لبيروت وقرى الجنوب والبقاع، وتجهيز خطة واضحة وحقائب تحتوي عناصر أساسية؛ للخروج من المنازل على الفور وتفادي الفوضى الكبرى».

طفلة من بلدة الخيام جنوب لبنان تفترش صندوق سيارة والدها بعد هربهم من القصف الإسرائيلي (د.ب.أ)

كيف نتجهز لإخلاء محتمل؟

يشرح الحشاش بأنه «على كل عائلة في كل بيت تجهيز حقيبة تضم: علبة إسعافات أولية، وأدوية مهمة، مثل خافض للحرارة ومسكنات للآلام وأدوية للأطفال وكبار السن، ومواد غذائية ضرورية، مثل بعض المعلبات والخبز، وبضع زجاجات من المياه، وحليب للأطفال».

ويقول: «علينا التفكير في أسئلة، مثل: عند الإخلاء، هل ستتوفر المياه والطعام بسهولة؟ وأيضاً: هل ستتوفر الملابس بسهولة؟ ومن ثم ترتيب حقائب تحتوي القليل من هذه الأمور الأساسية؛ فتكون جاهزة في متناول أيدينا للخروج سريعاً».

نازحون مع أمتعتهم في الشوارع بعد فرارهم من منازلهم بسبب الغارات الإسرائيلية الجديدة (إ.ب.أ)

ويؤكد الحشاش على «ضرورة تجهيز حقيبة تضم ملابس للأطفال وحرامات للتدفئة، خصوصاً مع دخولنا فصل الخريف وبدء انخفاض درجات الحرارة. والأهم من كل ذلك؛ أنه على كل عائلة وضع أوراقها الثبوتية الأساسية، وجوازات السفر، والأشياء الثمينة مثل المجوهرات، في حقيبة واحدة مقفلة بطريقة جيدة، لتكون في متناول أيديها أيضاً؛ بهدف حملها سريعاً عند مغادرة المنزل».

ويشير الحشاش إلى أهمية توضيب هذه الأغراض مسبقاً، «تفادياً للهلع الزائد حال الإنذار بالإخلاء، فيحمل كل فرد في العائلة حقيبة واحدة، مما يسهل العملية».

رجل يقف بالقرب من المباني المدمرة في أعقاب الضربات الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت (رويترز)

كيف ننفذ عملية الإخلاء بسلامة؟

يشرح المسؤول في الدفاع المدني اللبناني لـ«الشرق الأوسط» بأنه «عند ورود إنذار بالإخلاء، يجب على السكان الخروج من منازلهم بسرعة، واستخدام السلالم، والابتعاد عن المصاعد، ومحاولة النزول على الدرج بهدوء، والسير إلى جانب الحائط بطريقة منظمة قدر الإمكان؛ لإفساح المجال للمرور أمام كبار السن وكل من لديه أوضاع خاصة، وعدم التدافع، وتهدئة بعضنا بعضاً».

ويتابع الحشاش: «يجب على السكان الابتعاد فوراً عن المبنى المعرض للاستهداف بمسافة تتجاوز 500 متر، والالتقاء في مكان آمن، ويقع على العائلات واجب تفقد أفرادها؛ خوفاً من ترك أي شخص آخر في المبنى».

ويضيف: «بعد ذلك يجب الاتصال بالقوى الأمنية والدفاع المدني للوصول إلى المبنى وإقفاله، وإحصاء الناس والتأكد من عدم ترك أي فرد بالداخل».

أطفال نازحون يلعبون داخل مخيم مؤقت يعيش فيه العشرات ببيروت وسط الغارات الإسرائيلية المتصاعدة على لبنان (رويترز)

خطة طوارئ لكل عائلة

يرى المسؤول في الدفاع المدني اللبناني أنه من المهم أن «تعقد كل عائلة تعيش في الأماكن المعرضة لخطر الغارات الإسرائيلية بشكل أساسي، اجتماعاً لوضع خطة طوارئ في حال طلب الجيش الإسرائيلي منها إخلاء المباني». ويوضح الحشاش: «على كل عائلة الاتفاق على نقطة للالتقاء حال اضطروا إلى الإخلاء على الفور، وتحديد مكان جغرافي واضح للتجمع فيه، قبل الانتقال إلى الوجهة التالية».

ويشرح: «يجب على العائلة أيضاً أن تختار شخصاً مسؤولاً ليتأكد من الأعداد عند الإخلاء، فمن الطبيعي أن يضيع الناس في هذه الأوضاع النفسية الصعبة، وقد ينسون أطفالهم أحياناً، وقد يشعر الأطفال بالخطر فيلجأون إلى دخول أماكن يحسبونها آمنة، مثل الخزائن، وقد لا ينتبه إليهم أفراد الأسرة بسبب زحمة التحضير للخروج».

ويشير الحشاش إلى أن عملية الإخلاء في الحرب لا تشبه عمليات الإخلاء الأخرى المرتبطة بالحرائق والانفجارات، ويقول: «هذه العملية يمكن التحضير لها مسبقاً قدر الإمكان، وهي تختلف عن العمليات الأخرى الناجمة عن أحداث مفاجئة، فتجهيز أنفسنا نفسياً وتحضير أمتعتنا الضرورية من الخطوات التي تساعد في الحفاظ على السلامة الفردية والعامة، في ظل هذه الظروف الأليمة».


مقالات ذات صلة

«حزب الله» يحرك الشارع ضد سلام... والتفاوض

المشرق العربي طفلة ترفع علم إيران في تحرك لـ«حزب الله» ضد رئيس الحكومة نواف سلام (رويترز)

«حزب الله» يحرك الشارع ضد سلام... والتفاوض

يواجه «حزب الله» قرارات الحكومة اللبنانية التي يشارك فيها عبر التصويب على رئيسها نواف سلام

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي النيران تتصاعد من مركز قوى أمن الدولة بالنبطية الذي استُهدف بقصف إسرائيلي ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى في صفوف العناصر (أ.ف.ب)

إسرائيل تصعّد في لبنان لفرض وقائع جديدة قبل مفاوضات واشنطن

تسابق إسرائيل الوقت قبل موعد المفاوضات المرتقبة بينها وبين لبنان في واشنطن، ساعية إلى تحقيق مكاسب ميدانية تعزز موقعها التفاوضي.

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون أعلامه في تحرك رفضاً للتفاوض المباشر مع إسرائيل (أ.ب)

واشنطن تطلق محادثات لبنانية - إسرائيلية هاتفياً

استضافت الولايات المتحدة محادثات هاتفية تحضيرية الجمعة بين لبنان وإسرائيل تمهيداً لمفاوضات مباشرة ستُعقد، الأسبوع المقبل، برعاية إدارة الرئيس ترمب بواشنطن.

علي بردى (بيروت)
المشرق العربي الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض (أرشيفية - د.ب.أ)

إسرائيل تقرر «التفاوض المتدرج» مع لبنان

خبراء إسرائيليون يعتقدون بأن طهران ستأخذها بالاعتبار في المفاوضات في إسلام آباد، وستصر على وقف النار على «حزب الله» بأي ثمن حتى لو أدى ذلك إلى إفشال المفاوضات

نظير مجلي (بيروت)
المشرق العربي مواطنون يعاينون مبنى تم قصفه بغارة إسرائيلية في منطقة صور بجنوب لبنان (رويترز)

الأمن الغذائي مهدد في قرى جنوب لبنان المحاصرة

أوضحت رشا أبو ضرغام، الناطقة باسم «برنامج الأغذية العالمي» في لبنان، أن نحو 900 ألف شخص يعانون من انعدام الأمن الغذائي حتى قبل اندلاع الحرب الراهنة في لبنان.

بولا أسطيح (بيروت)

«حزب الله» يحرك الشارع ضد سلام... والتفاوض

طفلة ترفع علم إيران في تحرك لـ«حزب الله» ضد رئيس الحكومة نواف سلام (رويترز)
طفلة ترفع علم إيران في تحرك لـ«حزب الله» ضد رئيس الحكومة نواف سلام (رويترز)
TT

«حزب الله» يحرك الشارع ضد سلام... والتفاوض

طفلة ترفع علم إيران في تحرك لـ«حزب الله» ضد رئيس الحكومة نواف سلام (رويترز)
طفلة ترفع علم إيران في تحرك لـ«حزب الله» ضد رئيس الحكومة نواف سلام (رويترز)

يواجه «حزب الله» قرارات الحكومة اللبنانية التي يشارك فيها عبر التصويب على رئيسها نواف سلام، عبر تحركات لمناصريه في محيط السراي الحكومي وعدد من مناطق بيروت، في رسالة رفض واضحة لخطة «بيروت خالية من السلاح»، التي أقرتها الحكومة بهدف حصر السلاح بيد الدولة، كما لقرار التفاوض مع إسرائيل، كما أظهرت هتافات مناصريه، وهو ما قابله فرض إجراءات أمنية مشددة لضبط الوضع ومنع أي انفلات أمني في العاصمة.

ولليوم الثاني على التوالي تجمع مناصرون لـ«حزب الله» أمام السراي الحكومي، رافعين شعارات مندّدة بسياسات رئيس الحكومة نواف سلام، كما شهدت بعض شوارع بيروت تحركات مماثلة، حيث رفعت أعلام لـ«حزب الله» و«حركة أمل».

وتصادم المتظاهرون مع بعض سكان أحياء بيروت، حيث سجلت حوادث نار وتضارب، ما أدى إلى تدخل الجيش والقوى الأمنية لضبط الوضع.

مناصرون لـ«حزب الله» في تحرك في محيط السراي الحكومي في وسط بيروت (رويترز)

في المقابل، نفّذ الجيش اللبناني انتشاراً واسعاً في بيروت، لا سيما في محيط السراي، مع تسيير دوريات لأفواج المغاوير في عدد من الشوارع الرئيسية، في إطار تعزيز الاستقرار واحتواء أي توتر محتمل.

كما أفادت معلومات عن نشر قنّاصين تابعين للجيش على أسطح الأبنية المرتفعة في محيط السراي الحكومي، في خطوة احترازية لمراقبة التحركات على الأرض.

وتأتي هذه التحركات بعد قرار الحكومة حصر السلاح في بيروت، وتمسّك رئيس الحكومة نواف سلام بدور الدولة اللبنانية في تولّي التفاوض لوقف الحرب على لبنان، وذلك بعد ساعات على إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الموافقة على إجراء مفاوضات مباشرة مع لبنان.

وكان وزير الداخلية والبلديات أحمد الحجار قد دعا خلال معاينته موقع الغارات التي استهدفت بيروت، الأربعاء، إلى الالتفاف حول الدولة في هذه المرحلة الدقيقة، ومعرباً عن الأمل في التوصل إلى وقف كامل لإطلاق النار.

سيدات يشاركن في تحرك لـ«حزب الله» ضد رئيس الحكومة نواف سلام (رويترز)

وحذّر الحجار «من أي فتنة داخلية»، معتبراً أنها لا تخدم سوى إسرائيل وتضر بمصلحة لبنان، ومؤكداً أن «أمن البلاد يجب أن يشمل جميع المناطق دون استثناء، وأن القرارات الحكومية تصب في هذا الاتجاه».

وأضاف: «نعزّز الإجراءات الأمنيّة خصوصاً في بيروت بعد الضغط الكبير نتيجة النزوح»، لافتاً إلى أن «هناك تعويلاً كبيراً على وعي الناس؛ لأن الأزمة كبيرة، والحرب يدفع ثمنها الجميع، والدولة تقوم بكلّ جهودها وفق إمكاناتها لإنقاذ النازحين والتخفيف عن الناس، والإجراءات لا تنجح إلا بتعاون جميع اللبنانيين».


إسرائيل تصعّد في لبنان لفرض وقائع جديدة قبل مفاوضات واشنطن

النيران تتصاعد من مركز قوى أمن الدولة بالنبطية الذي استُهدف بقصف إسرائيلي ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى في صفوف العناصر (أ.ف.ب)
النيران تتصاعد من مركز قوى أمن الدولة بالنبطية الذي استُهدف بقصف إسرائيلي ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى في صفوف العناصر (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تصعّد في لبنان لفرض وقائع جديدة قبل مفاوضات واشنطن

النيران تتصاعد من مركز قوى أمن الدولة بالنبطية الذي استُهدف بقصف إسرائيلي ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى في صفوف العناصر (أ.ف.ب)
النيران تتصاعد من مركز قوى أمن الدولة بالنبطية الذي استُهدف بقصف إسرائيلي ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى في صفوف العناصر (أ.ف.ب)

تسابق إسرائيل الوقت قبل موعد المفاوضات المرتقبة بينها وبين لبنان في واشنطن، ساعية إلى تحقيق مكاسب ميدانية تعزز موقعها التفاوضي؛ إذ أشارت المعلومات إلى أن تل أبيب طلبت من الإدارة الأميركية مهلة تتراوح بين يومين وخمسة أيام لتنفيذ سلسلة عمليات عسكرية واسعة تستهدف بنية «حزب الله».

غير أن التطوّر الأبرز تمثّل في استهداف الطيران الحربي الإسرائيلي السراي الحكومي في مدينة النبطية، ما أدى إلى مقتل 13 عنصراً من جهاز أمن الدولة وإصابة ضابط، وهي المرّة الأولى التي تُستهدف فيها مؤسسة حكومية لبنانية في هذه الحرب، كما وضع الإسرائيليون ضمن لائحة استهدافاتهم سيارات الإسعاف التابعة لكشافة «الرسالة الإسلامية»، باتهامها بأنها تُستخدم لأغراض عسكرية تخدم «حزب الله».

نوعية الأهداف

تأتي كثافة الغارات الجويّة ونوعية الأهداف بالتوازي مع التقدّم البري الذي حققه الإسرائيليون على محاور القتال في جنوب الليطاني، لا سيما في مدينة بنت جبيل، التي يصفها «حزب الله» بـ«عاصمة المقاومة»؛ لما تمثّله من رمزية معنوية في الصراع، وهو ما يعكس محاولة إسرائيلية لفرض وقائع جديدة على الأرض قبل الدخول في المسار السياسي، بما يمنحها أوراق ضغط إضافية خلال التفاوض، ويؤثر مباشرة في توازنات أي تسوية محتملة.

أخطر عملية

وكثّف الطيران الحربي الإسرائيلي غاراته على الجنوب، حيث تعرضت مدينة النبطية لأكبر استهداف منذ بداية الحرب الحالية؛ إذ شنّ سلسلة غارات عنيفة استهدفت معظم الأحياء والشوارع فيها، وألحقت دماراً هائلاً، لكنّ أخطرها كان في الغارة بمحيط السراي الحكومي، ما أدى إلى تدمير مكتب جهاز أمن الدولة، ومقتل 13 عنصراً، كما أصيب ضابط برتبة ملازم بجروح مختلفة، وهرعت سيارات الإسعاف إلى نقل الضحايا والمصابين إلى المستشفيات.

النيران تتصاعد من مركز قوى أمن الدولة بالنبطية الذي استُهدف بقصف إسرائيلي ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى في صفوف العناصر (أ.ف.ب)

وقال مصدر أمني لـ«الشرق الأوسط» إن «جميع عناصر المركز الأمني قضوا في الغارة، ولم ينجُ منها سوى الضابط المسؤول عنهم وهو برتبة ملازم». واعتبر أن العملية «تعدّ الأخطر في هذه الحرب؛ لأن الإسرائيلي تعمّد استهداف مؤسسة حكومية وقتل عناصر أمن من خلال قصف مركزهم بشكل مباشر ومتعمّد»، ويرى أن «غاية هذه العملية هو تفريغ مدينة النبطية كما غيرها من مناطق جنوب الليطاني من أي وجود للدولة اللبنانية ومؤسساتها».

سيارات الإسعاف في مرمى الاستهداف

وتحولت سيارات الإسعاف إلى هدف للجيش الإسرائيلي بعد تحذير وجّهه الناطق باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي إليها، قائلاً إنها تُستخدم لأغراض عسكرية للحزب، وأفادت «الوكالة الوطنية للإعلام» بأن غارة إسرائيلية استهدفت بلدة ديرقانون راس العين، أدت إلى إصابة عدد من سيارات الإسعاف والإنقاذ والإطفاء للهيئة الصحية الإسلامية.

في المقابل، أعلنت وزارة الصحة العامة أنه لم يحصل أي إخلاء في الساعات الأخيرة للمستشفيات المستمرة في عملها في الضاحية الجنوبية لبيروت، مشيرة إلى أنها أجرت الاتصالات اللازمة مع منظمة الصحة العالمية والصليب الأحمر الدولي للمطالبة بعدم استهداف المستشفيات والمرافق الطبية، وقد تلقت الوزارة تطمينات دولية في هذا المجال.

واستهدف الطيران الإسرائيلي مغسلاً للسيارات وسط ساحة بلدة جباع في إقليم التفاح، مما أدى إلى مقتل 6 أشخاص، وأفيد بأن صاحب المغسل وولديه وثلاثة مواطنين قضوا على الفور، كما قُتل شخص آخر في غارة شنتها مسيّرة استهدفته على دراجته في بلدة الشرقية.

ولقي عضو بلدية أرنون، علي عبد اللطيف غيث، حتفه، وجُرح ابنه حسن في غارة لمسيّرة إسرائيلية استهدفت مبنى يسكنه بُعيد منتصف فجر الجمعة في بلدة كفرتبنيت، كما شنت المقاتلات الحربية غارة فجر الجمعة على منزل في بلدة زفتا ودمرته بالكامل.

صورة لمبنى منهار إثر قصف إسرائيلي في النبطية جنوب لبنان (أ.ف.ب)

«حزب الله» يردّ

وكانت غارات جوية استهدفت منتصف ليل الخميس ـ الجمعة أوتوستراد النبطية - حبوش - دير الزهراني، وألحقت به دماراً هائلاً، كما أدت الغارات إلى تدمير عشرات المجمعات السكنية والمحال والمؤسسات التجارية على طول 4 كيلومترات، وغيرت معالم الأبنية على جانبَي الأوتوستراد.

وردّ «حزب الله» على التصعيد الإسرائيلي، وأعلن في بيان أنه استهدف تجمعاً لجنود الجيش الإسرائيليّ شرق معتقل الخيام بصاروخ نوعيّ، كما قصف مستوطنات المطلّة، ومرغليوت، ومسكاف عام، ودوفيف، وموقع الغجر، ومستوطنة كريات شمونة، بصليات صاروخية.

رمزية بنت جبيل

ويشي الواقع الميداني إلى تقدّم برّي ملحوظ للقوات الإسرائيلية، التي تخوض قتالاً شرساً مع مقاتلي الحزب داخل مدينة بنت جبيل، حيث أعلن الحزب أنه يخوض التحاماً مع الجيش الإسرائيلي من «نقطة الصفر»، وهو اعتراف واضح من الحزب بدخول إسرائيل إلى عمق هذه المدينة، ما يؤشر إلى أن الأخيرة تسعى سريعاً للسيطرة على المدينة؛ إذ يمهّد ذلك للسيطرة على جنوب الليطاني.

ويوضح الخبير العسكري والاستراتيجي العميد المتقاعد حسن جوني، أنّ مدينة بنت جبيل «تُعدّ مركز ثقل في ما يُعرف بالنسق الثاني من القرى؛ أي تلك التي قد تكون ضمن نطاق توسيع ما يُسمّى بالمنطقة العازلة»، مشيراً إلى أنه «لا يُنظر إلى بنت جبيل كموقع عادي، بل كعقدة وصل أساسية ضمن القطاع الأوسط، ما يمنح السيطرة عليها أبعاداً تتجاوز الإطار الجغرافي».

صحافيون في موقع استُهدف بغارة إسرائيلية بالضاحية الجنوبية لبيروت (رويترز)

الحسابات العسكرية

ويكتسب احتلال بنت جبيل أبعاداً مختلفة، ويرى جوني أنّ «البُعد الأول هو البعد المعنوي؛ إذ إن بنت جبيل، التي تُعرف بـ(عاصمة المقاومة)، شكّلت تاريخياً نقطة تحدٍّ بين الحزب والجيش الإسرائيلي. ومن هذا المنطلق، تحظى المدينة بأهمية خاصة في الحسابات العسكرية الإسرائيلية التي تسعى إلى تحقيق مكاسب ذات أثر معنوي على خصمها. وقد ظهر ذلك خلال حرب 2024؛ إذ أصرّ الجيش الإسرائيلي على السيطرة على محاور يعتبر أن سقوطها يحمل دلالات معنوية، مثل عيتا الشعب والخيام؛ لما لذلك من تأثير على صورة (حزب الله) ومكانته».

موقع استراتيجي

ويكتسب البعد الثاني أهدافاً ميدانية، وفق تعبير جوني، الذي قال إن بنت جبيل «تتميّز بموقع استراتيجي يجعلها عقدة وصل بين عدد من القرى والاتجاهات، ما يتيح، في حال السيطرة عليها، الإمساك بهذه العقدة الحيوية والتحكم بها، فضلاً عن التأثير على حركة (حزب الله) في محيطها، سواء عبر تعطيل تنقّلاته أو من خلال فتح المجال لتطوير العمليات العسكرية باتجاهات متعددة انطلاقاً منها».

وفي البعد الثالث يلفت جوني إلى «استخدام بنت جبيل كورقة مهمّة لاستكمال جغرافية المنطقة العازلة، وللضغط على الدولة اللبنانية لاستخدام هذه المدينة ورقة ضغط خلال المفاوضات، بحيث يصبح الانسحاب منها مشروطاً بالحصول على ترتيبات أمنية وسياسية معيّنة».

مدخل بلدة بنت جبيل بجنوب لبنان بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي منها وبدء عودة الأهالي إليها عقب انتهاء الحرب في شهر نوفمبر 2024 (إ.ب.أ)

لا ثبات في المعركة

وتشكل معركة بنت جبيل تحولاً مهماً في العملية، ويضيف العميد جوني أنه «لم يسبق للقوات الإسرائيلية أن سيطرت على مدينة بالمعنى الكامل للكلمة ضمن هذا النطاق؛ إذ اقتصرت المعارك والتقدّم على القرى الحدودية أو المواقع المتقدمة، ما يجعل احتلال بنت جبيل، كمدينة كبيرة نسبياً في المنطقة، عاملاً يعزّز من ثقل الوجود العسكري الإسرائيلي، ويمنحه بعداً مختلفاً على مستوى الميدان والسياسة».

وأعطى العميد حسن جوني ملاحظة، مفادها أن الحزب قد لا يخوض معركة مستميتة من أجل الدفاع عن هذه المدينة، مشيراً إلى أن «التكتيك الذي يعتمده الحزب في هذه الحرب، هو أنه لا يضحّي من أجل الثبات، بل يضحّي من أجل إلحاق الخسائر بالقوات المهاجمة».


واشنطن تطلق محادثات لبنانية - إسرائيلية هاتفياً

مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون أعلامه في تحرك رفضاً للتفاوض المباشر مع إسرائيل (أ.ب)
مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون أعلامه في تحرك رفضاً للتفاوض المباشر مع إسرائيل (أ.ب)
TT

واشنطن تطلق محادثات لبنانية - إسرائيلية هاتفياً

مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون أعلامه في تحرك رفضاً للتفاوض المباشر مع إسرائيل (أ.ب)
مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون أعلامه في تحرك رفضاً للتفاوض المباشر مع إسرائيل (أ.ب)

استضافت الولايات المتحدة محادثات هاتفية تحضيرية، الجمعة، بين لبنان وإسرائيل، تمهيداً لمفاوضات مباشرة ستُعقد، الأسبوع المقبل، برعاية إدارة الرئيس دونالد ترمب في واشنطن العاصمة. بينما حذر مسؤول أميركي رفيع سابق من تحويل لبنان مجدداً كساحة صراع بين القوى الإقليمية، مستفيدة من انقساماته الداخلية بالإضافة الى التدخلات الخارجية.

وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر وثيقة الاطلاع على الجهود التي تبذل حالياً أن الوسطاء يسعون إلى اعتماد «النموذج الباكستاني» لوقف النار لمدة أسبوعين بين لبنان واسرائيل، على غرار ما يحصل بين الولايات المتحدة وإيران، كبديل من اقتراح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إجراء المحادثات في ظل الصدامات العسكرية بين إسرائيل و«حزب الله»، مشددين على أهمية فصل المسار التفاوضي اللبناني - الإسرائيلي عن المسار الأميركي - الإيراني «رغم أهمية التزامن بينهما».

وبينما لم يُتخذ قرار نهائي بعد، لا تزال الاتصالات متواصلة لمعرفة إمكانية خفض التصعيد بين إسرائيل و«حزب الله» إلى المستويات التي كانت سائدة قبل بدء الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من الجهة الأخرى في نهاية فبراير (شباط) الماضي. وكانت هذه الفكرة موضع بحث في اتصال هاتفي بين ترمب ونتنياهو، وسط مخاوف أميركية من أن يؤدي استمرار القتال في لبنان إلى انهيار وقف النار الهش مع إيران.

ووسط مساعٍ لعقد اجتماع بين وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو الذي يتولى أيضاً منصب مستشار الأمن القومي في البيت الأبيض، ورئيس الحكومة اللبناني نواف سلام الذي يزور واشنطن العاصمة، الأسبوع المقبل، سعت دول مؤثرة تتقدمها فرنسا وإيطاليا وبريطانيا إلى دعم لبنان في العملية التفاوضية الصعبة مع الجانب الإسرائيلي.

وشارك في الاتصال الهاتفي كل من السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى ومستشار وزارة الخارجية الأميركية مايكل نيدهام والسفيرة اللبنانية لدى الولايات المتحدة ندى حمادة معوض، والسفير الإسرائيلي يحيئيل ليتر.

ديفيد هيل في بيروت (أرشيفية - رويترز)

وفي جلسة حوارية عُقدت في معهد الشرق الأوسط في واشنطن، حذر السفير الأميركي السابق في بيروت ديفيد هيل من أن هشاشة لبنان المستمرة كساحة صراع بين القوى الإقليمية تنبع من انقساماته الداخلية بقدر ما تنبع من التدخلات الخارجية.

وأشار هيل إلى نمط تاريخي بارز: وهو أن الولايات المتحدة وإسرائيل، عند مواجهة عنف من وكلاء إيران أو سوريا، كثيراً ما فضّلتا حصر ردّهما داخل لبنان بدلاً من مواجهة مصدر المشكلة مباشرة في دمشق أو طهران. وقال: «تدور هذه المعارك في لبنان، رغم أن مصدر المشكلة كان يكمن في دمشق أو طهران».

وأوضح أن هذا الوضع بدأ يتغير بعد أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وبلغ ذروته في اتفاق وقف النار الذي تم التوصل إليه في نهاية ولاية إدارة الرئيس جو بايدن. وقال إن هذا الاتفاق مثّل لحظة ضغط غير مسبوقة على «حزب الله»، لم يسبق للجماعة أن واجهتها من قبل، حتى خلال حرب 2006. وأضاف: «وجد (حزب الله) وقفاً لإطلاق النار لتجنب الإبادة الكاملة»، مشيراً إلى أن الجماعة «بدأت على الفور في مراجعة» التزامها بنود الاتفاق بمجرد تخفيف الضغط.

وفي هذا السياق، أشار هيل إلى ما وصفه بانفتاح سياسي نادر، ألا وهو انتخاب رئيس لبناني، وتعيين رئيس وزراء، وهما، ولأول مرة منذ زمن طويل، لا يخضعان لسيطرة سوريا أو إيران، وحذر من تحميل القوات المسلحة اللبنانية وحدها مسؤولية حل الأزمة، قائلاً: «في النهاية، ستكون عملية سياسية». وأشار إلى أن الخطط الأمنية الجديدة، بما فيها إعلان توسيع سلطة الدولة على بيروت، تُعد خطوة مهمة، لكنه حذر من أن نطاق سيطرة الدولة على العاصمة لا يزال محدوداً، ولا يشمل الضواحي الجنوبية.

كما حذر من أحد أخطر أساليب «حزب الله التاريخية: الاغتيال السياسي». وذكر أنه «خلال ثورة الأرز، لجأت الجماعة إلى قتل المعارضين، بمن فيهم رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري وأكثر من 12 عضواً في البرلمان، لتحقيق ما عجزت عن تحقيقه سياسياً عبر العنف، وقال: «إننا نتعامل الآن مع أبناء وبنات وإخوة وأخوات من اغتيلوا، والذين يتذكرون ثمن الاستقلال».