محمد عبلة: أعيش الفن بمحبة الناس والحياة

أصدر كتاباً يوثِّق فيه سيرته التشكيلية وسنوات التكوين

محمد عبلة: أعيش الفن بمحبة الناس والحياة
TT

محمد عبلة: أعيش الفن بمحبة الناس والحياة

محمد عبلة: أعيش الفن بمحبة الناس والحياة

يكشف الفنان التشكيلي محمد عبلة في كتابه «مصر يا عبلة – سنوات التكوين» عن خريطة متعددة الأبعاد والملامح للواقع المصري في فترة حرجة من السبعينات شهدت كثيراً من التحولات المفاجئة على شتى المستويات السياسية والاجتماعية والثقافية، من أبرزها توغل الجماعات الإسلامية المتطرفة في نسيج الحياة، ملقيةً بظلالها الكئيبة على المعنى والقيمة للفن والجمال ودورهما في بناء المجتمع.

ورغم أن الكتاب الصادر عن «دار الشروق» بالقاهرة معنيٌّ بالسيرة الذاتية للفنان، فإنه بالتوازي معها، وعلى هامشها يحفر سيرة خاصة للحياة والتشبث بإرادة الأمل في مواجهة الصعاب الجمَّة التي واجهها من أجل بلورة حلمه وتحقيقه بصورة فنية راقية على أرض الواقع.

تشكل الطفولة المحطة الأُم في رحلة هذه السيرة، وهي طفولة قروية محضة، لا طرف فيها سوى ضرورة العيش والتأقلم مع حياة شجية في كنف أسرة تنتمي لعائلة كبيرة بدوية الأصل هاجرت إلى مصر، وبعد موت الجد تحمل الأب رعايتها بالمحبة والكدح في مهن شتى. في هذا المناخ ترعرعت طفولة عبلة، وانبثقت موهبته في الرسم... هنا تبرز اللبنة الأولى في سنوات التكوين، التي تعد أحد الدروس الأساسية في الفن بشتى دروبه وتقاطعاته؛ حيث المحاكاة هي المعلم الأول للفنان؛ محاكاة الطبيعة وفضاء القرية بحقولها وأشجارها وطيورها، مما سهَّل من عملية التعلم وكسر جمودها النمطي المدرسي، وشحذ خيال الطفل بطاقة خصبة للتحليق فيما هو أبعد وأعمق.

بدأت هذه المحاكاة بشخبطات دأب على رسمها بالطبشور على جدران وسور المدرسة، كأنه بتلقائية طفولية أراد أن يكسر حاجز الفراغ الوهمي بينها وبين العين العابرة التي تتأمل المدرسة بخشية وحذر. الطريف أنه كان يستسلم للعقاب بوصفه مكافأة على هذه الشخبطات. يوثق الكتاب لهذا النزق الطفل بنظرة لا تخلو من محبة لتلك الأيام قائلاً: «أول هدية تلقيتها في حياتي كانت علبة طباشير ملون من ناظرة المدرسة الابتدائية (أبلة نجية) وهي التي اعتادت من قبل أن تعاقبني على شخبطاتي التي ترى أنني بها أشوِّه جدران المدرسة، تغيَّرتْ الحال بعد أن زار المدرسة مفتش التربية الفنية، وطلب مني أن أرسم على السبورة مباراة لكرة القدم بين فريقي الأهلي والزمالك، ولما فرغت من الرسم، وأعجب به، أوصى الناظرة بمكافأتي، وقال لها: اهتمي بيه. ده فنان. رافقني هذا اللقب من يومها طيلة سنوات دراستي، وكان عذراً لي إذا ارتبكت أي خطأ؛ (أصله فنان)». لكنَّ هذا العذر الذي أصبح بمثابة رخصة وحصانة فنية، لم يفلح في ثني والده عن إصراره على أن يلتحق عبلة بالكلية الحربية، بعد حصوله على شهادة الثانوية العامة، حتى يتباهى بابنه الضابط في أوساط القرية، معززاً ذلك بأنه تحدث مع مسؤولين كبار سيسهِّلون له الأمر، ساخراً من رغبته في دراسة الفن والتحاقه بكلية الفنون الجميلة بالإسكندرية: «هل سمعت أن هناك رئيس مجلس مدينة خريج فنون جميلة... رئيس البلد كلها، واحد من الجيش، هل هناك فنان أصبح رئيساً للجمهورية؟ راجع نفسك يا محمد».

لم يكن أمام عبلة سوى التمرد على سلطة الأب بكذبة بيضاء مؤكداً أنه سيحقق رغبته لكنه ذهب في الطريق المعاكس والتحق بكلية الفنون، لكنَّ المصادفة تخونه وتفضح كذبته البيضاء؛ ففي محطة القطار وهو عائد من الإسكندرية يفاجأ بوالده أمامه، ويكشف شعره الطويل عن السِّر، فيجذبه والده منه صارخاً في وجهه: «فيه حد في الكلية الحربية شعره طويل كده؟». ويهدده بأنه سوف يتخلى عنه إذا لم يسحب أوراقه من كلية الفنون، ويرجوه أن الفرصة لا تزال مواتية، وأنه إذا لم يفعل ذلك فعليه أن يتحمل وحده مسؤولية اختياره، لكنَّ عبلة يُصرّ، لتتعقد حبال القطيعة بينهما لسنوات، حتى إنه كان يتحين فرصة عدم وجود الأب في البيت ليتسلل خلسة لزيارة أمه وإخوته وأصدقائه في القرية.

يعيش عبلة الفن في كل تفاصيل الحياة، ويؤكد في تقديمه للكتاب أن من الدروس التي تعلمها، وأصبحت بمثابة اليقين هي أن الفن يجب أن يكون في خدمة الناس، لذلك يشكل الحلم بالفن وهاجسه ومحبته الباذخة مطاردة مغوية لعبلة على مدار صفحات الكتاب الممتدة عبر 225 صفحة مزيلة بملزمة بالألوان تعكس رسوماته في مراحل مختلفة. باسم هذه المحبة وتحت وطأة ضغوط الحياة وتدبير نفقات ومستلزمات العيش عمل عبلة في مهن عديدة، معظمها لا علاقة مباشرة له بالفن: عمل نقاشاً وخطاطاً وبائع قطع غيار للسيارات، ورساماً في مصلحة الدمغة، وغيرها من المهن والحرف التي أكسبته معرفة أوسع بموازين القوة والربح والخسارة في المجتمع.

بعد تخرجه في الكلية بمرتبة الشرف وكان ترتيبه الأول على دفعته، انتقل للعيش في القاهرة لأداء الخدمة العسكرية بالجيش، وقبل نحو شهر من خروجه وحصوله على شهادة إتمام الخدمة يطارده هاجس الفن بشكل مربك، قلم يكد يصفو لنفسه ويفرح بنجاح معرضه الأول بالمركز لثقافي الإسباني في القاهرة، ومن خلال خبر نُشر بصحيفة «الأهرام» عن المعرض يستدعيه قائد المعسكر، وكان شخصاً قاسياً، ويهدده بعدم الخروج من الجيش قبل أن ينجز تصميم جديد لبوابة المعسكر عبارة عن لوحة كبيرة بها «قوس نصر وفوقه نسر، فارداً جناحيه، ارتفاعه 12 متراً من الحديد، وعلى الجانبين شعار السلاح وشعار الوحدة، وفي كل جنب تكتب: (مصر أولاً)».

في تلك الفترة كان عبلة يسكن في غرفة بشقة في الجيزة مع شاب طيب من الصعيد. الطريف أنهما تقاسما معاً دورتَي الليل والنهار؛ ففي الليل يذهب رفيقه إلى عمله في وردية في المطار، تاركاً الحجرة لعبلة حتى ينام ويستريح، وحين يعود في الصباح يفعل عبلة الأمر نفسه؛ يستيقظ ويخرج للتجوال في شوارع القاهرة، يُمعن النظر في بيوتها القديمة، وطرزها المعمارية العتيقة، ويعيشها حالةً فنيةً متجددةً.

خمس سنوات هي مدة الدراسة بالكلية، ورغم مشاقّ الحياة حافظ عبلة على تفوقه، وقام برحلتين تركا أثراً عميقاً في هذه السيرة؛ الأولى إلى بغداد والأخرى إلى الأقصر بجنوب مصر. في بغداد التي أحبها، ورأى فيها مزيجاً فريداً من دمشق والقاهرة، اشتغل في مهن كثيرة وكوَّن صداقات قوية مع عراقيين وأكراد أحسَّ معهم بأنه وسط أهله وناسه، وحصل على كتابين مهمين مترجَمَين عن التصوير والخط العربي صدرا عن وزارة الثقافة العراقية لم يجدهما في القاهرة، وكان وزير الثقافة آنذاك سعدون حمادي، سخياً، حين استقبله بترحاب وسهَّل مأموريته لتصبح الحصيلة كرتونة من الكتب المهمة التي أصدرتها الوزارة. كما أصبح له مرسم يطلّ على نهر دجلة، وأقام معرضاً لأعماله التي رسمها هناك بمدخل أكاديمية الفنون، وتجمعه المصادفة بصديق عمره عادل مراد، عاشق العزف على العود. في الأقصر التي قضى بها شهراً راح يبحث عن فكرة لمشروع التخرج الذي يتوّج به دراسته في الكلية متأملاً جدران المعابد والمقابر الفرعونية وما تحويه من رسوم وأشكال نحتية تزداد ألقاً مع حركة الشمس ودوران الطبيعة، أوقعه هذه التراث العريق وجمالياته النابضة بالحيوية والحياة في حالة من الحيرة والارتباك، فثمة أسئلة كثيرة ملحّة لا يجد إجابة عنها: ماذا سيرسم، وكيف إذن في مشروع التخرج؟

يصف عبلة انطباعه فور زيارته لمقبرة «رخا رع»: «كان كل ذلك بألوان، كأنها رُسمت بالأمس، كما كانت حركات الأجسام وهي تلتفّ وتميل كأنها رقصات مقدسة في ممر طويل... ثمة طيبة غريبة تجعلك كأنك تعرفهم وتشعر بأنفاسهم حولك».

في العودة صادف صندلاً راسياً في النيل يتأهب للإبحار، ينجح في إقناع رئيس العمال بأن يأخذوه معهم في رحلتهم النيلية من الأقصر إلى قنا، تبهره حركاتهم، وهم يصعدون على لوح خشبي بقوالب الطوب الأحمر من الشاطئ، ويرصّونها بعناية لافتة فوق سطح المركب، ويرددون بإيقاع دافئ: «هيلا هيلا... يا الله يا مهوِّن»، فيحس بأنه أمام طقس حياة خاص، وأن رسوم مقبرة «رخا رع» تتحرك أمامه في مشهد حي. من هذا المشهد استقى فكرته لمشروع التخرج وأعطته لجنة التحكيم عليه أعلى درجة في تقريرها.

يحتفي عبلة في الكتاب بكوكبة من الفنانين لعبوا دوراً مؤثراً في هذه السيرة، على رأسهم سيف وانلي «الأستاذ»، وكامل مصطفى عميد الكلية، وحامد ندا، وبيكار، ومر على من سمَّاهم «أولياء الفن الصالحين»: النحات الفطري عبد البديع عبد الحي، والمخرج شادي عبد السلام، وفنان الخزف سعيد الصدر، ليودِّعهم قبل سفره إلى إسبانيا، كما احتفى بناس بسطاء تركوا لمسه حانية في هذه السيرة الشيقة، وهذا الكتاب النادر من نوعه على الأقل في محيطنا الثقافي العربي.



70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس
TT

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس

بعد جيلين صنعا مجد «دار الآداب»، وبمناسبة الاحتفال بمرور 70 سنة على انطلاقتها، تتحدث مديرة الدار رنا إدريس لـ«الشرق الأوسط» عن تاريخ وكواليس واحدة من أعرق دور النشر العربية وأقدمها. وهنا نص الحوار...

وضع سهيل إدريس وشريكة حياته عايدة مطرجي النواة الأولى لـ«دار الآداب»، ثم لعب الأولاد رنا وسماح ورائدة، كل منهم دوره في تطوير العمل وتحديثه. أما الحفيدة تالا فهي جاهزة لأداء المهمة، حين يطلب منها ذلك. 7 عقود من النشر والأدب سيحتفى بها في «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» بدءاً من التاسع من الشهر الحالي، بالموسيقى والندوات والتواقيع. ويعقد حوار يوم الأحد المقبل، بين د. بلال الأرفه لي ورنا إدريس تتحدث فيه عن تجربتها.

تقول رنا لـ«الشرق الأوسط»: «الدار لم تستمر بالصدفة، كان ثمة تحضير مبكر لي ولإخوتي على العمل». وتكمل: «عشنا في الدار وكبرنا. شربنا الكتب مع الحليب. ولا أذكر أننا جلسنا على غداء، إلا وكان حديث عن كتاب أو ترجمة».

خلال حياته قسّم سهيل إدريس المسؤوليات. ابنته رنا تتسلم دار النشر، ابنه سماح يدير مجلة «الآداب»، زوجته الدكتورة عايدة لها الطباعة والمستودعات. وسهيل إدريس تفرغ بعد الأدب والترجمة، للقواميس حتى أنجز «المنهل» الفرنسي - العربي، بالتعاون مع جبور عبد النور.

سهيل إدريس

المجلة أولاً

«دار الآداب» ولدت من رحم مجلة «الآداب». عام 1953 أوكلت «دار العلم للملايين» إصدار المجلة إلى سهيل إدريس، وهو في أواخر عشريناته. بعد 3 سنوات تزوج ممن ستصبح شريكة حياته عايدة مطرجي. شعر أن طموحاته وجرأته تذهبان أبعد من الممولين، فشجّعته والدته وزوجته عايدة على شراء المجلة، ثم باعتا مصاغهما، واشتراها. هكذا صارت «الآداب تساوي ثقلها ذهباً». في السنة نفسها، أي 1956، ولدت «دار الآداب» للنشر. شعر سهيل إدريس أن المرحلة تحتاج نشر نصوص كبيرة، والرواية يجب أن تكون لها مكانتها، خاصة أنه أصدر روايته الأولى «الحي اللاتيني».

كان مركز الدار بناية درويش في «الخندق الغميق». في تلك المنطقة توجد غالبية دور النشر. انتقلت بعدها «الآداب» قرب الجامعة العربية حيث كان سهيل إدريس يدرّس الترجمة، ومن ثم إلى «طريق الجديدة»، منطقة منظمة التحرير الفلسطينية. تتذكر رنا كيف كان محمود درويش يسكن قريباً من هناك وليانة بدر ومثقفون فلسطينيون كثر يترددون على الدار.

سماح إدريس

الكتب وقود الحروب

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب». قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى على مكتبة سهيل إدريس. احترقت كتب حملت إهداءات سيمون دوبوفوار، جان بول سارتر، ريجيس دوبريه، نجيب محفوظ، يوسف السباعي. وكان قبلها جزء كبير من أرشيف «دار الآداب» قد فقد خلال ثورة 1958.

«حزن والدي كثيراً على ضياع مكتبته. وانتقلت الدار إلى ساقية الجنزير». عاشت العائلة في دار النشر، أو العكس: «في فترة ما كان المنزل ودار النشر متقابلان، ووالدتي تترجم في الدار وتذهب لترضع سماح في الشقة المقابلة. الشيء نفسه بالنسبة للطبخ. كم من مرة احترقت الطبخة، وهي مشغولة في الدار». رنا عاشت الظروف نفسها: «جاء ذات مرة نزار قباني، وحين طلب منه أن ينتظر انتهائي من إرضاع ابنتي، قال ممازحاً: وهل أنا في حضانة!».

تتذكر رنا: «لم نجلس مرة إلى الغداء إلا وأسمع أمي وأبي يتحدثان عن ترجماتهما. تناقشا ذات جلسة، كيف يترجمان عنوان (الغريب) لألبير كامو ويميزانه عن عنوان كتاب كولن ولسون. وقررا بعد أخذ وردّ أن يسميا مؤلف الأخير (اللامنتمي)».

في البداية، انكبت الدار على ترجمة كتب الوجوديين، من سارتر إلى كامو وكولن ولسون. عنيت بالفكر اليساري، وكتب ماركيز، وماركس، وماو تسي تونغ، ومذكرات بن بلة: «اهتموا بسارتر بسبب موقفه المؤيد لتحرير الجزائر، وبيانه (عارنا في الجزائر)». تقول رنا: «كان أبي مصرّاً على ترجمته وتسويقه، لا لفكرة الحرية فقط، بل لأنها عنده مقرونة بالمسؤولية وليست مطلقة».

هذا انعكس على طبيعة منشورات المجلة التي شجّعت القوالب الجديدة في شعر نازك الملائكة والسياب وأحمد عبد المعطي حجازي.

كان سهيل إدريس جريئاً، حماسياً، نهضوياً في عروبته، من هنا خلافه مع رواد مجلة «شعر»: «كان حريصاً على اللغة العربية. ولا يرى النجاة إلا عبر الوحدة. رأى أنه إذا تم الاستفراد بنا واحداً وراء آخر فسنؤكل، وإذا لم نقف مع الجزائر وفلسطين فسيأتي دورنا جميعاً»، تقول رنا. واللغة العربية هي القادرة على جمعنا. «لهذا لم يكن ينظر بارتياح إلى مجلة (شعر)، وانفتاحها على العامية. شعر أن ثمة أيادي غريبة وراءها. ليست ريبة اتجاه كل كتّابها، وإنما لم يرتح لتوجهها السياسي».

بعد ثورة شمعون

بعد عام 1958، اهتمت الدار بطباعة الرواية العربية. نشرت لأصوات جديدة، أبرزها نجيب محفوظ، وروايات لحنان الشيخ وغادة السمان التي بقيت مع «دار الآداب» حتى زواجها من صاحب «دار الطليعة» بشير الداعوق. «ثم جاءت موجة حنا مينة، الذي كنا نطبع له من الكتاب 5 آلاف نسخة، ومن ثم تتوالى الطبعات. كولن ولسون كنا نطبع له 10 آلاف. لقد كان من بين الأكثر مبيعاً».

كما نشرت الدار كتب جبرا إبراهيم جبرا، ولكتّاب آخرين، واستمرت الترجمات. قرّر سهيل إدريس التوقف عن طباعة كتب سارتر بسبب موقفه السلبي من فلسطين. وبقي كذلك حتى عودة رنا من أميركا، حيث تمت مراجعة كتبه وإصدارها.

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب»... فقد قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى

فلسطين أولاً

فلسطين بالنسبة للدار والمجلة قضية محورية. ومع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 وضياع المكتبة الشخصية، بدأ القلق يكبر والإنتاج يتراجع. صار الهمّ الأكبر لسهيل إدريس أن تبقى المجلة في بيروت. «نظراً لعنف الأحداث، وبطلب من أصدقائه، اقتنع بأن يصدر المجلة من بغداد. لكنه كان العدد الأول والأخير الذي يصدر خارج لبنان، بسبب ضغوطات الرقابة الكثيرة التي تعرضت لها».

وهي تتبع مسار «الآداب»، تتذكر رنا إدريس ظاهرة أحلام مستغانمي: «لا يوجد كاتب حقق مبيعات في العالم العربي كما أحلام. كانت ظاهرة كما نزار قباني. (ذاكرة الجسد) أحدث دوياً آخر الثمانينات. من وقتها لم نعد نرى اسماً واحداً يحلّق في المبيعات. يمكننا الحديث عن ظاهرة إليف شافاك، مؤخراً، خاصة كتابها (قواعد العشق الأربعون)، ولكن ليس عن كاتب عربي».

رنا إدريس: الدم الجديد

عادت رنا إدريس عام 1986 من أميركا، بطلب من والدها، بعد أن مضت 5 سنوات وهي تحضر للدكتوراه. قال لها إن الدار بحاجة إلى دم جديد، ويمكنها إكمال الدكتوراه من لبنان، خاصة أن شقيقها سماح يتحضّر للذهاب إلى جامعة كولومبيا، وشقيقتها رائدة تزوجت وسافرت إلى أميركا.

عادت رنا متحمسة للتجديد. كانت موضة اليابان قد بدأت في نيويورك: «قلت لوالدي: كل شيء هناك ياباني. ويجب أن نفهم كيف زاوجوا بين التقليد والحداثة». كانت قد قرأت كتباً يابانية، واقترحت إصدار سلسلة من الأدب الياباني في 15 رواية. وهكذا كان. ترجم سهيل إدريس رواية كواباتا «حزن وجمال»، وترجمت عايدة رواية يوكيو ميشيما «البحار الذي لفظه البحر»، ومن بعدها صدر بالعربية كثير من الأدب المترجم عن اليابانية.


«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي
TT

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» كتاب جديد يضاف إلى سلسلة المؤلفات للباحثة والناقدة الدكتورة نادية هناوي.

ويضم الكتاب الصادر مؤخراً عن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق مقالات غير موزعة بحسب تواريخ نشرها في الصحف والمجلات، ولكنها مرتبة بحسب ما تحويه من أفكار وآراء.

وهي تتوزع ما بين النقد الأدبي والبحث العلمي ومسائل النسوية والثقافة العربية والفكر والجمال. والغالب على المقالات أنها مخصوصة بالشأن العربي، كشفاً ومعالجة لظواهره الأدبية من شعر وسرد ونقد ونظرية أدبية وإبستمولوجيا، وما يتصل بذلك من موضوعات مجاورة للنقد الأدبي كالتاريخ والفلسفة والاجتماع والأنثروبولوجيا والفلسفة وعلم الجمال وتاريخ الأفكار. هذا فضلاً عن رصد الظواهر الثقافية المحلية خاصة، وظواهر الوضعين السياسي والحياتي في البلاد العربية بصفة عامة.

تقول المؤلفة في المقدمة: «درجتُ في كتبي السابقة على جعل كل واحد منها بوحدة موضوعية، تلتم فيها الأطراف، وتدار حولها الطروحات والأفكار. ولم ألجأ إلى جمع مقالاتي المتناثرة هنا وهناك ونشرها في كتاب مستقل كما يفعل بعض الزملاء النقاد.


«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية
TT

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

صدر حديثاً عن «منشورات رامينا» في لندن كتاب «ألف باء الفن» للكاتب الأميركي إريك غريزيمكوفسكي، بترجمة محمد السعدي، في إصدار عربي يقدّم للقارئ مدخلاً واسعاً وميسّراً إلى عالم الفن وتاريخه ومدارسه وأبرز فنانيه، ويتنقل بين النظريات والحركات الفنية والمتاحف والأعمال التي أسهمت في تشكيل تاريخ الفن وتحوّلاته عبر العصور.

ينطلق غريزيمكوفسكي في كتابه من فكرة أساسية تتمثل في تحرير الحديث عن الفن من الشعور بالرهبة الذي قد تثيره الكتب الفنية المتخصصة لدى القارئ الذي لا يمتلك تكويناً أكاديمياً في هذا المجال. ويشير في مقدمته إلى أن كثيراً من الكتب تفترض مسبقاً معرفة القارئ بمفاهيم مثل المنظور ونظرية اللون والخطوط والأشكال، في حين يسعى «ألف باء الفن» إلى البدء من هذه الأسس نفسها، وتقديم الأساليب والحركات والوسائط الفنية بطريقة يسهل فهمها، بالتوازي مع سرد حكايات عدد من أبرز الفنانين والتعريف بالمصطلحات الضرورية لفهم الأعمال الفنية ومناقشتها.

ويمنح هذا التصور الكتاب طابعاً موسوعياً مبسطاً، إذ لا يتعامل مع تاريخ الفن كسرد زمني متصل بقدر ما يفتحه أمام القارئ على هيئة موضوعات مستقلة ومترابطة في الوقت نفسه، بحيث يستطيع الانتقال بين الفنانين والمدارس والمفاهيم والمتاحف وفق اهتمامه الخاص. ويشبّه المؤلف الكتاب، في مقدمته، بمتحف يضم «قاعات» مختلفة لموضوعات تنتمي إلى أمكنة وأزمنة متباينة، بما يسمح للقارئ بالدخول إلى الفن من أبواب متعددة، من دون اشتراط معرفة مسبقة أو مسار قراءة صارم.

ويتوزع الكتاب على عشرات الموضوعات التي ترسم خريطة واسعة للفنون البصرية، بدءاً من نظرية اللون، وباوهاوس، والعلاج بالفن، والفن الجديد، والدادائية، والانطباعية، مروراً بالتكعيبية، والسريالية، والفن الحديث، والفن التجريدي، وفن عصر النهضة والمستقبلية، والباروك، والفن الشعبي، وصولاً إلى موضوعات مثل المنظور، ونظرية الجشطالت، وعناصر الفن ومبادئه، والنحت، والتصوير الضوئي، والألوان المائية، ورسومات الكهوف، وفن الجسد، والنسبة الذهبية وتحطيم الأيقونات.

ومن بين الموضوعات التي يتوقف عندها الكتاب «نظرية اللون»، إذ يشرح موقع اللون بين العناصر الأساسية للعمل الفني، وعلاقته بالخط والخامة والشكل، وكيف يستخدمه الفنان في توجيه عين المشاهد وبناء المزاج البصري للعمل، ثم ينتقل إلى مزج الألوان والألوان المتكاملة والجمعية والطرحية ودرجات اللون وتأثيراتها. كما يتناول مدرسة باوهاوس، التي أسسها والتر غروبيوس في ألمانيا عام 1919، ويشرح فلسفتها القائمة على الجمع بين الفنون الجميلة والحرف والتصميم، وعلاقتها بالصناعة والإنتاج الحديث، وصولاً إلى أثرها اللاحق في التصميم والعمارة.

ولا يتوقف «ألف باء الفن» عند الأعمال التي استقرت مكانتها في تاريخ الفن، إذ يفتح النقاش أيضاً على الأسئلة والخلافات التي رافقت بعض التجارب الفنية. ويخصص، على سبيل المثال، فصلاً لبانكسي تحت عنوان «بانكسي: فنان أم تهديد؟»، بما يضع القارئ أمام النقاش حول فن الشارع وحدود المؤسسة الفنية، كما يتناول إعادة التوظيف الفني وفن الجسد والفن العام، وهي موضوعات تكشف عن اتساع مفهوم الفن وتحولاته المستمرة.

ويستفيد الكتاب من الصور والرسوم في تقريب موضوعاته، إذ تحضر نماذج من أعمال فنانين ومدارس مختلفة إلى جانب الشروح، من «ليلة النجوم» لفنسنت فان غوخ وأعمال بول سيزان ومان راي وجورجيا أوكيف إلى أعمال دييغو ريفيرا وإدوارد هوبر وصور أنسل آدمز، بما يمنح القارئ فرصة للربط بين المفهوم النظري والمثال البصري.