فيلم تسجيلي يوثق تطور فنون النسيج في مصر

«مدرسة أبدية» يعرض لأول مرة في القاهرة بعد النمسا

معمار مدرس الحرانية في تكوين فني (مخرجة الفيلم)
معمار مدرس الحرانية في تكوين فني (مخرجة الفيلم)
TT

فيلم تسجيلي يوثق تطور فنون النسيج في مصر

معمار مدرس الحرانية في تكوين فني (مخرجة الفيلم)
معمار مدرس الحرانية في تكوين فني (مخرجة الفيلم)

في لقطة عفوية، صعد الفنانون الفطريون من نساجي مدرسة «رمسيس ويصا واصف» على خشبة المسرح الصغير بدار الأوبرا المصرية، مساء الأربعاء، وسط عاصفة من تحية الجمهور بعد انتهاء عرض فيلم «مدرسة أبدية» الذي ظهر فيه هؤلاء الفنانون من أبناء تلك المدرسة التراثية الشهيرة، وهم يسردون حكاياتهم مع تعلم فن النسيج من الطفولة، وحتى مشاركتهم في معارض حول العالم بقطعهم النسجية الفريدة.

ونظمت دار الأوبرا في مصر العرض الأول من فيلم «مدرسة أبدية»، من إنتاج مؤسسة «وود» WOD بمدينة سالزبورغ بالنمسا، ويدور في قالب تسجيلي حول قصة تطوّر مركز الفنون الذي أسسه الفنان والمعماري المصري الراحل رمسيس ويصا واصف (1911 - 1974) في أربعينات القرن الماضي، ليكون نواة لفنون النسيج اليدوي الذي يعتمد على أسلوب النسج الفطري دون تصاميم أو رسومات مسبقة، واستطاع أن يصل بإنتاجاته إلى العالمية.

نساجو مدرسة ويصا واصف مع مخرجة الفيلم على مسرح الأوبرا (الشرق الأوسط)

ويتتبع الفيلم قصة جيلين من النساجین في المركز الكائن بقرية الحرانیة بمحافظة الجيزة المصرية (غرب القاهرة)، ويستكشف العلاقة بین هذين الجيلين، وتطوّر منظور النسج وتقنياته وفنونه على مدار الجيلين، ويتناوب أفراد من نساجي الجيلين الظهور وهم يبحرون في ذاكرتهم الشخصية مع التعليم المبكر الذي تلقوه في المركز، وبحثهم عن إلهام لقصصهم التي يروونها على النسيج، بما في ذلك مفردات البيئة المحلية من طبيعة وطقوس ريفية.

وتتقاطع قصص الأبطال من أجيال الفنانين مع لقاءات مع مؤسسي المدرسة بداية من السيدة صوفي حبيب جورجي ويصا زوجة الفنان رمسيس ويصا واصف وشريكته في تأسيس المركز، وابنتهما سوزان، وزوجها المهندس إكرام منير نصحي، مدير مركز رمسيس ويصا واصف للفنون.

وتتحدث مخرجة الفيلم المصرية نانسي كمال عن شغفها الشخصي وأسئلتها التي أرادت بها رواية قصة مركز ويصا واصف، وتقول: «أردت أن يكون الفيلم احتفالاً بحرفتھم الفریدة في النسج، كما كنت مھتمة باستكشاف العلاقة بین جيلين من النسجاين، وكیف تتشابك حیاتھما»، وتضيف في حديثها مع «الشرق الأوسط» أن «عنوان الفيلم تم الاستقرار عليه بعد عدة نقاشات مطولة، في ربط بين فكرة الأبدية والاستمرارية التي تستطيع الأفكار الملهمة أن تقودها، ولا تموت بموت أصحابها، حيث استمرت المدرسة في تخريج أجيال من النساجين بعد وفاة مؤسسها المهندس رمسيس ويصا واصف، الذي قامت من بعده ابنته سوزان ويصا بالاستمرار وتجهيز جيل ثانِ من النساجين منذ سنهم المبكرة، وكيفية احتضان عفويتهم بحرص حتى لا يكونوا تقليداً للجيل الأول من النساجين».

من تفاصيل نسج الطيور كما يظهر في أحد المشاهد (مخرجة الفيلم)

ورغم الطابع التسجيلي للفيلم، فإن المخرجة نانسي كمال قامت بتوظيف موتيفات من مدرسة النسيج لتقديم حالة سردية خاصة للفيلم، مثل خيوط الصوف التي تظهر في تكوينات تجريدية مختلفة تُحاكي تطور الفن الذي احتضنته تلك المدرسة، وتقول: «حاولت تقديم مرجعية ذاتية للتعبير عن علاقتي كفنانة، مثل العديد من الفنانين الذين يواجهون علاقة معقدة بالمدينة، من خلال مشاهد ظهرت فيها بشكل غير مباشر ممسكة بخيوط صوف معقدة، ثم سرعان ما تبدأ تلك الخيوط في أن تملأ الكادرات بالمنسوجات الجميلة والباهرة، تماماً مثلما يمكن أن يقود المكان الصحيح المُحتضن للفنون التعبيرية للإبداع، ومدرسة ويصا واصف نموذج لذلك».

سوزان رمسيس ويصا واصف في مشهد من مدرسة أبدية (مخرجة الفيلم)

ويبدو الطراز المعماري الذي أسس به رمسيس واصف مركز فنون الحرانية بقبابه وممراته التراثية، عنصر إلهام رئيسياً ظهر في تكوينات وكادرات مدير تصوير الفيلم، نبيل سمير، وتقول نانسي كمال: «من أكبر عوامل الرهبة في تصوير الفيلم هو أن هذا المكان قام بالتصوير فيه قامات مثل المخرج عبد القادر التلمساني الذي قدم عنه فيلم (دار الفن) عام 1973، وكذلك المخرج الراحل شادي عبد السلام الذي ظهرت مدرسة ويصا واصف بالحرانية في فيلمه (آفاق)».

وتظهر في الفيلم مشاهد لعازفة آلة «الهارب» سلمى صابر، في عزف يتقاطع مع كادرات لأيدي الفنانين وهم يقومون بالنسج اليدوي على الأنوال، في لقطات جمالية تربط بين الفنون السمعية واليدوية بأصولها المصرية القديمة، وتسعى لإبراز البعد الإيقاعي لفن النسيج اليدوي، ضمن خطة الفيلم لربط خيوط درامية مع الخط التسجيلي للفيلم.

وفي الندوة التي تبعت عرض الفيلم، تحدث مدير مركز ويصا واصف، المهندس إكرام منير نصحي، عن أن أبرز ما يميز تجربة المركز عبر سنوات هو «احترام حياة النساج والفن الفطري الذي لا يمكن تقليده، وحرية الفنان في اختيار التصميمات التي يريد التعبير عنها، وهو في صميم الإبداع ما لا يمكن أن تنافسه أجهزة الذكاء الاصطناعي».

معمار مدرس الحرانية في تكوين فني (مخرجة الفيلم)

وأضاف: «محور هذه التجربة هو حرية الإنسان في الإبداع، وأن الفن جزء من الحياة اليومية، فقد وضع رمسيس ويصا واصف كل إمكانات تعليم الأطفال الذين صاروا نساجين مهرة على مدار سنوات طويلة، وعندما فوجئ بحجم الإقبال على شراء منتجاتهم في أول معرض دولي يشارك فيه عام 1958، وضع أرباح هذا المعرض في توسيع المركز وتعليم جيل جديد من الأطفال».

وهو ما عبرت عنه سوزان ويصا واصف بـ«اللغة الشخصية» لكل نسّاج، وقالت في الندوة التي تبعت الفيلم بمسرح دار الأوبرا: «كانت هناك محاولات في السبعينات لتقليد أعمالنا، لكن الاختلاف أنهم اهتموا بالمادة، وليس شخصية النسّاج».


مقالات ذات صلة

«صراط»... ما بعد الصدمة الأولى

يوميات الشرق الطريق يعرف أكثر منهم (متروبوليس)

«صراط»... ما بعد الصدمة الأولى

العالم الذي يرسمه المخرج لا يعرف التدرُّج ولا يلتزم إيقاعاً يمكن الوثوق به.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق الملصق الترويجي للفيلم (الشركة المنتجة)

«فتيات الجمباز في مستعمرة الصيادين»... حكاية أمل من أحياء كراتشي المهمشة

عُرض فيلم «فتيات الجمباز» في مستعمرة الصيادين للمرة الأولى عالمياً ضمن فعاليات مهرجان «تريبيكا السينمائي».

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق في فيلمها الجديد تخوض جنيفر لوبيز علاقة شائكة مع أحد موظّفيها (نتفليكس)

فيلم Office Romance... هبوط غير اضطراري لجنيفر لوبيز

Office Romance على «نتفليكس»، والذي يصنّف نفسه كوميديا رومانسيّة، يسجّل صفر أهداف في شباك كلٍ من الكوميديا، والرومانسية، وأسباب ذلك كثيرة.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق يوسف شاهين واحتفالات بمئوية ميلاده (المركز القومي للسينما بمصر)

«100 كلمة حب»... تسجيلي يستعيد تأثير يوسف شاهين في السينما المصرية

ضمن الاحتفاء بمئوية ميلاد المخرج المصري يوسف شاهين، أعلن المركز القومي للسينما عن إنتاج الفيلم التسجيلي الجديد «100 كلمة حب... على إيقاع شاهين».

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق من الملصق الترويجي لفيلم «عائشة لا تستطيع الطيران» (حساب المخرج على فيسبوك)

مراد مصطفى: «شُبهة التمويل الأجنبي» تطارد «الأفلام المستقلة» في مصر

قال المخرج المصري مراد مصطفى إن ظروف صناعة السينما لا تشجع على عرض فيلم «عائشة لا تستطيع الطيران» تجارياً في مصر، حتى بعد حصوله على العديد من الجوائز.

انتصار دردير (القاهرة )

4 خطوات تصنع تفوق اللاعبين في المراوغة بالكرة

ركز الباحثون في دراستهم على المراوغة الخادعة بالمقص (أنسبيلاش)
ركز الباحثون في دراستهم على المراوغة الخادعة بالمقص (أنسبيلاش)
TT

4 خطوات تصنع تفوق اللاعبين في المراوغة بالكرة

ركز الباحثون في دراستهم على المراوغة الخادعة بالمقص (أنسبيلاش)
ركز الباحثون في دراستهم على المراوغة الخادعة بالمقص (أنسبيلاش)

درس باحثون بجامعة تسوكوبا اليابانية قدرة لاعبي كرة القدم المهرة على التفوق في المراوغة الخادعة للمنافسين، لتوضيح كيفية اختراقهم للضغط الدفاعي بنجاح في المواجهات الفردية.

وأظهرت نتائجهم أن المراوغة الفعالة لا تقتصر على السرعة فحسب، بل هي مهارة معقدة تجري وفق نسق خاص يتضمن تنظيماً متكاملاً للمسافة بين اللاعبين، والسرعة النسبية بين المهاجم والمدافع، والتسارع اللحظي بالكرة استجابةً لرد فعل المدافعين وتحركاتهم.

وأفاد الباحثون في بيان نشر، الثلاثاء، على موقع «ميديكال إكسبريس»، بأنه في كرة القدم، تتجاوز المراوغة مجرد التحكم بالكرة؛ فهي سلوك ديناميكي يتشكل لحظياً وبشكل مستمر بين المهاجم والمدافع، لا سيما من خلال تعديلات تتم على مستويات سرعة الحركة والمسافة المكانية والتوقيت.

وأوضحوا أنه على الرغم من أهميتها التكتيكية، اعتمدت الأبحاث السابقة حول المراوغة على تصميمات تجريبية مضبوطة باستخدام عوائق ثابتة مثل الأقماع. ونتيجة لذلك، لا تزال خصائص الحركة التي تظهر في المواجهات الفردية الواقعية بين اللاعبين على أرض الملعب غير مفهومة بشكل كافٍ. لمعالجة هذا القصور، ركز الباحثون على «المراوغة الخادعة بالمقص»، وهي مناورة مراوغة شائعة الاستخدام في كرة القدم.

وشملت الدراسة لاعبين من مستوى الجامعة وطلاب المرحلة الإعدادية بمستويات مهارة متفاوتة، حيث قاموا جميعاً بتنفيذ حركة التمويه أمام مدافع حقيقي. ووفق الباحثين فقد جرى تسجيل الحركات باستخدام كاميرات عالية السرعة، مما أتاح تحليلاً دقيقاً للميكانيكا الحيوية التى تتم على أرض الواقع.

وتضمنت المتغيرات الرئيسية في الدراسة سرعة مركز كتلة الجسم، وحركة المفاصل، والمسافة الفاصلة بين اللاعبين، والتغيرات في السرعة النسبية بين المهاجم والمدافع.

وكشف التحليل، المنشور في مجلة «تايكوغاكو كينكيو»، وهي المجلة اليابانية للتربية البدنية والصحة وعلوم الرياضة، عن خصائص حركية مميزة لدى اللاعبين ذوي المهارات العالية، الذين يُعرَّفون بأنهم رياضيون جامعيون ذوو خبرات ميدانية متقدمة.

وبالمقارنة مع اللاعبين الأقل مهارة، أظهر المراوغون المهرة الخصائص الأربع التالية:

-التنظيم الفعال للمسافة: حيث قللوا المسافة إلى المدافع عمداً مع الحفاظ على سرعة عالية للجسم.

-التعديل الاستراتيجي للسرعة النسبية: حيث قللوا في البداية فارق السرعة مع المدافع، ثم زادوا السرعة بشكل مفاجئ في لحظات حاسمة.

-التحكم الفعال في المسافة: مع التنفيذ الفعّال للمراوغة ـ تميّزت حركاتهم الجانبية برفع طفيف للقدم وميل واضح للجذع، مما أتاح لهم القيام بحركات أسرع وأكثر خداعاً ومراوغة.

-وأخيراً، آليات التسارع الانفجاري: يتولّد التسارع الانفجاري من خلال ثني الركبة بشكل منسق، يليه مدّ قوي للركبة مع الساق الداعمة.

وكما أفاد الباحثون تشير هذه النتائج مجتمعةً إلى أن المراوغة الماهرة لا تقتصر على السرعة فحسب؛ بل هي مهارة حركية متطورة يُعدّل فيها اللاعبون باستمرار علاقتهم بالمدافعين من خلال دمج عوامل المسافة والسرعة النسبية والتسارع اللحظي المفاجئ.


«الفنان الملتزم» عبد العزيز مخيون يرحل بعد أدوار أيقونية

الفنان عبد العزيز مخيون (وزارة الثقافة المصرية)
الفنان عبد العزيز مخيون (وزارة الثقافة المصرية)
TT

«الفنان الملتزم» عبد العزيز مخيون يرحل بعد أدوار أيقونية

الفنان عبد العزيز مخيون (وزارة الثقافة المصرية)
الفنان عبد العزيز مخيون (وزارة الثقافة المصرية)

ودّعت مصر الفنان الكبير عبد العزيز مخيون بعد مسيرة فنية تجاوزت نصف قرن ترك خلالها بصمات بأدواره الأيقونية في المسرح والسينما والتلفزيون، وبرع في تقديم الأدوار المركبة التي تتطلب أداء تمثيلياً عميقاً، والذي عرف بالتزامه في العمل وبالأدوار التي تضيف لمشواره، كما ذكر في أحد حواراته السابقة.

ورحل مخيون عن 80 عاماً إثر أزمة صحية تعرض لها على مدى الشهور الماضية، وتضاعفت معاناته في الأيام الأخيرة قبيل وفاته، حيث عانى من التهاب رئوي وضيق في التنفس بعد فترة من تناوله علاجاً إشعاعياً. ونعاه نقيب المهن التمثيلية الدكتور أشرف زكي، وكتب عبر حسابه على «إنستغرام»: «وداعاً أيها الرجل العظيم»، حيث جرى تشييع جثمانه عصر الأربعاء بقريته في محافظة البحيرة (شمال مصر) والتي انتقل للإقامة بها منذ سنوات.

ونعت الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة المصرية، الفنان الراحل الذي تُوفي بعد مسيرة فنية وإبداعية استثنائية، أثرى خلالها الحياة الثقافية والفنية المصرية والعربية بعشرات الأعمال المتميزة التي رسَّخت مكانته كأحد رموز الإبداع المصري، مؤكدة أنه مَثّل تجربة فنية متفردة جمع فيها بين الموهبة الأصيلة والثقافة العميقة والوعي بقضايا المجتمع، وقد امتلك فلسفة خاصة في الأداء وفي اختيار أدواره جعلت من أعماله انعكاساً صادقاً لقضايا الإنسان المصري وتطلعاته.

وكان آخر ظهور فني للفنان عبد العزيز مخيون في رمضان الماضي من خلال مسلسليَ «إفراج» أمام عمرو سعد، و«سوا سوا» أمام أحمد مالك، والمفارقة أن آخر ما صوره كان مشهد وفاته ضمن أحداث المسلسل الثاني.

وقد ظل مخيون حريصاً على الوجود حتى بأدوار صغيرة لا تليق بتاريخه، وكان له وجهة نظر في ذلك أكدها في حوار سابق مع «الشرق الأوسط»؛ إذ اعترف أنه بات يقبل أدواراً أقل من موهبته وخبراته بوصفه ممثلاً حتى لا يبتعد عن التمثيل، وأنه يتكيف مع كل عمل يؤديه في المساحة التي تُتاح له؛ لأن الأضرار النفسية المترتبة على الابتعاد كبيرة على أي ممثل، مؤكداً أن منظومة الإنتاج خاطئة، وأن السينما العالمية تعمل على الاستفادة من النجوم الكبار.

عبد العزيز مخيون المولود في 25 فبراير (شباط) 1946 تخرج في معهد الفنون المسرحية، كما درس الموسيقى وحصل على منحة لدراسة المسرح في فرنسا ليعود ويؤسس فرقة «مسرح الفلاحين»، حيث قدم من خلاله عشرات المسرحيات التي أخرجها، كما انضم في وقت لاحق ممثلاً بفرقة مسرح التلفزيون، ومسرح الطليعة، حيث شارك في بطولة عدد من المسرحيات من بينها «مريض الوهم» و«الناس اللي في التالت»، و«ماراصاد»، و«وا قدساه».

وشارك مخيون في بطولة أفلام سينمائية مهمة على غرار «إسكندرية ليه» و«حدوتة مصرية» ليوسف شاهين، و«الهروب» لعاطف الطيب، وقد تم اختيار الأفلام الثلاثة ضمن قائمة أفضل مائة فيلم مصري، وحاز جوائز عدة عن أدواره بها.

عبد العزيز مخيون قدَّم أدواراً أيقونية في السينما والتلفزيون والمسرح (وزارة الثقافة المصرية)

ويلفت الناقد أحمد سعد الدين إلى أن الفنان الراحل كان صاحب بصمة خاصة في أدواره، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «رغم أنه لم يتصدر البطولة السينمائية المطلقة لكنه في ذلك مثله مثل الفنانين الكبار محمود المليجي وزكي رستم وعادل أدهم الذين جعلوا من الأدوار الثانية أهمية تفوق أدوار البطولة».

وعدّه نموذجاً للفنان المثقف الذي ينتقي أدواره بذكاء منقطع النظير، مما جعل بعض أدواره علامات فنية، سواء في السينما أو التلفزيون، وبخصوص السينما يقول سعد الدين: «لا يمكن أن ننسى دوره في فيلم (بئر الخيانة) لعلي عبد الخالق الذي أدى فيه شخصية ضابط المخابرات الإسرائيلي فلا يمكن تصور ممثل آخر يؤدي الدور بتلك البراعة، وكذلك دوره في فيلم (الهروب) وشخصية (سالم ولد عبد الدايم) في دور صعب ومركب، وكذلك دوره المهم والمؤثر في فيلم (فارس المدينة) لمحمد خان».

وفي الدراما التلفزيونية، سجل الفنان عبد العزيز مخيون حضوره بأدوار أيقونية مثل شخصية «المناضل طه السماحي» في مسلسل «ليالي الحلمية»، وشخصية أحمد لطفي السيد في مسلسل «رجل لهذا الزمان».

وكان لتقارب الملامح بينه وبين الموسيقار محمد عبد الوهاب سبب في اختياره لأداء شخصية عبد الوهاب في 4 مسلسلات تنتمي لأعمال السيرة الذاتية. كما أشار سعد الدين إلى دوره في مسلسل «الجماعة» وأدائه اللافت لشخصية مرشد جماعة الإخوان المسلمين الذي استحق عليه جائزة أفضل ممثل في فئة الكبار.

ونعى مهرجان القاهرة السينمائي الفنان الراحل، وأعرب الفنان حسين فهمي، رئيس المهرجان، عن بالغ حزنه لرحيل هذا الفنان الاستثنائي، وقال: «فقدنا اليوم فناناً أصيلاً أعطى من روحه وموهبته على مدار خمسة عقود، وترك في وجدان المشاهدين أثراً عميقاً لا يمحى»، مؤكداً أن عبد العزيز مخيون كان فناناً من طراز رفيع، وسيظل اسمه راسخاً في تاريخ الفن المصري.


«وادي الفرع»... ذاكرة التاريخ والعيون الجارية التي لم تغادرها القوافل

المباني القديمة في محافظة وادي الفرع (الشرق الأوسط)
المباني القديمة في محافظة وادي الفرع (الشرق الأوسط)
TT

«وادي الفرع»... ذاكرة التاريخ والعيون الجارية التي لم تغادرها القوافل

المباني القديمة في محافظة وادي الفرع (الشرق الأوسط)
المباني القديمة في محافظة وادي الفرع (الشرق الأوسط)

قبل أن تُرسم الطرق الحديثة على خرائط الجزيرة العربية، وقبل أن تختصر السيارات المسافات بين المدن، كانت الأودية هي الممرات، وكانت العيون الجارية هي محطات الحياة، وكانت القوافل تقيس رحلاتها بمواقع الماء لا بعدد الكيلومترات.

وفي قلب هذه الحكاية الممتدة عبر القرون، تقف محافظة وادي الفرع، جنوب المدينة المنورة، بوصفها من أقدم الشواهد الحية على العلاقة التي نسجها الإنسان مع الأرض والماء والتاريخ، حيث تعاقبت الأجيال وبقي الوادي محتفظاً بذاكرة تجاوزت 1500عام، يرويها النخيل، وتحفظها القرى القديمة، وتؤكدها آثار المسافرين الذين مروا من هنا في طريقهم شمالاً وجنوباً.

يطل وادي الفرع اليوم على مرحلة جديدة من التحول التنموي في مسارته المختلفة (واس)

وتقع المحافظة على بُعد نحو 140 كيلومتراً جنوب المدينة المنورة، ويتخذ مركز الفقير مقراً لها على الطريق السريع الرابط بين المدينتين المقدستين، إلا أن تاريخها أقدم بكثير؛ فهذه البقعة التي عُرفت بخصوبة أرضها ووفرة مياهها، شكلت عبر أزمنة طويلة محطة رئيسية للقوافل والحجاج والتجار، وارتبط اسمها بالماء والنخيل والتمور، حتى غدت إحدى أشهر الواحات الزراعية في المنطقة بنحو 50 عيناً جارية تسقي آلاف النخيل، كما تضم المحافظة مساجد صلَّى فيها النبي (صلى الله عليه وسلم) ومنها مسجد «البرود»، ويسمى الآن «البريد»، (تصغيراً لكلمة «بريد»)، فيما يطلق عليه الآن عند أهل قرية المضيق اسم «مسجد النبي» و«مسجد البرود».

ويستعيد الدكتور عبد المحسن المقذلي، محافظ وادي الفرع السابق، في حديثة مع «الشرق الأوسط» ملامح تلك الحقبة، مؤكداً أن الوادي اشتهر عبر تاريخه الطويل بالنخيل والتمور، وأن ازدهاره ارتبط ارتباطاً مباشراً بوفرة المياه التي كانت تنبض في أرجائه. ويشير إلى أن عدد العيون الجارية في الوادي تجاوز 50 عيناً، مما حوَّل المكان إلى واحة خضراء يقصدها الناس من القرى والمناطق المجاورة.

يتمتع الوادي بكثرة ينابيعه وخصوبة أرضه (الشرق الأوسط)

ويبدو الحديث عن الماء في وادي الفرع حديثاً عن أصل الحكاية كلها؛ فالماء لم يكن مجرد مورد طبيعي، بل كان العنصر الذي صنع أهمية الوادي ومكانته، إذ يرى المقذلي أن هذه الوفرة في المياه شكَّلت القرى، ونمَّت الزراعة، واستقرت الحياة، ومنها استمد الوادي دوره بوصفه محطة رئيسية على طرق القوافل القادمة من بلاد الشام والمتجهة نحو الحجاز.

ومن بين تلك الطرق برز طريق القاح التاريخي الذي ارتبط اسمه بالوادي، وشكَّل أحد أهم المسارات البرية القديمة في المنطقة، ويشير المقذلي إلى وجود روايات تتحدث عن أجزاء من طرق حجرية مرصوفة ما زالت آثارها قائمة في بعض المواقع، وهي شواهد صامتة لكنها بليغة الدلالة على حجم الحركة التي شهدها المكان في عصور سابقة.

تشتهر المحافظة بزراعة النخيل وأنواع الحمضيات (واس)

ولم تقتصر أهمية الوادي على كونه ممراً للمسافرين، بل كان مركزاً اقتصادياً نشطاً، إذ تنتشر منافذ البيع التي يعود عمرها إلى أكثر من 150 عاماً وفقاً للمحافظ، الذي شدد على أن الدراسات الأثرية المتخصصة قد تكشف مستقبلاً عن مواقع وشواهد تاريخية ذات قيمة كبيرة، تضاهي في أهميتها المواقع المرتبطة بطريق الحج الشامي ومحطات الحجاج التاريخية المعروفة في المنطقة.

وفي ثنايا المحافظة تتناثر مواقع لا تزال تحتفظ بقدرتها على استحضار الماضي، ومنها وادي خضرة، الذي كان اسمه وادي «غبرة» والذي غيَّر اسمه النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) إلى اسمه الحالي المعروف به حالياً «وادي خضرة» وفقاً للمقذلي، الذي أشار إلى أنه لا تزال إحدى عيونه المائية تتدفق حتى اليوم.

وتحتفظ المحافظة بواحد من أهم معالمها التراثية، وهي السوق القديمة التي تقف شاهداً على حيوية الوادي، فعلى الرغم من مرور أكثر من قرن ونصف القرن على إنشائها لا تزال الدكاكين الحجرية قائمة، تروي قصة سوق كان يوماً القلب التجاري النابض للمنطقة بأكملها، وكان يرد إليها حسب المحافظ، من المحاني والأكحل والقرى المجاورة؛ لشراء التمور وتبادل السلع المختلفة، في مشهد يعكس حجم النشاط التجاري الذي عرفه الوادي في تلك الفترة.

المباني القديمة في محافظة وادي الفرع (الشرق الأوسط)

ولأن الماء كان أساس الزراعة والحياة، يرى المقذلي أن المحافظة ارتبطت بمنظومة دقيقة من التنظيم والإدارة من خلال آلية توزيع المياه بين المزارع والبساتين، إذ لم يكن بصورة عشوائية، بل وفق نظام متقن يقوم على تحديد حصص زمنية دقيقة لكل مزارع، ويتولى الإشراف عليها شخص مختص معروف لدى الأهالي. ويعكس هذا النظام مستوى متقدماً من التنظيم الاجتماعي الذي نشأ حول الموارد المائية، وأسهم في استدامة النشاط الزراعي لعقود طويلة.

وإلى جانب إرثه التاريخي والزراعي، يطل وادي الفرع اليوم على مرحلة جديدة من التحول التنموي في مسارته المختلفة، إذ تعيش المحافظة نقلة نوعية وتوسع، ويُرتقب أن تشهد المحافظة تدفقاً سياحياً مع الطريق الذي يربط الوادي بساحل البحر الأحمر عبر مستورة، كما أن المحافظة تشتهر بزراعة النخيل وأنواع الحمضيات مثل الليمون والبرتقال، وكذلك العنب وأنواع الخضراوات.

Your Premium trial has ended