مشروع إيران مهدد بعد «نكسة» نصر الله وتفكيك «وحدة الساحات»

معضلتها الحالية تتمثل في انعدام الخيارات الجيّدة

دبابات عسكرية إسرائيلية متمركزة عند الحدود الشمالية وسط مخاوف من اجتياح بري للبنان (إ.ب.أ)
دبابات عسكرية إسرائيلية متمركزة عند الحدود الشمالية وسط مخاوف من اجتياح بري للبنان (إ.ب.أ)
TT

مشروع إيران مهدد بعد «نكسة» نصر الله وتفكيك «وحدة الساحات»

دبابات عسكرية إسرائيلية متمركزة عند الحدود الشمالية وسط مخاوف من اجتياح بري للبنان (إ.ب.أ)
دبابات عسكرية إسرائيلية متمركزة عند الحدود الشمالية وسط مخاوف من اجتياح بري للبنان (إ.ب.أ)

في السنوات التي تلت الحرب العراقية - الإيرانيّة، قررت السلطة العليا في طهران اعتماد استراتيجيّة الدفاع المتقدّم (Forward Defense)، وذلك بهدف حماية الداخل الإيراني بسبب هشاشته الأمنية المرتفعة. أشرف على هذا المشروع، وخطط له، قائد «فيلق القدس» قاسم سليمانيّ، الذي ركّز على وكلاء إيران في المنطقة، من العراق إلى سوريا ولبنان ووصولاً إلى اليمن. إضافة إلى مد النفوذ في الإقليم، كان الهدف دائماً خلق درع واقية للأمن القومي الإيراني عن بُعد. كما كان الهدف خلق ستار ضبابيّ للسلوك الإيراني يعطيه القدرة على النكران والتهرّب من المسؤولية.

بكلام آخر، بات بمقدور إيران أن تُطلق صاروخاً ما، أو مسيّرة، على إسرائيل تحت غطاء الوكلاء. وقد تُجرّب أسلحتها أيضاً تحت المعيار نفسه. ومن هنا، تم ابتكار مفهوم وحدة الساحات بعد بدء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزّة، حيث قاتلت إيران بالوكيل حسب المبدأ التالي: إذا خسر يخسر لوحده، وإذا ربح تربح إيران معه. جرّبت إيران هذا المبدأ للمرة الأولى في حرب يوليو (تموز) 2006 بين إسرائيل و«حزب الله». لكن تجربة الحرب الحالية تبدو مختلفة تماماً.

استراتيجية إيران بعد الحرب على غزّة

آثار الدمار الذي خلّفته الغارات الإسرائيلية على مبانٍ في الضاحية الجنوبية لبيروت في 28 سبتمبر (إ.ب.أ)

بعد بدء الحرب على غزة في أكتوبر (تشرين الأول) العام الماضي، عمدت إيران، عبر وكيلها الأهم، «حزب الله»، إلى فتح جبهة لبنان كجبهة إسناد تسمح بتثبيت كثير من القوات الإسرائيليّة على الجبهة الشمالية مع لبنان، بهدف تخفيف الضغط عن قطاع غزة. وإذا كان تثبيت القوات الإسرائيليّة على الحدود اللبنانية هدفاً استراتيجياً لـ«حزب الله»، فهو قدّم أيضاً خدمة غير مباشرة لهذه القوات. كيف؟ سمح للإسرائيليين بمزيد من الوقت للتعرف على طريقة تنظيم، وكيفيّة عمل، مقاتلي «حزب الله»، بالطبعة المُحدّثة (Updated) - فإسرائيل لديها منذ سنوات قائمة واسعة بمواقع «حزب الله» وتحركات قياداته، لكن الشهور التي مرت منذ بدء التوتر على جبهة لبنان سمحت لها بمزيد من الوقت لتحديث «بنك الأهداف». تعرّف الجيش الإسرائيليّ على الأسلحة الجديدة التي يملكها الحزب، وعلى كيفية خوض المعارك ضمن مبدأ القتال المشترك (Combined).

ولأن المعركة تستلزم حركيّة مستمرّة للقيادات العسكريّة، استطاعت إسرائيل استهداف القيادات الميدانيّة لـ«حزب الله» بأعداد كبيرة. حيّدت قيادات المناطق العسكريّة على جبهة الجنوب اللبناني. طالت الضربات، كما يبدو، جميع قيادات «قوة الرضوان»، وهي قوة النخبة في «حزب الله».

جنود إسرائيليون داخل قطاع غزة (رويترز)

بالإضافة إلى كل ذلك، شكّل الوجود العسكريّ الإسرائيلي المُثبّت في الشمال، نقطة انطلاق للحملة الشاملة الحالية على «حزب الله»، كما ساعد في التحضير للانتقال من الحرب الحالية الموضعيّة وحرب الاستنزاف (Positional Warfare)، إلى حرب المناورة، في حال قرّرت إسرائيل خوض الحرب البريّة، بحسب ما يلوّح مسؤولوها. ومعلوم أن إسرائيل عزّزت مؤخراً القيادة الشمالية المؤلفة من 4 فرق عسكريّة أصلاً، بفرقتين إضافيتين.

حاول «حزب الله» في البداية إشغال القوات الإسرائيلية على الحدود مع لبنان، لكنه لم يتدخل عسكرياً لضرب الحشود التي كانت تتجمع على حدود قطاع غزة، تمهيداً لدخوله في إطار القضاء على «حماس». ربط الحزب لاحقاً وقف النار على الجبهة اللبنانية بوقف النار على جبهة قطاع غزّة. وهنا، يتظهّر خلل في التفكير الاستراتيجيّ، خصوصاً أن نجاح الاستراتيجيّة التي يتبعها «حزب الله» صار يتعلّق مباشرة بحسابات الإسرائيليّين في القطاع. وضع «حزب الله» في الواقع شرط نجاح استراتيجيّته بيد عدّوه اللدود، بنيامين نتنياهو.

استراتيجيّة نتنياهو

في المقابل، كان نتنياهو يخطط لغزة منذ عام 2005. ففي ذلك الوقت استقال من حكومة آرييل شارون، لأن هذا الأخير قرر الانسحاب من قطاع غزّة من جانب واحد. ويريد نتنياهو الآن حكم غزة عسكرياً، ومن هنا يأتي تعيينه لمسؤول عسكري في القطاع تحت غطاء مهمة إنسانيّة. وهو يستغل الفرصة الاستراتيجيّة التي تلت عملية «طوفان الأقصى»، لتصفية حساباته مع ما يُعرف بـ«محور المقاومة». فبعد سنة من تدمير قطاع غزّة، ومحاولة عزله عن العالم الخارجيّ، انتقل نتنياهو فجأة إلى الضفة الغربيّة لضرب هيكلية مقاومة بدأت تتظهّر وتتمأسس، بدعم إيرانيّ عبر تهريب السلاح من سوريا وعبر الأردن. وبذلك، يكون نتنياهو قد أمّن ظهر الجيش الإسرائيليّ الذي بات بإمكانه التوجّه إلى جبهة لبنان.

الخطط الإسرائيلية... المثلث الاستراتيجي

ركّز الجيش الإسرائيلي على مراكز الثقل في المثلث الاستراتيجي لـ«حزب الله»، والمؤلف من:

  • منطقة جنوب الليطاني، وارتباطها بمنطقة البقاع ككلّ.
  • منطقة البقاع الشمالي (الهرمل)، وهي الأبعد عن جنوب الليطاني. في هذه المنطقة يعتقد الجيش الإسرائيليّ أن لـ«حزب الله» فيها مخازن لوجيستيّة ذات قيمة استراتيجيّة. وهي، أي المنطقة، تعدّ صلة الوصل والتواصل مع الداخل السوري.
  • وأخيراً منطقة الضاحية في جنوب بيروت، حيث مركز القيادة الأساسيّ لـ«حزب الله»، بكل أبعاده، الاجتماعيّة والسياسيّة والعسكريّة.

ففي كلّ منطقة من هذا المثلث، سعت إسرائيل إلى زرع الفوضى داخل بيئة «حزب الله» وبنيته قبل بدء التصعيد الكبير حالياً. فجّرت أجهزة الاتصالات التي يحملها عناصر الحزب وقياداته، ما أدى إلى مقتل وجرح آلاف منهم (ومن المواطنين العاديين أيضاً). أتبعت إسرائيل هذه التفجيرات بتصعيد استهداف قيادات الحزب الأساسيّة، حتى وصل الأمر إلى قتل أمينه العام حسن نصر الله في الغارات الضخمة على مقر القيادة الرئيسي في الضاحية الجنوبية. وإذا أضيفت هذه الاغتيالات إلى الاغتيالات التي حصلت على مسرح جنوب الليطاني، فيمكن القول إن «حزب الله» يعاني حالياً من نقص قيادي استراتيجيّ وعملاني بشكل كبير.

يستهدف نتنياهو الوكيل الأبرز، والأقوى، لـ«محور المقاومة». فهو يُشكّل جوهرة التاج في المشروع الإيراني الإقليميّ. فإذا سقط، فقد ينهار المشروع الذي استثمرت فيه إيران منذ عام 1983. فهل ستسمح إيران بذلك؟ وهل أخطأ كل من «حزب الله» وإيران بالحسابات الاستراتيجيّة؟ وهل وصل ما يُسمّى مشروع المقاومة إلى الامتداد الأقصى، خصوصاً أنه وبعد نقطة الامتداد الأقصى يبدأ المردود السلبيّ للمشروع؟ هل اعتقدت إيران أن الحرب على غزّة قد تعطيها الشرعيّة الإقليميّة لمشروعها؟

جبهات وحدة الساحات

تعتقد إسرائيل أنها ضربت جبهتين من جبهات «وحدة الساحات»، هما قطاع غزّة والضفة الغربيّة. وهي اليوم تتعامل بقوّة مع الجبهة الأهم والأخطر عليها، جبهة لبنان. ولكن ماذا عن المتبقي من وحدة الساحات، أي اليمن والعراق وإيران؟

لا تشكّل جبهة العراق خطراً وجوديّاً على إسرائيل كما تشكّل جبهة لبنان. أما اليمن، فقد يكون مشكلة لإسرائيل، لكنه أيضاً مشكلة إقليميّة ودولية نظراً إلى سلوك الحوثيين في باب المندب. فماذا تبقّى من وحدة الساحات؟ إيران بالطبع. فماذا عنها؟

اعتمدت إيران استراتيجية الخنق أو «الأناكوندا» حول إسرائيل. وصلت هذه الاستراتيجيّة إلى الامتداد الأقصى لها، وبدأ الارتداد السلبي ينعكس على الأصيل في هذه الاستراتيجيّة. وإذا كان الأصيل يطلب دائماً تورّط الوكيل في الحروب بالواسطة (Proxy) لتحقيق أهدافه الجيوسياسيّة، فقد يؤدّي سلوك الوكيل في بعض الأحيان إلى جرّ الأصيل إلى حرب لا يريدها، وغير مستعدّ لها.

صور لنصر الله وقاسم سليماني بالعاصمة اليمنية صنعاء في 28 سبتمبر (إ.ب.أ)

تكمن معضلة إيران الحاليّة (Dilemma) في عدم توفّر الخيارات الاستراتيجيّة المناسبة. هي تعاني اليوم من حالة «خاسر - خاسر»، في أيّ خيار تأخذه. فإن تركت الوكيل، فسوف تفقد مصداقيتها. وسوف تذهب جهودها واستثماراتها سدى. وسوف يسقط مشروعها الإقليمي. وسوف ينقلب عليها الأصيل لأنها تركته في مهبّ الريح. لكنها إن تدخّلت لحماية الوكيل، فسوف تدفع الأثمان الكبيرة، وسوف تنقلب عليها استراتيجيتها الأساسيّة (الدفاع المتقدّم)، وسوف يُضرب الداخل الإيرانيّ بكل أبعاده، خصوصاً السياسيّة، وهي أبعاد تتعلّق بديمومة النظام.

أظهرت الأحداث الأخيرة، وما قبلها في الداخل الإيراني، مدى هشاشة الأمن القومي الإيرانيّ. تظهّر هذا الأمر في سلسلة الاغتيالات الإسرائيلية المتكررة للعلماء النوويّين؛ وأبرزهم بالطبع محسن فخري زاده. كما تظهّر أيضاً في سرقة إسرائيل للأرشيف النووي من محيط العاصمة طهران. لكن صورة الضعف الأخطر لإيران تظهّرت عقب مقتل الرئيس إبراهيم رئيسيّ. فقد استعانت إيران بقوى خارجية للوصول إلى مكان تحطّم مروحيّته، ما سلّط الضوء على حالة سلاح الجوّ الإيراني الكارثيّة.

هاجمت إيران إسرائيل في 13 و14 أبريل (نيسان) الماضي، بمسيّرات وصواريخ باليستية وصواريخ «كروز». تكتّل الغرب، وفي طليعته أميركا، حول إسرائيل. أُسقط ما يقارب من 99 في المائة من هذه الوسائل. لكن الردّ الإسرائيلي الرمزي والمحدود على الهجوم الإيراني في 19 من الشهر نفسه، عكس ضعف الدفاعات الجويّة لإيران وانكشاف أمنها القومي، خصوصاً مشروعها النوويّ. فقد استهدف الطيران الإسرائيلي، ومن فوق الحدود مع العراق (كما يبدو)، منصات دفاع جوّي من طراز «إس - 300» ليدمّرها، وهي التي من المفروض أن تحمي المنشآت النووية الإيرانيّة. فماذا لو وقع سيناريو مواجهة حربية مع إسرائيل؟ وكيف سيكون عليه السلوك الأميركيّ؟

اغتيال نصر الله

في ظل هذه الأهداف والاستراتيجيات المتصارعة بين إسرائيل ومحور المقاومة، وجّهت الدولة العبرية ضربة كبرى لخصومها باغتيال أمين عام «حزب الله». فماذا عن التداعيات؟

أتى اغتيال نصر الله بعد محاولة إسرائيل تفريغ الحزب من تركيبته الهرميّة في كل الأبعاد؛ في البنية العسكريّة والبيئة الحاضنة، وبطريقة متدّرجة وسريعة، وبشكل لم يترك للحزب وقتاً كافياً لالتقاط الأنفاس واسترداد زمام المبادرة. كان الهدف التدمير الماديّ، بالإضافة إلى ضرب كيفيّة وعي مجتمع «حزب الله» لدوره وأهميّته (Cognitive Shock).

أتى الاغتيال ليتحدى مباشرة الدور الإيراني في المنطقة، عبر استهداف مركز ثقل ما يُسمّى وحدة الساحات، خصوصاً أن نصر الله بدأ يلعب دوراً محوريّاً في المشروع الإيراني الإقليميّ، خصوصاً في الفترة التي تلت اغتيال قاسم سليماني.

تتمثّل معضلة إيران الحالية في انعدام الخيارات الجيّدة. فهي «خاسر - خاسر» في كلّ الحالات. فإن تدخّلت، فسوف يُضرب الداخل الإيرانيّ. وإن تمنّعت وتردّدت، فسوف تفقد مصداقيتها، وبالتالي يضيع الاستثمار الإيراني الذي بدأ منذ الثمانينات فيما يُسمّى محور المقاومة، لتنهار المنظومة.

تتطلّب إعادة ترتيب وضع «حزب الله» إعادة تركيب المنظومة القياديّة وفي كلّ الأبعاد، خصوصاً أن إسرائيل أفرغت الحزب من الرأس ومن هرميّته العسكريّة. وإعادة ترتيب وضع الحزب سيحتاج بالطبع إلى وقت ليس بقصير. لكن الوقت هو العدوّ القاتل لـ«حزب الله» حالياً. كما أن إعادة تركيب الحزب تحتّم البدء من مركز الأمين العام البديل، إلى مجلس الشورى، إلى المجلس الجهاديّ، وصولاً إلى القيادات الميدانيّة العملانيّة التي تقاتل حالياً دون رأس مُدبّر.

صورة أرشيفية لحسن نصر الله في الضاحية الجنوبية لبيروت يوم 22 أكتوبر 2001 (أ.ف.ب)

هل ستحاول إيران الآن إدارة بيروت مباشرة بعد أن كانت تديرها بالواسطة في ظلّ غياب نصر الله؟ في البداية، قد يكون على إيران أن تسترجع بعضاً من المصداقيّة في أوساط مؤيدي وكلائها الذين يخشون أنها تخلت عنهم، سواء كان ذلك «حماس» أو «حزب الله». وستكون إيران أيضاً بحاجة لاسترجاع مصداقيّتها والخوف منها في عيون الأعداء المتربّصين بها. في حالة كهذه، يقول العلم السياسي إن الحل لمشكلة ما بين متحاربين قد يتظّهر بحالتين هما: أن يبيد فريق الفريق الآخر، وبذلك يفرض المنتصر حلوله بالقوّة، أو أن يسعى الفريق الأضعف إلى تعديل ديناميكيّة موازين القوى القائمة كي يحجز له مكاناً على الطاولة. فكيف سيكون عليه السلوك الإيراني؟

لا يبدو أن وضع إيران الإقليمي جيّد، ولا يبدو أن لديها خيارات جيّدة كثيرة. ولذلك قد يمكن القول إنها ستسعى، بعد هذه النكسة، إلى محاولة تحسين وضعها والانتقال من حالة «خاسر - خاسر» إلى مرحلة لن تكون حتماً مرحلة «رابح - رابح». فهل ستنجح في ذلك؟


مقالات ذات صلة

لبنان: العفو العام بين مقتضيات العدالة ومنع الإفلات من العقاب

المشرق العربي جلسة تشريعية للبرلمان لمناقشة «مشروع قانون العفو العام» و«إلغاء عقوبة الإعدام» و«رواتب المتقاعدين من القوى الأمنية والجيش» (إ.ب.أ)

لبنان: العفو العام بين مقتضيات العدالة ومنع الإفلات من العقاب

شكل قانون العفو العام الذي أقرّه البرلمان اللبناني اختباراً دقيقاً لقدرة الدولة على التوفيق بين مقتضيات العدالة وضرورات المصالحة الاجتماعية.

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي مواطنون يبحثون بين أنقاض مبنى استهدف بغارة إسرائيلية في بلدة أنصار الجنوبية (د.ب.أ)

جنوب لبنان... عملية عسكرية إسرائيلية غير تقليدية في «علي الطاهر»

يتواصل التصعيد الإسرائيلي في جنوب لبنان وسط ضغوط ميدانية مستمرة حول مرتفعات «علي الطاهر».

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي زحمة سيارات قادمة من الجنوب على الطريق الساحلي في مدينة صيدا (أ.ف.ب)

مشهد النزوح يعود إلى جنوب لبنان

عاد مشهد النزوح ليطلّ من جديد على بلدات جنوب لبنان، مع تصاعد العمليات العسكرية الإسرائيلية منذ مساء الجمعة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
شؤون إقليمية مرتفعات «علي الطاهر» ويبدو أسفلها الدمار في بلدة كفرتبنيت بجنوب لبنان (الشرق الأوسط) p-circle

هل منحت واشنطن إسرائيل ضوءاً أخضر لاجتياح «علي طاهر»؟

أكدت مصادر سياسية في تل أبيب أن التصعيد الإسرائيلي في الجنوب اللبناني، خلال الأيام الثلاثة الأخيرة، يحظى بتفهم أميركي، شرط ألا يؤدي إلى اشتعال الحرب مجدداً.

نظير مجلي (تل أبيب)
المشرق العربي عمال إنقاذ لبنانيون يبحثون عن ضحايا أسفل الركام بعد غارة إسرائيلية على منطقة أنصار بجنوب لبنان (د.ب.أ) p-circle

الجيش الإسرائيلي يقتل قيادياً بارزاً بوحدة «بدر» التابعة لـ«حزب الله»

قال الجيش الإسرائيلي، اليوم (الأحد)، إنَّه استهدف قائداً بارزاً في وحدة «بدر» التابعة لـ «حزب الله» في منطقة دير الزهراني، أمس (السبت).

«الشرق الأوسط» (بيروت)

الغزيون يواصلون العودة إلى القطاع رغم جمود «خطة السلام»

دخول المساعدات إلى قطاع غزة لا يمر سوى من كرم أبو سالم حالياً (الهلال الأحمر المصري)
دخول المساعدات إلى قطاع غزة لا يمر سوى من كرم أبو سالم حالياً (الهلال الأحمر المصري)
TT

الغزيون يواصلون العودة إلى القطاع رغم جمود «خطة السلام»

دخول المساعدات إلى قطاع غزة لا يمر سوى من كرم أبو سالم حالياً (الهلال الأحمر المصري)
دخول المساعدات إلى قطاع غزة لا يمر سوى من كرم أبو سالم حالياً (الهلال الأحمر المصري)

قبل عدة أسابيع، بينما الوضع السياسي متأزم والموقف غامض حول واقع «خطة السلام» في غزة، عاد الفلسطيني فادي أبو قطة، إلى القطاع بعد قضاء نحو عام ونصف العام في مصر للعلاج إثر إصابته خلال الحرب.

عبّر أبو قطة لـ«الشرق الأوسط»، عن سعادته بالاجتماع مع ذويه، والعودة لأرضه حتى وهي على حالها مدمرة، قائلاً إنه لم يستطع البقاء بعيداً أكثر، فعاد قبل الوصول لمتبرع يتكفل بتركيب طرفين صناعيين له بدلاً من يديه المبتورتين: «كنت أتمنى أقدر أن أحتضن طفلتي لما قابلتها».

الشاب الثلاثيني مثله مثل آلاف الفلسطينيين في مصر، ينتظرون شهوراً من وقت تسجيل أسمائهم للعودة حتى حلول موعد سفرهم، بترقب لا يخففه التعنت الإسرائيلي سواء معهم على المعبر، أو في إتمام خطة السلام التي وصلت إلى حالة من الجمود.

ووصلت الدفعة الـ75 من الفلسطينيين العائدين لقطاع غزة إلى معبر رفح البري صباح الأحد، تمهيداً لعودتهم إلى القطاع، وهي العملية التي تستغرق «ساعات»، حسب مصدر مصري مطلع على سير الإجراءات في معبر رفح، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن العائدين يصلون إلى المعبر فجراً بصحبة مندوب من السفارة الفلسطينية في القاهرة، وينتظرون ساعات حتى يتم التنسيق بين الجانبين المصري والإسرائيلي.

ولفت المصدر، الذي طلب عدم ذكر اسمه كونه غير مصرح له التحدث للإعلام، إلى أن «البعض لا يتمكنون من العبور من أول مرة، وتتم إعادتهم من قبل الإسرائيليين لحين الفوج المقبل، الذي قد يستغرق عدة أيام، فتستضيفهم عائلات مصرية في سيناء حتى لا يضطروا للعودة للقاهرة وقطع هذه المسافة مجدداً»، مضيفاً أن «الجانب الإسرائيلي ما زال يتعنت مع مرور المساعدات والفلسطينيين على حد سواء، سواء العائد من مصر للقطاع، أو الخارج من القطاع لتلقي العلاج في مصر».

وبلغ عدد العائدين إلى قطاع غزة في الدفعة الأخيرة، 90 شخصاً، مقابل استقبال 38 مريضاً و36 مرافقاً لهم، وفق موقع «الشروق» المصري.

شاحنة مساعدات من الهلال الأحمر المصري قبل مرورها للقطاع (الهلال الأحمر المصري)

ما زال أبو قطة، يتذكر تفاصيل رحلته الطويلة في يوليو (تموز) الماضي، من القاهرة لشمال سيناء، وانتظاره وقتاً طويلاً أمام المعبر، وقضاء ساعات طويلة والقلق يسيطر عليه، خوفاً من ألا يسمح له بالعبور.

ويرى الخبير الفلسطيني المتخصص في الشؤون الإسرائيلية والأسير الفلسطيني المحرر، أسامة الأشقر، أن استمرار تدفق العائدين من مصر إلى قطاع غزة، رغم التعنت الإسرائيلي وأوضاع القطاع، أكبر دليل على أن الفلسطينيين متمسكون بأرضهم، ومُصرون على العودة بغض النظر عن خطورة الأوضاع، أو احتمالية اتساع العمليات الإسرائيلية والخروقات في ظل تأزم حكومة نتنياهو.

وتواصل إسرائيل خروقاتها يومياً في قطاع غزة منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار، فيما عُرف بـ«خطة السلام»، أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، التي قامت على 15 بنداً، إذ قُتل أكثر من 1200 فلسطيني وأصيب المئات.

ويضيف الأشقر أن أعداد الفلسطينيين المُسجلين بياناتهم للعودة، أكثر من 25 ألف فلسطيني؛ وفق مصادره في السفارة.

وغادر أكثر من 100 ألف فلسطيني قطاع غزة إلى مصر خلال الحرب، من الجرحى ومرافقيهم، وفق تقديرات فلسطينية.

وتابع الأشقر أن «التعنت الإسرائيلي الحالي في تنفيذ بنود اتفاق وقف النار مرتبط بالانتخابات الداخلية، مع تراجع شعبية نتنياهو وحكومته وفق ما توضحه معظم استطلاعات الرأي في الداخل الإسرائيلي».

وتتضمن المرحلة الثانية انسحاب إسرائيل من القطاع، وسحب سلاح حركة «حماس»، وإدارة القطاع من قبل مجلس سلام تم إعلان تشكيله في وقت سابق.

استقبال دفعة جديدة من الفلسطينيين للعلاج في مصر (الهلال الأحمر المصري)

ويضيف الخبير الفلسطيني أن «جهود الوسطاء حالياً سواء في مصر أو قطر أو الولايات المتحدة تعمل على كبح جماح نتنياهو، والحيلولة دون انفجار الأوضاع».

ودخل اتفاق غزة مرحلة جديدة نهاية يوليو (تموز) الماضي، بعد الوصول لتفاهمات بين الوسطاء وحركة «حماس» وفصائل فلسطينية، بشأن ترتيبات تنفيذ المرحلة الثانية من الاتفاق الذي تعثر تنفيذه مع اندلاع «حرب إيران».

وأعلن ترمب الشهر الماضي إحراز تقدم فيما يتعلق بخطته لإنهاء حرب غزة التي وافقت عليها إسرائيل وحركة «حماس»، العام الماضي، وهي خطة تتضمن انسحاب القوات الإسرائيلية ونزع سلاح «حماس»، وتشكيل قوة دولية لتحقيق الاستقرار مع قوة شرطة فلسطينية جديدة لتأمين القطاع.


قافلة «إدلب 217» للعودة الطوعية ‏من مخيمات الشمال غرب سوريا

قافلة العودة «217» من مخيم الدانا بإدلب (الدفاع المدني السوري)
قافلة العودة «217» من مخيم الدانا بإدلب (الدفاع المدني السوري)
TT

قافلة «إدلب 217» للعودة الطوعية ‏من مخيمات الشمال غرب سوريا

قافلة العودة «217» من مخيم الدانا بإدلب (الدفاع المدني السوري)
قافلة العودة «217» من مخيم الدانا بإدلب (الدفاع المدني السوري)

ضمن رؤية «سوريا بلا مخيمات»، عاد (الأحد) نحو 1077 نازحاً من مخيمات منطقة الدانا في محافظة إدلب شمال غربي سوريا إلى مناطقهم الأصلية في أرياف إدلب وحماة ودمشق. وفي الوقت نفسه، تنخرط الحكومة في دفع مسار عودة النازحين شمال شرقي البلاد إلى مناطقهم الأصلية، بموجب الاتفاق مع «قوات سوريا الديمقراطية»، بالتزامن مع احتفال أهالي قرية الغسانية في ريف إدلب بعيد رقاد السيدة العذراء لأول مرة بعد عودتهم إلى قريتهم التي هُجِّروا منها قبل 14 عاماً.

قافلة العودة «217» إلى إدلب (الدفاع المدني السوري)

وضمت قافلة «إدلب 217»، للعودة الطوعية من مخيمات الشمال، 217 عائلة من 79 مخيماً في منطقة الدانا، وتوجهت إلى 30 موقعاً في ريف إدلب، وموقع واحد في ريف حماة، ومثله في ريف دمشق، وفق وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث السورية. وأشارت الوزارة إلى أن هذه القافلة تأتي ضمن الجهود المستمرة لدعم عودة الأهالي إلى مناطقهم وتعزيز الاستقرار في المجتمعات المحلية، في إطار رؤية «سوريا بلا مخيمات»، وتنفيذ المرسوم رقم «59» المتعلق بتأهيل المناطق المتضررة، وتهيئة الظروف المناسبة لعودة الأهالي إلى مناطقهم الأصلية.

وانطلقت القافلة، الأحد، تحت رعاية محافظة إدلب، وبالتعاون بين مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل، ومنظمة «مزن»، و«المفوضية السامية لشؤون اللاجئين»، و«الهلال الأحمر العربي السوري»، ومديرية الطوارئ والكوارث.

ومنذ أكثر من شهر، تستمر حركة قوافل العودة الطوعية من مخيمات الشمال، وفق تصريح مديرة الشؤون الاجتماعية والعمل في محافظة إدلب، أحلام الرشيد، لوكالة «سانا» الرسمية، لافتةً إلى أن معظم القوافل تتجه إلى ريف إدلب الجنوبي.

احتفالات أهالي قرية الغسانية في ريف إدلب بعيد رقاد السيدة العذراء (سانا)

من جهة أخرى، احتفل أهالي قرية الغسانية التابعة لمنطقة خان شيخون بعيد رقاد السيدة العذراء في 15 أغسطس (آب) الحالي، للمرة الأولى بعد عودتهم رسمياً من النزوح القسري في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025. وكان أهالي القرية قد نزحوا منها بشكل جماعي مع اشتداد المعارك في منطقتهم بين عامي 2011 و2012، واتجهوا إلى محافظات اللاذقية وحلب ودمشق أو إلى خارج البلاد. ووفق مصادر إعلامية محلية، كان الاحتفال مميزاً، إذ جاء بعد أشهر من العودة والعمل على ترميم المنازل والأبنية المهدمة.

مخيم في إدلب عام 2023 (أرشيفية الأمم المتحدة)

ولا يزال التدمير وتضرر البنى التحتية للخدمات الأساسية، مثل شبكات المياه والكهرباء، دون عودة آلاف المهجرين إلى مناطقهم. ويقيم نحو مليون سوري في نحو 1150 مخيماً شمال سوريا، ضمن ظروف معيشية قاهرة، منها 801 مخيم في ريف إدلب، و349 في ريف حلب.

وأطلق الرئيس السوري، أحمد الشرع، في مايو (أيار) الماضي خطة «سوريا بلا مخيمات» بوصفها استراتيجية شاملة تهدف إلى إنهاء كامل لملف النزوح الداخلي، وتفكيك كل مخيمات النازحين في البلاد، والوصول إلى حلول مستدامة بحلول عام 2027.

وتدعم الأمم المتحدة خطة «سوريا بلا مخيمات»، حسب تصريح مفوض الأمم المتحدة السامي لشؤون اللاجئين، برهم صالح، الذي تعهد خلال زيارته مخيمات الشمال في الحادي عشر من شهر أغسطس (آب) الحالي بالعمل وبالتعاون مع المنظمات الدولية الأخرى والدول المانحة على «استحصال الدعم المطلوب لتمكين سوريا من التعافي، والسوريين من تجاوز تحديات الماضي».

برهم صالح مفوض الأمم المتحدة السامي لشؤون اللاجئين (الأمم المتحدة)

ووفق أرقام «الأمم المتحدة»، عاد أكثر من 3 ملايين سوري إلى مناطقهم بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024، علماً بأن إجمالي المهجرين قسرياً داخل وخارج سوريا خلال سنوات الحرب تجاوز 13.5 مليون شخص، أي ما يعادل أكثر من 50 في المائة من إجمالي عدد السكان.

وحسب تقارير حقوقية ودراسات دولية، شهدت سوريا خلال فترة الصراع مشروعات تغيير ديموغرافي ممنهجة، ولم تكن حركة النزوح واللجوء عارضاً جانبياً للمعارك، بل وظّفتها أطراف عدة لإعادة رسم الخريطة السكانية والسياسية على أساس طائفي وقومي تنسجم مع واقع تقسيم البلاد إلى مناطق نفوذ تتبع لأطراف النزاع المحلية والإقليمية.

ولا تزال رغبة النازحين واللاجئين السوريين في العودة تواجه معوقات معقدة، وبالإضافة إلى الدمار تبرز قضايا نزاعات الملكية العقارية، في المناطق التي تم فيها الاستيلاء على الملكيات وفق قوانين استثنائية أو توطين نازحين من منطقة في منازل نظرائهم في منطقة أخرى.

وفيما تعمل الحكومة، بالتعاون مع منظمات وجهات دولية، على إزالة الركام وإعادة تأهيل البنى التحتية، تعمل هيئات حقوقية حالياً على إبطال مفاعيل قوانين استثنائية سابقة لتمكين العائدين من استعادة منازلهم وأراضيهم التي جرى الاستيلاء عليها أو إعادة تخصيصه. فهل تتمكن سوريا من اجتياز هذه العوائق المعقدة، وتطوي فعلياً صفحة ما خلفته مشروعات التغيير الديموغرافي.


لبنان: العفو العام بين مقتضيات العدالة ومنع الإفلات من العقاب

جلسة تشريعية للبرلمان لمناقشة «مشروع قانون العفو العام» و«إلغاء عقوبة الإعدام» و«رواتب المتقاعدين من القوى الأمنية والجيش» (إ.ب.أ)
جلسة تشريعية للبرلمان لمناقشة «مشروع قانون العفو العام» و«إلغاء عقوبة الإعدام» و«رواتب المتقاعدين من القوى الأمنية والجيش» (إ.ب.أ)
TT

لبنان: العفو العام بين مقتضيات العدالة ومنع الإفلات من العقاب

جلسة تشريعية للبرلمان لمناقشة «مشروع قانون العفو العام» و«إلغاء عقوبة الإعدام» و«رواتب المتقاعدين من القوى الأمنية والجيش» (إ.ب.أ)
جلسة تشريعية للبرلمان لمناقشة «مشروع قانون العفو العام» و«إلغاء عقوبة الإعدام» و«رواتب المتقاعدين من القوى الأمنية والجيش» (إ.ب.أ)

لم يكن قانون العفو العام الذي أقرّه البرلمان اللبناني يوم الأربعاء، مجرد خطوة تشريعية لإطلاق آلاف السجناء أو إسقاط عقوبات، بل شكّل اختباراً دقيقاً لقدرة الدولة على التوفيق بين مقتضيات العدالة وضرورات المصالحة الاجتماعية من جهة، وعدم تحويل العفو إلى غطاء للإفلات من العقاب من جهة أخرى، خصوصاً بعد حالة الاعتراض التي أبدتها جهات سياسية ونيابية، وصفته بأنه «طائفي ومذهبي وغير متوازن».​

الاستثناءات... بين موقوفين ومحكومين

تكتسب الاستثناءات التي نص عليها القانون أهمية كبرى، لكونها ترسم حدّاً فاصلاً بين الجرائم التي لا تسمح الدولة بإسقاط الملاحقة أو العقوبة عن مرتكبيها، خصوصاً تجّار المخدرات وسارقي المال العام، وبين موقوفين ومحكومين طالهم الظلم وآن أوان إنصافهم، علماً بأن مراجع قانونية عليا لا تخفي «الالتباس الكبير بين جرائم شمل العفو العام مرتكبيها وسيعودون إلى الحريّة قريباً، وجرائم أخرى أدرجت في صلب الاستثناءات ومنع على الملاحقين بموجبها الاستفادة من هذا العفو».

وبقدر النتائج الإيجابية لشمول القانون جرائم استفاد منها مرتكبوها، وأسقط الدعوى العامة عنهم وحذف العقوبات الأصلية والفرعية والتدابير الاحترازية المحكوم بها، ثمّة أهمية كبرى للجرائم التي استثناها العفو العام وأبقى محاكمتهم سارية المفعول، وأبرزها: الجرائم المحالة على المجلس العدلي، وجرائم القتل العمد والقصدي، وجرائم الإرهاب المرتكبة بحق المدنيين والعسكريين وعناصر القوى الأمنية، وجرائم الخيانة والتجسس والتعامل غير المشروع مع العدو.

رئيس الحكومة نواف سلام وعدد من النواب خلال الجلسة التشريعية (الشرق الأوسط)

جرائم المخدرات

يبرز في هذا السياق الاستثناء الأهم لجرائم المخدرات، لا سيما حالات التكرار، وهو استثناء يعكس تشدداً تشريعياً تجاه الجرائم التي ينظر إليها على أنها لا تمس فرداً أو مجموعة محددة فحسب، بل ترتبط بأمن المجتمع وصحة أفراده وبشبكات إجرامية عابرة للحدود، أدت في مرحلة من المراحل إلى وضع لبنان أمام عزلة عربية، وتسببت (الشبكات) في حظر الصادرات الصناعية والزراعية اللبنانية إلى دول الخليج العربي، التي استهدفتها بعدد كبير من شحنات «الكبتاغون».

هذا الاستثناء من أبرز النقاط التي أثارت تحفظات البعض، ومنهم نواب يمثلون منطقة بعلبك - الهرمل، بينهم عضو كتلة «التحرير والتنمية» النائب غازي زعيتر، الذي وصف القانون بـ«غير المتوازن والطائفي والمذهبي». وأبدى أسفه للاستثناءات التي تضمّنها، لأنها «غير عادلة ولا تنسجم مع الغاية الأساسية من إقرار قانون العفو»، داعياً للعودة إلى المادة 53 من الدستور.

واعتبر زعيتر في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «فلسفة العفو العام تقوم على أن يكون شاملاً، بحيث يطوي صفحة من الماضي، ويفتح صفحة جديدة أمام جميع اللبنانيين». وقال: «نحن راعينا كل الأطراف الأخرى، خصوصاً فيما يتعلق بموضوع الموقوفين الإسلاميين، وحتى بالنسبة للقانون الذي قُدّم عام 2011 لمن ذهبوا إلى إسرائيل، ووافقنا على أن يكون العفو شاملاً»، منتقداً ما وصفه بـ«إهمال الدولة اللبنانية لأبناء البقاع، منذ أكثر من 100 عام، حين دفعتهم للذهاب إلى موارد أخرى للرزق، حتى اضطر بعضهم إلى زراعة المخدرات».

وتشكّل دعاوى المخدرات ما نسبته 40 في المائة تقريباً من الملفات القضائية، وتظهر الأرقام أن العدد الأكبر منهم من منطقة البقاع اللبناني. وأكد النائب زعيتر أن «90 في المائة من الملاحقين في قضايا المخدرات هم من أبناء بعلبك والهرمل، وجزء كبير من هذه الملاحقات يستند إلى البيانات الموجودة على هواتف الأشخاص الذين يتم توقيفهم»، موضحاً أنه «لمجرد ورود اسم شخص أو التواصل معه عبر الهاتف، يؤدي ذلك حتماً إلى إدراجه في ملف الملاحقة».

وأضاف: «بعض المطلوبين، خوفاً من توقيفهم، يتخلفون عن الحضور إلى التحقيق، ما يؤدي لاحقاً إلى صدور قرارات قضائية ومذكرات توقيف وأحكام غيابية بحقهم، وهذه الآلية أدت إلى ظلم كبير بآلاف الملاحقين في قضايا المخدرات، وللأسف النسبة الكبرى منهم تنتمي إلى الفئة الاجتماعية والجغرافية نفسها في منطقة بعلبك والهرمل».

صورة لمدخل وزارة العدل في لبنان (الوكالة الوطنية للإعلام)

في المقابل، حافظ القانون على استثناءات أخرى بالغة الحساسية؛ بينها الاعتداءات المستمرة على الأملاك العامة وأملاك البلديات والمشاعات، والجرائم المرتبطة بالفساد والإثراء غير المشروع وتبديد الأموال وتمويل الإرهاب ومخالفة قانون النقد والتسليف، إضافة إلى الجرائم المصرفية المرتبطة بأموال المودعين. كما استثنى جرائم الاغتصاب وسفاح القربى والاتجار بالبشر والعنف الأسري والاعتداء الجنسي على القصر والتعذيب والإخفاء القسري.

«عدالة القانون»

هذه الاستثناءات تمنح القانون قدراً مهماً من العدالة، وفق تعبير مرجع قانوني، حيث رأى أنها «لا تجعل من العفو تسوية سياسية تمحو المسؤولية عن الجرائم الخطيرة». وقال لـ«الشرق الأوسط»: «هذا القانون رغم أهميته، لا يعني بالضرورة أنه يخلو من الثغرات أو يحقق العدالة الكاملة»، معتبراً أن «العفو العام يقوم بطبيعته على معيار تشريعي عام، قد لا يأخذ دائماً في الحسبان الفروق الدقيقة بين ظروف كل موقوف أو محكوم»، لافتاً إلى أن «وجود أوجه شبه في جرائم مشمولة بالعفو وأخرى مستثناة منه، خصوصاً في جرائم القتل والإرهاب والجرائم التي تقع على المال العام، وهذا سيرهق المحاكم التي تنظر فيها، وتتطلب اجتهادات قضائية لتفسيرها».

استفادة فورية

ثمة أسماء بارزة تستفيد من قانون العفو سواء بشكل فوري، أو تباعاً، وأولهم الشيخ أحمد الأسير، الذي استفاد من تخفيض العقوبة، غير أن الإفراج عنه لن يكون قبل منتصف شهر مايو (أيار) 2028، ونعيم عباس، الموقوف منذ عام 2014 والصادر بحقه حكم بالمؤبد في عام 2021، بجرائم قتل وتفخيخ سيارات معدّة للتفجير، والشيخ لؤي الترك، الذي ارتبط اسمه بملف اعتراض شاحنات المازوت التي كان يخرجها «حزب الله» لنظام بشار الأسد عبر الحدود اللبنانية - السورية إبان فرض عقوبات «قيصر» الأميركية، وحكم عليه بالأشغال الشاقة 15 عاماً، وحسن أبو علفة المتهم بالاشتراك في تفجير السفارة الإيرانية والموقوف في شهر فبراير (شباط) 2014، ولم يصدر حكم بحقه حتى الآن.

رئيس البرلمان نبيه بري يترأس جلسة البرلمان التي عقدت بمشاركة رئيس الحكومة نواف سلام والوزراء (الشرق الأوسط)

أبرز الموقوفين غير المستفيدين

أما أبرز الموقوفين الذين لن يستفيدوا من قانون العفو، فهم: نوح زعيتر أحد أخطر تجار المخدرات في لبنان، الذي جرى توقيفه إثر العملية الأمنية التي نفذها الجيش اللبناني في العام الماضي، باعتبار أن توقيفه الاحتياطي لم يتجاوز السقف المطلوب للإفراج (وهو 12 سنة سجنية من دون محاكمة)، وعدم صدور أحكام بحقه قابلة للتخفيض، وحاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة، الذي أوقف قبل أسبوعين، والملاحق بدعاوى تتصل باختلاس أموال عامة وتبييض الأموال والإثراء غير المشروع، والتسبب في حرمان المودعين من أموالهم، والمدانون بالعمالة والتجسس لصالح إسرائيل، الذين لن يشملهم أي تخفيض للعقوبة أو عفو عام مهما بلغت مدة محكوميتهم أو ظروف توقيفهم.

من هنا، فإن نجاح القانون لا يقاس بعدد المستفيدين منه أو من استثناهم، بل بقدر تحقيقه توازناً فعلياً بين رفع الظلم عن مستحقين، وحماية المجتمع، والحفاظ على هيبة القضاء، ومنع الإفلات من العقاب.