هل تعيد خليفة بوريل رسم المواقف الأوروبية من حرب غزة؟

كايا كالاس عُرفت بتصريحات «متأرجحة» تميل إلى تأييد إسرائيل

كايا كالاس لدى حضورها اجتماعاً لقادة المفوضية الأوروبية في بروكسل يوم 18 سبتمبر (إ.ب.أ)
كايا كالاس لدى حضورها اجتماعاً لقادة المفوضية الأوروبية في بروكسل يوم 18 سبتمبر (إ.ب.أ)
TT

هل تعيد خليفة بوريل رسم المواقف الأوروبية من حرب غزة؟

كايا كالاس لدى حضورها اجتماعاً لقادة المفوضية الأوروبية في بروكسل يوم 18 سبتمبر (إ.ب.أ)
كايا كالاس لدى حضورها اجتماعاً لقادة المفوضية الأوروبية في بروكسل يوم 18 سبتمبر (إ.ب.أ)

يغادر جوزيب بوريل، مسؤول السياسة الخارجية والأمن في الاتحاد الأوروبي، منصبه في نهاية العام لتخلفه رئيسة وزراء إستونيا السابقة، كايا كالاس، في الولاية الثانية لرئيسة المفوضية أورسولا فون دير لاين.

عُرف بوريل في الأشهر الماضية، في بعض الأوساط السياسية والإعلامية، بأنه «صوت الحق»، ولا سيما فيما يتعلّق بحرب غزة. ولأنه كان يعي أنه لن يبقى في منصبه، ولن يحتل أي منصب آخر في المفوضية الجديدة التي ستتسلم مهامها بداية العام القادم، فقد انتهج خطاً سياسياً واضحاً، مندداً بـ«حمام الدم» الذي تقوم به إسرائيل في غزة، وبسياسة التجويع ومنع وصول المساعدات الإنسانية والقتل الأعمى. ويوم الخميس الماضي، اتّهم بوريل القوات الإسرائيلية بـ«تجاهل المبادئ الأساسية للقانون الإنساني الدولي».

جوزيب بوريل متحدثاً أمام معبر رفح من الجانب المصري يوم 9 سبتمبر (أ.ف.ب)

وقبل يومين من ذلك، اتهم إسرائيل بالسعي إلى «تحويل الضفة الغربية إلى غزة جديدة، من خلال زيادة العنف ونزع الشرعية عن السلطة الفلسطينية وتشجيع الاستفزازات للرد بقوة، ولكي لا تكون هناك غضاضة في الإعلان للعالم أن الوسيلة الوحيدة للتوصل إلى تسوية سلمية للنزاع هي ضم الضفة الغربية وغزة».

كما اتّهم بوريل «أعضاء في الحكومة الإسرائيلية، حكومة بنيامين نتنياهو، بمحاولة جعل إقامة دولة فلسطينية أمراً مستحيلاً». وسبق له أن دعا إلى فرض عقوبات على وزيري الأمن الداخلي والمالية؛ إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، بسبب تشجيعهما والتحريض على الكراهية وارتكاب جرائم حرب. وعبّر بوريل مراراً عن إحباطه إزاء تقاعس المجتمع الدولي، بقوله إنه «يأسف ويدين، لكنه يجد صعوبة في التحرك».

ونهاية مايو (أيار) الماضي، ندّد بـ«محاولات ترهيب» قضاة المحكمة الجنائية الدولية بعد طلب المدعي العام كريم خان، رسمياً، توقيف رئيس الوزراء الإسرائيلي وقادة من «حماس». وآخر ما صدر عنه، الأربعاء، «إدانته» التفجيرات التي استهدفت أجهزة اتصال يستخدمها أعضاء من «حزب الله» اللبناني، عاداً أنها «تعرض الأمن والاستقرار في لبنان للخطر، وتفاقم مخاطر التصعيد في المنطقة».

ما سبق غيض من فيض. وكان كافياً لكي يتهم وزير الخارجية الإسرائيلي يسرائيل كاتس المسؤول الأوروبي بـ«معاداة السامية»، بسبب تعليقاته على الغارة الإسرائيلية على مخيم النصيرات، ومقتل موظفين تابعين للأمم المتحدة. ولم تكن تلك المرة الأولى. ورفضت الخارجية الإسرائيلية طلباً لبوريل لزيارة إسرائيل يومي 14 و15 الشهر الحالي بحجج واهية.

خليفة بوريل

بوريل سيغيب عن المشهد الأوروبي مع نهاية العام، بعد أن يكون البرلمان الأوروبي قد ثبّت أعضاء المفوضية الأوروبية الـ27 في مناصبهم بنهاية جلسات الاستماع التقليدية. ومن بين هؤلاء «خليفة» بوريل، رئيسة وزراء إستونيا السابقة كايا كالاس التي أسندت إليها فون دير لاين حقيبة السياسة الخارجية.

واستحدثت الأخيرة مفوضية الدفاع التي أعطيت لأندريوس كوبيليوس، من ليتوانيا. والهدف من ذلك بناء قدرات التصنيع العسكري الأوروبي، في مواجهة تواصل الحرب الروسية في أوكرانيا. وهاتان المفوضيتان ذات طابع سياسي بالدرجة الأولى، وإيلاؤهما لشخصيتين تنتميان إلى بلدان البلطيق يعكس تغير موازين القوى داخل الاتحاد الأوروبي، حيث يتراجع دور الدول المؤسسة للاتحاد لصالح بلدان وسط وشرق أوروبا.

اجتماع لأعضاء المفوضية الأوروبية المعيّنين في بروكسل يوم 18 سبتمبر (إ.ب.أ)

تُعدّ كالاس من أشدّ خصوم روسيا ورئيسها فلاديمير بوتين بالذات، ومن غلاة الداعمين لأوكرانيا. ومنذ أن كانت رئيسة لحكومة بلادها، طالبت كالاس بتسريع انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي.

لذا، لم يتردّد مصدر سياسي أوروبي في وصفها «دمية» بين يديي الولايات المتحدة الأميركية. بيد أن ما يهم العالم العربي ومنطقة الشرق الأوسط أن كالاس معروفة بتعاطفها مع إسرائيل، وهي بذلك لا تشذ عن القاعدة المعمول بها في بلدان البلطيق الثلاثة، التي تعد من أشد الداعمين لتل أبيب داخل الاتحاد الأوروبي، إلى جانب النمسا وألمانيا والتشيك.

وبالمقابل، ثمة مجموعة من الدول الأوروبية متعاطفة مع الفلسطينيين، من أبرزها إسبانيا وآيرلندا وبلجيكا وسلوفينيا، التي اعترفت مؤخراً بالدولة الفلسطينية، فيما «تدرس» فرنسا الاحتذاء بنظيراتها الأوروبية. ونُقل عن مصادر فرنسية أن الأمر «قيد النظر». لكن باريس تريد أن يترافق ذلك مع خطوة ما دافعة باتجاه الحل.

في تقرير للقناة الألمانية «دي دبليو»، نُشر يوم 11 سبتمبر الحالي، ورد أن إسرائيل «تنفست الصعداء» مع تسلم كالاس، قريباً، مسؤولياتها الجديدة. كما أنها تتوقع أن تتحسن علاقاتها بالاتحاد الأوروبي مع غياب بوريل عن الساحة. ونقلت القناة المذكورة عن إيفين إينسير، عضوة البرلمان السويدي في المجموعة البرلمانية للاشتراكيين والديمقراطيين ذات الميول اليسارية، إنها «تشعر بالقلق من أن كالاس لم تعطِ الأولوية حتى الآن للوضع الإنساني في غزة، ولم تكن صريحة» في سياستها.

بوريل لدى عقده مؤتمراً صحافياً في دبي يوم 17 سبتمبر (رويترز)

وخلال ترؤسها الحكومة الإستونية، رفضت تالين الاعتراف بالدولة الفلسطينية، بيد أنها، بالمقابل، دعمت قرار الأمم المتحدة الداعي إلى إعطاء فلسطين العضوية الكاملة في المنظمة الدولية بعد أن كانت تتمتع بصفة مراقب. وإذا كانت، بصفتها رئيسة لوزراء بلادها، قد نددت بحركة «حماس» وأعربت عن دعمها لإسرائيل واعترفت بحقها في الدفاع عن نفسها، فإنها طالبتها بأن تفعل ذلك «بطريقة تحافظ على أرواح الأبرياء وتلتزم بقواعد القانون الدولي».

كذلك، حثّت إسرائيل على وقف النار، وأيّدت حلّ الدولتين. وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، كرّر وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي بالإجماع هذا الموقف. لكن المعضلة تكمن، تحديداً، في أن إسرائيل لا تهتم بالتصريحات الصادرة لا عن الأوروبيين ولا عن الهيئات الدولية، كونها دعوات لا تلحقها تدابير عملية لدفعها للالتزام بما هو مطلوب منها.

من هي كايا كالاس؟

ليست كالاس دخيلة على السياسة أو على الاتحاد الأوروبي. فهذه «المرأة الحديدية»، كما توصف في تالين، البالغة من العمر 47 عاماً ومارست مهنة المحاماة سابقاً. ورثت السياسة عن والدها سيم كالاس، الذي شغل قبلها منصب رئيس الحكومة، وكان أيضاً مفوضاً أوروبياً، فضلاً عن أنه مؤسس حزب «الإصلاح» الليبرالي.

دخلت كالاس البرلمان الأوروبي للمرة الأولى عام 2011، قبل أن تعود إلى بلادها، وتترأس حزب «الإصلاح»، وتصبح رئيسة للحكومة في عام 2021. وبعد أن أعربت عن رغبتها في الاستقالة من منصبها، عبّرت عن طموحها لخلافة أمين عام الحلف الأطلسي ينس ستولتنبرغ. إلا أن مارك روته، رئيس وزراء هولندا السابق حظي بالمنصب بدعم أميركي.

فون دير لاين شاركت في اجتماع للأعضاء المعيّنين في المفوضية الأوروبية الجديدة يوم 18 سبتمبر (رويترز)

ومن منذ أن بدأ الغزو الروسي لأوكرانيا، التزمت كالاس، وهي رئيسة للحكومة الإستونية، بالمواقف الأكثر تشدداً ضد روسيا. ورغم صغر بلادها وضيق ميزانيتها، فقد كانت سخية في مساعدة كييف التي خصصت لها 1 في المائة من الدخل القومي لبلادها. وتمتعت كالاس بشعبية واسعة داخل بلادها وخارجها. فإنها واجهت أزمة ثقة في عام 2023، بعد أن ذكرت وسائل الإعلام المحلية أن شركة مملوكة جزئياً لزوجها استمرت في العمل بروسيا. ورفضت كالاس الاستقالة، وأُعيد انتخابها زعيمة لحزب «الإصلاح»، ولم تتضرّر صورتها الدولية بسبب الفضيحة.

وفي مهمتها القادمة، ستكون إيران على أجندتها ليس فقط بسبب تطور برنامج طهران النووي، ولكن خصوصاً بسبب الدعم الذي توفره لروسيا بالمسيرات والصواريخ الباليستية. وتأمل إسرائيل إحداث تقارب مع كالاس بتسخير الملف الإيراني الذي يمكن أن يُشكّل صلة الوصل بينهما.

لن تكون مهمة كالاس، على رأس الدبلوماسية الأوروبية، سهلة. إذ عليها النجاح في إثبات حضور النادي الأوروبي على الخريطة العالمية، علماً بأن مهمتها الأولى ستكون السعي للتوفيق بين مواقف متضاربة بين الدول أعضائه. وبالتالي، سيتعين عليها دوماً البحث عن قواسم الحد الأدنى، لتوفير الإجماع المطلوب في السياسة الخارجية الأوروبية.


مقالات ذات صلة

«حماس» تدعو لفرض عقوبات على إسرائيل بعد إجراءات جديدة بالضفة

المشرق العربي صورة التقطتها طائرة من دون طيار تُظهر مزرعة «كيدار» للأغنام وهي بؤرة استيطانية إسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة (رويترز) p-circle

«حماس» تدعو لفرض عقوبات على إسرائيل بعد إجراءات جديدة بالضفة

دعت حركة «حماس» الثلاثاء إلى فرض عقوبات على إسرائيل، مرحبة بإدانة مشتركة من 20 دولة للإجراءات الإسرائيلية الجديدة الرامية إلى تشديد السيطرة على الضفة الغربية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
الخليج القافلة تحمل على متنها سلالاً غذائية ضمن الحملة الشعبية السعودية لإغاثة الشعب الفلسطيني في القطاع (واس)

وصول قافلة مساعدات إنسانية سعودية إلى قطاع غزة

وصلت إلى قطاع غزة، الأحد، قافلة مساعدات إنسانية جديدة مقدّمة من مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، تحمل على متنها سلالاً غذائية.

«الشرق الأوسط» (قطاع غزة)
المشرق العربي جثامين ضحايا قصف إسرائيلي على مخيم جباليا (أرشيفية - أ.ب)

إسرائيل تستقبل 26 سفيراً في الأمم المتحدة لتبييض صورتها

حملة تأثير إسرائيلية بأميركا تزعم أن «الهوية الفلسطينية مناقضة للمسيحية» بغرض تجنيد اليمين المتطرف والجماعات الإنجيلية في الولايات المتحدة.

نظير مجلي (تل أبيب)
المشرق العربي صورة أرشيفية لدبابات ومركبات عسكرية إسرائيلية على الحدود مع غزة (رويترز)

خطط الجيش الإسرائيلي جاهزة لاحتلال قطاع غزة مجدداً

الجيش الإسرائيلي وضع الخطط لإعادة احتلال القطاع والمستوى السياسي ناقشها إذا لم تسلم «حماس» سلاحها.

كفاح زبون (رام الله)
شؤون إقليمية وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش (د.ب.أ)

سموتريتش: الجيش سيحتل كل غزة إذا لم تسلم «حماس» سلاحها

قال وزير المالية الإسرائيلي اليميني المتطرف بتسلئيل سموتريتش الاثنين إن حركة المقاومة الإسلامية (حماس) قد تُمنح قريباً مهلة نهائية لإلقاء أسلحتها.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

مسار ترمب للتسوية... لا انتصار كاملاً لأي طرف

صورة للمحادثات بين أوكرانيا وروسيا بقيادة واشنطن في جنيف لإنهاء الحرب يوم 17 فبراير (رويترز)
صورة للمحادثات بين أوكرانيا وروسيا بقيادة واشنطن في جنيف لإنهاء الحرب يوم 17 فبراير (رويترز)
TT

مسار ترمب للتسوية... لا انتصار كاملاً لأي طرف

صورة للمحادثات بين أوكرانيا وروسيا بقيادة واشنطن في جنيف لإنهاء الحرب يوم 17 فبراير (رويترز)
صورة للمحادثات بين أوكرانيا وروسيا بقيادة واشنطن في جنيف لإنهاء الحرب يوم 17 فبراير (رويترز)

مع دخول الحرب عامها الخامس في 24 فبراير (شباط) تبدو فرص التوصل إلى تسوية سياسية أكبر من أي وقت مضى، رغم أن المواقف بين الأطراف ما زالت متباعدة، كما أظهرت جولتا التفاوض الأخيرتين في جنيف بوساطة أميركية.

فلاديمير بوتين يستقبل المبعوث الرئاسي الأميركي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب يوم 22 يناير 2026 (إ.ب.أ)

لكن الأسئلة الكثيرة الصعبة التي تُطرح في المدن الروسية والأوكرانية بعد مرور أربع سنوات على اندلاع أسوأ مواجهة شاملة عمقت شرخاً تاريخياً بين الشعبين الشقيقين، لا تدور فقط حول موعد إعلان انتهاء الحرب، بل تمتد إلى شروط السلام المنشود وتعقيداته، وضماناته الهشة التي تهدد بانفجار جديد عند كل منعطف.

ترمب برفقة قادة أوروبيين لبحث حرب أوكرانيا في البيت الأبيض يوم 18 أغسطس 2025 (رويترز)

لا شك أن إطلاق المبادرة الأميركية للتسوية قبل أشهر، وفَّر مناخاً عملياً للبحث عن تسوية مقبولة للمرة الأولى منذ اندلاع الصراع. ومع أن مضامين تلك المبادرة ظلت غامضة وقابلة لتفسيرات متضاربة، كما تغيَّرت معالمها أكثر من مرة خلال جولات المفاوضات المكوكية لواشنطن مع كييف وموسكو والعواصم الأوروبية، لكنها في المجمل كما يقول خبراء روس نجحت في وضع مسار التسوية السياسية على مسار عملي قابل للتنفيذ.

رجال الإطفاء داخل مجمع تابع لشركة خاصة تضرر جراء غارات جوية روسية بطائرات مسيّرة خلال الليل في خضم الهجوم الروسي على أوكرانيا بمنطقة أوديسا (رويترز)

خلافاً لكل الأفكار والمبادرات التي طُرحت في السابق، من جانب أطراف إقليمية مختلفة، ولم يشكل أي منها أساساً مُرْضياً لإطلاق عملية سياسية جدية. في المقابل فإن النقاشات حول الأفكار الأميركية المطروحة بدأت تتخذ طابعاً تفصيلياً وعملياً خصوصاً خلال الجولات الأخيرة في أبوظبي وجنيف.

زيلينسكي خلال مشاركته في أعمال مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير (أ.ف.ب)

والأهم في مبادرة الرئيس دونالد ترمب، التي قام مساعدوه بإنضاجها تدريجياً، لا يكمن في نصوصها التي تبدلت وتغيرت كثيراً، بل في عنصرين أساسيين حملتهما كما يقول خبراء روس:

الأول تمثل في رفع العصا قبل الجزرة، أي التلويح مباشرةً بآليات الضغط الأقصى لإلزام كل الأطراف بالتعامل مع خطته، والآخر أنها بلورت للمرة الأولى قناعة كاملة بأنه لا يمكن لأي طرف تسجيل انتصار كامل في هذه الحرب.

سيارة تحترق في أوديسا (رويترز)

وقد أسهم في ذلك، أن الضغوط الأميركية على الأطراف جاءت في توقيت تعاظمت فيه تجليات الحرب وانعكاساتها على الأطراف المختلفة. أوكرانيا المنهكة عسكرياً واقتصادياً التي خسرت خُمس أراضيها وما زالت تقاتل للدفاع عمّا تبقى منها، وجدت فرصة لوقف الحرب بعدما فشلت كل جهودها السابقة لطلب هدنات مؤقتة.

جنديان أوكرانيان في إقليم دونيتسك يتحكمان بمسيَّرة أُطلقت باتجاه المواقع الروسية في يوليو 2023 (أ.ف.ب)

وروسيا التي حققت إنجازات مهمة على الأرض خلال أربع سنوات، باتت تدرك جيداً أن عليها ترجمة انتصارات الميدان إلى واقع سياسي، ومحاولة إنهاء سنوات العزلة واقتصاد الحرب والعقوبات الصارمة.

للتذكير، عشية الذكرى السنوية الرابعة للغزو الشامل، انخفضت عائدات صادرات النفط والغاز الروسية إلى أدنى مستوى لها في السنوات الأخيرة، يعود هذا التراجع إلى العقوبات الأميركية والأوروبية الجديدة، والضغط على «الأسطول الخفي»، وانخفاض مشتريات بعض الدول من النفط الروسي.

مسؤولة الشؤون الخارجية بالاتحاد الأوروبي كايا كالاس خلال حديث للصحافيين في بروكسل قبيل اجتماع وزراء خارجية التكتل (أ.ب)

ومثالاً، في يناير (كانون الثاني) انخفضت الإيرادات الضريبية من قطاع النفط والغاز الروسي إلى 393 مليار روبل، وهو أدنى مستوى لها منذ بدء الصراع. ويُجبر هذا الانخفاض في الإيرادات الكرملين على رفع الضرائب وزيادة الاقتراض المحلي، مما يُفاقم الوضع الاقتصادي العسكري الروسي.

أما أوروبا التي حُرمت من مصادر الطاقة الروسية الرخيصة، وباتت تخصص موازنات أكبر للأمن والدفاع، وتميل إلى العسكرة للمرة الأولى منذ عقود، فهي تواجه أسوأ انقسام في الأولويات داخلياً، ومع حليفها الأميركي الأكبر. مع انكشاف أمني خطير لم تكن تجلياته الوحيدة أن تخترق عشرات المسيَّرات «مجهولة الهوية» حدود بعض بلدانها وتتجول قرب مطارات عواصمها، بينما يقف حلف الأطلسي مكتوف الأيدي.

أما العنصر المتعلق بإنهاء وهم تحقيق الانتصار الكامل لأي طرف فقد بات مطروحاً ضمن السيناريوهات الواقعية لإنهاء الصراع.

وحتى موسكو التي تؤكد عند كل منعطف أنها لن تتراجع عن تحقيق كل أهدافها المطروحة منذ اندلاع المواجهة، تبدو مقتنعة حالياً بحتمية تقديم تنازلات محددة عند الوصول إلى الصياغة النهائية للتسوية المحتملة، بينها تنازلات تتعلق بالأراضي، ما عدا منطقتي شبه جزيرة القرم ودونباس (دونيتسك ولوغانسك) ومنها تنازلات أخرى لم تتضح معالمها بعد في إطار المفاوضات الجارية، مثل احتمال الحديث عن إحلال قوات للسلام في مرحلة لاحقة، وعن دور أميركي أوسع في مراقبة وربما حماية المحطات النووية في أوكرانيا.

لكن الأهم في إطار التنازلات المحتملة يكمن، كما يقول خبراء غربيون وأوكرانيون، في استحالة اعتبار أي سيناريو سلام هزيمة نهائية لأوكرانيا.

المقصود هنا أن التنازل عن اجزاء من الأراضي لا يمكن التعامل معه على أنه هزيمة لأن الهدف الروسي النهائي وفقاً للخبراء كان يكمن في تقويض وجود الدولة الأوكرانية أساساً، وتقسيمها بشكل كامل وإلحاق الجزء الأعظم منها بروسيا وتحويل المقاطعات الأخرى إلى إقطاعيات متناحرة.

هؤلاء يرون أن النجاح في المحافظة على دولة أوكرانية تكون لاحقاً جزءاً من الاتحاد الأوروبي وشريكاً مقرباً للناتو وليس عضواً في الحلف، له أهمية خاصة في عدم تمكين موسكو من تحقيق انتصار واضح في هذا الشأن.

وهذا الموضوع تحديداً يفسر الإصرار الأوروبي على حصول أوكرانيا على ضمانات أمنية كافية وطويلة الأمد.

سكرتير مجلس الأمن القومي والدفاع الأوكراني رستم عمروف (أ.ف.ب)

سيناريوهات أوكرانية

اللافت أنه رغم التعقيدات الكبرى التي تعيشها أوكرانيا وهي تخوض مفاوضات حاسمة قد تحدد مصيرها المستقبلي، أظهرت استطلاعات حديثة للرأي أن الجزء الأكبر من الأوكرانيين (نحو 60 في المائة) ما زالوا مستعدين لتحمل تبعات الحرب المكلفة في مقابل عدم التنازل بشكل رسمي ونهائي عن أراضٍ لروسيا.

يعكس هذا المزاج الشعبي واحدة من الصعوبات الرئيسية التي تعترض حالياً طريق السلام. خصوصاً مع الإصرار الروسي على أن فكرة التنازل عن الأراضي يجب أن تكون موثقة في أي اتفاقية مقبلة.

عموما، ما زال بعض السياسيين الأوكرانيين يجادل في إمكانية تحقيق انتصار في هذه الحرب، ونشرت منصة «أوكرانيا اليوم» أن بين السيناريوهات: «استعادة جميع الأراضي، بما فيها شبه جزيرة القرم ودونباس. قد يتحقق هذا بفضل زيادة المساعدات الغربية، والمشكلات الداخلية في روسيا، والهجمات المضادة الناجحة للقوات المسلحة الأوكرانية.

كبير المفاوضين الروس فلاديمير ميدينسكي يغادر فندق إنتركونتيننتال في جنيف (أ.ف.ب)

هذا السيناريو ممكن إذا أدت العقوبات إلى انهيار اقتصادي في روسيا، كما حدث لألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية».

سيناريو آخر تم التطرق إليه، هو الصراع المُجمّد، حيث تتوقف الأعمال العدائية دون سلام رسمي، كما في حالتي أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية. هنا، يصبح خط الجبهة «ستاراً حديدياً» جديداً، مع انتهاكات دورية. قد يناسب هذا روسيا لحفظ ماء وجهها، لكنه يعني لأوكرانيا تهديداً دائماً. هذه النهاية ممكنة بسبب الإرهاق من الحرب لدى كلا الجانبين.

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين خلال «قمة ألاسكا» يوم 15 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)

الخيار الثالث هو مفاوضات مع تنازلات، حيث تتنازل أوكرانيا عن بعض الأراضي مقابل ضمانات أمنية، على غرار اتفاقيات مينسك، ولكن بآليات رقابية أقوى.

لا يمكن تجاهل أسوأ السيناريوهات: استمرار حرب الاستنزاف طويلة الأمد، التي تُنهك كلا الجانبين. يتوقع الخبراء أنه من دون تغييرات جذرية، مثل تغيير السلطة في روسيا أو تعبئة جماهيرية في أوكرانيا، قد يستمر الصراع حتى نهاية العام على الأقل.

لا تُغطي هذه السيناريوهات جميع الاحتمالات، لكنها تُبيّن مدى صعوبة التنبؤ بكيفية انتهاء الحرب. كل سيناريو منها يُؤثر على ملايين الأرواح، مُحوّلاً التوقعات المجردة إلى مصائر واقعية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


رئيسة متحف اللوفر تقدم استقالتها بعد أشهر على عملية السرقة

لورانس دي كار رئيسة متحف اللوفر (أ.ف.ب)
لورانس دي كار رئيسة متحف اللوفر (أ.ف.ب)
TT

رئيسة متحف اللوفر تقدم استقالتها بعد أشهر على عملية السرقة

لورانس دي كار رئيسة متحف اللوفر (أ.ف.ب)
لورانس دي كار رئيسة متحف اللوفر (أ.ف.ب)

أعلن قصر الإليزيه، الثلاثاء، أن لورانس دي كار رئيسة متحف اللوفر الشهير في باريس قدمت استقالتها الى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي قبلها، وذلك بعد أربعة اشهر من عملية سطو كبيرة تعرض لها المتحف الأكثر استقطابا للزوار في العالم.

وأشاد ماكرون، بحسب الرئاسة الفرنسية، «بخطوة مسؤولة في وقت يحتاج اكبر متحف في العالم الى الهدوء، والى اندفاعة قوية جديدة لإنجاز ورش كبرى (فيه بهدف) تأمينه وتطويره».

ووجه ماكرون الشكر لدي كار على «عملها والتزامها خلال السنوات الماضية، وبالاستناد إلى خبرتها العلمية التي لا جدال فيها، أعرب عن رغبته في تكليفها بمهمة في إطار الرئاسة الفرنسية لمجموعة الدول السبع، تتعلّق بالتعاون بين كبرى متاحف الدول المعنية»، بحسب ما أفاد قصر الإليزيه.

تأتي الاستقالة بعد أيام قليلة من اعتبار رئيس لجنة التحقيق في أمن المتاحف أنّ متحف اللوفر أصبح «دولة داخل الدولة». وفي عرض لحصيلة مرحلية لأعمال اللجنة بعد نحو 70 جلسة استماع، وجّه النائب عن حزب الجمهوريين ألكسندر بورتييه، ومقرّر اللجنة ألكسيس كوربيير (عن حزب «فرنسا الأبية» سابقاً)، انتقادات لاذعة إلى إدارة المتحف الذي يعيش حالة اضطراب منذ سرقة جواهر التاج الفرنسي.

وقال بورتييه في مؤتمر صحافي إنّ «سرقة اللوفر ليست حادثاً عرضياً، بل تكشف إخفاقات منهجية داخل المتحف» و«إنكارٍ للأخطار»، مؤكداً أنّ «إدارة اللوفر تعاني اليوم خللاً واضحاً».


مجلس العموم البريطاني يوافق على كشف وثائق تتعلق بتعيين أندرو مبعوثاً تجارياً

الأمير السابق أندرو إلى جانب السياسي البريطاني المخضرم بيتر ماندلسون الذي تورَّط في قضية إبستين (أ.ب)
الأمير السابق أندرو إلى جانب السياسي البريطاني المخضرم بيتر ماندلسون الذي تورَّط في قضية إبستين (أ.ب)
TT

مجلس العموم البريطاني يوافق على كشف وثائق تتعلق بتعيين أندرو مبعوثاً تجارياً

الأمير السابق أندرو إلى جانب السياسي البريطاني المخضرم بيتر ماندلسون الذي تورَّط في قضية إبستين (أ.ب)
الأمير السابق أندرو إلى جانب السياسي البريطاني المخضرم بيتر ماندلسون الذي تورَّط في قضية إبستين (أ.ب)

وافق مجلس العموم البريطاني على كشف وثائق تتعلق بتعيين الأمير السابق أندرو مبعوثاً تجارياً.

وتمت الموافقة على القرار عبر التصويت الصوتي، ولم يتضح متى ستُكشف الوثائق، علماً أنه تم توقيف الأمير السابق الأسبوع الماضي للاشتباه في ارتكابه سوء سلوك أثناء شغل منصب عام. وقد أطلق بعد استجوابه لساعات.

وأوضحت الحكومة البريطانية أنها لا تريد التدخل في التحقيق الذي سيضيء أكثر على علاقة أندرو بالمتمول الأميركي الراحل جيفري إبستين الذي مات منتحرا في زنزانته عام 2019 بعد فتح صفحات ملف فضائحه الجنسية.

وصرح إد دافي، زعيم حزب الديمقراطيين الليبراليين المعارض والنائب الذي تقدم بالاقتراح، بأن وقت الشفافية قد حان.