إنذارات إسرائيلية للبنانيين بإخلاء منازلهم... كيف تضمن سلامتك؟

أقارب ينتظرون العثور على جثث تحت أنقاض المباني التي دمرتها غارة جوية إسرائيلية في حي عين الدلب شرق مدينة صيدا الساحلية (إ.ب.أ)
أقارب ينتظرون العثور على جثث تحت أنقاض المباني التي دمرتها غارة جوية إسرائيلية في حي عين الدلب شرق مدينة صيدا الساحلية (إ.ب.أ)
TT

إنذارات إسرائيلية للبنانيين بإخلاء منازلهم... كيف تضمن سلامتك؟

أقارب ينتظرون العثور على جثث تحت أنقاض المباني التي دمرتها غارة جوية إسرائيلية في حي عين الدلب شرق مدينة صيدا الساحلية (إ.ب.أ)
أقارب ينتظرون العثور على جثث تحت أنقاض المباني التي دمرتها غارة جوية إسرائيلية في حي عين الدلب شرق مدينة صيدا الساحلية (إ.ب.أ)

منذ بداية تكثيف الجيش الإسرائيلي غاراته على مناطق متعددة في لبنان، خصوصاً على قرى الجنوب وشوارع ضاحية بيروت الجنوبية، أصدر متحدثون باسمه إنذارات متعددة للسكان بضرورة إخلاء مبانٍ كثيرة، قبل قصفها. كما تصدر هذه النداءات للسكان أحياناً عبر رسائل نصية تصل إليهم على هواتفهم الجوالة، أو حتى عبر الاتصالات الصوتية المباشرة معهم.

ودعا الجيش الإسرائيلي، مساء أمس (الاثنين)، سكان 3 أحياء في ضاحية بيروت الجنوبية؛ معقل «حزب الله»، إلى إخلائها «حفاظاً على سلامتهم». وكتب الناطق باسم الجيش الإسرائيلي، أفيخاي أدرعي، على منصة «إكس»، متوجّها إلى سكان الليلكي وحارة حريك وبرج البراجنة: «أنتم موجودون بالقرب من مصالح ومنشآت تابعة لـ(حزب الله)... ولذلك سوف يعمل جيش الدفاع ضدها بقوة». وأضاف: «من أجل سلامتكم وسلامة أبناء عائلاتكم؛ عليكم إخلاء المباني فوراً والابتعاد عنها لمسافة لا تقل عن 500 متر».

وهذا ليس الإنذار الأول الذي يصدر منذ بداية التصعيد، ومن المتوقع ألا يكون الأخير، فقد دعا الجيش الإسرائيلي اليوم سكان قرى وبلدات جنوبية بعينها إلى الإخلاء العاجل.

وطلب الجيش الإسرائيلي، اليوم (الثلاثاء)، من سكان جنوب لبنان إخلاء نحو 30 بلدة «فوراً»، بعد ساعات من إعلانه بدء عملية برية ضد «حزب الله» في هذه المنطقة.

فتخيل أنك تجلس داخل منزلك، فيأتيك اتصال يدعوك إلى إخلائه بصورة عاجلة، فكيف تتصرف؟

يقول الأستاذ وليد الحشاش، رئيس «وحدة الخدمة والعمليات» في «الدفاع المدني اللبناني»، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إن «إنذارات الإخلاء الإسرائيلية للسكان تحتاج من المواطنين إلى تجهيز مسبق»، ويوضح: «هناك خطوات يجب على اللبنانيين اتباعها، خصوصاً سكان المناطق المعرّضة لخطر أكبر، مثل الضاحية الجنوبية لبيروت وقرى الجنوب والبقاع، وتجهيز خطة واضحة وحقائب تحتوي عناصر أساسية؛ للخروج من المنازل على الفور وتفادي الفوضى الكبرى».

طفلة من بلدة الخيام جنوب لبنان تفترش صندوق سيارة والدها بعد هربهم من القصف الإسرائيلي (د.ب.أ)

كيف نتجهز لإخلاء محتمل؟

يشرح الحشاش بأنه «على كل عائلة في كل بيت تجهيز حقيبة تضم: علبة إسعافات أولية، وأدوية مهمة، مثل خافض للحرارة ومسكنات للآلام وأدوية للأطفال وكبار السن، ومواد غذائية ضرورية، مثل بعض المعلبات والخبز، وبضع زجاجات من المياه، وحليب للأطفال».

ويقول: «علينا التفكير في أسئلة، مثل: عند الإخلاء، هل ستتوفر المياه والطعام بسهولة؟ وأيضاً: هل ستتوفر الملابس بسهولة؟ ومن ثم ترتيب حقائب تحتوي القليل من هذه الأمور الأساسية؛ فتكون جاهزة في متناول أيدينا للخروج سريعاً».

نازحون مع أمتعتهم في الشوارع بعد فرارهم من منازلهم بسبب الغارات الإسرائيلية الجديدة (إ.ب.أ)

ويؤكد الحشاش على «ضرورة تجهيز حقيبة تضم ملابس للأطفال وحرامات للتدفئة، خصوصاً مع دخولنا فصل الخريف وبدء انخفاض درجات الحرارة. والأهم من كل ذلك؛ أنه على كل عائلة وضع أوراقها الثبوتية الأساسية، وجوازات السفر، والأشياء الثمينة مثل المجوهرات، في حقيبة واحدة مقفلة بطريقة جيدة، لتكون في متناول أيديها أيضاً؛ بهدف حملها سريعاً عند مغادرة المنزل».

ويشير الحشاش إلى أهمية توضيب هذه الأغراض مسبقاً، «تفادياً للهلع الزائد حال الإنذار بالإخلاء، فيحمل كل فرد في العائلة حقيبة واحدة، مما يسهل العملية».

رجل يقف بالقرب من المباني المدمرة في أعقاب الضربات الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت (رويترز)

كيف ننفذ عملية الإخلاء بسلامة؟

يشرح المسؤول في الدفاع المدني اللبناني لـ«الشرق الأوسط» بأنه «عند ورود إنذار بالإخلاء، يجب على السكان الخروج من منازلهم بسرعة، واستخدام السلالم، والابتعاد عن المصاعد، ومحاولة النزول على الدرج بهدوء، والسير إلى جانب الحائط بطريقة منظمة قدر الإمكان؛ لإفساح المجال للمرور أمام كبار السن وكل من لديه أوضاع خاصة، وعدم التدافع، وتهدئة بعضنا بعضاً».

ويتابع الحشاش: «يجب على السكان الابتعاد فوراً عن المبنى المعرض للاستهداف بمسافة تتجاوز 500 متر، والالتقاء في مكان آمن، ويقع على العائلات واجب تفقد أفرادها؛ خوفاً من ترك أي شخص آخر في المبنى».

ويضيف: «بعد ذلك يجب الاتصال بالقوى الأمنية والدفاع المدني للوصول إلى المبنى وإقفاله، وإحصاء الناس والتأكد من عدم ترك أي فرد بالداخل».

أطفال نازحون يلعبون داخل مخيم مؤقت يعيش فيه العشرات ببيروت وسط الغارات الإسرائيلية المتصاعدة على لبنان (رويترز)

خطة طوارئ لكل عائلة

يرى المسؤول في الدفاع المدني اللبناني أنه من المهم أن «تعقد كل عائلة تعيش في الأماكن المعرضة لخطر الغارات الإسرائيلية بشكل أساسي، اجتماعاً لوضع خطة طوارئ في حال طلب الجيش الإسرائيلي منها إخلاء المباني». ويوضح الحشاش: «على كل عائلة الاتفاق على نقطة للالتقاء حال اضطروا إلى الإخلاء على الفور، وتحديد مكان جغرافي واضح للتجمع فيه، قبل الانتقال إلى الوجهة التالية».

ويشرح: «يجب على العائلة أيضاً أن تختار شخصاً مسؤولاً ليتأكد من الأعداد عند الإخلاء، فمن الطبيعي أن يضيع الناس في هذه الأوضاع النفسية الصعبة، وقد ينسون أطفالهم أحياناً، وقد يشعر الأطفال بالخطر فيلجأون إلى دخول أماكن يحسبونها آمنة، مثل الخزائن، وقد لا ينتبه إليهم أفراد الأسرة بسبب زحمة التحضير للخروج».

ويشير الحشاش إلى أن عملية الإخلاء في الحرب لا تشبه عمليات الإخلاء الأخرى المرتبطة بالحرائق والانفجارات، ويقول: «هذه العملية يمكن التحضير لها مسبقاً قدر الإمكان، وهي تختلف عن العمليات الأخرى الناجمة عن أحداث مفاجئة، فتجهيز أنفسنا نفسياً وتحضير أمتعتنا الضرورية من الخطوات التي تساعد في الحفاظ على السلامة الفردية والعامة، في ظل هذه الظروف الأليمة».


مقالات ذات صلة

«حزب الله» يهادن سلام ويعلن «تنظيم الخلاف» مع عون

المشرق العربي أمين عام «حزب الله» نعيم قاسم يتحدث على شاشة خلال افتتاح «مركز لبنان الطبي - الحدث» (إعلام حزب الله)

«حزب الله» يهادن سلام ويعلن «تنظيم الخلاف» مع عون

غيّر «حزب الله» لهجته تجاه رئيس الحكومة نواف سلام غداة زيارته القرى الحدودية وأعلن أمينه العام نعيم قاسم عن «تنظيم الخلاف» مع رئيس الجمهورية جوزيف عون.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي عنصر في الجيش اللبناني يقف على الركام في بلدة كفركلا بجنوب لبنان أثناء زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى البلدة الأحد (أ.ف.ب)

توغل إسرائيلي في العمق اللبناني لاختطاف مسؤول في «الجماعة الإسلامية»

توغلت قوة إسرائيلية فجر الاثنين سيراً على الأقدام في بلدة الهبارية واقتحمت منزل المسؤول في «الجماعة الإسلامية» عطوي عطوي...

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي عناصر «الدفاع المدني» اللبناني يحملون جثمان أحد ضحايا انهيار عقار في طرابلس (رويترز)

لبنان: ارتفاع عدد ضحايا انهيار مبنى في طرابلس إلى 15 قتيلاً

قالت المديرية العامة للدفاع المدني اللبناني إن عدد قتلى انهيار مبنى بطرابلس في شمال البلاد، الأحد، ارتفع إلى 15، بعد انتهاء عمليات البحث والإنقاذ.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
شؤون إقليمية تصاعد الدخان جراء الغارات الإسرائيلية على جنوب لبنان (أ.ف.ب) p-circle

إسرائيل تعتقل مسؤولاً في «الجماعة الإسلامية» بجنوب لبنان

أعلن الجيش الإسرائيلي اعتقال عنصر بارز في «الجماعة الإسلامية» جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يحاط بأهالي كفرشوبا في جنوب لبنان الذين رشوا الورود والأرز ترحيباً به (الشرق الأوسط)

سلام يختتم زيارته إلى جنوب لبنان: نريد للمنطقة العودة إلى الدولة

تعهّد رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام بالعمل على إعادة تأهيل البنى التحتية في القرى الحدودية مع إسرائيل «خلال أسابيع»

«الشرق الأوسط» (بيروت)

أزمة نزع سلاح «حماس» تُعمق مخاوف تعثر «اتفاق غزة»

خيام تؤوي الفلسطينيين النازحين إلى جانب مبانٍ مدمرة ومتضررة بشدة في غزة (أ.ف.ب)
خيام تؤوي الفلسطينيين النازحين إلى جانب مبانٍ مدمرة ومتضررة بشدة في غزة (أ.ف.ب)
TT

أزمة نزع سلاح «حماس» تُعمق مخاوف تعثر «اتفاق غزة»

خيام تؤوي الفلسطينيين النازحين إلى جانب مبانٍ مدمرة ومتضررة بشدة في غزة (أ.ف.ب)
خيام تؤوي الفلسطينيين النازحين إلى جانب مبانٍ مدمرة ومتضررة بشدة في غزة (أ.ف.ب)

أعاد تحفظ لرئيس حركة «حماس» في الخارج، خالد مشعل، بشأن نزع سلاح الحركة في قطاع غزة، تساؤلات عن تداعياته، بخاصة وأنه يأتي قبيل لقاء مرتقب بين رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، والرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأربعاء، واجتماع لـ«مجلس السلام» يوم 19 فبراير (شباط) الحالي.

مشعل، الذي طرح مقاربةً تقتضي هدنة تمتد لما يزيد على 10 سنوات، اعتبرها الوسيط الأميركي الفلسطيني، بشارة بحبح، في تصريحات، «مماطلة لن تقبل بها واشنطن أو تل أبيب».

ويعتقد خبراء، تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أن ذلك الموقف الحمساوي سيُستغل إسرائيلياً في تعميق مخاوف تعثر اتفاق وقف إطلاق النار المبرم منذ 10 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي والمتجمد في مرحلته الثانية التي انطلقت منتصف يناير (كانون الثاني) الماضي، دون أثر بالواقع الفلسطيني، معولين على دور أكبر للوسطاء للتوصل لتفاهمات.

خالد مشعل القيادي في حركة «حماس» (أرشيفية - رويترز)

وأكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ونظيره الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، الاثنين، ضرورة التنفيذ الكامل لاتفاق وقف الحرب في القطاع خلال لقاء في أبوظبي، وفق بيان للرئاسة المصرية.

جاء ذلك غداة كلمة ألقاها مشعل في «منتدى الجزيرة الـ17» بالعاصمة القطرية الدوحة، الأحد، قائلاً: «شعبنا ما زال تحت الاحتلال، لذلك فالحديث عن نزع السلاح هو محاولة لجعل شعبنا ضحية يسهل القضاء عليه وإبادته، من طرف (إسرائيل) المتسلحة بكل السلاح الدولي»، مؤكداً أن «الأولوية يجب أن تكون لتوفير بيئة تسمح بعملية الإعمار والإغاثة في غزة، مع ضمان عدم تجدد المواجهات العسكرية مستقبلاً».

ودعا مشعل، «مجلس السلام»، الذي يرأسه ترمب إلى اعتماد «مقاربة متوازنة» تتيح إعادة إعمار قطاع غزة، وتدفّق المساعدات إلى سكانه البالغ عددهم نحو مليونين و200 ألف نسمة.

ويعقد «مجلس السلام» الذي دشن منتصف يناير (كانون الثاني) الماضي، أول اجتماع له يوم 19 فبراير (شباط) الحالي، وقدم ترمب دعوات في هذا الصدد لعدة دول، ومن المتوقع أن يدفع الاجتماع بالمرحلة الثانية من «اتفاق غزة»، وفق موقع «أكسيوس» الأميركي.

الخبير العسكري والاستراتيجي، المستشار بالأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية، اللواء عادل العمدة، أشار إلى أن تصريحات مشعل ليست جديدة، ومعلوم من اليوم الأول للاتفاق أن «حماس» لن تفرط في سلاحها بالأساس؛ لكن ستخفف منه، لأنها تدرك أن تنازلها عن السلاح يعني سيطرة إسرائيل على القطاع دون أي مقاومة لاحقة، لافتاً إلى أن إسرائيل ستحاول أن تستغل ذلك في خلق ذرائع لتهديد استمرار الاتفاق والسعي لتعثره أو انهياره.

ورجح العمدة إمكانية التوصل لحل بشأن بعض الأسلحة كالصواريخ، وليس كلها، وقبل ذلك يجب أن يكون هناك انسحاب إسرائيلي، مؤكداً أهمية دور مجلس السلام في دعم المسار التفاوضي لحل تدريجي مبني على التزام حاسم للطرفين.

فلسطينيون يمرون بجانب أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين الفلسطينيين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني، عبد المهدي مطاوع، أن موقف «حماس» بشأن نزع السلاح سيبقى العقبة الرئيسية نحو أي تقدم في اتفاق وقف إطلاق النار، مشيراً إلى أن عدم الاتفاق على تنفيذ نزع السلاح سيجعل الإعمار ونشر قوات الاستقرار الدولية وانسحاب إسرائيل صعباً.

وتوقع أن يستغل نتنياهو ذلك خلال زيارته لواشنطن من أجل تحقيق مكاسب على حساب التزاماته، وعرقلة الأمور على الأقل خلال المرحلة الحالية التي تشهد تصعيداً إيرانياً أميركياً، وانتخابات إسرائيلية، بخلاف أن نجاح «مجلس السلام» يتوقف على نزع السلاح.

بالمقابل، قال بحبح، في تصريحات متلفزة، الأحد، إن الهدنة التي تقترحها «حماس» مرفوضة، والحركة قبلت مبدأ نزع السلاح والرئيس الأميركي لن يسمح بفشل خطته بشأن غزة، داعياً «حماس» إلى نزع سلاحها والتوقف عن المماطلة.

ويعتقد مطاوع أن انتقادات بحبح أيضاً تتزامن مع تشديد أميركي وإسرائيلي على أهمية نزع السلاح، وهو ما يثير مخاوف حقيقة من أن الاتفاق برمته قد يكون في مهب الريح، ونرى حرباً جديدة إلا في حال حدثت تفاهمات بضغوط من الوسطاء قريباً.

ونبه العمدة إلى أن إسرائيل أيضاً تماطل ولا تنفذ التزاماتها، بالتالي لا يجب تحميل طرف دون الآخر، مؤكداً أن تنفيذ الاتفاق يتطلب التزام تل أبيب بتعهداتها حتى تكون هناك مصداقية، ويمكن للوسطاء أن يصلوا لنقاط تفاهم مع «حماس»، لكن بدون ذلك فالوضع سيكون صعباً.


«حزب الله» يهادن سلام ويعلن «تنظيم الخلاف» مع عون

أمين عام «حزب الله» نعيم قاسم يتحدث على شاشة خلال افتتاح «مركز لبنان الطبي - الحدث» (إعلام حزب الله)
أمين عام «حزب الله» نعيم قاسم يتحدث على شاشة خلال افتتاح «مركز لبنان الطبي - الحدث» (إعلام حزب الله)
TT

«حزب الله» يهادن سلام ويعلن «تنظيم الخلاف» مع عون

أمين عام «حزب الله» نعيم قاسم يتحدث على شاشة خلال افتتاح «مركز لبنان الطبي - الحدث» (إعلام حزب الله)
أمين عام «حزب الله» نعيم قاسم يتحدث على شاشة خلال افتتاح «مركز لبنان الطبي - الحدث» (إعلام حزب الله)

خفّف «حزب الله» حدة لهجته تجاه رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام غداة زيارته القرى الحدودية في الجنوب، وثمّن الأمين العام نعيم قاسم تلك الزيارة ووصفها بالـ«إيجابية»، بموازاة إعلانه عن «تنظيم الخلاف» مع رئيس الجمهورية جوزيف عون، وذلك بعد أشهر من الانتقادات الحادة للحكومة، وفتور في العلاقة مع عون تم تسجيله منذ مطلع العام.

وجاءت تصريحات قاسم، خلال افتتاح مركز طبي ضخم أنشأه الحزب في ضاحية بيروت الجنوبية، غداة إدراج الكويت 8 مستشفيات يديرها الحزب على لائحة الإرهاب. وإذ تجنب قاسم ووزير الصحة ركان ناصر الدين وهو أحد ممثلي «حزب الله» في الحكومة، الحديث عن الإجراء الكويتي، قال قاسم: «إننا لا نعمل في الصحة أو في الخدمة الاجتماعية أو في تأمين الإيواء والترميم إلا بعنوان الواجب علينا تجاه الناس»، لافتاً إلى أن «هذا المركز يخفف الأعباء المالية بسبب بدلاته التي تقارب التكلفة»، وتم إنشاؤه «في أصعب الظروف وليس في الأوقات العادية».

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يتوسط النائبين علي حسن خليل وقاسم هاشم خلال زيارته إلى بلدة كفركلا الحدودية مع إسرائيل بجنوب لبنان الأحد (أ.ف.ب)

تراجع اللهجة وتنسيق الخلاف

اتسمت تصريحات قاسم بالهدوء تجاه الحكومة اللبنانية، بعد أشهر من التصعيد والهجوم والانتقادات التي وُجّهت لرئيسها نواف سلام على خلفية قرارها الشهير في 5 أغسطس (آب) الماضي، القاضي بتنفيذ «حصرية السلاح» على الأراضي اللبنانية. وقال قاسم: «نثمن زيارة رئيس الحكومة الدكتور نواف سلام إلى الجنوب اللبناني. هذه الزيارة إيجابية، وهي خطوة مهمة على طريق بناء لبنان». وتابع: «أهم ما في هذه الزيارة، أنه قال إننا سنعمر ولن ننتظر توقف العدوان. هذا ما كنا نطالب به دائماً».

وفي السياق نفسه، أعلن قاسم عن «تنظيم الخلاف» مع الرئيس اللبناني جوزيف عون، بعد نحو شهر من الفتور في العلاقة بين الطرفين، ظهر إثر إعلان عون أيضاً عن مضيه في مسار تنفيذ «حصرية السلاح» في شمال الليطاني، وهي المرحلة الثانية من الخطة. وبدأ مسار ترميم العلاقة، الأسبوع الماضي، إثر زيارة رئيس كتلة الحزب البرلمانية (الوفاء للمقاومة) النائب محمد رعد لرئيس الجمهورية، حيث عقدا اجتماعاً مطولاً.

وقال قاسم: «الضغط على رئيس الجمهورية لا يتوقف من كل الدول، وهم يضغطون عليه من أجل أن يقوم بإجراءات لإيجاد شرخ بينه وبيننا، يعني بين الدولة برأسها وبين المقاومة وجمهور المقاومة»، وتابع: «صحيح أنه يوجد اختلاف في الأسلوب في بعض الأمور، لكن من الموقع الوطني كلانا مع وقف العدوان الإسرائيلي، وكلانا يريد تحرير لبنان، وكلانا لا يريد الفتنة، وكلانا يعيش جواً أننا نريد أن ننهض بلبنان».

رئيس كتلة «حزب الله» النائب محمد رعد مجتمعاً مع الرئيس جوزيف عون الأسبوع الماضي (الرئاسة اللبنانية)

وتوجه قاسم إلى خصومه بالقول: «لا أحد (يلعب) بيننا وبين رئيس الجمهورية»، مشيراً إلى أن زيارة رعد لعون «كانت زيارة جيدة للمتابعة وللتنسيق وتنظيم الخلاف ومواجهة التحديات».

وقال: «اعلموا أن هذه المرحلة هي المرحلة التي ترسم المستقبل بالوحدة الوطنية»، مشيراً إلى أن «بالتعاون بين الدولة والجيش والحكومة والشعب والمقاومة نصنع مستقبل لبنان»، داعياً إلى «التركيز على هدفين، أولاً وقف العدوان بكل مستلزماته، وثانياً إخراج لبنان من أزمته المالية والاقتصادية والاجتماعية».

مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون أعلامه في إحياء الذكرى السنوية الأولى لاغتيال أمينه العام السابق حسن نصر الله (أرشيفية - د.ب.أ)

تنسيق مع بري

كشف قاسم عن لقاء بين «حزب الله» و«حركة أمل» التي يرأسها رئيس مجلس النواب نبيه بري، «ناقش الانتخابات وكيفية التعاون وتسريع وإعادة الإعمار ومواجهة العدوان». وقال: «نحن و(حركة أمل) جسد واحد ورأي واحد في القضايا الأساسية العامة التي تدور في البلد، ونعمل معاً».

ورأى أن التوغل الإسرائيلي في الهبارية واختطاف مسؤول «الجماعة الإسلامية»، يندرجان ضمن إطار «الضغط الكبير من اجل تصفية أي حضور يقول لإسرائيل لا، أو يمكن أن يساعد على إعادة نهضة لبنان». وقال: «منعوا إعادة الإعمار بحجة أن المطلوب إنجاز حصرية السلاح أولاً، لكن في الحقيقة منع إعادة الإعمار هو من أجل إيجاد شرخ بين المقاومة وأهلها».

وقال: «العدو يجرف القرى الأمامية ويتصرف بطريقة بشعة جداً على أساس أن تبقى هذه المنطقة معزولة». ورأى أن «الحل الأساسي في لبنان أن نكون أقوياء وأن نقاوم وأن نتوحد حول هذا المشروع المواجه لإسرائيل».


توغل إسرائيلي في العمق اللبناني لاختطاف مسؤول في «الجماعة الإسلامية»

عنصر في الجيش اللبناني يقف على الركام في بلدة كفركلا بجنوب لبنان أثناء زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى البلدة الأحد (أ.ف.ب)
عنصر في الجيش اللبناني يقف على الركام في بلدة كفركلا بجنوب لبنان أثناء زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى البلدة الأحد (أ.ف.ب)
TT

توغل إسرائيلي في العمق اللبناني لاختطاف مسؤول في «الجماعة الإسلامية»

عنصر في الجيش اللبناني يقف على الركام في بلدة كفركلا بجنوب لبنان أثناء زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى البلدة الأحد (أ.ف.ب)
عنصر في الجيش اللبناني يقف على الركام في بلدة كفركلا بجنوب لبنان أثناء زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى البلدة الأحد (أ.ف.ب)

أثارت عملية التوغل الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية واختطاف مسؤول «الجماعة الإسلامية» في منطقتي حاصبيا ومرجعيون عطوي عطوي، تنديداً لبنانياً، وصدمة في المنطقة الحدودية؛ إذ جاء التوغل غداة زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى المنطقة، وتعهد بإطلاق ورشة إعادة تأهيل البنى التحتية.

وجاء هذا التصعيد بعد أقل من شهرين على اختطاف النقيب المتقاعد في الأمن العام أحمد شكر في منطقة البقاع، شرق لبنان، أواخر ديسمبر (كانون الأول) 2025، في حين تواصل إسرائيل ملاحقاتها الأمنية، فاستهدفت سيارة كان يستقلها عنصر من «حزب الله» في بلدة يانوح شرق مدينة صور؛ ما أدى إلى مقتل ثلاثة أشخاص بينهم طفل يبلغ من العمر ثلاث سنوات.

وأعلن مركز عمليات طوارئ الصحة العامة التابع لوزارة الصحة اللبنانية في بيان أن «غارة العدو الإسرائيلي على بلدة يانوح قضاء صور، أدت إلى استشهاد ثلاثة مواطنين من بينهم طفل عمره ثلاث سنوات».

ونقلت «وكالة الصحافة الألمانية» (دي بي إي) أن الطيران الإسرائيلي المسيَّر، استهدف سيارة من نوع «رابيد» وسط بلدة يانوح قضاء صور في جنوب لبنان، وعلى الفور توجهت سيارات الإسعاف وبدأت تعمل على نقل عدد من الإصابات.

عنصر في الجيش اللبناني يقف على الركام في بلدة كفركلا بجنوب لبنان أثناء زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى البلدة الأحد (أ.ف.ب)

اختطاف مسؤول في «الجماعة الإسلامية»

ميدانياً، أفادت وسائل إعلام محلية بأن قوة إسرائيلية توغّلت فجر الاثنين سيراً على الأقدام إلى الأطراف الشمالية لبلدة الهبارية، عبر كروم الزيتون، واقتحمت منزل عطوي عند نحو الساعة الواحدة فجراً، وكان برفقة زوجته. ودخل خمسة جنود إلى المنزل، أحدهم ملثم، واعتدوا عليهما بالضرب، قبل تقييد الزوجة وتعصيب عينيها ونقلها إلى المطبخ، في حين جرى اقتياد عطوي إلى جهة مجهولة، ثم انسحبت القوة عبر المسار نفسه، وسط تحليق مكثف للمسيّرات والمروحيات الإسرائيلية.

وأفاد شهود عيان بأن ثلاث آليات عسكرية إسرائيلية شوهدت تغادر لاحقاً وسط البلدة باتجاه جبل السدانة عبر طريق معبّد بين مناطق حرجية؛ ما عزّز فرضية التخطيط المسبق للعملية ومسارها.

في المقابل، أعلن المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي في تغريدة على «إكس» أنه «في ضوء ورود مؤشرات استخبارية تم جمعها على مدار الأسابيع الأخيرة داهمت قوات إسرائيلية خلال ساعات الليلة الماضية مبنى في منطقة ​جبل روس​، واعتقلت عنصراً من الجماعة الإسلامية حيث تم نقله للتحقيق داخل إسرائيل».

رئيس الحكومة نواف سلام متأثراً بالدمار الهائل في بلدة كفركلا الجنوبية خلال زيارته للقرى الحدودية (أ.ف.ب)

وندد رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام بالتوغل الإسرائيلي، وقال في بيان: «أدين بأشدّ العبارات قيام إسرائيل باختطاف المواطن اللبناني عطوي عطوي من منزله في الهبارية، إثر توغّل قوات إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية؛ ما يشكل اعتداءً فاضحاً على سيادة لبنان، وخرقاً لإعلان وقف الأعمال العدائية وانتهاكاً للقانون الدولي».

وقال سلام: «كلّفتُ وزير الخارجية والمغتربين التحرّك الفوري ومتابعة هذه القضية مع الأمم المتحدة»، كما جدد المطالبة «بتحرير جميع الأسرى اللبنانيين المعتقلين في السجون الإسرائيلية في أقرب وقت».

حدث غير معزول

لا تعدّ العملية الإسرائيلية في بلدة الهبارية حدثاً أمنياً معزولاً، بل تجب قراءتها «ضمن مسار تاريخي ممتد شكّل أحد أعمدة العقيدة الأمنية الإسرائيلية في تعاملها مع الساحة اللبنانية»، حسبما يقول الأستاذ الجامعي والباحث السياسي باسل صالح لـ«الشرق الأوسط».

وأوضح صالح الذي ينحدر من المنطقة، أنّ «عمليات الاستدراج والخطف ليست جديدة، فقد اعتمدتها إسرائيل منذ أواخر ستينات القرن الماضي، سواء في بيروت والمناطق الحدودية والبقاع؛ ما يؤكّد أنّها نمط ثابت لا يرتبط بظرف آني».

وأشار إلى أنّ «هذا السلوك لم يتوقّف فعلياً إلا خلال فترات محدودة، في حين عاد بقوّة في مرحلة ما بعد الحرب الأخيرة، من دون تسجيل أي تغيير جوهري في المقاربة الحربية الإسرائيلية».

رد على زيارة سلام؟

فيما يتعلّق بتوقيت العملية، رأى صالح أنّه «من دون الجزم بعلاقة سببية مباشرة، تمكن قراءة العملية، في أحد أبعادها، بوصفها ردّاً غير مباشر على المناخ السياسي الذي رافق زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى الجنوب، ولا سيما وعود الإنماء وإعادة الإعمار وتثبيت حضور الدولة، في حين أن قرار حصر السلاح بيد الدولة يشهد كل هذه التأويلات والتأويلات المضادة، وصولاً إلى إعلان الحزب مرات عدة، وعلى ألسنة مسؤوليه، أنه لن يقف مكتوف الأيدي بالضرورة في حال أي هجوم على إيران، بالإضافة إلى إعلانه، عدم نيته تسليم سلاحه كاملاً في جنوب وشمال الليطاني».

لبنانيون من بلدة يارين الجنوبية يستقبلون رئيس الحكومة نوّاف سلام على أنقاض منازلهم المُدمَّرة (أ.ب)

ولفت صالح إلى أنّ «إسرائيل تُبدي تاريخياً حساسية عالية تجاه أي محاولة لإعادة إنتاج الاستقرار في الجنوب، وغالباً ما تتعامل مع هذه المسارات بوصفها تهديداً غير عسكري يستدعي رسائل أمنية ميدانية، فكيف إذا ترافق مع السلاح».

وفي المقابل، شدّد على أنّ «هذا التفسير لا يلغي الطابع البنيوي للعملية»، موضحاً أنّ «العمليات من هذا النوع تُخطَّط ضمن مسار أمني وعسكري طويل الأمد، وتندرج في إطار بنك أهداف مُسبق يُفعَّل وفق اعتبارات ميدانية واستخباراتية دقيقة».

وأضاف: «مرحلة ما بعد توقيع اتفاق وقف الأعمال العدائية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، شهدت انتقالاً من المواجهة الواسعة إلى إدارة صراع منخفضة الوتيرة؛ ما سمح لإسرائيل بتحقيق أهداف أمنية متعددة من دون تحمّل تكلفة حرب شاملة، ما يجعل الذي يجري اليوم استكمالاً للحرب بأدوات مختلفة».

تحرّك الجيش اللبناني

كشف فوج الهندسة في الجيش اللبناني على منزل عطوي للتأكد من أن الجيش الإسرائيلي لم يترك خلفه وسائل تجسسية أو فخَّخ أي محتوى في داخله.

وأصدرت «الجماعة الإسلامية» بياناً حمّلت فيه إسرائيل المسؤولية الكاملة عن سلامة عطوي، عادَّةً ما جرى خرقاً للسيادة اللبنانية وامتداداً لسلسلة اعتداءات متواصلة، وطالبت الدولة اللبنانية بالتحرك العاجل والضغط عبر الجهات الراعية لوقف الأعمال العدائية للإفراج عنه.

كما استنكرت بلدية الهبارية العملية، وعدَّتها اعتداءً صارخاً على السيادة وحرمة المنازل، مؤكدة تمسّك الأهالي بأرضهم. بدوره، قال اتحاد بلديات العرقوب إن القوة الإسرائيلية انطلقت من رويسة العلم مروراً بالسدانة ونفذت دهماً استهدف منزل عطوي، عادَّاً أن العملية تمثل تصعيداً خطيراً، ودعا الدولة اللبنانية والهيئات الدولية المعنية بحقوق الإنسان إلى التدخل العاجل.