زعماء العالم يتوافدون إلى نيويورك على وقع حربي غزة وأوكرانيا

غوتيريش يقرّ بخلل المؤسسات الأممية وسط دعوات أميركية لتوسيع مجلس الأمن

الجمعية العامة للأمم المتحدة خلال «قمة المستقبل» الأحد (أ.ف.ب)
الجمعية العامة للأمم المتحدة خلال «قمة المستقبل» الأحد (أ.ف.ب)
TT

زعماء العالم يتوافدون إلى نيويورك على وقع حربي غزة وأوكرانيا

الجمعية العامة للأمم المتحدة خلال «قمة المستقبل» الأحد (أ.ف.ب)
الجمعية العامة للأمم المتحدة خلال «قمة المستقبل» الأحد (أ.ف.ب)

توافد العشرات من زعماء العالم على نيويورك، استعداداً للمشاركة بدءاً من الثلاثاء في المناقشات العامة للدورة السنوية الـ79 للجمعية العامة للأمم المتحدة، وسط تساؤلات متزايدة عن قدرة النظام الدولي القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية على الصمود أو التكيّف أمام التداعيات الخطيرة للحربين في أوكرانيا وغزة، والنزاعات الداخلية الأخرى، بما فيها السودان وسوريا واليمن، فضلاً عن الأزمات والتحديات المتعلقة بتغير المناخ ومكافحة الفقر والجوع ومستقبل الذكاء الاصطناعي.

وتنعقد الدورة الحالية في ظلّ تشكيك عميق بجدوى المنظمة الدولية التي أُنشئت عام 1945 على أنقاض عصبة الأمم، بعدما فشلت الأخيرة في منع وقوع الحرب العالمية الثانية. فكانت عامذاك، ولعقود تلت، التعبير الأفضل عن التوازنات الدولية الجديدة، وتمكّنت من الصمود طوال حقبة الحرب الباردة وما تلاها بعد انهيار الاتحاد السوفياتي ومنظومة الدول الاشتراكية. غير أنها تُواجه منذ أكثر من عقدين شللاً كبيراً بسبب تقادم مؤسساتها، بما في ذلك مجلس الأمن، أداتها الأقوى المكلفة بصون الأمن والسلم الدوليين، الذي عجز عن التعامل بفاعلية مع النزاعات في سوريا والسودان والحرب بين روسيا وأوكرانيا والحرب بين إسرائيل و«حماس» في غزة. وتُنذر الأخيرة بحرب أوسع نطاقاً يمكن أن تشمل الضفة الغربية ولبنان، وحتى إيران.

مجلس الأمن خلال اجتماع حول الحرب في غزة (أ.ف.ب)

«قمة المستقبل»

قد تكون «قمة المستقبل» الحدث الأبرز لدورة هذا العام في الجمعية العامة للأمم المتحدة، التي لا تزال المنتدى الدولي الأكبر. ويشارك فيها هذه السنة زهاء 130 من الملوك والأمراء ورؤساء الدول والحكومات، بالإضافة إلى آلاف المسؤولين والدبلوماسيين وصناع القرار، الذين توافدوا من كل أطراف الأرض، ليس فقط لعرض مظالم بلادهم وتطلعات شعوبهم أمام البلدان الأخرى والسعي إلى تسوية النزاعات الحالية؛ وأبرزها عربياً الحرب بين إسرائيل و«حماس»، والأزمات الدائرة في اليمن والسودان وسوريا وليبيا ولبنان، ودولياً الحرب بين روسيا وأوكرانيا، والأزمات في بلاد الساحل وأفريقيا جنوب الصحراء وميانمار، بل أيضاً من أجل إيجاد أرضية مشتركة لمستقبل مشترك يرسي دعائم الدبلوماسية لصدّ ما يسميه الدبلوماسيون الغربيون «تغوّل» الصين في منطقة جنوب شرق آسيا وتدخل إيران في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، فضلاً عن مواجهة الأخطار الوجودية للإنسانية الناجمة عن تغيّر المناخ وحصول سباق جديد للتسلح النووي.

ويعترف الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بأن «التحديات الدولية تتحرك بسرعة أكبر من قدرتنا على حلها»، مشيراً إلى «انقسامات جيوسياسية خارجة عن السيطرة وصراعات جامحة، ليس أقلها في أوكرانيا وغزة والسودان وخارجها». وأكد أيضاً أن «المؤسسات والأطر العالمية اليوم غير كافية تماماً للتعامل مع هذه التحديات المعقدة وحتى الوجودية»، عازياً ذلك إلى أن «هذه المؤسسات وُلدت في عصر مضى لعالم مضى».

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش (أ.ب)

«العطب» الأممي

وهو بذلك كان يشير إلى الأمم المتحدة وغيرها من المؤسسات الدولية متعددة الأطراف التي أُنشئت قبل 8 عقود، ولم تعد قادرة اليوم على مواجهة تحديات العصر، بدءاً من التقدم الاقتصادي - وبالتالي الجيوسياسي - المذهل للعديد من البلدان النامية، مروراً بالعواقب الكارثية لتغير المناخ، وصولاً إلى الثورة التكنولوجية الثانية التي جلبت معها الإنترنت والهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي، وأخيراً الذكاء الاصطناعي.

وعلى رغم محاولات التكيّف التي بذلها دبلوماسيون طوال الربع الأول من القرن الحادي والعشرين سعياً إلى إصلاح المؤسسات الدولية المعطوبة، لم تؤت هذه الجهود أُكلها، خصوصاً لجهة تعديل التركيبة التي تهيمن منذ 60 عاماً على مجلس الأمن، بسبب الخلافات العميقة على الامتياز الممنوح للدول الخمس دائمة العضوية: الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والصين وروسيا، باستخدام حق النقض (الفيتو)، مما أدى عملياً إلى شلّ الوظيفة الرئيسية للمجلس المكلف بصون الأمن والسلم الدوليين، كلما كان الأمر متعلقاً بواحدة أو أكثر من هذه الدول، أو بمصالحها.

وتجلّى الفشل الناجم عن استخدام حق النقض في عجز المجتمع الدولي خصوصاً عن التعامل مع الحرب في سوريا، إذ استخدمت روسيا «الفيتو» مرات عديدة لتعطيل جهود مختلفة في هذا السياق. وكذلك، رفضت الولايات المتحدة تدخّل مجلس الأمن في حرب غزة، مستخدمة «الفيتو» أكثر من مرة. وبذلت الصين جهوداً لتعطيل قدرات المجلس فيما يتعلق خصوصاً بانتهاكات كوريا الشمالية للقرارات الدولية الخاصة ببرامجها النووية والصاروخية. وتجنّبت بريطانيا وفرنسا اللجوء إلى هذا الامتياز، وأظهرتا انفتاحاً إلى تقييد استخدام «الفيتو» لدى الدول الخمس الكبرى.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يغادر بعد اجتماع خاص قبل شهرين مع المشرعين الأميركيين في الكونغرس، واشنطن (رويترز)

عقدة «الفيتو»

لكن الولايات المتحدة، التي أظهرت منذ العام الماضي استعدادها لقبول إحداث تعديل جوهري في تركيبة مجلس الأمن عبر منح مقاعد دائمة لعدد من الدول الأفريقية، ودول أخرى مثل اليابان والهند وألمانيا، ترفض أي تنازلات في حصرية استخدام حق النقض بهذه الدول الخمس.

ويترقب المسؤولون الدوليون الكلمة التي سيلقيها الرئيس الأميركي جو بايدن في اليوم الأول من هذه المناقشات، لمعرفة مدى ما يمكن أن يذهب إليه من اقتراحات لتعديل تركيبة مجلس الأمن وتجاوز عقدة «الفيتو»، علماً بأن ولايته شارفت على نهايتها وسط ترقب أيضاً لما يمكن أن تؤدي إليه الانتخابات الأميركية، التي تشهد معركة طاحنة بين نهجين متناقضين تماماً لكل من المرشحة الديمقراطية نائبة الرئيس كامالا هاريس، والمرشح الجمهوري الرئيس السابق دونالد ترمب، مما قد يعني إرساء مسار جديد لعلاقة الدولة العظمى ببقية دول العالم وقضاياه.

وقال مدير دائرة الأمم المتحدة لدى منظمة الأزمات الدولية، ريتشارد غاون، إن «الجميع سيضعون في أذهانهم شخصاً يُدعى دونالد ترمب»، مضيفاً أن «السؤال الأول الذي سيُطرح في العديد من المحادثات الخاصة حول الجمعية العامة سيكون: ماذا سيفعل ترمب بالمنظمة؟».

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)

ويأتي انعقاد هذا المنتدى الدولي الأوسع على الإطلاق، في ظل مخاوف متزايدة من اتساع نطاق حرب غزة إلى الضفة الغربية، وما يمكن أن يُشكّله ذلك من أخطار جسيمة على النظام الإقليمي، وإلى دول أخرى في الشرق الأوسط؛ مثل لبنان وربما سوريا بسبب الصدامات الأخيرة واسعة النطاق بين إسرائيل و«حزب الله»، وغيره من الميليشيات التي تدور في فلك إيران، منها أيضاً جماعة الحوثي في اليمن، على خلفية حرب غزة التي بدأت بعد هجوم «حماس» ضد إسرائيل في 7 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أي بعد أيام فقط من ختام الدورة السابقة من الاجتماعات الرفيعة للأمم المتحدة عام 2023. وباتت هذه الحرب الآن على مسافة أسبوعين فقط من دخول عامها الثاني، وسط إخفاق جهود الوساطة التي تبذلها الولايات المتحدة ومصر وقطر من أجل التوصل إلى اتفاق لوقف النار.

الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أ.ف.ب)

حضور وغياب

ومن المقرر أن يلقي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يتّهم الأمم المتحدة منذ فترة طويلة بـ«معاداة إسرائيل»، والرئيس الفلسطيني محمود عباس، كلمتيهما أمام الجمعية العامة. ويوجد على لائحة المتحدثين في اليوم الأول كل من الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني بن الحسين، وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.

وكذلك سيلقي الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي كلمة الأربعاء، هي الثالثة له على منبر الجمعية العامة منذ بدء الغزو الروسي لبلاده، علماً بأنه سيلقي كلمة في اجتماع لمجلس الأمن الثلاثاء.

في المقابل، يغيب هذه السنة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وكذلك الرئيس الصيني شي جينبينغ. وبينما ألقى بوتين كلمة عبر الإنترنت أمام الجمعية العامة عام 2020 أثناء جائحة «كوفيد - 19»، فإنه لم يتوجه إلى نيويورك منذ عام 2015. ومن المقرر أن يتحدث وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أمام الجمعية العامة في 28 سبتمبر (أيلول).

رئيس إدارة السلامة والأمن في الأمم المتحدة مايكل براون متحدثاً مع وسائل الإعلام في مركز عمليات الأمن داخل مقر الأمم المتحدة، نيويورك (أ.ب)

فيصل بن فرحان يترأس الوفد السعودي

سعودياً، وصل وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان إلى نيويورك، على رأس وفد المملكة المشارك في أعمال الجمعية العامة في دورتها الـ79. ويضم الوفد كلاً من السفيرة السعودية في واشنطن الأميرة ريما بنت بندر بن سلطان بن عبد العزيز، ووزير الدولة للشؤون الخارجية عضو مجلس الوزراء ومبعوث شؤون المناخ عادل الجبير، ووزير البيئة والمياه والزراعة عبد الرحمن الفضلي، ووزير الاتصالات وتقنية المعلومات عبد الله بن عامر السواحه، ووزير الاقتصاد والتخطيط فيصل بن فاضل الإبراهيم، والمستشار بالديوان الملكي المشرف العام على مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية الدكتور عبد الله الربيعة، ووكيل وزارة الخارجية للشؤون الدولية المتعددة والمشرف العام على وكالة الوزارة لشؤون الدبلوماسية العامة الدكتور عبد الرحمن الرسي، ومندوب السعودية الدائم لدى الأمم المتحدة عبد العزيز الواصل.

ومن المقرر أن يشارك وزير الخارجية وأعضاء الوفد في عدة اجتماعات رسمية، تتضمن تعزيز العمل الدولي المتعدد الأطراف، ومناقشة المستجدات على الساحتين الإقليمية والدولية، والجهود المبذولة لإرساء دعائم الأمن والسلم الدوليين، والعمل المشترك لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، بالإضافة إلى عقد اللقاءات الثنائية مع ممثلي العديد من الدول، وعدد من مسؤولي المنظمات الدولية المشاركين في أعمال الجمعية.


مقالات ذات صلة

سلام لبزشكيان: لبنان يتطلع إلى علاقة مع إيران تحترم سيادة البلدين

المشرق العربي خلال لقاء رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام مع رئيس الجمهورية الإيرانية مسعود بزشكيان في نيويورك يوم 24 سبتمبر 2026 (صفحة رئاسة مجلس الوزراء اللبناني على «إكس»)

سلام لبزشكيان: لبنان يتطلع إلى علاقة مع إيران تحترم سيادة البلدين

شدد رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، خلال لقائه الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، على بناء علاقة تحترم سيادة البلدين، مؤكداً أولوية حصر السلاح بيد الدولة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الولايات المتحدة​ لقطة لمجلس الأمن خلال إحاطة الرئيس التنفيذي لشركة «هاغينغ فايس» كليمنت دولانغ (على الشاشة) بنيويورك (الأمم المتحدة)

عمالقة الذكاء الاصطناعي يحذّرون من «أخطار وجودية»

قدّم الرؤساء التنفيذيون لشركات «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» و«هاغينغ فايس» إحاطات أمام أعضاء مجلس الأمن حول فوائد الذكاء الاصطناعي وأخطاره الوجودية.

علي بردى (نيويورك)
المشرق العربي الرئيس الفلسطيني محمود عباس (رويترز)

عباس يرفض أمام الأمم المتحدة الإجراء الأميركي «العقابي» بعدم منحه تأشيرة دخول

رفض الرئيس الفلسطيني محمود عباس، الخميس، قرار واشنطن «العقابي» عدم منحه تأشيرة لدخول الولايات المتحدة لحضور اجتماعات الأمم المتحدة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
المشرق العربي سيلفي وزير الخارجية السوري يظهره والشرع في طائرة العودة من نيويورك إلى دمشق (حساب إنستغرام)

الشرع يبحث فرص الاستثمار في سوريا مع شركات أميركية

أعلن وزير الخارجية في الجمهورية العربية السورية أسعد الشيباني اختتام مشاركة سوريا في أعمال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أميركا اللاتينية الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي يلقي كلمته خلال الدورة 81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في مقر المنظمة في نيويورك 23 سبتمبر 2026 (أ.ب)

رئيس الأرجنتين: الأمم المتحدة «منظمة عديمة الفائدة»

هاجم الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي الأمم المتحدة في خطابه أمام جمعيتها العامة الأربعاء، معتبراً أنها «منظمة عديمة الفائدة».

«الشرق الأوسط» (بوينس آيرس)

عمالقة الذكاء الاصطناعي يحذّرون من «أخطار وجودية»

لقطة لمجلس الأمن خلال إحاطة الرئيس التنفيذي لشركة «هاغينغ فايس» كليمنت دولانغ (على الشاشة) بنيويورك (الأمم المتحدة)
لقطة لمجلس الأمن خلال إحاطة الرئيس التنفيذي لشركة «هاغينغ فايس» كليمنت دولانغ (على الشاشة) بنيويورك (الأمم المتحدة)
TT

عمالقة الذكاء الاصطناعي يحذّرون من «أخطار وجودية»

لقطة لمجلس الأمن خلال إحاطة الرئيس التنفيذي لشركة «هاغينغ فايس» كليمنت دولانغ (على الشاشة) بنيويورك (الأمم المتحدة)
لقطة لمجلس الأمن خلال إحاطة الرئيس التنفيذي لشركة «هاغينغ فايس» كليمنت دولانغ (على الشاشة) بنيويورك (الأمم المتحدة)

استمع أعضاء مجلس الأمن لتحذيرات الرؤساء التنفيذيين لعمالقة الذكاء الاصطناعي؛ «أوبن إيه آي» سام ألتمان، و«أنثروبيك» داريو أموداي، و«هاغينغ فايس» كليمان دولانغ، من تطور بوتيرة يمكن أن تتجاوز قريباً قدرة الدول والشركات والمؤسسات على تنظيمها أو إدارة أخطارها الوجودية المحتملة على البشر.

عُقدت هذه الجلسة غير المألوفة على هامش الاجتماعات الرفيعة المستوى للدورة السنوية الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، بدعوة من فرنسا التي تتولى رئاسة مجلس الأمن للشهر الحالي، وبعد أيام من استنتاج لجنة علمية تابعة للأمم المتحدة أن الحادثة التي وقعت في الصيف، حين اخترقت برامج الذكاء الاصطناعي قيد التقييم في «أوبن إيه آي» أنظمة «هاغينغ فايس» نفسها، لا تقدم أي ضمانات بأن البشر قادرون على إبقاء هذه البرامج تحت السيطرة بشكل موثوق.

وأكّد ألتمان أن الذكاء الاصطناعي قادر على إحداث تحول جذري في العلوم والطب والتعليم والاقتصادات، لكنه استدرك محذّراً من أن الأنظمة المستقلة بشكل متزايد يمكن أن تتحرك بوتيرة أسرع من قدرة الحكومات والمؤسسات على فهمها أو السيطرة عليها. وقال إنه «ينبغي تصميم الذكاء الاصطناعي لخدمة الإنسان، لا لمجرد زيادة سرعة الآلات».

وإذ لم يتجاهل الأخطار، أضاف ألتمان أن «أي شيء بهذه القوة يثير الرهبة»، مشدداً على أن «هذه اللحظة تستدعي حذراً شديداً».

«دولة العباقرة»

حدّد ألتمان نمطين رئيسيين للفشل؛ الأول هو فقدان السيطرة تماماً على مستقبل الذكاء الاصطناعي. وثانياً، هناك تركز السلطة حيث «لا ينبغي لأي فرد أو شركة أو دولة أن تتمكن من استخدام أقوى نماذج الذكاء الاصطناعي لفرض رؤيتها للعالم على الآخرين»، كاشفاً أن «أوبن إيه آي» أبطأت التطوير من جانب واحد سابقاً بسبب مخاوف تتعلق بالسلامة.

ودعا إلى وضع معايير «تُصاغ من خلال عمليات ديمقراطية ومن حكومات مسؤولة أمام شعوبها» تشمل القدرات، وتقييم المخاطر، والضمانات، والإبلاغ عن الحوادث.

الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي» سام ألتمان يقدم إحاطة لمجلس الأمن حول الذكاء الاصطناعي والأمن الدولي (الأمم المتحدة)

ثم قدّم أموداي إحاطة عرَضَ فيها وتيرة التقدم بعبارات صادمة، قائلاً: «قبل أربع سنوات، كان (برنامج الذكاء الاصطناعي) بالكاد يستطيع كتابة سطر واحد من التعليمات البرمجية أو حل مسألة رياضية بسيطة في المرحلة الثانوية. أما اليوم، فهو يكتب معظم التعليمات البرمجية في «أنثروبيك» ويحل مسائل رياضية عالمية شهيرة لم تُحلّ من قبل».

وأضاف أن هذا المسار «لا يحتاج إلا إلى الاستمرار لفترة وجيزة، سنة أو سنتين، وربما أقل» للوصول إلى ما سماه «دولة من العباقرة في مراكز البيانات».

«خطر على البشرية»

كان أموداي صريحاً بالقدر نفسه في شأن الأخطار، فحدَّد فئتين؛ الأولى تتعلّق بسوء الاستخدام، «على سبيل المثال، إساءة استخدام الإرهابيين البيولوجيين لـ(برامج الذكاء الاصطناعي) لصنع أسلحة بيولوجية». أما الفئة الثانية فتتعلق بفقدان السيطرة، مشيراً إلى مسائل «بالغة الخطورة لدرجة أنني أعتقد أنها مسائل مهمة لهذا المجلس، وليس فقط لوزارات الاقتصاد أو تكنولوجيا المعلومات والاتصالات».

وزاد: «أعتقد أنه إذا أُديرت بشكل سيئ، فقد يشكل الذكاء الاصطناعي خطراً على البشرية جمعاء».

الرئيس التنفيذي لشركة «أنثروبيك» داريو أمودي متحدثاً عبر الشاشة مع أعضاء مجلس الأمن بنيويورك (الأمم المتحدة)

كذلك، قال أموداي إن شركته «ستبطئ وتيرة العمل بالقدر اللازم... لكن بغض النظر عما نفعله، فإن إدارة هذه المخاطر، في نهاية المطاف، أكبر من أي شركة بمفردها، ولها نطاق صناعي وعالمي».

الدفاع قبل الهجوم

بدوره، عرَضَ دولانغ دراسة حالة واقعية، إذ كشفت شركته، في يوليو (تموز) الماضي، عن هجوم إلكتروني شنّه عليها وكيل ذكاء اصطناعي مستقل. واستخلص ثلاثة دروس؛ أولاً، هناك حاجة لمزيد من الشفافية على مستوى الصناعة. وجادل ثانياً بأن الخطر الأساسي لا يكمن في قدرات هذه التكنولوجيا بحد ذاتها، بل في توزيعها غير المتكافئ. وقال إن «الخطر الأكبر ليس الذكاء الاصطناعي القوي، بل في عدم تكافئه بين المهاجمين والمدافعين، والشركات الكبرى وبقية العالم، والدول القوية وبقية دول العالم».

وأشار ثالثاً إلى حادثة أخرى أظهرت كيف يمكن لتغطية الذكاء الاصطناعي أن تثير مخاوف الجمهور بلا داعٍ «من خلال تأطيرها بصورة بشرية واستخدامها صوراً خيالية علمية».

وخلال المداولات بين أعضاء المجلس، شبّه وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، الذي ترأس الاجتماع، الوضع الحالي للذكاء الاصطناعي بكل من الحاسوب الخيالي في فيلم «2001: ملحمة الفضاء» وبداية العصر الذري. وقال: «كما كانت الحال مع الذرة آنذاك، يجب على المجتمع الدولي، الآن، تنظيم الذكاء الاصطناعي لتحقيق أقصى استفادة من إمكاناته وتجنب أسوأ العواقب».

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو يترأس اجتماع مجلس الأمن حول الذكاء الاصطناعي (الأمم المتحدة)

وقال وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند: «يخبرنا قادة التكنولوجيا بوضوح تام أنه لا يمكن ترك منع الكوارث من الوقوع في العالم لهم وحدهم. لا يمكننا تجاهلهم لأنهم على حق».

غير أن مستشار البيت الأبيض للشؤون العلمية، مايكل كراتسيوس، رأى أن «المخاوف بشأن التحكم في الذكاء الاصطناعي ليست مُبرراً لوقف تطويره أو تقييده بهيكل حوكمة عالمي جديد». وأضاف: «نريدكم، أنتم حلفاؤنا وشركاؤنا، أن تشاركوا في فوائد هذه التكنولوجيا».

وفي ظل المنافسة الشديدة بين الولايات المتحدة والصين في هذا المجال، حذّر المندوب الصيني الدائم لدى الأمم المتحدة فو كونغ من «التكتل في تحالفات ضيقة في قطاع التكنولوجيا، وإجبار الدول الأخرى على الانحياز لأحد الطرفين»، مما يُمكّن قوى عظمى لم يُسمِّها مما سماه «الهيمنة الرقمية».

اختراق نظام حكومي

تزامنت الجلسة مع كشف الحكومة الأسترالية عن نجاح وكيل ذكاء اصطناعي تابع لشركة «أوبن إيه آي» في الوصول بصورة غير مصرَّح بها إلى نظام حكومي في يوليو (تموز) الماضي، في واقعةٍ وصفتها الحكومة بأنها الأولى المعروفة التي يتمكَّن فيها وكيل للذكاء الاصطناعي من اختراق أنظمة تكنولوجيا المعلومات الحكومية في البلاد.

ووصل الوكيل في 18 يوليو إلى بوابة «خدمة تقارير إحصاءات ميديكير» التابعة لوزارة الصحة، وهي منصة متاحة للعامة تستضيف بيانات مجمعة عن الإنفاق الصحي وإعانات الأدوية، وتُستخدم على نطاق واسع من جانب الباحثين والأكاديميين. وأكدت الحكومة أن المعلومات الشخصية لم تكن من بين البيانات التي جرى الوصول إليها.

وقالت شركة «أوبن إيه آي» إنها راجعت أنشطة شملت عدداً من الإدارات الحكومية الأسترالية، واكتشفت أن نماذجها «اتخذت إجراءات لم تكن مقصودة». وأبلغت الشركة الحكومة الأسترالية بالحادثة في 10 سبتمبر (أيلول)، وفق رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، الذي انتقد تأخرها في الكشف عن الاختراق. وأُغلقت البوابة بعد الحادثة، ونُقلت البيانات إلى أنظمة أكثر أماناً، وفق وزيرة الخدمات الحكومية كاتي غالاغر.


«سي إن إن» و«إم إس ناو» و«بوليتيكو» تلجأ للقضاء بعد استبعادها من البيت الأبيض

لافتة تضامن مع «سي إن إن» و«إم إس ناو» و«بوليتيكو» خارج مقر وكالة «أسوشييتد برس» في البيت الأبيض 21 سبتمبر 2026 (رويترز)
لافتة تضامن مع «سي إن إن» و«إم إس ناو» و«بوليتيكو» خارج مقر وكالة «أسوشييتد برس» في البيت الأبيض 21 سبتمبر 2026 (رويترز)
TT

«سي إن إن» و«إم إس ناو» و«بوليتيكو» تلجأ للقضاء بعد استبعادها من البيت الأبيض

لافتة تضامن مع «سي إن إن» و«إم إس ناو» و«بوليتيكو» خارج مقر وكالة «أسوشييتد برس» في البيت الأبيض 21 سبتمبر 2026 (رويترز)
لافتة تضامن مع «سي إن إن» و«إم إس ناو» و«بوليتيكو» خارج مقر وكالة «أسوشييتد برس» في البيت الأبيض 21 سبتمبر 2026 (رويترز)

قالت ثلاث مؤسسات إعلامية وهي «سي إن إن» و«إم إس ناو» و«بوليتيكو» في ‌مذكرة قضائية ⁠قدمت اليوم الخميس ⁠إن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ⁠تراب لم ‌تمتثل بعد ‌لأمر قضائي ‌صدر ‌أمس يقضي بإعادة السماح ‌لها بدخول البيت الأبيض، وطلبت ⁠من القاضي ⁠الذي أصدر الحكم عقد جلسة متابعة طارئة.

وأعلنت الشبكات أن صحافييها مُنعوا، الخميس، من دخول البيت الأبيض، رغم صدور أمر قضائي يقضي بإعادة السماح لهم بالدخول.

وأوضحت المؤسسات الإعلامية الثلاث أن عناصر من جهاز الخدمة السرية منعوا صحافييها عندما حاولوا دخول البيت الأبيض، في وقت مبكر الخميس.

وأصدر قاضٍ اتحادي أميركي، صباح اليوم الخميس، أمراً تقييدياً مؤقتاً بوقف قرار إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بحظر شبكات «سي إن إن» و«إم إس ناو» وموقع «بوليتيكو» من دخول مقر البيت الأبيض، وأمر الإدارة بإعادة السماح لها بالدخول، وفق ما نشرت «أسوشييتد برس».

يأتي ذلك في أحدث تطور في مواجهة متصاعدة بين الرئيس دونالد ترمب ووسائل إعلام لا تحظى تغطيتها بإعجابه.

كان ترمب قد أعلن، في 18 سبتمبر (أيلول) الحالي، حظر هذه المؤسسات، مهاجماً ما وصفه بأنه «أخبار زائفة».

وفي الآونة الأخيرة، قال ترمب إن التغطية السلبية تُشكل خطراً على البلاد.

منصة شبكة «سي إن إن» في البيت الأبيض بعد أن أعلن ترمب عزمه منع «سي إن إن» و«إم إس ناو» و«بوليتيكو» من دخول البيت الأبيض (رويترز)

وقالت المؤسسات الإعلامية إنها استهدفت بسبب مضمون تغطيتها؛ أي بسبب التمييز على أساس وجهة النظر، ووصفت الحظر بأنه «انتهاك صارخ» للتعديل الأول للدستور الأميركي.

وكان قاضي المحكمة الجزئية الأميركية، تيموثي كيلي، الذي رشّحه ترمب للمنصب في عام 2017، وأصدر في قضية مماثلة، عام 2018، أمراً بإعادة السماح بدخول صحافي من شبكة «سي إن إن»، قد استمع إلى المرافعات، أمس الأربعاء، وأنهى الجلسة دون إصدار حكم.

وأصدر كيلي، اليوم الخميس، أمراً تقييدياً مؤقتاً يسري لمدة 14 يوماً. وتهدف مثل هذه الأوامر عادة إلى الحفاظ على الوضع القائم لحين إجراء المحكمة مراجعة أكثر تفصيلاً للقضية.


تقرير: شركات نفط حصلت على امتيازات بعد تبرعاتها لحملة ترمب

زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر يتحدث في مبنى الكابيتول بواشنطن 23 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر يتحدث في مبنى الكابيتول بواشنطن 23 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
TT

تقرير: شركات نفط حصلت على امتيازات بعد تبرعاتها لحملة ترمب

زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر يتحدث في مبنى الكابيتول بواشنطن 23 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر يتحدث في مبنى الكابيتول بواشنطن 23 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

أصدر اثنان من كبار أعضاء الحزب الديمقراطي في مجلس الشيوخ الأميركي تقريراً، اليوم (الخميس)، أفاد بأن شركات نفط وغاز حصلت على إعفاءات ضريبية ودعم وتخفيف في قواعد تنظيمية بيئية بعدما طلب منها المرشح للرئاسة آنذاك دونالد ترمب تبرعات بمليار دولار خلال حملته الانتخابية في 2024، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وأعد السيناتور تشاك شومر زعيم الأغلبية الديمقراطية في المجلس والسيناتور شيلدون وايتهاوس كبير الديمقراطيين في لجنة البيئة التقرير استناداً إلى 19 تحقيقاً في تخفيف وكالة حماية البيئة للقيود التنظيمية، و13 تحقيقاً بشأن تسع وكالات أخرى، و13 تحقيقاً في شأن 88 جهة تنبعث عنها ملوثات.

وجاء في التقرير أن مئات الملايين من الدولارات التي أنفقت على الحملة الانتخابية، والتي تم تتبعها بعد طلب ترمب من شركات الطاقة، كان في مقابلها إعفاءات ضريبية وإيرادات بلغت مئات المليارات من الدولارات لأن السياسات المتبعة دفعت المستهلكين إلى شراء المزيد من الوقود الأحفوري.

وورد في التقرير: «تتحمل الأسر العاملة العبء من خلال ارتفاع أسعار الطاقة وضعف الخدمات العامة والتكاليف الطويلة الأجل للأضرار المناخية والصحية، بينما يجني المسؤولون التنفيذيون والمساهمون في شركات النفط الكبرى المكاسب... وهذا، في جوهره، نقل هائل للثروة».

وقد يشكل هذا التقرير نافذة على نوعية القضايا التي قد يعقد مشرعون ديمقراطيون جلسات استماع بشأنها في حالة سيطرتهم على مجلس الشيوخ في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس المقرر إجراؤها في نوفمبر (تشرين الثاني).

وسيُعقد مؤتمر صحافي عن التقرير في الساعة 9:45 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة. ولم يرد البيت الأبيض حتى الآن على طلب للحصول على تعليق.

وفي أحدث خطوة من جانب الإدارة لتفكيك اللوائح البيئية، أعلنت وكالة حماية البيئة هذا الشهر عن قواعد لإلغاء القيود التي فرضها الرئيس السابق جو بايدن على انبعاثات الكربون من محطات توليد الطاقة التي تعمل بالفحم والغاز، ولمنع فرض أي قواعد في المستقبل تركّز على المناخ على تلك المحطات.

ويأتي هذا التحرك في إطار جهود ترمب لتفكيك السياسة الأميركية بشأن المناخ، وتقول إدارته إنها أعاقت إنتاج الطاقة.

وقالت وكالة حماية البيئة إن هذه الخطوة ستوفر على القطاع 370 مليون دولار من تكاليف الامتثال، بينما قالت إدارة بايدن إن قواعدها ستحقق فوائد بقيمة 370 مليار دولار من أمور، من بينها خفض الفواتير الطبية للمشاكل الصحية الناجمة عن الضباب الدخاني والانبعاثات الأخرى.